منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية > قسم القرآن وعلومه
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


صراحة القرآن (3)




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع








صراحة القرآن (3)

تشبيه الكافرين بالدوابّ



ويصرِّحُ القرآنُ الكريمُ بأن الكافرينَ مثلُ الحيوانات، ولو كان بعضهم في مستوى علميٍّ (مرموق).


والنظرةُ إليهم هنا نظرةٌ عقدية، وليست من ناحيةٍ عمليةٍ أو موهبية، فقد أعطى الله تعالى مواهبَ للكافرينَ كما أعطاها للمؤمنين، ومنحهم قدرةً على العمل والتفنُّنِ فيه كما هو عند المؤمنين، بل قد يفوقونهم في هذا المجالِ إذا اكتشفوا موازين الطبيعة وما سخَّرَ الله لهم فيها والمسلمون راقدون!

يقولُ ربُّنا سبحانه: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [سورة الأعراف: 179].

أي: لقد خلقنا للنارِ وهيَّأنا لها كثيراً من الإنسِ والجِنّ، وهمُ المصرُّونَ على الكفرِ والضَّلال، الرافضونَ للحقِّ رغمَ وضوحِه، فلهم قلوبٌ لم يستعملوها لمعرفةِ الخيرِ والهُدَى، ولا ليَفقَهوا دلائلَ الإيمان. ولهم أعينٌ لم يستَعملوها لتبصُّرِ آياتِ اللهِ الكونية، ولا لمعرفةِ خالقِ الشَّواهدِ الحسِّية، ولهم آذانٌ لا يسمعونَ بها كلامَ اللهِ الحقّ، ولا مواعظَهُ وزواجِرَهُ في كتابهِ الكريم، الذي أنزلَهُ لهدايةِ عبادِه. فأولئكَ كالحيوانات، قد عطَّلوا ما وهبَهمُ اللهُ من الحواسِّ المـُدرِكة، ولم يستخدموها لوظائفها الحقيقيَّة، فصاروا كالحيواناتِ التي لا تَعقِل، بل هم أضلُّ منها، فهيَ تميِّزُ بين كثيرٍ من المضارِّ والمنافع، فلا تُقدِمُ عليها حتَّى لا تَهلِك، وهؤلاءِ الكفّارُ غفلوا عمّا يُصلِحُهم في الدُّنيا ويُخلِّصُهم من وعيدِ اللهِ وعقابهِ في الآخرة.

ويعجبُ المرءُ من بعضِ هؤلاءِ الذينَ أمضَوا عمرهم في المختبرات والمراكزِ العلمية، البحتةِ والتطبيقية، كيف أنهم يفسِّرونَ الظواهرَ الكونية وتكوينَ الأحياءِ والنباتاتِ كلها بما يصرفُ المرءَ عن خالقها جميعًا، بينما لو ذكرتَ لهم أنكَ رأيتَ أربعةَ أعواد وخشبةً دائريةً شكَّلتْ كرسيًا أو طاولةً بنفسها، لألصقوا بكَ تهمةَ الجنون! ألا يستحقونَ هم أن يوصَموا بأنهم مثلُ الدوابِّ ماداموا يرفضون إثباتَ خالقٍ للكون؟! ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنفال : 55].

صراحة الكافر

يُسألُ الكافرونَ يومَ القيامةِ وهم في جهنَّم: ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ﴾ أي: ما الذي أدخلَكم جهنَّم؟


فيكونُ جوابُهم صريحًا للغاية، إذ لا مصلحةَ لهم في الكذبِ والمواربةَ هنا: ﴿ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ﴾ [الآيات 42-47].

قالوا: لم نكنْ نُصلِّي للهِ الصَّلواتِ المفروضةَ علينا، ولم نكنْ نُعطي حقوقَ الفقراءِ لهم، ولا نُطعِمُ مسكينَهم، وكنَّا نتكلَّمُ في الباطل، وفيما لا يَعنِينا، وفيما لا نعلم، مع هؤلاءِ الذين لا يزالونَ يتكلَّمونَ صباحَ مساءَ في أفكارٍ ونظريَّاتٍ وأمورٍ شتَّى، ولا يُبالونَ فيها بحقٍّ ولا باطل، فنَميلُ معهم حيثُ مالُوا، ولا نُبالي.

وكنَّا نكذِّبُ بالبعثِ بعدَ الموت، والحسابِ والجزاء، حتَّى أتانا الموتُ الذي لا بدَّ منه.

