منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > قسم التربية والتعليم > الفن الادب الشعر > القصص
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


رواية أميرة رغماً عنها - صوفي ويستون - أحلام الجديدة ( كاملة )




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع
رواية أميرة رغما عنها

للكاتبة صوفي ويستون




الملخص


تساءلت فرانسيسكا قبل أن تري كونراد: "هل هو رجل أم فأرة؟".


لكن كونراد لم يكن فأرة أو رجلاً عادياً....إنه أمير حقيقي. وهذا الأمير يريد عروسا لإمارته.


وفرانسيسكا هي الأصلح لتملأ هذا الدور....


والسبب: أموال أبيها الطائلة!


ستكون فرانسيسكا هي الفأرة إذا قبلت هذا الدور.


ولكن كيف تستطيع مقاومة إغراء كونراد الرائع، رغم أنها تعرف أن الدور لا يتعدى الخداع؟


أنتظرونى




1- كيف أري


قالت فرانسيسكا بانفعال كان هذا النهار أسوأ نهار في حياتي).
وكانت شاحبة بعض الشيء. فقالت "جاز" توقفها: ( لا تجعلي "باري دي لاتوش" يهزمك، ما هو أفضل من أن تخرجي وتستمتعي؟).

نظرت إليها فرانسيسكا غير مصدقة: (لا يمكن أن تتوقعي مني أن أذهب إلي حفلة بعد ذلك).

هزت "جاز" رأسها وقالت رافضة التنازل عن رأيها: ( نعم، فأنت بائعة كتب ممتهنة الآن. أذهبي إلي حفلة الناشرين ولو قتلك ذلك).
حملقت فرانسيسكا فيها. جاز" طويلة سوداء رائعة لكن حملقة فرانسيسكا كانت تقص الفولاذ إذا وضعت إرادتها فيها.
لم تكن "فرانسيسكا هيلير" طويلة، بل نحيفة صغيرة الجسم ذات شعر بني عادي ووجه عادي يسر الناظرين. إنها، كما تقول أمها الرشيقة الأنيقة، ليس فيها ما يميزها بين مجموعة من الفتيات.
لكن الاثنتين كانتا تبخسان من تأثير عينيها. كانتا كبيرتين بلون بني ذهبي، أهدابهما طويلة سوداء. وكانتا تعبران عن كل ما تقوله فرانسيسكا أو تشعر به، رغم وجود نظارتين كبيرتين عليهما.
فرانسيسكا حاليا تشعر بنفسها مخدوعة. لكن "جاز ألن" كانت شريكتها في أحدث مكتبة مستقلة في لندن، مكتبة باز وكانت جاز تعرف ما تتحدث عنه.
قالت فرانسيسكا أنت غير جادة).
أجابت جاز: ( بل أنا كذلك).
وكانت تتحدث وهي تهبط درجات سلم. قالت لها فرانسيسكا بقنوط: ( لكنك كنت هنا، ورأيت بنفسك).
فضحكت جاز: ( لقد ثار طبع أبيك عليه، وهكذا؟).
حدقت إليها فرانسيسكا, كانت جاز معروفة بالغلظة, لكنها هنا من فولاذ. فقالت: (مرحبا؟ لقد رأيت بنفسك أبي يدخل ويدمر الرجل الذي أفكر بالزواج به).
قالت جاز بهدوء: ( لقد رأيت أباك يضع بعض المفرقعات ولكنك ما كنت أبدا لتتزوجي ذلك الرجل).
هزت فرانسيسكا رأسها. لم تكن قد أخبرت جاز, لكنها عندما غادرت البيت هذا الصباح كانت قد قررت قبول عرض الزواج بباري.
قالت بأسي : ( كنت أنوي ذلك).
كان المفروض أن يخرجا للعشاء في أحد المطاعم في المساء. وكانت فرانسيسكا تتصور مشهد المائدة المضاءة بالشموع , بسرور بالغ.
ولكن هذه كانت تصورات هذا الصباح. ثم دخل أبوها, بيتر هيلير, يواجه الأعزل من كل قوة الذي هرب من "مونتاسورو" مقاولا منذ خمسة عشر عاماً وانتعشت أحواله وأصبح ملياردير, لأنه يكتشف مواطن الضعف في خصومه ثم يقضي عليهم, أما باري فلم تحصل له فرصة.
وجه له أبوها سلسلة من التجريحات والإدانات الجرمية, وأشار إلي أن باري لم يبدأ بإظهار حبه لأبنته إلا بعد أن علم بثرائها.
في البداية لم تصدقه فرانسيسكا لكن بيتر هيلير أعلن أنه لن يورثها, وبهذا تلاشي تقرب باري العاطفي منها, آخذا معه كل أحلام فرانسيسكا ومعظم احترامها لنفسها.
قالت جاز متشجعة: ( عليك التفكير بطريقة حكيمة, في النهاية. وبعد, لاشيء يميز باري).
بعد ذلك المشهد الذي قذف فيها أبوها اتهاماته في وجه باري, لم تستطع فرانسيسكا أن تناقش حقا هذا الأمر. بل عضت شفتها وقالت : ( لماذا لم أفهم أنا هذا؟)
أجابت جاز مواسية: ( بل فهمت, في الواقع. قد يكون أبوك هو الذي قام بالتحريات, لكن التدمير هو من عمل يديك).
اتسعت عينا فرانسيسكا المعبرتين, ثم جلست بشيء من الصعوبة.
وعادت جاز تنصحها: ( فكري في الأمر).
أخذت فرانسيسكا تحدق, بعينين لا تريان, في المجموعة الكاملة لحدث كتب الأطفال.
كانت قد واجهت أباها متحدية, متأبطة ذراع باري متهمة والدها بالمناورة والنهم إلي المال, نافية عن باري كل الصفات التي نعته بها.
قال لها برقة فائقة: ( يا عصفورتي, لا يمكن أن أفعل هذا بك).
ومد يده يرفع النظارات عن عينيها ويضعها في جيبه, وهي إحدى حركاته الصغيرة الظريفة. والواقع أن هذه النظارات جديدة وقد كلفتها مبلغاً كبيرا من المال.
كانت فرانسيسكا ترى الأشياء, دون نظاراتها الطبية, غائمة. ومع ذلك قالت له: ( نحن الاثنين، شابان صحيحا الجسم، فلماذا نحتاج أموال أبي؟ يمكننا أن نعمل).
عند ذلك تحول باري إليها وقد محي كل ما علي وجهه من ظرف. لم تستطع أن تراه جيدا دون نظارات, لكنها شعرت بذلك من سماعها حركته الخشنة وهو يقول: ( لا. لا يمكننا ذلك).
تملك أباها السرور, ورفع أصابعه: ( آهة).
لكنها تجاهلته, وقالت لبارى: ( لست بحاجة إلي مال...)
فصرخ فيها بألم: ( أما أنا فبحاجة غلي ذلك... لقد أمضيت زمنا أتساءل من أين سأحصل علي وجبة طعامي التالية, ولا أريد العودة إلي ذلك أبداً).
لم تقل فرانسيسكا شيئاً بينما قال أبوها: ( الوداع, يا سيد هارب).
وكان ذلك أسم باري الحقيقي. وليس (دي لاتوش).
تجاهلت فرانسيسكا أباها وقالت لباري بصوت غريب: ( أتظن أنه ليس بإمكاني أن أنفق عليك؟).
فقال أبوها : ( لقد تأكد ذلك النغل من ذلك لتوه).
عند ذلك استسلمت. وكان ذلك اليوم أسوأ أيام حياتها.
أطلقت ضحكة صغيرة, ومدت يدها بأدب باتجاهه وهي تقول: ( نعم, فعل ذلك. وداعا يا باري).
لكنها كانت مع أبيها أقل تهذيباً.

