منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


كيف نعرف أنفسنا؟




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع







كيف نعرف أنفسنا؟


الحمد لله وكفى والصلاة والسلام علي من اصطفى، وبعد:
أخي القاري، مَن أنت وماذا تريد؟
إجابةُ هذا السُّؤال لا تحتاج إلى جهدٍ أو مشقَّة، لماذا؟

لأنَّها واضحة جلية، أنا مسلم، وأريد اللهَ، والدار الآخرة، تلك هي الإجابة، وهي - كما ترى - هيِّنةٌ وبسيطة؛ ولكن!!

هذه الحقيقة البديهية تحقيقُها على أرض الواقع أمرٌ في غاية الصعوبة؛ وذلك لعدَّة أسباب، منها:
1- طغيانُ العادات والتقاليد والبدع على تعاليم الكتاب والسنَّة المطهرة.

2- موت العلماء الثِّقات وندرتُهم في عصرنا الحاليِّ، والذين يستريح المرءُ لكلامِهم، ويثقُ في علمهم ويتَّخذهم قدوةً.

3- علوُّ أهل المنكر على أهل المعروف، وبالتبعيَّة انتشارُ الفتنِ التي تذهبُ بلبِّ المرء وعقلِهِ.

ومن ثمَّ الأمرُ الذي يجب التنبيه عليه والتَّحذير منه هو عدمُ ادِّعاء الجهل بمعرفةِ إجابة هذا السُّؤال الحيويِّ، من أنت وماذا تريد؟

وألا يلزم قطعًا - أخي القارئ - عند قراءتِك لهذه السطور أن تكفَّ عن قراءة المقالة؛ لأنه ليس بعد الحقِّ إلا الضلال.

لأنَّ في قولك: "أنا مسلمٌ وأريدُ اللهَ والدارَ الآخرة" تسليمَك، وانصياعَك للحقيقة التي يدعو لها دينُنا، الإسلام والإيمان، وعدم إقرارك بذلك يقدحُ في صحَّة إسلامك وإيمانك؛ وذلك هو الخسران المبين.

قال تعالي: ﴿ قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران: 84، 85].

إذًا؛ لا بدَّ للنفس البشرية أن تستقيمَ على أمر الله - تعالى - ليعقِلَ قلبُ صاحبها، ويُدرك حقيقتَها وفطرتَها التي فطرها الله عليها، فلا يهمل حقًّا لله - تعالى - ولا يتخطَّى حدودَه بالوقوع فيما حرَّمه عليه، وهذا إن أراد لنفسه الصَّلاح والفلاح.

قال ابنُ القيِّم في "طريق الهجرتين" "1/71" ما مختصره:
"كمالُ صلاح النفس غِناها بالاستقامة من جميع الوجوه، وبلوغُها إلى درجة الطُّمأنينة لا يكون إلا بعد صلاحِ القلب، وصلاحُ النَّفس متقدِّم على إصلاحها، هكذا قيل، وفيه ما فيه؛ لأنَّ صلاحَ كلِّ واحد منهما مقارِنٌ لصلاح الآخرِ، ولكن لَمَّا كان القلبُ هو الملِكَ، وكان صلاحُهُ صلاحَ جميعِ رعيَّته، كان أولى بالتَّقديم، ثمَّ قال بعد كلام:
وأن تكونَ هذه الاستقامة على الفعل والترك تعظيمًا لله - سبحانه – وأمرِه، وإيمانًا به واحتسابًا لثوابه وخشية من عقابه، لا طلبًا لتعظيم المخلوقين له ومدحِهم، وهربًا من ذمِّهم وازدرائهم، وطلبًا للجاهِ والمنزلة عندهم؛ فإنَّ هذا دليلٌ على غاية الفقر من الله، والبعدِ عنه، وأنَّه أفقر شيء إلى المخلوق؛ فسلامةُ النَّفس من ذلك واتِّصافها بضدِّه دليلُ غناها؛ لأنَّها إذا أذعنت منقادةً لأمر الله طوعًا واختيارًا ومحبَّةً وإيمانًا واحتسابًا بحيث تصير لذَّتها وراحتها ونعيمها وسرورها في القيام بعبوديَّته كما كان النبيُّ يقولُ: ((يا بلالُ أرِحْنا بالصَّلاة)) "[1]"؛ اهـ.