مواقف مع أهل الكتاب

أهلُ الكتابِ إذا لم يُسلموا يصنَّفونَ على أنهم منحرفونَ ضالُّون، مشركونَ كافرون، ، وأنهم أعداءٌ لله ودينه، لأنهم يرفضونَ الحقّ، ويحاربونَ العقيدةَ الصحيحةَ التي يدعو الله الإنسانَ إليها، ولذلك فهم يُدعَونَ إلى الإسلام، ويُحارَبونَ إذا أبَوا، يقولُ الله تعالَى: ﴿ قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ [التوبة : 29].


أي: قاتلوا أيُّها المؤمنونَ أهلَ الكتابِ المنحرفينَ عن دينِ اللهِ -وكانَ ذلك تَمهيداً لغزوِ الرُّومِ وعمّالِهم من النَّصارَى العربِ- الذين لا يؤمنونَ باللهِ ولا بيومِ القِيامةِ إيمانًا صَحيحًا، فقد قالتِ اليهودُ عُزَيْرٌ ابنُ الله، وقالت النصارَى المسيحُ ابنُ الله، وهذا لا يكونُ إيماناً بالله، بل هو آراءٌ فاسِدةٌ وأهواءٌ زائغة.

ولا يحرِّمونَ ما حرَّم اللهُ ورسولهُ كما أوحَى اللهُ به، فأحلُّوا الرِّبا، وأكلوا أموالَ الناسِ بالباطل، وأحلُّوا لحمَ الخنزيرِ، والخَمر... ولا يتَّبعون الدِّينَ الثابتَ الذي أمرَ اللهُ به، وهو الإسلام، فهم لا يتعاملونَ بشريعةِ الله، بل يتلقَّونَ الأحكامَ من أحبارِهم ورهبانِهم.

فقاتلوهم، فهم حربٌ على دينِ اللهِ الصَّحيح. وهم ظالمونَ مُعتَدونَ حَقيقةً، فهم يَعتَدونَ على أُلوهيَّةِ اللهِ الخالقِ العظيم، وهم يَعتدونَ على عبادِ اللهِ بتعبيدِهم لغيرِ الله. والمعتَدي يُقاوَمُ ويُحارَب.

فقاتِلوهمْ حتَّى يُعلِنوا استِسلامَهم ويدفعوا الجزيةَ المستَحقَّةَ عليهم عن انقيادٍ وطاعةٍ وهم أذلَّةٌ مَقهورون، ومَن أسلمَ منهم عن اختيارٍ فلا تُؤخَذُ منهُ الجزية، بل صارَ كأيِّ مُسلِم، لهُ ما لَه، وعليهِ ما عليه. ثمَّ لا يُكْرَهُ أحدٌ على الإسلام، فمن شاءَ آمن، ومَن شاءَ بقيَ على دينهِ ودفعَ الجِزية، وهوَ مبلغٌ قليلٌ يُؤخَذُ منهم مقابلَ حمايتِهم.

وأمرُ الجهادِ مَوكولٌ إلى الإمامِ واجتهادِه، لأنَّهُ أعرَفُ بحالِ النَّاس، وبحالِ العدوِّ ونِكايَتِهم.

المنافقون طبقة خاصة

يصرِّحُ القرآنُ الكريمُ بأن المنافقينَ طبقةٌ خاصةٌ تعيشُ في المجتمعِ الإسلامي، لا ينتمونَ إلى المسلمين، ولا إلى الكافرين ﴿ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء ﴾ [سورة النساء : 143].


إنهم متحَيِّرونَ ومتأرجِحونَ بين الكُفرِ والإيمان، ومترَدِّدونَ بين الكافرينَ والمؤمنين، فلا هم منسوبونَ إلى المؤمنينَ حقيقةً لإضمارِهمُ الكُفر، ولا هم يُظهرونَ الكُفرَ ليُقالَ إنَّهم كفّار، بل ظاهِرُهم مع المؤمنينَ وباطنُهم مع الكافِرين.

ولا يُقبَلُ إيمانهم إنْ كان فيهم إيمان، كما لا يُقبَلُ إيمانُ كلِّ مَن آمنَ ببعضِ الإسلامِ وكفرَ ببعضه. يقولُ سبحانهُ وتعالَى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ [سورة النساء: 150- 151].