ثم ذهبت إلي غرفة المخزن حيث أخذت تبحث عن آخر نظارات للطوارئ تحتفظ بها, ووجدتها في صندوق الإسعاف الأولي. ولكن أحد طرفي النظارة كان مخلخلاً وكانت قد شدته يوما بشريط طبي استحال لونه رماديا في صندوق الإسعاف هذا. وهكذا غالبت فرانسيسكا دموعها بشدة, وقالت: ( ماذا تعنين بقولك إن التدمير كان من عمل يدي؟).
نظرت إليها جاز بعطف: ( لأنك لم تخبري باري بأنك غنية...).


قفزت فرانسيسكا : ( ماذا تعنين؟)


أجابتها المرأة: ( هل نسيت أن أباك وضع في البنك مقدارا كبيرا من المال باسمك عندما كنت مراهقة. وهو ملكك ويمكنك أن تفعلي به ما تريدين).


ابتلعت فرانسيسكا ريقها : ( نعم صحيح .... فهمت).


قالت جاز: ( كان الأمر صحيحا عندما قلت إن أباك لا يمكنه أن يحرمك من ميراثك، لأنه سلمك ميراثك ذاك, لماذا لم تقولي هذا لباري؟)

قالت: ( لقد .... لقد حاولت).

قالت جاز بدهاء: ( لا. لم تفعلي هذا, لأنك أردت أن تعلمي، أليس كذلك؟).

فسألتها: ( أعلم؟ أعلم ماذا؟)
أجابتها: ( ما إذا كان المال مهما بالنسبة إليه أم لا).
أجفلت فرانسيسكا, لكنها كانت امرأة قادرة علي مواجهة الحقيقة مهما كانت سيئة. (نعم. أظن هذا).
فقالت المرأة: ( أرأيت؟ لم تكوني مخدوعة تماما, بل كان لديك شكوك كأية امرأة عاقلة مثلك).
تمتمت فرنسيسكا تقول : ( امرأة عاقلة وغير جميلة).
فقالت جاز: ( ما كنت لتتزوجي ذلك المعتوه).
ثم انتبهت فجأة لما قالت فرنسيسكا .
- ماذا قلت؟
قالت فرانسيسكا بإشارة خشنة : ( كل من أبدى اهتماما بي كان السبب إما لقب أمي, أما ملايين أبي. لأنهم عندما كانوا يرونني جيدا, يتراجعون).
اللإستسلام الذي لمسته جاز في صوتها صدمها. فقالت: ( كلام فارغ).
ولكن كلامها هذا تأخر عشر ثواني, فابتسمت فرانسيسكا بضعف : ( أنت لا تعرفين المصائب التي عرفتها , يا جاز).
فقالت جاز: ( ألسنا جميعا كذلك؟ هذا يسمي سن الرشد) .
قالت فرانسيسكا : ( عندما يتعلق الأمر بالناس أجدني عاجزة).
وقفت فرانسيسكا منتصبة القامة، حتى إنها استطاعت أن تبتسم وهي تقول : ( وهكذا، هذا يعني أن أركز عقلي في مهنة. صح؟ خذيني إذا إلي تلك الحفلة اللعينة).
*****

هز كونراد دوميتيو رأسه أمام كل هذا الحشد, ثم صرخ بمساعدته: ( إلي متى سيستمر هذا؟)

تقدمت خطوة إلي الرجل الأسمر الرائع أمامها... كان طويل عسلي العينين, ذا جسم رياضي وجبهة فيلسوف. كونراد دوميتيو يملك كل شيء : جاذبية ورجولة ووسامة وهذه الصفات كانت تجعلها ترتجف وليست هي وحدها في ذلك بل كل امرأة في دار ناشريه ( غافرون وبليك).
ردت عليه بصرخة : ( بعد ساعة أخرى).
كانت تعلم طبعا أن الحفلة ستمتد أكثر من ذلك, ولكن كونراد دوميتيو كان عديم الصبر مع الدعاية والإعلان مع أنه لم يكن وسيما وبطلاً فقط . بل كان أيضا أميراً, أميراً...
دائرة الدعاية لم تكد تصدق عندما عرفوا حقيقته, فهو أمير إضافة إلي كونه كاتبا ممتازاً. وكتاب ( رماد تذروه الرياح) سيحوز علي الرقم القياسي في المبيع.
قال كونراد وهو ينظر إلي ساعته: ( بعد ساعة؟ لا بأس).
بإمكانه احتمال ساعة أخرى, ما كان الأمر ليبدو له بهذا السوء لو لم تكن الجدران مغطاة بصوره الفوتوغرافية وكأنه نجم سينمائي فهو لم يشأ قط أن تؤخذ له تلك الصور. وفي الواقع, لم يكن يريد أن يكتب ذلك الكتاب علي الإطلاق. ولكن مصور البعثة تقدم مسافة مذهلة من البركان المتفجر وأخذ مزيدا من الصور للفريق الهارب من فوهة البركان, وهذا جعل كونراد يقر بأنهم يستحقون كتاباً. لكنه لم يكن مستعدا لهذا العرض.
وكان هذا هو السبب في أن الرجال الستة الذين أخرجوا إلي خارج ظلام بركان هائج واقفون هنا تحيط بهم صور فوتوغرافية تبلغ الست أقدام علوا لجبال يتصاعد منها الدخان. وعلي مناضد هناك أكوام من كتب لامعة بينها كتابه ( رماد تذروه الرياح).
وعاد ينظر إلي ساعته فلم يكد يراها في الضوء الخافت. وسأل مساعدته في مجال الإعلان : ( ماذا تريدين أن أفعل؟).

أشارت بيدها إلي الجموع الحاشدة التي كانت تتحرك وتثرثر, وهي تقول : ( الدعاية...الدعاية....)
التوى فم كونراد وقد بدت له في تلك اللحظة أشبه بجده الملك "فليكس" ملك مونتاسورو السابق. لم يقل هذا, وإنما هز كتفيه كالعادة بشكل ذي معنى: ( بإمكاني حالما نلقي الكلمة إن أعود إلي حياتي الطبيعية. أذهبي أنتي من تلك الناحية, وسأذهب أنا من هذه).

أدار كل منهما ظهره للآخر, وعاد هو ليؤدي واجبه.

شعرت فرانسيسكا بصدمة. وقالت وهي تنظر إلي امرأة ترتدي ثوباً فضيا ذا شرائط علي الكتفين: ( كان علي أن أغير ملابسي).
ضحكت جاز وهي تنظر في إثر المرأة: ( إنها منظمة حفلات, لا تهتمي لذلك, نصف الناس هنا جاءوا مباشرة من أعمالهم مثلنا. والباقون هم المؤلفون المحررون).
ثم شملت فرانسيسكا بنظرة فاحصة هتفت بعدها: ( آه, لا, إنها ليست النظارات الموجودة في صندوق الإسعاف!)