قلت: ومن هنا يتبيَّن لنا صعوبة التطبيق العمليِّ للوصول إلى أعلى درجات السمو الرُّوحي الذي لا يكون هناك أحبُّ إلى نفسِك من الله ورسولِه - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولكنْ بالإخلاص والصبر على المكاره، واليقين بالله - تعالى - سوف نرى العجب العجاب.

وسنعرف أنفسَنا جيدًا، وندرك سبلَ تحقيق غايتنا وأمانينا، ونصل بأنفسنا إلى أعلى درجاتِ غنَى النفس، والتي بها تحيا القلوب وتستقيمُ على أمر الله تعالى.

هذا وقد ثبت عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنه قال: ((ليس الغنَى عن كثرة العرَضِ، ولكنَّ الغنى غنى النَّفس))[2].

وهذا حقٌّ لا مريةَ فيه، فمتى استغنت النَّفس استغنى القلب عن اللُّجوء لغير الله - تعالى - واستقام على الطريق القويم، وعندئذٍ تحقِّق النفسُ التطبيق العمليَّ والحَرْفيَّ لمضمون هذا السؤال: "من أنتَ؟ وماذا تريد؟".

وسوف نطرح هنا خطوتيْنِ من أهمِّ الخطوات لمعرفة أنفسِنا، وهذا لا يمنع البتَّةَ من أن تكون هناك خطواتٌ أخرى يراها البعضُ لازمةً للوصول للسموِّ الرُّوحيِّ وغنى النفس، وبالتبعيَّة التطبيق العملي للإجابة على هذا السؤال: "مَنْ أنا؟ وماذا أريد؟".

وكلُّ إنسان أدرى بحقيقة نفسِه، والله المستعانُ.

الخطوة الأولي: تصنيف النفس حسَب طبقاتها:
أخي القارئ، الخطوة الأولى في طريقنا لتحقيق الإجابةِ العمليَّة على هذا السؤال: من أنت؟ وماذا تريد؟ تبدأ في معرفة طبقات النَّفس المختلفة حتى تستطيع معرفة إلى أيِّ طبقة تنتمي إليها نفسُك التي بين جنبيك في طاعتها، وعلاقتها بالله - تعالى - وإنابتها إليه، ومِنْ ثَمَّ تبدأ الخطوة الثانية، وهي: محاسبةُ النفس على الخطأ، وتهذيبُها وتقويمها للأفضل ثم الانتقال للخطوة الثالثة، وهي علاجُ عيوبِها وصَقْلُ مميِّزاتها بالسُّبل المختلفة لهدايتها إلى الحق بإذن الله - تعالى - ثم الخطوة الرابعة، وهكذا حسبما يرى صاحبها.

والنَّفس البشرية في طاعتها لله وعلاقتِها وتوبتِها وتعلُّقِها به - سبحانه - تنقسم إلي أربعِ طبقات:
قال صاحب الإحياء[3]، "4/43" بتصرُّف يسيرٍ:
اعلم أنَّ التائبين في التوبة على أربع طبقات:
الطبقة الأولى:
أن يتوبَ العاصي ويستقيمَ على التوبة إلى آخر عمرِه، فيتداركَ ما فرَط من أمره، ولا يحدِّث نفسه بالعَود إلى ذنوبه إلا الزَّلات التي لا ينفكُّ البشر عنها في العادات، مهما لم يكن في رتبةِ النبوَّة، فهذا هو الاستقامة على التوبةِ، وصاحبُهُ هو السابق بالخيرات، المستبدل بالسيِّئات حسناتٍ، واسم هذه التوبةِ: التوبةُ النَّصوح، واسم هذه النفس الساكنة النَّفسُ المطمئنة التي ترجع إلى ربِّها راضيةً مَرْضية، ثمَّ قال:

الطبقة الثانية:
تائبٌ سلك طريقَ الاستقامة في أمهات الطاعات، وترك كبائر الفواحش كلها، إلا أنه ليس ينفكُّ عن ذنوب تعتريه لا عن عمْد وتجريدِ قصد، ولكن يُبتلى بها في مجاري أحوالِه من غير أن يقدِّم عزمًا على الإقدام عليها، ولكنَّه كلما أقدم عليها لام نفسَه وندِم وتأسَّف وجدَّد عزمه على أن يتشمَّر للاحتراز من أسبابِها التي تعرِّضه لها، وهذه النفس جديرةٌ بأن تكون هي النَّفسَ اللوامة؛ إذ تلوم صاحبَها على ما تستهدف له من الأحوال الذَّميمة لا عن تصميمِ عزمٍ، وتخمينِ رأي وقصد، وهذه - أيضًا - رتبةٌ عالية، وإن كانت نازلةً عن الطبقة الأولى، وهي أغلبُ أحوال التائبين، ثم قال:

الطبقة الثالثة:
أنْ يتوب ويستمرَّ على الاستقامة مدَّةً، ثم تغلِبه الشهوات في بعض الذنوب، فيُقدم عليها عن صدقٍ وقصد شهوة؛ لعجزه عن قهر الشَّهوة، إلا أنه مع ذلك مواظبٌ على الطاعاتِ، وتارك جملة من الذنوب مع القدرة والشهوة، وإنما قهرته هذه الشَّهوة الواحدة أو الشهوتان وهو يودُّ لو أقدره اللهُ - تعالى - على قمعِها وكفاه شرَّها، فهذه النَّفس هي التي تسمَّى: النفس المُسَوِّلة، وصاحبها من الذين قال الله - تعالى - فيهم: ﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 102]، ثم قال:

الطبقة الرابعة:
أن يتوبَ ويجري مدَّة على الاستقامة، ثم يعود إلى مُقارفة الذنب أو الذنوب من غير أن يُحدِّث نفسَه بالتوبة، ومن غير أن يتأسَّف على فعلِه، بل ينهمك انهماك الغافل في اتِّباع شهواته، فهذا من جملة المصرِّين، وهذه النفس هي النَّفس الأمَّارة بالسوءِ، الفرَّارة من الخير، ويُخاف على هذا سوءُ الخاتمة، وأمره في مشيئة الله"؛ اهـ.

ولا يغيب عن فِطنة القارئِ الكريم أنَّ الإنسان تختلف طبيعةُ نفسِه باختلاف الظروف والأحوال؛ فقد يجِدُ نفسَه في بعض الأحوال مقبلاً على الله، يخشعُ في صلاته، يبكي في دعائه وقُنوته، يُكثر من قراءة القرآن وتدبُّره، يحافظ على أذكار الصباح والمساء، يحب كلَّ خير.

وفي أحوالٍ أخرى يجد نفسه ساهيًا لاهيًا، لا يخشع في صلاته، وربما يتكاسل عن أدائها في أوقاتها، وربما يصلِّيها منفردًا تاركًا فضلَ الجماعة دون عذرٍ، هاجرًا لكتاب الله، لا يقرأ فيه إلا بين الفينة والفينة، قليلَ الدُّعاء والذكر وغير ذلك.

وبِعلمِ المرء بالطبقة التي تنتمي إليها نفسُه التي بين جنبيه في علاقتها بالله - تعالى - وعبوديتها له بِناءً على طاعاتِه المختلفة من الأعمال والأقوال فيبدأ محاسبتَه لها، وتلك هي الخطوة الثانية.

الخطوة الثانية : محاسبة النفس على الأعمال والأقوال:
محاسبة النفس على الأعمال والأقوال لن تخرج عن سؤاليْنِ في نهاية كلِّ يوم:
الأول: ماذا فعلتْ نفسي أو قالت اليوم؟ الجواب: كذا وكذا.

الثاني: وما حكم الشرع في هذا الفعل أو القول؟ الجواب: كذا وكذا.

وبِناءً على هذيْنِ السؤالين تعرِفُ طبيعة نفسِك من حيث الطاعةُ والمعصية، وبالتالي الطبقة التي تنتمي إليها.