إنَّ الذين تَقودُهمْ مذاهبُهم وآراؤهم إلى الكفرِ باللهِ ورسلِه، وهم يقولونَ إنَّهم مؤمنون، ويريدونَ أن يفرِّقوا في هذا الإيمان، فيؤمنونَ باللهِ ويكفرونَ برسُلِه، ويقولون: نؤمنُ ببعضِ الأنبياءِ ونكفرُ ببعضِهمُ الآخَر، ويُريدونَ أن يتَّخِذوا بين الإيمانِ والكفرِ مسلكاً يَسلُكونَه، مع أنَّ الإيمانَ لا يَختلِف، والحقَّ لا يَتعدَّد، فهؤلاءِ كفرُهم مُحقَّق، ولا عبرةَ بما ادَّعوا من إيمانٍ وسلكوا مِنْ مَسلك، وقد أعتدْنا لهؤلاءِ الكافرينَ وأمثالِهم عذاباً مُذِلاًّ، جزاءَ كفرِهمُ الذي ظنُّوا به عِزَّة.


يتبع

تايم فيور timeviewer تيم فيور timeviewer - meet experts
الصراحة مع الأنبياء


أنبياءُ الله المصطَفون صلواتُ الله وسلامهُ عليهم هم أفضلُ الخلقِ وأكرمهم، وأعلمهم، وآدبهم، ومع ذلك فإن الله تعالَى عاتبهم في مواضعَ من كتابهِ الكريم، ليعلِّمَ البشرَ أن الحقَّ فوقَ كلِّ شيء، فوقَ الخلقِ وفوقَ الأنبياءِ أجمعين، ويُصرَّحُ بقولِ الحقِّ لهم كلِّهم.

مثالهُ مع آدمَ عليه السلام: ﴿ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ﴾ [طه : 121].

أي: عصَى آدمُ ربَّهُ بأكلِ الشَّجرة، فأخطأ الطريقَ وضلَّ عن مطلوبه عندما اغترَّ بقولِ العَدوِّ، وطلبَ الخلودَ بأكلِ ما نُهِيَ عنه، فخابَ ولم يحقِّقْ هدفَه.

ومع يونسَ عليه السلام: ﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾ [القلم: 48].

أي: فاصبِرْ أيُّها الرسولُ على أذَى قَومِكَ وتكذيبِهم لك، ولاتكنْ كالنبيِّ يونُسَ في الضَّجرِ والعجلة، الذي وعدَ قومَهُ بالعذاب، ثمَّ هجرَهم وهو غاضِبٌ عليهم، منتظرًا أن يَحِلَّ بهم ما وعدهمُ اللهُ به، قبلَ أن يأذنَ اللهُ لهُ بالخروج، ولم يَصبرِ الصَّبرَ اللَّازم، فركبَ البحر،وابتلعَهُ الحوت، ودَعا ربَّهُ - وهو مملوءٌ غمًّا - أن يغفرَ لهُ ويتوبَ عَليه. ﴿ لَوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُومٌ ﴾ [الآية: 49]، ولو لم تُدْرِكْهُ رحمةٌ من ربِّهِ ولم يستجبْ دعاءَه، لطُرِحَ بأرضٍ خالية، وهوَ يُلامُ على ذنبه.

أما إبراهيمُ خليلُ الله عليه الصلاةُ والسلام، فقد جاءتِ الآياتُ صريحةً عندما طلبَ أن يجعلَ الله من ذرِّيتهِ أئمةً: ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 124].

أي: واذكرْ أيُّها النبيُّ شأنَ هذا النبيِّ العظيم، الذي اختبرَهُ اللهُ بأوامرَ وشرائعَ ونَواهٍ، فقامَ بها كلَّها، فجزاهُ اللهُ خيراً على ما فعل، وقالَ له: سأجعلُكَ قُدوةً وإماماً للناسِ يقتدونَ بكَ في التوحيد، ويَحذونَ حَذْوَك، فسألَ عليهِ السلامُ أن تكونَ هذهِ الإمامةُ في ذُرِّيَّتِهِ أيضاً، فأُجيب: سيكونُ منهم مَنْ لا يَفِي بالأوامرِ والتكاليف، بل يظلِمُ ويَفْسُق، ولن يكونَ عهدُ الإمامةِ لأمثالِ هؤلاء، فشأنُها عظيم، بل هوَ لمن يختارُهمُ اللهُ من أهلِ الإيمانِ والصَّلاح.