فقالت فرانسيسكا متحدية: ( لم أجد غيرها)
مدت جاز يدها إليها: ( هاتها).
قالت فرانسيسكا : ( لكنني من دونها أشبه بالوطواط الأعمى).
قالت جاز دون عطف: ( سأقرأ لك التعليمات. حاولي أن تحضري شرابا دون أن تصطدمي بالأثاث. هذا كل ما عليك عمله).
قالت محتجة: ( ولكن...).
قالت جاز: ( ليس هناك سيدة أعمال جادة تقوم بالعمل في قاعة كهذه واضعة علي عينيها نظارات مضمدة برباط).
وعندما رأت فرانسيسكا تتمتم متمردة, عادت تقول: ( لا تنسي أنك كرست نفسك للمهنة).
أجابت: ( لكنني ما زلت أفضل أن أري بعيني).
قالت جاز بلهجة باتة: ( لا. فأنت تمثلين مكتبة باز الليلة. وينبغي أن نكون محترمات هادئات, وهذا لا يمكن بنظارات مربوطة برباط)
أذعنت فرانسيسكا وسلمتها النظارات, فتناولت جاز كيساً لامعا؛ (خذي هذه بيانات الدعاية وهدية الحفلة).
قالت فرانسيسكا بأسي: ( علي أن أتعلم الكثير).
وكانت جاز قد بدأت تبحث في محتويات الكيس.
قالت ****ة: ( هذا شوكولا..... خذيه. برنامج الحفلة, نحن بحاجة إليه الآن. أي كتب لدينا الآن؟ ( عين موضع الحوت)لا. ( خمسة آلاف سنة من الرفض) قصة تافهة حتما تأليف البروفيسور لا أدري ماذا, لا. ( رماد تذروه الرياح) و ( مؤلفان) لا أحب هذا.... ومع ذلك, يبدو أن الاثنين ممتعان تماماً. فلنر...)
علمت فرانسيسكا أن لا جدوى من أن تحاول قراءة شيء من دون نظاراتها. وفي مثل هذه القاعة المظلمة ستكون محظوظة جداً إن هي لم تصطدم بشيء, قالت بجفاء: ( سأكون مصدر خطر الليلة).
لكن جاز لم تكن منتبهة إليها وهي تدس في يدها ورقة لامعة وتقول بحماسة وهي تنظر إلي المدخل بلهفة: ( انظري إلي هذا).
نظرت فرانسيسكا... يبدو أن هناك وجها في مكان ما.
قالت: ( آسفة).
قالت جاز وهي تمسك بالنشرة بنفاذ صبر: ( إنه بالغ الجاذبية بل أكثر من ذلك بكثير, اسمعي).
وقرأت النشرة بصوت مرتفع: ( كونراد دوميتيو هو أحد أهم علماء الزلازل في عصرنا, لكنه ليس خبيراً في البراكين. وعندما ذهب في بعثة البروفيسور"روي بلاكلاند" إلي "سلامان كاو" , كانت هي مغامرته الأولي إلي فوهة البركان).
قالت فرانسيسكا: ( آه, أرجو ألا يكون كتابا آخر ‘ن البراكين).
فقالت جاز وهي تطالع النشرة: ( اسمعي. هذا هو الجزء الجيد: أما كونراد دوميتيو, فهو أيضا معروف بأنه كونراد ولي عهد مونتاسورو. فهو وريث جده, الملك السابق فليكس البالغ من العمر خمسة وسبعين عاماً, وفيليكس نفسه هرب إلي لندن عن طريق إيطاليا بعد أن أمضي سنوات مراهقته محاربا الغزاة من قلعته دوميتيو الحصينة في الجبال. ويقول فيليكس, الملك السابق دون تردد: ( حفيدي خُلق قائداً). أما جواب كونراد دوميتيو نفسه فهو بسيط, إذ يقول: ( كنت أفعل كل شيء بإرشاد الكتاب لأني كنت جديداً, أما الآخرون فقد كانوا معتادين علي الوضع تماماً. لأنني كنت قد انتهيت لتوي من قراءة كتاب عن ثورة البراكين. ونتيجة لعمله هذا, هناك ستة رجال ما زالوا أحياء اليوم. وهذه هي قصتهم ).
ورفعت بصرها عابسة: ( مونتاسورو؟).
تجاهلت جاز قولها هذا, وهي تقول: ( له جسد أبولو وهو إلي ذلك ينقذ حياة الناس أيضاً....إنه هادئ... أليس كذلك؟).
هزت فرانسيسكا كتفيها: ( أظنه استلم المسؤولية لأنه توقع الناس أن يقفزوا حين يقول لهم, اقفزوا, كيف عرفت أي نوع من الأجساد لديه؟)

فقالت جاز: ( بالنظر إليه. إنه هناك, رجل طويل يرتدي قميصا كحلياً. ربما أنت المرأة الوحيدة التي لم تنتبه إليه لحظة دخولها).
رفعت فرانسيسكا يديها باستسلام: ( حسنا, حسناً... أنا آسفة بشأن النظارات . ماذا أقول غير ذلك؟).

قالت جاز: ( ليس شكله فقط, أريده, أحضريه إلي).

هزت فرانسيسكا رأسها البني الشعر وقالت بحدة: ( أحضريه بنفسك. ماذا تضنينني؟ كلب صيد؟).

فقالت جاز: ( أنت هي المسئولة عن دفتر الإمضاءات وإلقاء الكلمات المسائية. وهذا هو الموضوع الذي يخصك الآن. أذهبي وقدمي له عرضا لا يستطيع رفضه, هذا الرجل غير عادي, إنه طبق شهي).
قالت فرانسيسكا ضاحكة : ( قسم الأطباق الشهية هو القسم المسئولة أنت عنه, أما أنا فمسئولة فقط عن كتب والعلوم المملة , والأهم أنني لا أستطيع رؤية الرجل دون نظارات).
قالت جاز بجفاء: ( هذا يعني إنك لن تضعي يدك عليه).

حاولت فرانسيسكا ألا تجفل وهي تقول بحزم: ( أنت تريدينه, قومي إذن بإغوائه).
ضحكت جاز بصوت عال: ( الناشرون لن يهتموا بالجدد المستقلين أمثالنا, لا شك أنهم سيركزون اهتمامهم علي المكتبات الكبرى).

سألتها فرانسيسكا: ( حسناً, ليس عليه أن ينفذ كل ما يقوله له ناشره أليس كذلك, هل هو رجل أم فأرة؟).
قالت جاز: ( إنه كاتب يريد بيع كتابه, فإذا طلب منه الناشر, أو موظف العلاقات العامة, أن يدهن نفسه باللون الأخضر ويقوم بشعوذات أمام الأطفال, فسيفعل. لن ينظر إلينا! فلا رجاء في ذلك).
لم تكن فرانسيسكا تحب الإلحاح. لكنها ابنة أبيها وهي مثله لا تحب أن يطلب منها القيام بشيء لا فائدة فيه.
أجابتها ساخطة: ( لن ينظر إلينا؟).
أخذت جاز تنظر إليها برضي وفرانسيسكا تلقي بنفسها بين الجموع متجه إلي حيث أمير مونتاسورو. لقد تعلمت في الأشهر الثلاثة التي عملتا فيها أن لا شيء يوقف فرانسيسكا عن ملاحقتها هدفاً.
انطلقت فرانسيسكا في طريقها متفجرة بالحماسة, لكنها لم تكد تخطو ثلاث خطوات حتى بدأت حماستها تخبو. كانت أصغر حجما من أن تخطو بين هذه الجموع وحاولت أن تكبح حافزا كان يدفعها إلي القفز طلبا للهواء.

شعرت بأن كل شيء بضعفي طولها, أطول وأكثر ثقة بالنفس وأعلم منها بكثير. وكلهم كانوا يتحدثون من فوق رأسها.
أخذت تتمتم بصوت غير مسموع: وما الجديد في ذلك! ورسمت علي وجهها ابتسامة مشرقة. وتبددت الحماسة وحلت محلها قوة الإرادة...
ثم أخذت تبحث عنه وكأنها تبحث عن رجل خارج الكرة الأرضية والذين سمعوها تصيح تسأل عن كونراد دوميتيو لم يعرفوا أين هو رغم معرفتهم الاسم, فقد كان كل منهم مشغولا بالاستمتاع بوقته.
وقفت لتأخذ بعض الكتب, وإذا بها تسمع صوتا خلفها يسألها: ( هل قلت دوميتيو؟).
استدارت, ثم كان عليها أن ترفع بصرها إلي أعلي. ثم أعلي, كان المكان أكثر ظلمة من أن تري جيداً حتى ولو كانت تضع نظاراتها. لكن حسا بالقوة تملكها...وقالت بشيء من الاضطراب: ( نعم أتعرفه؟).