وينبغي التَّنبيه هنا إلى أنَّ الكتاب والسنَّة هما المعيار الحقيقي للحكم على النفس، وبيانٌ لأي طبقة تنتمي إليها، بمعنى: لا تفتح للهوى والشيطان بابًا للتدليس وخداعك، وتسويف التوبة، والإصرار على المعصية، فكلُّ ذلك وما أشبَهه يؤدِّي إلي هلاكِها، وليس لنجاتِها، وأنت أدرى بدخيلة نفسِك، ومن ثَمَّ نكرِّرُ أن "الكتاب والسنَّة" هما الأساس الذي يقوم عليه كلُّ تشريع دنيوي، وفيهما - فقط - غنَى النفس وفلاحُها ونجاتُها، وفي غيرِهما هلاكُها وضياعها، والكتاب والسنة حكمُهما على النفس على الحقائق المجرَّدة بعيدًا عن التبريرات والمعاذير، إلا ما جاء التَّرخيص فيه تيسيرًا على العباد ورحمةً بهم.

ومثالاً على ما نقول لبيان المقصود - ليهلِك مَن هلك عن بينة، ويحيا من حيَّ عن بينة - الصلاةُ مثلاً لو أخَّرها العبد دون عذرٍ شرعي، وإنما كسلاً وتهاونًا فيها حتى خرج وقتُها، ما حكم ذلك في الشرع "الكتاب والسنة"؟

قال - تعالى -: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103].

وقال - تعالى -: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ [الماعون: 4، 5].

وقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أفضلُ الأعمال أو العملِ: الصلاةُ لوقتها وبرُّ الوالدينِ))[4].

وقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((خمسُ صلواتٍ، كتبَهن الله على العباد، منْ جاء بهنَّ لم يضيِّعْ منهن شيئًا استخفافًا بحقهنَّ، كان له عند الله عهدٌ أن يدخلَهُ الجنَّة، ومَنْ لم يأت بهنَّ فليس له عند الله عهدٌ، إن شاءَ عذَّبه، وإن شاء أدخله الجنة))[5].

هذا قول اللهِ، وذاك قولُ الصادق المعصوم - صلَّى الله عليه وسلَّم - ترغيبًا وترهيبًا، ومنهما يتبيَّن لنا الخطأُ الجسيم الذي وقعت فيه النفس، ولينظرِ العبدُ ردَّ فعل نفسه لهذه المعصية، وليَرَ من أيِّ طبقة هي ليبدأ بعْدَها علاجَها مِنْ عيوبِها وتهذيبها، وبيانِ سبل تقويمها، وتلك هي الخطوة الثالثة، وقِسْ على ما ذكرنا كلَّ عمل وقول يصدُر عن النفس.

ولابن القيِّم في إغاثة اللهفان "1/81" كلامًا يشتمل على كلِّ ما نريد قولَهُ هنا، وفيه ما يكفي ويشفي، قال – رحمه الله - ما مختصرُه:
ومحاسبة النفس نوعان: نوعٌ قبل العمل، ونوع بعده، فأما النوع الأول:
فهو أن يقف عند أوَّل همِّه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبيَّن له رُجحانه على تركه.

قال الحسن - رحمه الله -: رحمَ الله عبدًا وقف عند همِّه، فإنْ كان لله مضى، وإن كان لغيرِه تأخَّر، وشرح هذا بعضُهم فقال:
إذا تحرَّكت النفس لعملٍ من الأعمال وهمَّ به العبد، وقف أولاً ونظر: هل ذلك العملُ مقدورٌ له أو غير مقدورٍ ولا مستطاع، فإن لم يكُنْ مقدورًا لم يُقدِمْ عليه، وإن كان مقدورًا وقف وقفةً أخرى، ونظر: هل فعلُهُ خيرٌ له من تركه أو تركُه خيرٌ له من فعلِهِ؟ فإن كان الثانيَ تركَه ولم يُقدِم عليه، وإن كان الأوَّلَ وقف وقفةً ثالثة، ونظر:

هل الباعث عليه إرادةُ وجه الله - عز وجل – وثوابه، أو إرادة الجاه والثناء والمال من المخلوق؟ فإن كان الثانيَ لم يُقدِم عليه، وإن أفضى به إلى مطلوبه لئلاَّ تعتاد النفسُ الشركَ، ويخفَّ عليها العملُ لغير اللهِ، فبقدر ما يخفُّ عليها ذلك يثقلُ عليها العملُ لله - تعالى - حتى يصير أثقلَ شيءٍ عليها، وإن كان الأوَّلَ وقف وقفة أخرى، ونظر:

هل هو مُعانٌ عليه وله أعوان يساعدونَه وينصرونه إذا كان العملُ محتاجًا إلى ذلك أم لا؟ فإن لم يكنْ له أعوانٌ أمسك عنه؛ كما أمسك النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن الجهاد بمكَّة حتى صار له شوكةٌ وأنصارٌ.

