منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتدى العامة
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


أمنيــــــات




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع





أمنيــــــات



(1)

أمنية


قررتُ أن أحدِّث أبي بما نفكر به.. سأعلن لـه أننا نحبّه ونقدّر ما يبذله من أجلنا. لكننا سنحبّه أكثر إذا سمح للابتسامة أن تزور شفتيه، ولحنانه أن يغمرنا من جديد.

***

حين يقترب موعد عودته يضطرب كل من في البيت (أمي.. أشقائي.. شقيقاتي..) وينصرف كل منّا إلى غرفته، إلاَّ أمي التي تستعد لتلبية طلباته. اعتدتُ في الأيام السابقة أن التجئ إلى سريري، أما اليوم فسأبقى بانتظاره وسأحدثه.

عاد من عمله مساء. الإرهاق والإجهاد باديان عليه، وحين جلس، اقتربت منه، ابتسمت لـه فلم يرد. أخبرته أن معلمنا أثنى اليوم على اجتهادي فهزّ رأسه. اقتربت منه أكثر أمام دهشة أمي التي حاولت تدارُك خطر يحدّق بي حين ذكّرتني بموعد نومي فلم أرد.

قلتُ لأبي: إننا نحبك.

ولم يجب. تابعت: أبي..

فقاطعني: هل تنقصك حاجة؟ هل تريد مالاً؟.

أجبته: أحتاج شيئاً لا يمكن شراؤه بالمال.

هزّ رأسه ساخراً: ما هي الحاجة التي لا يمكن أن نشتريها بالمال أيُّها العبقري؟.

قلت لـه ودموعي تكاد تنهمر: ابتسامتك يا أبي. حنانك الذي افتقدناه منذ أكثر من ثلاثة أشهر حين باشرت عملك الجديد. لا نريد مالاً. نريدك كما كنت الأب الحنون.

نظرته الغاضبة أوضحتْ رده، وقبل أن ينطق بكلمة أخرى كنتُ قد تذكرتُ موعد نومي فمضيتُ إلى سريري.. وبعد قليل استسلمتُ للنوم.
"تراءى لي البحر يمتدُّ هائجاً مضطرباً، وأنا أقف على صخرة مشرفة أرقب أمواجاً من الآباء يتقدمون، وحين يصلون الشاطئ يخلعون أقنعة غضب ويلقون بها في البحر فيتعالى الهدير، وتحمل أمواج البحر أقنعة الغضب فتلقي بها بعيداً بعيدَاً وتعود ملامح الطيبة تزين وجوه الآباء من جديد".

صباحاً، حين صحوت لم يكن قد تبقّى من الحلم سوى هدير البحر الذي يجاور بيتنا.

***

في المدرسة جمعت رفاقي. اقترحت أمامهم أن نلعب لعبة (لأب الحنون) حيث يمارس كل منَّا دور (الأب الحنون) يوماً واحداً، بينما يكون الباقون أبناء ينتظرون توجيهات والدهم بعد أن يخبروه بما يعانون، وبصراحة مطلقة.

لست أدري ما الذي جعل أغلب رفاقي معجبين باللعبة، مباركين لها، ترى هل يحلمون جميعاً بابتسامة أبٍ حنونٍ؟.. كان كلّ منا يمثّل الأب الحاني خلال دوره، بينما تتشابه مشاكلنا جميعاً.

بعد أيام قليلة فوجئتُ بإدارة المدرسة تستدعي أبي، فحضر ومع حضوره ازدادت خشيتي. لا شكّ أن الإدارة شكّت تصرفي لأبي فمعلمنا ذُهل وهو يرقب لعبتنا وعلم أنها فكرتي..

جلس أبي مع مدير المدرسة والمعلم على انفراد ما يقارب الساعة.. ثم غادر..