ومن عتاب الله تعالَى لنبيِّنا الكريم صلى الله عليه وسلم: لمـَّا جاءَهُ الصَّحابيُّ الأعمَى ابنُ أُمِّ مكتوم رضيَ الله عنه، فجعلَ يقولُ له: يا رسولَ اللهِ أرشدني، وعندَهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رجلٌ من عُظماءِ المشرِكين، فجعلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُعرِضُ عنهُ ويُقبِلُ على الآخَر، وقد طَمِعَ في إسلامِه، فعاتبهُ ربُّه بقوله: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ﴾ [الآيات 1-7].

ومنها: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [سورة التحريم: 1].

شَرِبَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عسلاً عندَ إحدَى زوجاتِه، فاتَّفقتْ عائشةُ وحفصةُ رَضيَ اللهُ عنهما على أنَّهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا دخلَ على أيَّتِهنَّ فلتَقُلْ له: إنِّي أجدُ منكَ ريحَ مَغافير، وهوَ شَبيهٌ بالصَّمغ، فيهِ حلاوةٌ ولهُ رائحَةٌ كريهة، فقالتْ لهُ إحداهُنَّ ذلك، فقالَ صلى الله عليه وسلم: "لا، بلْ شَرِبتُ عسَلاً عندَ زَينبَ بنتِ جَحش، ولنْ أعُود". فنزلَت. ولفظُ قوله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من صحيحِ البخاريّ.

أيُّها النبيُّ الكريم، لماذا تُحرِّمُ على نفسِكَ طعامًا أحلَّهُ اللهُ لك، أتُريدُ بذلكَ أنْ تُرضيَ بعضَ زوجاتِك؟ لقد غفرَ اللهُ لك، واللهُ كثيرُ المغفرة، واسعُ الرَّحمة.

ومنها في قصةِ زواجهِ صلى الله عليه وسلم من ابنةِ عمَّته زينبَ بنتِ جحش، التي كانت أولاً تحتَ (حِبِّهِ) زيد بن حارثة رضي الله عنه، وكان قد تبنَّاهُ قبلَ النبوَّة:
﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ﴾ [سورة الأحزاب: 37].

أي: واذكرْ قولكَ لمَولاكَ زيدٍ، الذي أنعمَ اللهُ عليهِ بالإسلام، وأنعمتَ عليهِ بالعتقِ مِن الرِّقِّ ومزيدِ القُرب: أَبْقِ على زوجتِكَ زينب، واتَّقِ اللهَ في أمرِها، ولا تُطلِّقْها. وكان قد اشتدَّ لسانُها عليه، رضيَ اللهُ عنهما. وتُسِرُّ في نَفسِكَ أيُّها الرَّسولُ ما اللهُ مُظهِرُه، وهو أنَّ زيدًا سيُطَلِّقُها وتتزوَّجُها بعدُ، وتخافُ من اعتراضِ النَّاسِ ولومِهم، لكونِكَ تزوَّجتَ زوجةَ مَنْ تبنَّيتَهُ سابقًا بعد طلاقِها منه، واللهُ أحقُّ وأولَى أن تخافَهُ في كلِّ أمر.

فلمَّا قضَى زيدٌ حاجتَهُ منها وطلَّقَها، جعلناها زَوجةً لك، حتَّى لا يَبقَى حرجٌ على المؤمنينَ في الزَّواجِ من زوجاتِ أدعيائهمُ الذين تبنَّوهم من قبل، بعد طلاقِهِنَّ وانقضاءِ عِدَّتِهنّ، وكان أمرُ اللهِ وحكمُهُ نافِذًا وحاصِلاً لا محالة.

وكانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قد تبنَّى زيدَ بنَ حارثةَ قبلَ النبوَّة، فكانَ يُقالُ لهُ "زيدُ بنُ محمَّد" فنزلَ الوحيُ بمنعِ التبنِّي، كما مرَّ في الآيتينِ الرَّابعة والخامسةِ من هذهِ السُّورَة.

ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم أكرمُ خلقِ الله على ربِّه، وهو الذي أرسلهُ رحمةً للعالمين، وجعلهُ على خُلقٍ عظيم... ومع ذلكَ فإن ربَّهُ حذَّرَهُ في آياتٍ كثيرة، وذكرَ بعضَ ما كان يحدِّثُ به نفسه.. وإن كان المفسِّرون يرونَ في ذلك تحذيرًا لأمتهِ بالأولى.

مثاله: ﴿ وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ [سورة البقرة: 120].

أي: إذا تابعتَهُم في آرائهمُ الزائفة، ومقولاتِهُم الفاسدة، وطرائقِهُمُ الملتوية، بعدَ ما نزلَ عليكَ الوحيُ، وعلمتَ أنَّ دينكَ هوَ الصَّحيح، فقد مِلْتَ عن الهُدَى، ولن يَكونَ اللهُ والياً أمرَك، ولا ناصرَكَ ومؤيِّدَك، ولن يدفعَ عنكَ عقابَه.