وإن وجده معانًا عليه فليُقدِم عليه؛ فإنه منصورٌ، ولا يفوِّتُ النَّجاح إلا مَنْ فوَّت خَصلةً من هذه الخصال، وإلا فمع اجتماعها لا يفُوتُه النجاح.

فهذه أربعةُ مقامات يحتاج إلى محاسبة نفسِه عليها قبل العمل، فما كلُّ ما يريد العبدُ فعلَه يكون مقدورًا له، ولا كلُّ ما يكون مقدورًا له يكون فعلُه خيرًا له مِنْ تركِه، ولا كلُّ ما يكون فعلُهُ خيرًا له من تركه يفعلُه لله، ولا كلُّ ما يفعلُه لله يكون معانًا عليه، فإذا حاسب نفسَه على ذلك تبيَّنَ له ما يُقدم عليه وما يُحجم عنه.

ثم قال - رحمه الله تعالى -: محاسبة النفس بعد العمل، وهو ثلاثة أنواع :
أحدها: محاسبتُها على طاعةٍ قصرت فيها من حق الله - تعالى - فلم تُوقِعْها على الوجه الذي ينبغي، وحق الله - تعالى - في الطاعة ستَّة أمور تقدَّمت، وهي: الإخلاص في العمل، والنصيحة لله فيه، ومتابعة الرسول فيه، وشهودُ مشهد الإحسانِ فيه، وشهود منَّة الله عليه، وشهودُ تقصيره فيه بعد ذلك كلِّه.

فيحاسب نفسَه: هل وفَّى هذه المقاماتِ حقَّها؟ وهل أتى بها في هذه الطاعة؟

الثاني: أن يحاسبَ نفسَه على كل عمل كان تركُه خيرًا له من فعله.

الثالث: أن يحاسبَ نفسَه على أمرٍ مباح أو معتاد: لم فعلَه؟ وهل أراد به اللهَ والدار الآخرة فيكون رابحًا، أو أراد به الدنيا وعاجلها؟ فيخسر ذلك الرِّبح ويفوته الظفر به؛ اهـ.

قلت: وما ينبغي التنبيه عليه دومًا هو المحافظة على أعلى مستويات للنفس، وصلت إليها، ووضع السبل للترقِّي للمستوى الأعلى على المدى القصير والطويل.

وختامًا: إنْ تمَّ ترويضُ النفس على هاتين الخطوتين فسوف تجعل النفس حتمًا تترقى بقلبِ صاحبها إلى درجاتٍ إيمانيةٍ عاليةٍ، وعندئذ يُدرك حقيقتَها وسموَّها وحلاوة تعلُّقها بخالقها - جل وعلا - والعمل على مرضاته قولاً وعملاً على بصيرةٍ ويقينٍ، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــ
[1] - انظر صحيح سنن أبي داود للألباني ح/4986، وصحَّة متنه: ((قم يا بلالُ فأرِحْنا بالصلاة)).
[2] - أخرجه البخاري في الرقاق ح/6446، ومسلم في الزكاة ح/1051.
[3] - هو كتاب "إحياء علوم الدين" لمحمد حامد الغزالي – رحمه الله تعالى.
[4] - أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة ح/527, ومسلم في الإيمان ح/85
[5] - أخرجه النسائي وغيره وهو في صحيح الجامع ح/3243



بَارك الله فيك على الموضوع الرائع والمميز
ِواصل نثر تألقك معنا ولا تحرمنا جديدك
عباراتك إلى الأمام دائماً لك
مع خالص تحيااااااااتي


الساعة الآن 05:22 AM.