عدتُّ إلى البيت وانتظرت عودته، واحتمالاتُ العقاب قائمة وسَرَتْ خشيتي لتفرض على البيت حالة من الترقب والخوف والاضطراب.
وعاد أبي قبل موعده، ولأنني أدرك ما ينتظرني قررتُ ألاَّ أهربَ.. رغم توجيه أمي أن أدخل غرفتي.. ما زاد في اضطرابي أنه دخل البيت وعلى وجهه أشرقت ابتسامتُه التي طال غيابها عنّا.
قال لي: الحاجة التي تريدها ولا يمكن شراؤها بالمال سأقدمها لكم.. سأعود إلى عملي الأول، ولن أغيب عنكم كثيراً بعد الآن. وابتسم وتابع هامساً: (أيُّها الأب الحنون).

الفرحة غمرتنا.. عدوت نحوه.. احتضنني وأجلسني قربه ومن حوله تحلّق أفراد أسرتنا يحتفلون بالعودة المحببة.

***

أراد رفاقي أن تكون لعبة (الأب الحنون) رفيقتنا كل يوم، إلا أنني أخبرتهم أن إدارة المدرسة ستستدعي ولي أمر كل تلميذ يعود إلى هذه اللعبة.. هكذا أبلغني والدي..

أتساءل: هل ينتظر رفاقي عودة ابتساماتٍ حانيةٍ لتحطّ رحالها على شفاه آبائهم.. أتمنى ذلك..



***







(-2-)

وأمنية


قطرات المطر تضرب زجاج نوافذ البيوت بقوة، والريح تقرع الأبواب وتهز الأشجار، الشوارع خالية من المارة، كأنما جاء الشتاء يقضي واجبه مسرعاً يريد مغادرة بلادنا.. استمرّ انهمار المطر ساعات بلا انقطاع كانت كافية لتشكل سيلاً، وحين توقف كان عليّ أن أمضي إلى متجر جارنا محمود لأحضر الشمع تحسّباً لانقطاع التيار الكهربائي، فحالة الجو لا زالت تنبئ بمزيد من المطر والبرق والرعد والريح كما قالت أمي..

وفي المتجر اضطررت إلى الانتظار بعض الوقت، بسبب حوار أثاره المطر بين جارتنا رابعة وصاحب المتجر محمود، الذي شكر الله على نعمه وتمنّى أن يستمر هطول المطر.

أما رابعة فأجابته: تريد أن يستمر هطول المطر؟..

ماذا يهمّك؟ أنت لا تسكن تحت سقف يحمل إليك نصف ما يهطل.. الدّلف يهدّد بيتي، ولا معين لي إلا الله.

قال محمود: أيتها العجوز الأنانية.. من أجل قطرات تدلف من سقف بيتك تريدين للمطر أن يتوقف.. المطر نعمة وخير. ثم لِمَ لا تطلبين المساعدة لتدارك أمر الدّلف وقت الصحو؟ أم أنك لا تذكرين ذلك إلا وقت هطول المطر؟..

واستمر حوارهما.. هي تشكو وهو يعاتبها ويرد عليها، إلى أن تنبّه لوقوفي عندها أعطاني ما أريد وانصرفت عائداً.

في البيت رويت لأمي ما سمعتُ. فقالت: إنها حال الناس يا بنيّ فما نريده نحن ليس بالضرورة ما يريده غيرنا، وما يرسم بسمة فرح على وجه إنسان قد يكون نفسه ما يثير دموع حزن من عين آخر.
انصرفتْ أمي تعدّ طعام العشاء.. وأنا أزحت ستار النافذة فرأيتُ أشجار حديقتنا.. خُيّل إليّ أن حواراً يدور بينها كالذي استمعتُ إليه من رابعة ومحمود. الأشجار عرّتها رياح الخريف، وهي تنتظر أن تحوك لها أمها الطبيعة ثوباً أخضر زاهياً.. ترى هل تدرك أن ما تعانيه من عاصفة ومطر سببٌ لا بد منه لتلبس ثوبها الجديد؟
نظرتُ إلى السماء.. المساء يقبل. مساء شتائي عاصف.. ترى كيف ستقضي العجوز رابعة ليلتها؟ وهل ستصمد أغصان أشجار البستان العارية أمام عصف الرياح وانهمار المطر؟.. هل سينام جارنا محمود مطمئن البال؟.. كيف هي أحوال الناس خلف أبواب البيوت المغلقة مع القدوم الفعلي للشتاء؟..