وهذا من بابِ التهييجِ والإلهاب، ولا يُتَوَهَّمُ إمكانُ اتِّباعهِ صلى الله عليه وسلم لهم، ولكنَّهُ تنبيهٌ لأمَّتهِ على الحذرِ من أهلِ الكتاب، الذين لا يُفيدهم أيُّ تنازلٍ بالحوارِ وغيرِه، ولن يَرْضَوا إلا بالانضواءِ تحتَ مظلَّةِ دينِهم.

ومثلهُ قولهُ تعالَى: ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [سورة البقرة : 145].

أي: لو أنَّكَ اتَّبعتَ مرادَهم بعدَ الذي وجَّهكَ اللهُ إليهِ ورضيَهُ لكَ من القِبلة، لكنتَ مُؤثِراً الباطلَ على الحقّ.

وهوَ - أيضًا - على الفَرَضِ والتقدير، وتحذيرٌ للأمَّةِ من أهواءِ أهلِ الكتابِ وأضاليلِهم.

ومن التنبيهِ والتذكيرِ الواضحِ لرسولنا الكريمِ صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ [سورة الأنعام: 35].

تفسيرها: وإذا شقَّ عليكَ إعراضُ المشركينَ وعَظُمَ عليكَ مخالفتُهم بما جئتَ بهِ من القرآن، فإنْ قَدَرتَ وتهيَّأَ لكَ أن تطلُبَ سِرْباً في الأرض، أو دَرَجاً ومَرقاةً في السَّماءِ فتَصعدَ فيه، فتأتيَهم منهما بآيةٍ أفضلَ ممّا آتيناهم بهِ ليؤمنوا، فافعل. - وكانَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ حريصاً أن يتابِعَهُ جميعُ الناس - ولو شاءَ اللهُ أن يجمعهم على الهُدَى والإيمانِ لفَعل، ولكنَّهم لا يحبُّونَ ذلك، ولا يُريدونَ أن يسمعوا كلامَك، ولا أن يتوجَّهوا إلى الخير، فلا تكنْ بهذا الحرصِ الشَّديدِ على إسلامِهم، ولا تَجزعْ في مواطنِ الصَّبر، ولا تكوننَّ من الجاهلينَ بذلك.

ومن ذلك أيضًا قولهُ تعالَى: ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً .إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً ﴾ [الإسراء : 73-75].

أي: كادَ المشركونَ أن يوقِعُوكَ في الفتنة، ويَصرِفوكَ عمّا أوحيناهُ إليكَ من الأحكام، لِما يراجعونكَ فيهِ ويقترحونَه، ويطلبونَ منكَ أن تَختلقَ على اللهِ غيرَ ما أوحاهُ إليك، ولو وافقتَهم على ذلكَ لاتَّخذوكَ صديقًا ووليًّا لهم.

ولو لم نُثبِّتْكَ على الحقِّ لكِدْتَ أن تَميلَ إليهم شيئًا قليلًا، لشدَّةِ كيدِهم واحتيالِهم.

ولو أنَّكَ مِلتَ إليهم ولو شَيئًا قَليلًا، لأذقناكَ عذابًا مُضاعَفًا في الحياةِ الدُّنيا، وعذابًا مُضاعفًا في الحياةِ الآخِرَة، ثمَّ لا تجدُ مُعينًا يمنعُكَ من عذابِنا.

وقد عصمَ اللهُ رسولَهُ الكريمَ من فتنةِ المشركينَ والركونِ إليهم. وهذا درسٌ كبيرٌ للمسلمينَ بعدمِ التنازلِ لهم عن شيءٍ من أحكامِ دينِهم للكافرين، فهو نظامٌ متكامِلٌ لا يَصلُحُ التَّفريطُ بجزءٍ منه. وفرقٌ بين العزَّةِ بالإسلامِ والفخرِ به، وبين التَّنازلِ عنهُ أو عن بعضِه.


تايم فيور timeviewer تيم فيور timeviewer - meet experts
سلمت الايادي ويعطيك الف عاااافيه على الطرح الرائع والمميز
تم التقييم ومنتظر المزيد والجديد من ابدعاتك
ارق تحيااااااااااااتي

تايم فيور timeviewer تيم فيور timeviewer - meet experts
الساعة الآن 11:13 PM.