تردد الرجل وحاولت هي عبثا, أن تركز عينيها عليه, ولكن كان شيء في الرجل جعلها تريد أن تراه جداً.

هزت رأسها قائلة بحزم: ( لأنني أريد أ، أتحدث إليه).
فانحني عليها يسألها: ( ماذا؟).
شمت رائحة برية مثل رائحة الغاية أو الشربين, وكانت خفيفة أشبه بذكرى نصف منسية, وفاجئها ذلك.
أمسك بمرفقها, قائلا: ( فلنذهب إلي مكان يمكننا فيه أن نسمع بعضنا).
خرج بها إلي شرفة صغيرة حيث ابتعدا عن القاعة الخانقة. كان الجو ممطراً, لكن مظلة هناك أبعدت معظم المطر عنهما, ثم أدارها إليه.
هل هو انطباع بالقوة تملكها؟ لا بد أنها جنت, فلدي هذا الرجل أكثر من مجرد القوة. كان صخرة, صخرة مغناطيسية دافئة ما جعلها تحبس أنفاسها لمجرد وجودها معه, وأخذ شيء في أعماقها يهتز بشكل غير محسوس, مستجيبا لتلك المغناطيسية. سألها: ( أتشعرين بالبرد؟).
هزت رأسها. لم تثق بنفسها في الكلام فقد جعل صوته أعصابها تتنبه. أخافها ذلك. إنها لا تستجيب عادة إلي رجل غريب بهذا الشكل. وحدثت نفسها بان هذه ردة فعل لرحيل باري.
أغلق الباب الزجاجي خلفهما, فخفت ضجة القاعة نوعا ما.
استطاعت أن تلحظ تحركاته حتى دون نظارتيها, كانت بطيئة لينة كسلي تقريباً. ومع ذلك كانت هادفة. وقررت أنه رجل بري بكل تأكيد, ثم التفت إليها قائلاً:
- وهكذا, لماذا تبحثين عن كونراد دوميتيو؟
شعرت وكأنها اصطدمت بجدار. رفعت بصرها إليه.. متمنية لو أنها أطول... ولو أن نظارتها علي عينيها.
اهتزت ابتسامتها المشرقة وهي تقول:
- أريد... أريد أن أدعوه إلي حفلة توقيع كتاب.
فقال بتكاسل: ( توقيع كتاب).
كانت تشعر به متيقظا حذرا. بدا وكأنه كان يراقب وينتقد ويستنتج ملاحظات بالغة الدقة والذكاء هنا الآن, إلا أنه لن يطلع عليها أحداً.
تمنت لو تستطيع رؤية وجهه بشكل واضح, وصممت علي أن تشتري نظارات جديدة غدا صباحا قبل أي شيء آخر.
حاولت أن تتملك نفسها, واستطاعت ذلك باستثناء رنين خفيف في أذنيها. ثم قالت:
- نعم. فأنا بائعة كتب.
أدركت فجأة أنها المرة الأولي التي تقول فيها ذلك.
- أنا جديدة في المهنة نوعا ما. وقد اتخذت مكتبة مستقلة منذ عدة أشهر.
فقال مفكراً:
- وهكذا تريدين أن تظهري نشاطك.
- أظن ذلك.
فسأل باهتمام صادق:
- هل عملك ممتع؟
حملقت فيه لكن حملقتها لم تجعلها تري بشكل أفضل, مع أنه علي الأقل, أخفي حقيقة أن نظرها ضعيف كالوطواط.. وأجابت: ( حتى الآن هو ممتع).
- أنت حذرة جداً.
كان من القرب منها بحيث استطاعت أن تشعر في صوته أنه يبتسم فرفعت إليه بصرها ضاحكة:
- لا بأس. حتى الآن هو بغيض. ما رأيك في هذا؟
ساد صمت غريب. وساورها إغراء ساحق بأن تغضن عينيها لتركز نظرها علي وجهه فتراه بشكل أفضل, لكنها حدثت نفسها بعنف بأنها لن تفعل ذلك.
أجاب: ( أنه مشجع أكثر).

حاول شخص ما أن يفتح الباب خلفهما, فتحرك وبذلك سد الطريق علي الخارج إلي الشرفة. وسمع صوت يعتذر, ثم عاد الباب ينغلق.
لا يمكنها أن تكون واثقة تماماً, خاصة وهي غير قادرة علي رؤية وجهه كما يجب.. لكنها شعرت أنه لا يريد أن يقتحم وحدتهما أحد.
تأوهت فرانسيسكا داخليا, لكنها ما لبثت أن تمالكت نفسها.
سألها: ( أين هي مكتبتك؟).
- في شارع صغير جانبي قرب النهر في "فولهام". كانت مكتبتنا في الأصل كوخين من طراز العهد الفيكتوري, خلف مستودعات الغاز, خلف "كينغ رود".
أعطته هذه الإرشادات الدقيقة لأن هذه عادتها في الدقة. فضحك وقال: ( لا أظنك ترسمين الخرائط؟).
أجابت بشيء من الخجل: ( أحب أن أكون واضحة في ما أقوله. آسفة).
- لا داعي للأسف, فهذا نافع جدا. ليس لديك فكرة عن عدد الناس الذين يدلونك علي المناطق بشكل غير كافٍ, ضانين أنهم علي صواب.
فكرت فرانسيسكا في صور الجبال والشلالات التي رأتها في المدخل وسألته: ( هل أنت عالم بالجغرافيا؟).
- نوعا ما.
أتراه بائع كتب منافسا يحاول أن يستخرج أسرارها بأسئلته هذه؟ ولكن ما هي الفائدة من ذلك؟
قالت: ( طبعا, عندما أقول: توقيع كتاب, فأنا أعني في الواقع أكثر من هذا. فنحن نقيم لاجتذاب الزبائن إلي مكتبتنا "باز", مناسبات مسائية, قراءات, أحاديث وما أشبه. إن الناس يتصلون بنا ليسألونا عن المناسبة التالية ونوعها. وقد نقيم أحيانا مناسبة لعرض وترويج عدة كتب).
علمت أنها تثرثر...لكنها لم تعرف لماذا, كان طويلا ولم يكن الطوال من الناس يرهبونها عادة.
لم يكن مرهبا بالضبط...إنما مسيطرا.. ثمة شيء ما فيه جعلها تتكلم بكثرة وبصوت مرتفع.. وكانت طوال الوقت تشعر به ينظر إليها.
تنحنحت قائلة: ( وماذا تفعل أنت هنا؟).
أحست بأنه قرر شيئاً ما. وقال: ( آه, طائر غريد).
ظنت أنها لم تسمعه جيدا . فسألته: ( ماذا؟).
فقال: ( أنا أغني لأحصل علي عشائي, أو يحدث هذا عندما يستدعونني لمواجهة الصحافة بعد دقائق).
قال بارتياح: ( آه, أنت كاتب إذن!).
قال الرجل بأسي: ( ليس هذا بالضبط. كل ما في الأمر أن مصورا لصا أدركني وكنت أنا أضعف من أن أقول له لا).
قالت بارتياب فهي لا تصدق أن من الممكن أن يكون هذا الرجل ضعيفاً: ( أحقاً؟).
فضحك: ( كان يجب أن تري الصور علي مدخل بركان ثائر يعلو عشر أقدام, وذئب يقفز جعل كل شخص يتراجع خطوتين).
- لقد فاتتني رؤية الذئب.
- هذا أفضل, أنه كالكابوس.
قالت بفضول: ( يبدو كأنك تستنكر لذلك).
- أنا؟ وماذا لدي لكي أستنكره؟ لقد كتبت شيئا وليس علي أن أقوم بالدعاية له.
فلم تصدق إنكاره فقالت: ( ولكن...؟).