رجوت الله أن يحل الخير في كل البيوت.


***











(-3-)

وأمنية


كلما سألتُ أحد أفراد أسرتي: متى يعود شقيقي سامر؟ أو ذكرتُ أمامهم أمنيتي بعودته سريعاً إلينا، كأنما دموعهم تنتظر سؤالي وحديثي، فقررتُ أن ألجأ إلى الصمت.. مضى على غيابه ثلاثة أشهر. اشتقت إليه كثيراً.

تحدّث شقيقي سامر كثيراً عن حلمه في متابعة الدراسة والتحصيل العلمي وكأنّما كان يرسم طريقاً للحلم عبر السفر. أخبرته أمي أن الحال لا يسمح لإمداده بالمال اللازم فأعلمها أنه يدرك ذلك جيداً. ومنذ بداية العام الدراسي أخذ يغيب عن البيت جلّ ساعات النهار لقد قرّر أن يعتمد على نفسه رغم أنه يستعدّ لتجاوز مرحلة الدراسة الثانوية. وزّع ساعات يومه بين الدراسة والعمل، كنت ألاحظ تعبه وإرهاقه فسألته: لماذا ترهق نفسك؟ ويبتسم ويقول: أتعب الآن لأستريح مستقبلاً. ويردد دائماً بيتاً من الشعر يقول:

بقدر الجدّ تكتسب المعالي

ومن طلب العلا سهر الليالي

واستمر دون كللٍ يدرس ويعمل، وأمي تدعو لـه بالتوفيق والخير حتى شارف العام الدراسي على نهايته وحان وقت الامتحان فتوقّف عن العمل وثابر على دراسته واجتاز الامتحان بجهد وصبر.

وبعد أيام حدث أمر مؤلم. مرض جارنا مروان فجأة. قال الأطباء أنه يحتاج عملاً جراحياً ينقذ حياته والعمل الجراحي يحتاج مالاً، ومروان لا يملك من هذا المال شيئاً وليس لـه حيلة في تأمينه. رأيتُ أولاده يبكون وهو يتألم فتمنيت لو أستطيع تخليصَ جارِنا من آلامه، وبينما كانت أسرتنا مجتمعة لتناول طعام الغداء قال سامر: أبي.. أمي.. قررت أن أقدم المال الذي وفرته لجارنا مروان.

دُهشتْ أمي.. قال أبي: ومتابعة الدراسة التي أرهقتَ نفسك من أجلها؟ ومستقبلك؟!

قال سامر: جارنا أشدّ حاجة مني. ما أروع أن نعيد البسمة إلى وجوه أبناء مروان. ما أروع أن نعيد إليه عافيته ونلقي بآلامه بعيداً. أنا سأنتظر فرصة أخرى. أجل، إن لم تتح الفرصة هذا العام لتكن العام القادم وأرجو أن يبقى قراري سراً فلا أريد لأحد أن يعرف من تبرع بالمال. سأدفع لإدارة المشفى وهم سيتمّون عملهم ويعالجون مروان بسرية مطلقة.

لم يجد أبي ما يرد به على شقيقي سامر سوى ابتسامة إعجاب وأنا سعدتُ كثيراً بقرار شقيقي ووددت لو أنني أيضاً أستطيع تقديم مساعدة ما..

وحمل سامر نقوده ومضى ينفذ قراره، وبعد أيام عرفتْ البسمة طريقها إلى وجه مروان ووجوه أبنائه من جديد، وعادت أسرتُهم تكمل مسيرة حياتها بعد أن تجاوزت خطراً كبيراً.

تحدث أهل الحي عن فاعل خير كريم أعاد إشراقة الحياة إلى بيت كاد يهدمه المرض والفقر.

فاعل خير لا أحد يعرف عنه شيئاً إلا نحن.