ثم سكتت, فقال: ( أنت حادة الطبع أليس كذلك؟ لا بأس, أعترف بأنني لست متحمسا لكتب التسلية تلك, ولم يسبق أن تصورت نفسي مساهما فيها).
- ولماذا فعلت ذلك إذن؟
ثم قرر أن يأخذ الأمر بهزل: ( لقد قدموا إلي مالا كثيرا حسناً؟ هل انتهت تساؤلاتك؟).
- نعم. انتهت.
لكنها لم تستطع أن تتخلص تماما من الشعور بخيبة الأمل, إذ لم تتوقع أن يقدم رجل مثل هذا علي عمل لا يحبه من أجل مبلغ وافر من المال.
قال بدهاء: ( والآن يبدو أنك أنت التي تستنكرين).
تحركت بضيق, قائلة: ( من السهل أن تتعفف عن المال عندما يكون لديك الكفاية منه).
قال بشيء من الانفعال: ( أنت ذات عقل راجح).
أسرعت تغير الموضوع وأنا واثقة من أن كتابك سينجح. الناس يلتهمون هذه الكتب المصورة حالياً, خاصة إذا كان المؤلف امرأة شقراء أو أميراً ملكياً كما أظن).
فقال: ( أمير؟).

فأجابت: ( نعم. لهذا أردت أن أتحدث إلي كونراد دوميتيو فقد رأيت من النشرة التي وزعوها للدعاية أنهم استطاعوا أن يجعلوه أن يقوم ببعض مغامرات الغلمان).



ساد صمت طويل... طويل, ثم قال بصوت يحوى أكثر من مجرد الاستنكار: ( آه, إذن لهذا كنت تبحثين عنه؟).



تملكها الشك لحظة, لكنها نبذت ذلك حالاً. لا يمكن أن يكون هذا الشخص أميراً! هذا الرجل الطويل الممشوق. فكل من تعرف من المونتاسوريين هم سمر صغار الأجسام كأبيها.



فقالت: ( حسناً, أنه في الحقيقة أمير سابق, ولكن يبدو أن بعض الناس يتأثرون به).



- بعض الناس, ولكن ليس أنت.



قالت ضاحكة: (لا, ليس أنا, لكنني علي كل حال, حالة استثنائية).



- أحقاً؟ ألا يستحق الأمراء اهتمامك؟



فضحكت بصوت مرتفع: ( لست ضد الحكم الملكي إذا كان هذا ما تعنيه. ولكني أعرف قليلا عن هذه الأسرة المالكة بالذات).



فقال ببطء أكثر من المعتاد وشيء من الارتياب: ( أحقاً؟)



انتصبت تقول وقد أصاب ذلك منها وترا حساساً: ( ولي عهد مونتاسور يطالب بعرش بقعة حقيرة في البلقان مؤلفة من جبلين وساقيتين يسمونهما نهرين, إنها أشبه بمزرعة عائلية منها بمملكة).



ساد الصمت. لقد استحوذت الآن علي اهتمامه بكل تأكيد, ثم قال رجل الغابات بتكاسل: ( أنت ذات اطلاع كبير).



فقالت: ( بكل تأكيد, محصولها الرئيسي القمح والعنب, وسكانها بمعظمهم قطاع طرق).



انفجر يقول بحدة: ( قطاع طرق؟ لقد أكملت بحثك حقاً).



- المونتاسوريون في المنفي حسني السيرة, لكنهم كانوا, في الأصل, قطاع طرق في الجبال, ثم استقروا في محطات الطرق, في العصور الوسطي, ثم شرعوا يأخذون الإتاوات من المسافرين).



فقال: ( هذا ليس قطع طرق).



- لقد طوروا هذا فيما بعد, وقد اغتنوا من وراء الخطف والابتزاز والاغتصاب قرابة العشرة قرون. ثم ارتبطوا بعلاقات عامة كبرى ومن ثم تحولوا إلي مرتزقة أحرار.



ساد صمت صاعق. ثم قال ببطء: ( يبدو أنك خبيرة. هل تخصصت في دراسة تاريخ البلقان؟)



ضحكت ساخرة: ( بشكل ما. أبي من مونتاسورو فنشأت علي ما كان يقصه علي).



صمت آخر أطول, وشعرت به يفكر... مزال الموقف مربكاً رغم خصامهما, كان الجو يضج بذبذبات الإعجاب... تباً لذلك!



قال: ( إنها قصص لا تبعث علي الزهو)


.


فقالت: ( حسناً, أبي هو ضد الملكية).



فقال وكأن هذا فسر كل شيء: ( وأنت ورثت عنه التحامل والتحيز).



فتصلب جسدها: ( لا, أبدا لا يهمني أمر الملكية بأي شكل. أما ما لا أستطيع احتماله, فهو أن كثير من الناس مازالوا يعيشون في الماضي, ملوك سابقون؟... يا للسخافة! لا يمكنك أن تمضي حياتك بصفتك شيئا سابقاً. عليك أن ترسم لنفسك خطاً تسير عليه).



- أنت.... حقود جداً.



نظرت إليه بارتباك: ( لماذا؟ هل لأنني أكره الحنين الزائف إلي الوطن؟) .



كان ينظر إليها بتلك الطريقة مرة أخرى, لم تكن تستطيع رؤيته بوضوح, لكن التحفظ كان يفارقه شيئاً فشيئاً.



وكان يقول ببطء: ( لأنك رسمت لنفسك خطاً ترفضين التزحزح عنه. كم عمرك؟).



ففتحت عينيها بحدة: ( ثلاثة وعشرون, وأنت؟



ضحك برقة: ( اثنان وثلاثون صاعدا نحو المائة في هذه الدقيقة فقط.)



فسألته: ( ولماذا في هذه الدقيقة؟).



لكن الحظ لم يسمح له بأن يجيب, إذ انفتح الباب الزجاجي بعنف لتنساب منه أصوات الموسيقي. فتنحى جانبا لكي يمر بعض المحتفلين واغتنم الفرصة لكي ينظر في ساعته قائلاً: ( المفروض أن أكون الآن في غرفة الصحافة أؤدي واجبي).



فهتفت بغضب وخيبة أمل, وهي تمد يدها: ( آه, أتمني لك حظاً سعيداً).



وسألها وهو يصافحها: ( هل سأراك فيما بعد؟).



فهزت رأسها: ( حالما أعثر علي الأمير, سأذهب إلي البيت).



ابتسم بفتور: ( تقصدين الأمير السابق).



وبقي ممسكا بيدها فقالت بذهن شارد: ( أيا كان لقبه).



- أنت تحبين أن تكوني دقيقة .



- نعم. أظن ذلك. وكانت ترتجف بشكل غريب فقال: ( هذا واضح. حسنا إذن. الأفضل أن نقول وداعاً).



وجذبها بيدها يدنيها منه خطوة ثم انحنى عليها, وقبلها علي وجنتها بخفة.



شهقت فرانسيسكا. وشعرت لحظة بموجة من الهواء البارد النقي تغمرها... لكنها ما لبثت أن عادت إلي واقعها علي الشرفة المزدحمة. وقالت لاهثة قليلاً: ( ال.. الوداع).



فانتصب واقفاً: ( حظاً سعيدا لك أيضاً, أرجو أن تعثري علي أميرك السابق).



فرانسيسكا, التي لم يسبق أن أقرت قط بعجزها عن أداء مهمة باشرت بها, فكرت, بأن تتخلي عن مهمتها هذه. لم تشعر برغبة في القيام بأي عمل هذا المساء سوى العودة إلي البيت واستعادة أنفاسها.



لن تفقد تركيز ذهنها علي عملها فقط لأن باري دي لاتوش تركها, ولأن رجلاً غريبا قبلها علي وجنتها....لا, لن تفعل! وقالت تحدث نفسها: أنا أحصل دوما علي الرجل الذي أريده.





* * *



نهاية الفصل الأول


2- أشواك بلا ورود


قال كونراد بحزم: ( أريد أن أعرف كل شيء عن مكتبة في شارع فولهام قرب مستودعات الغاز. لن أتحرك من هنا قبل أن أعرف اسم صاحبتها).
كانت وكيلة الدعاية تبحث عنه بلهفة متزايدة. قالت متعهدة: ( سأبحث لك عن ذلك. تعال فقط الآن وتحدث إلي الصحافيين).
سألها: ( وكيف ستعرفين ذلك؟).
- سأسأل. لا بد أن أحداً بين هذه الجموع يعلم.
- لكنني لا أعرف اسم المكتبة.
أخذت تحثه علي السير نحو الغرفة حيث اللقاء بالصحافيين, وهي تسأل: ( ماهو شكلها؟ وكم عمرها؟ بماذا تهتم؟).
- إنها سمراء صغيرة الحجم ذات عينين كبيرتين بنيتين تتسعان أحياناً وتدمعان وكأنك أعظم شيء رأته في حياتها. إنها في الثالثة والعشرين, وهي عنيفة).
فقالت موظفة الدعاية مجفلة بعض الشيء: ( آه, هذا يكفي لكي يجعلنا نعثر عليها, هل قلت شارع فولهام؟).
وعندما أنهى حديثه عن كتابه ( رماد تذروه الرياح) كانت قد عادت: ( يبدو أن اسم صاحبته هو "جاز إلين" , اسم المكتبة "باز". لكن طول جاز حوالي ست أقدام, سوداء رائعة اللون ورائعة الجمال).

- ليست هي ابحثي مرة أخرى, اسمعي... هي تعرف الكثير عن مونتاسورو, أو تظن نفسها تعلم, فقد كان أبوها لاجئاً.
أحد الصحافيين الذي تسلل خارجا من الغرفة أملاً في أن يظفر بحديث خاص مع الأمير السابق, سمع هذا الكلام, فدس نفسه بينهما: ( أتعني ابنة بيتر هيلير؟).
قطب كونراد حاجبيه وقال باشمئزاز: ( هيلير؟ ذلك المحتال؟).
ضحك الصحافي: ( أيمكنني أن أنقل عنك هذا الكلام؟ إنه مليونير عالمي محترم هذه الأيام.)
لكن كونراد لم يبتسم بل بدا منزعجا كل الانزعاج وقال له: ( أتريد أن تقول أن ابنة بيتر هيلير تضيع وقتها في مكتبة صغيرة في ظل مستودعات الغاز؟ لا أصدق هذا).
قال الصحافي: ( المكتبة ليست صغيرة. لديها أيضا زاوية خاصة في الإنترنت وضعتها, كما سمعت, ابنة هيلير بنفسها).
فقال شخص آخر انضم إليهم: ( أتعني شريكة "جاز إلين" الجديدة؟ سمعت أنها فتاة غير عادية).
قال الصحافي موافقاً: ( نعم. كل شخص يعتقد أن المكتبة ستثير فضول الناس في وقت قصير, حسناً, إنها غنية إلي حد تتمكن معه من إدارة عمل صغير كهذا دون أن تخسر).
فقال شخص آخر متأثراً: ( معك حق, فرانسيسكا هيلير ليست شريكة غافلة. إنها امرأة مخيفة دائمة التحدي, و"جاز" تراها رائعة).
وقال الصحافي بنظرة جانبية: ( وهكذا يراها الأمير كونراد كما يبدو).
لكنه لم يحصل علي الجواب الذي رجاه, لأن الرجل الطويل نظر إليه لحظة صامتاً, وعيناه غير مقروءتين, ثم أشاح بوجهه هازاً كتفيه, وقال يحدث موظفة الدعاية دون اكتراث: ( هل لك أن تحصلي علي العنوان لأجلي؟ فقد وعدتها بأن ألقي لديهم حديثاً في إحدى الأمسيات).
لم يعد إلي سيرة فرانسيسكا هيلير بقية المساء. وبدلا من ذلك, وزع اهتمامه علي كل الموجودين, كما أنه بقي إلي نهاية الحفلة. لكنه لم ير أثراً لفرانسيسكا هيلير.
أخيراً ترك الحفلة بخطوات واسعة غير سريعة حتى غاب عن النظر قبل أن يتسني لأحد التفكير في مناداته للعودة.
* * *
فرانسيسكا, ياله من اسم غريب لفتاة نصف انكليزية ونصف مونتاسورية! شعر وجبين واسع وملامح بشبه ابتسامة غامضة.
طبعاً, لم تكن فرانسيسكا هيلير هادئة هذا المساء لكنها لم تصادفه بصفتها من الجيل الثاني المونتاسوري لكي تخدعه وتستولي علي ثقته.
هذا لا يعني أنها تعتبر نفسها مونتاسورية. فكل ذلك الهراء الذي قالته عن قطاع الطرق! كان عليه أن يتحداها بالنسبة إلي ذلك علي الفور. ولم يعرف لماذا سكت. رباه! بل يعرف. يعرف بالضبط لماذا, فقد كانت تنظر إليه بتينك العينين الواسعتين, وكأنها موجودة في حلم, وكل ما كان يريده هو أن يدعيها تنظر إليه بهذا الشكل إلي الأبد.
نعت نفسه بالحماقة. والغباء! كل ما كان يهمها هو أن تحصل علي أمير لأحدى مناسبات مكتبتها, وكل ما استطاع أن يعرفه هو أنها في العمل بمهارة أبيها, وابنة بيتر هيلير هي آخر شخص قد يتورط معها.
نعم. ذلك أفضل. سيتمشي قليلاً ليفكر في كل شيء يعرفه عن أبيها.
ذكر كونراد نفسه بأنه يعلم كل شيء عن بيتر هيلير ومعاملاته التجارية, وكل الجالية المونتاسورية تعرف ذلك, فهم يعرفون أن هيلير رجل عديم الرحمة مولع بالمكاسب وغير شريف أبداً... وقد سخر عدة أشخاص من الجالية المونتاسورية لمصلحته بشكل قاس أناني دون أي جرم اقترفه أولئك سوى الترحيب به عند مجيئه إلي لندن.
سيضع فرانسيسكا هيلير الغامضة ذات العينين النديتين في مكانها الصحيح لأنها ابنة بيتر هيلير.