***


وصدرتْ نتائج امتحانات الثانوية العامة. وكم كانت الفرحة غامرة حين علمنا أن سامر حاز مركزاً متقدماً في ترتيب الناجحين وهذا المركز أهَّله أن يتابع تحصيله العلمي على نفقة الجامعة من خلال بعثة دراسية.

قال والدي: مدّ سامر يد العون لمحتاج فبسط الله أمامه سُبَلَ الخير.
وسافر سامر.. ثلاثة أشهر مضت على سفره..اشتقت إليه. واليوم حين عبر سرب سنونو أجواء مدينتنا أحسستُ بحزن، وبرغبة في التحدث إلى سامر. لن أبدي حزني لأفراد أسرتي فأنا لا أريد أن أرى دموعهم.. سأكتب إليه سأرجوه أن يبقى (سامر) الذي نعرفه (فاعل الخير).. وأن يعود إلينا ناجحاً..

اشتقت إليه.. أتمنى أن تكون كل اللغات خالية من كلمات السفر.. الرحيل.. الغربة.. مهما كانت أسبابها.. ما أروع أن يعود كل مسافر إلى محبّيه..

***












(-4-)

وأمنية


حين أبلغتنا إدارة المدرسة أن الرحلة ستبسط أمام أعيننا لوحات الطبيعة الساحرة، الغابات الخضراء وتنوعها، وينابيع المياه المتدفقة عبرها، والشلال الذي يحث العصافير على أن تكمل صور الحسن بتغريدها.. ارتسمت علامات الفرح والسرور على وجوهنا جميعاً، وأخذنا نعدّ أنفسنا ليوم مميّز.

الحقيقة زرنا هذه المواقع في رحلة العام الماضي، إنما سحرها يغري الإنسان بزيارتها كلما حانت الفرصة. ما كان لغزاً حزن صديقنا رشيد نعلم جميعاً أنه غير قادر على دفع مصاريف الرحلة فهو فقير ويتيم، إلا أن ما عليه أن يعرفه ويثق به أننا لن نتخلى عنه ولن يكون في الرحلة سعادة إن لم يكن معنا.. سيكون معنا، اتفقتُ مع رفاقي على ذلك.. وكان رفيقنا في الرحلة.

***


صباح اليوم التالي المحدد حضرنا إلى المدرسة.. وبعد قليل كانت الحافلة تطوي المسافات، تجتاز حدود الغابة. ومكان استراحتنا الأولى اختاره معلمنا أخذنا نتنقل بشغف عبر دروب الغابة، نعانق أشجاراً، ندور حول جذوعها، نغني.. فجأة: رأيتُ ثلاثة جذوع جارت عليها يد إنسان كأنما قُطعتْ للتو.

وقفتُ.. تساءلتُ: يا إلهي! لم لا نبادل الإحسان بالإحسان؟!

الشجرة تغدق علينا ظلاً وحناناً ونحن نسحق اخضرارها بالمنشار.. وغير بعيد عنّا كان قاطع الأشجار يحمل منشاره كأنما يستعد لقتل شجرة أخرى. وقف صديقي رشيد قربي. أشرتُ إليه أن نختبئ فنحن سنحاول منع الرجل من أن يحرم الغابة من أبناء آخرين.

اختبأنا خلف جذع شجرة كبيرة حيث نراه ولا يرانا، وخاطبتُ الرجل محاولاً تغيير نبرة صوتي: أيها الظالم.. ماذا أسأنا إليك لتحمل إلينا منشارك؟ ألا تجد عندنا الظل الوارف حين يشتد الحر؟ أليست أغصاننا مساكنَ للعصافير التي تتمتع بتغريدها؟ أليست ثمارنا غذاء لك ولأبنائك؟ ألا نساهم في إمدادك بالأوكسجين الذي تتنفسه؟

ابتسم الرجل ودون أن ينظر إلينا أجاب: هذا صحيح ولكن ما أقوم به أيضاً استكمال لفوائدك أيتها الشجرة فأنا بحاجة لأخشاب أصنع منها أبواباً ونوافذ ومقاعد ومناضد وأبني المساكن.