ولكن هذا لم يحدث, فقد نفذت فرانسيسكا تحت جلده كشوكة الوردة. أسرع كونراد في سيره دون أن يلحظ برودة الليل أو المطر المتقطع وكان يحاول أن يقنع نفسه بأنها غلطة آنية, وأنه لا يريد في حياته امرأة يخجل من تقديمها إلي جده أو شعبه ... وأنه لا يريد أيضا في حياته فتاة بريئة غامضة العينين. ثم تذكر كيف رفعت رأسها مجفلة عندما ظنته يسخر منها. وكيف انحبست أنفاسها عندما لمسها. وتذكر العينين الكبيرتين المتسائلتين اللتين شعر بهما تنظران في أعماق روحه.
حدث نفسه بأن فرانسيسكا هيلير إما ورثت عن أبيها معاملاته الماكرة، وفي هذه الحالة لا تصلح له. وإما هي فعلا كما بدت له هذه الليلة.... ولكن ليس هناك فتاة في الثالثة والعشرين بهذا الوضوح والغفلة والضعف.... وإذا كانت كذلك حقاً....
آه، إذا كانت كذلك حقاً, فإن كونراد دوميتيو ليس بالرجل الذي يصلح لها.....
* * *

تخلت فرانسيسكا عن بحثها حالما تركها الرجل الطويل. كان الزحام شديداً, ولم تستطع العثور علي جاز. ولأنها لن تعثر أبدا علي الأمير الذي لا تعرفه, ارتدت معطفها وخرجت إلي حيث الظلام والمطر.
لم يكن سهلاً أن تجد تكسي دون نظاراتها. أشارت بالوقوف إلي سيارة "رانج روفر", ثم إلي شاحنة, وأصبح ضوء إشارة السير برتقالياً قبل أن تجد تاكسي. أعطت السائق العنوان, ثم استندت إلي الخلف في مقعدها وأغمضت عينيها, صباح غد ستشتري ثلاث نظارات. واحدة للبيت وواحدة للمكتبة وواحدة تبقي في حقيبة يدها, الكابوس الذي حدث هذا المساء لن تسمح بحدوثه مرة أخرى أبداً.
لكنه لم يكن كابوسا من كل النواحي, كما همس لها صمت غامض. ذلك أن الرجل الطويل في الشرفة لم يكن كابوساً.... بل كان.... ساحراً جداً.
أدركت أن ثمة فرقا بين التوقع والحقيقة.... لقد كانت تتوقع أن تنتهي هذه الليلة بعودتها مع باري حيث يخططان لمستقبلهما. ولكن, بدلاً من ذلك, انتهى بها الأمر في هذه التاكسي التي كانت تخترق بها شوارع لا تكاد تراها أو تميزها, وتحلم برجل لا تستطيع تمييزه إذا رأته مرة أخرى.
حسناً, قد لا يكون هذا صحيحاً. لأن جو السلطة الذي يحيط به كان بالغ التأثير. ربما سيعود ذلك التأثير عندما تستعيد نظاراتها وتتمكن من رؤية وجه الرجل, وتلك الهالة من الطاقة الفياضة ورائحة البراري, تلك الرائحة ستذكرها من مسافة خمسين خطوة.
لم تكن ليلتها مريحة. حاولت أن تأوي إلي سريرها لكنها بقيت تفكر في باري, وفي الرجل الغريب, ثم باري مرة أخرى.
وكانت لحظة تدعو إلي السخط عندما وجدت نظاراتها الجيدة خلف وسادة الأريكة, وتذكرت عندما رفعها باري عن عينيها.
عليها أن تنسي رجل الشرفة ذاك وتفكر في باري. فهي تعرفه علي الأقل... أو تظن أنها تعرفه.
الآن وهي وحدها, أخذت تتذكر أن باري كان دوما يبدو وكأنه يصاحب فتاة أخرى, وبعد أن تعرف إليها أنتحل لذلك عذراً بكل سهولة, والآن وهي تفكر في ذلك, أدركت أنه لا بد كان يصاحبهما هما الاثنتين, رباه, ما أفظع حكمها عليه!
تخلت عن النوم وأخذت تجول في أنحاء شقتها الفارغة في معطفها المنزلي القرمزي اللون.
تسربت الدموع من عينيها فمسحتها بغضب لكنها لم تبك قط, فماذا حل بها؟
إنها لا تفتقده. إنها لم تعرفه قط فكيف تفتقده؟ كانت تفتقد الحنان فقط. حسناً, ليس هناك رجل حقا يشعر بالحنان نحو امرأة تجد أسهل عليها أن تعد وتحسب من أن تدع مخيلتها تنطلق. هي التي ورثت شكلها عن أبيها الذي يشبه سكان الكهوف الأوائل. والتي تضع نظارات مربوطة إلي بعضها البعض بشريط لاصق.
حتى ذلك الغريب لم يكن ليتحدث إليها لو أن الظلام لم يستر وجهها عنه.
لا, لا, لم يكن مكان لها في مجال الإشباع العاطفي. وقد أثبتت ذلك حوالي عشر مرات خلال سن الرشد وحدثت نفسها بأن عليها أن تعتاد علي ذلك وتكتفي بمهنتها. وبهذا, علي الأقل, يكون لها حظ في النجاح.
وهكذا, كانت في الصباح التالي قد أنهت تنظيم مناضد الكتب عندما وصلت جاز, فبادرتها فرانسيسكا قائلة: ( آسفة لأنني لم أستطع أن أعثر علي الأمير لأجلك).
أخرجت جاز "ترموس" من كيس ورقي وأزاحت غطاءه البلاستيكي ثم ناولتها إياه.
ثم قالت متفلسفة: ( هذا لا يدهشني لقد نجحت في أن أتبادل الحديث مع "موريس ديلون" الذي سيقيم حلقات دراسية حرة للمؤلفين الجدد في مكتبتنا, وذلك في الشهر القادم, ماذا عنك؟).

هزت فرانسيسكا رأسها: ( التقيت فقط برجل أراد أن نخرج إلي الشرفة ونتحدث تحت المطر).

رفعت جاز حاجبيها الأنيقين: ( هذا مثير).
ودهشت حين احمرت وجنتا فرانسيسكا قليلاً, وقالت متأملة: ( لا أراك فعلت شيئاً كنت أنا سأفعله لو كنت مكانك, أليس كذلك؟).
فقالت فرانسيسكا مضطربة بشكل عادي: ( طبعاًَ لا).
ضحكت جاز بصوت مرتفع , فقالت فرانسيسكا:
- لم أقصد ذلك. حسناً, كفى ضحكا علي. رباه! وكيف أعرف ما كنت ستفعلينه.
رشفت جاز قهوتها: ( في الحقيقة, ما كنت لأستطيع القيام بالكثير علي شرفة تحت المطر).
ونظرت إلي فرانسيسكا متأملة: ( لا بد أن الجو كان باردا جداً).
أجابت: ( آه....نعم, ربما. أنا لم ألاحظ في الحقيقة).
رشفت جاز مزيدا من القهوة: ( آه... كم لبثتما في الشرفة؟).
فأجابت فرانسيسكا بشيء من التمرد: ( لا أتذكر).
فقالت جاز: ( آه, هذا مثير للخيال كما أرى).
لم تستطع فرانسيسكا من الشعور برجفة خفيفة لا إرادية. وأدركت أن جاز لاحظت ذلك. وقالت دون وعي: ( وماذا كان بإمكاني أن أري منه؟ هذا يذكرني.... هل لك أن تعطيني نظاراتي الاحتياطية من فضلك ).
لم تقل جاز شيئاً. فقالت فرانسيسكا: ( اسمعي, لا يمكنك أن تظني أنني انجذبت إليه بشكل جاد. فأنا لم أره سوى مرة واحدة).
فقالت جاز: ( التجاذب عادة يحصل علي الفور, ولا يمكنك أن تفعلي شيئا تجاهه. حسناً, بإمكانك أن تختاري بين الاستمرار فيه أو الهرب منه... فالتجاذب قد صعقكما لتوه).
ارتجفت فرانسيسكا مرة أخري. حتى شعورها نحو باري لم يكن صاعقا تماماً, ليس بالشكل الذي تعنيه جاز. فقالت بعنف:
( اسمعي. كنت أظن, حتى أمس, أنني أحب باري, لذا لست مستعدة الآن لتلقي صعقات الانجذاب).
بدت ابتسامة واسعة علي شفتي جاز, فكادت فرانسيسكا تجن , فصاحت بها بقنوط: ( ماذا؟ ماذا؟).
محت جاز الابتسامة عن فمها, وقالت: ( كما تقولين).
قالت فرانسيسكا بكبرياء: ( أعطيني نظاراتي. لدي عملاً أريد القيام به).
أعطتها جاز ما طلبت, ثم ذهبت فرانسيسكا إلي غرفة المخزن وهي نهمهم.
تبعتها جاز أخيراً وقالت لها: ( أنا أعرف أنك لم تعثري الليلة الماضية علي الأمير, لكنني أظن أن بإمكاننا أن نقيم محاورة مثيرة ذات مساء, إذا استطعنا أن ندعوه).
لم تكن فرانسيسكا قد صفحت عنها بعد, فرفعت نظاراتها فوق أنفها وقالت: ( إنه اللجوء الرخيص إلي معالجة الموضوعات المثيرة).
فقالت جاز: ( نعم, هذا ما ظننته. لكنني نظرت في كتابه الليلة الماضية. هل قرأته؟).
رفعت فرانسيسكا أنفها في الهواء فقالت جاز: ( لا أظنك قرأته, إنها قصة جهنمية بقدر ما هي علمية).
فقالت فرانسيسكا: ( أهكذا؟).
أجابت جاز: ( ولهذا, ادعيه.... تحدثي إليه, أخبريه بمبلغ أهمية زبائننا).
نسيت فرانسيسكا أنها أخبرت ذلك الغريب الليلة الماضية بهذا الشيء نفسه, فسألتها: ( ولماذا أفعل ذلك؟).
كانت جاز مستعدة لهذا السؤال, فأبرزت لها من وراء ظهرها ورقة لامعة, وهي تقول: ( انظري إلي هذه).
نظرت فرانسيسكا, فاستطاعت هذه المرة أن تري الصورة الفوتوغرافية, كانت رائعة الجمال بالأبيض والأسود.
كان وجها مؤثراً مثيراً للإعجاب. لم يكن وسيما بالشكل المتعارف عليه, فقد كان أكثر قوة من أن يكون جميلاً بوجنتيه العاليتين وأنفه البارز المنحني وعينيه اللامعتين. لكنه كان وجها لا يمكن نسيانه بسهولة.
وارتجفت فرانسيسكا لسبب يتعذر تفسيره.
قلبت الصفحة. بالإضافة إلي التعريف بالكتاب, كانت هناك صورة أخرى, من الكتاب هذه المرة, وبألوان رائعة أظهرت لونه الذي لوحته الشمس بشكل بديع. كان قميصه قد فقد معظم أزراره يشكل واضح. بينما هو يلوح بفأس فوق رأسه, ضاحكاً. كان مفروضا أن تجعله الجبال المكللة بالثلج خلفه يبدو صغير الحجم, لكن هذا لم يحصل.

لم يكن ذلك لأن كونراد دوميتيو كان طويلاً بشكل غير متوقع, بل لأنه كان هناك تلك الثقة المتكاسلة بالنفس, والفم المرن. وتلك الضحكة في عينيه الثابتتين.



وفكرت فرانسيسكا فجأة في أنها لا تستطيع التعامل مع رجل له مثل هاتين العينين.



لكن جاز لم تشاركها تحفظها وهي تقول: ( إنه حلم النساء. كل الرجال سيرغبون في أن يكونوا مثله ويبدو أنه أنزل المجموعة من البركان بمفرده).



وقرأت بصوت مرتفع: ( لماذا يستلم الصبي الجديد المسئولية بين المجموعة؟ هل لأن كونراد في الثانية والثلاثين وهو متسلق صخور أم لأنه مبرمج بالوراثة للحكم!).



هذا مضحك! إنه مجرد رجل متسلط اعتاد أن يرمي بثقله هنا وهناك.



فقالت جاز: ( بهذا العمل أنقذ أرواحا كثيرة. والكتاب من السهل الحصول عليه).



أعادت فرانسيسكا قلب الورقة ونظرت إلي الصورة, قائلة: ( وهكذا المؤلف, كما يبدو).



كبحت جاز ابتسامة وقالت بنبرة استعطاف: ( آه, أرجو ذلك).



ضاقت عينا فرانسيسكا: ( لا تمنحي الأمراء أي قدر من الاعتبار ولا مقالة جذابة كهذه حتى).



فقالت جاز تتملقها: ( علينا أن نستغل أمسية مع الأمير الجميل, يا فرانسيسكا).



تنهدت فرانسيسكا: ( حسناً, سأتصل بالناشر).



فقالت: ( سبق أن أخبرتك بأنهم لن يهتموا بنا. نحن أقل أهمية من ذلك. عليك أن تتصلي به مباشرة, هاجميه بسحرك).



قالت فرانسيسكا بسخرية: ( سحري؟ أنا؟ هذا حلم).



وفكرت قليلاً ثم عادت تقول: ( لا بأس. إذا لم يتصل بنا الناشر, فسأتصل بالجالية المونتاسورية سائلة كم سيكلفنا).



فقالت جاز مجفلة: ( يكلفنا).



قالت فرانسيسكا ساخرة: ( أن نستأجر أميراً, كيف تظنين أن هؤلاء الأمراء السابقين يحصلون علي خبزهم؟ إنهم يؤجرون ميزتهم الوحيدة).



نظرت جاز إلي ذلك الوجه القوي في الصورة, وتمتمت تقول بمكر: ( هل قلت ميزته الوحيدة؟).



قالت فرانسيسكا شامخة: ( ما أسهل أن تعجبين برجل).



فقالت جاز: ( أنا؟ هذا هراء. كل شخص يعلم أنني صعبة الإرضاء. أنت هي الشاذة لأنك تركت نفسك مشوشة مرتبكة مع باري دي لا توش).



أجفلت فرانسيسكا: ( استمري. قولي كل شيء. لماذا سكت؟).



فأجابت جاز: ( لا أصدق أنك فكرت حقا في الزواج بباري).



كانت فرانسيسكا قد أمضت ليلة سيئة, مفكرة في ذلك الموضوع فقط.



قالت بعنف: ( كل ذلك يظهر أنني لا أميز جيداً وأنني أتجاوب مع الحنان بشكل زائد عن الحد).



هزت جاز رأسها: ( ولماذا لم تقولي شيئاً؟ كان بإمكاني أن أخبرك عن كذبه وزيفه).



لم تكن فرانسيسكا مسرورة لسماعها هذا, فسألتها: ( هل كان يمكنك ذلك؟ باعتبار أن كل من ينجذب لي غشاش؟).



ردت جاز بحدة: ( لقد زعم باري أنه كاتب مسرحي, مع أنه لم يسبق أن خط قلما علي ورق. والواقع أنني لم أعلم قط أنه كان يدعي الانجذاب إليك, لقد أبقيتما الأمر سراً).



حولت فرانسيسكا نظراتها بعيدا وقالت: ( كانت فكرة باري أن من غير المناسب أبدا أن يخرج الرجل مع المرأة التي يعمل معها ... وهكذا صدقته).



شتمت جاز بصوت منخفض, بينما عادت فرانسيسكا تقول بحزم, مشرقة الوجه: ( بإمكاني أن أعتبر هذا درساً مفيداً).



سألتها جاز وهي تتفحصها بدقة: ( هل أحببته حقاً؟).



ساد صمت قصير قالت فرانسيسكا بعده بصوت خافت: ( هذا ما ظننته).



رفست جاز, وهي الهادئة عادة, سلة المهملات بقدمها بحقد: ( يا له من ضفدع سام!).



قالت فرانسيسكا متأثرة: ( هيه.... سأنسي ذلك, يكفي أنني تعلمت درساً كهذا, وسأعود طبيعية).





* * *