دُهشتُ لتقبّله فكرة أن الشجرة تكلمه وقررتُ أن أتابع حواري معه، قلت له: ولكن ألا تراني حية فكيف تقتلُني لتستبدلَني بجماد؟ ألا تراني باخضراري مجموعة بيوت، بيت للمتعب يستلقي في ظلّي فيستريح وبيت للعصافير وبيت للفراشات فكيف تفتك ببيت حي لتقيم به بيتاً جامداً. أجاب وما زالت الابتسامة على شفتيه: المشكلة أنه لا يمكنني الاستفادة منك إلا ونسغ الحياة يدب في عروقك، فالأغصان اليابسة ليس لها إلا الموقد. وثقي أيتها الشجرة أنني أغرس بدل كل شجرة أقطعها غرستين فأنا من أكثر المهتمين بدوام اخضرار الغابة وأحاول إقناع كل أصدقائي بأن يغرسوا الأشجار ويتعهدوها بالرعاية. ثم إنني لا اقطع إلا ما أحتاجه لتصنيع أدواتي.. ألا تذكرين أيتها الشجرة كيف كنتُ أول من سارع لإخماد الحريق الذي كاد يفتك بالغابة لولا جهودُنا؟ أنسيت أنني كتبتُ عبارات التوعية والتنبيه لكل من يدخل الغابة كي يحافظ على نظافتها واخضرارها ولا يعبث بجمالها الساحر؟

حين أنهى الرجل حديثه لم يعد لديّ ما أقوله.. نظر إلي صديقي رشيد مستغرباً. تابع الرجل: والآن أيتها الشجرة العزيزة هل أتابع عملي؟..
لم أرد... عندها استدار نحونا، وأخذ يتقدم إلينا. وكلما تقدّم خطوة ازداد اضطرابنا. وحين اقترب أكثر فكّرنا بالهرب. إلا أنّه مدّ يده مصافحاً، وقال مبتسماً: هل اقتنعتِ أيتها الشجرة؟..

أحسستُ بالخجل. تابع: شكراً على هذا الحوار الرائع. أعلم أنكم أتيتم للاستمتاع بسحر الطبيعة هنا فأهلاً بكم، ولهذا سأتوقف عن العمل حتى تغادروا. يأتي الكثيرون لزيارة ربوعنا الساحرة. كلنا ندرك أن الشجرة لا تتكلم ولكن ما سمعته ربّما كان ما ستقوله الشجرة لو تكلمت. وما قلته أنا أيضاً هو حقيقة. فنحن بأمس الحاجة لاستكمال فوائد الشجرة ولا يمكن ذلك إلا بقطع أخشابها. وأكرّر أنني لا أقطع إلا ما أحتاجه فعلاً ودون الإساءة إلى أشجار مثمرة أو إلى اخضرار الغابة واستمرارها.

قال صديقي رشيد: أروع ما سمعتُ أنك تغرس غرستين بدل كل شجرة تقطعها. ليت كل من يقطع شجرة يفعل فعلك. ومع ذلك فأنا ضد قطع الأشجار مهما كانت الأسباب.
حيانا الرجل من جديد، وتمنّى لنا رحلة ممتعة وغادرنا.. وعدنا إلى رفاقنا.

***


انتهت الرحلة وعاد كل منا إلى بيته.. وفي غرفتي أخذتُ أستعيد ما قاله الرجل وقفتُ، فتحتُ نافذة غرفتي ونظرت إلى أشجار حديقتنا.. أحسستُ أنها كائنات حية لطيفة، كأنما رأيتها تغفو إغفاءة طفل وديع. وحزنت كثيراً لأنّني تذكرتُ أن أبي ينوي بيع بيتنا وحديقته ليشتري بيتاً أصغر في الحي المجاور كي يوفّر بعض المال لحاجته له.

والبيت الذي سيشتريه لا أشجار حوله. ولكن هي إرادة والدي.

حين أكبر، سأجعل الشجرة رفيقة كل مكان أسكنه.

ترى: كيف ستكون الدنيا دون أشجار واخضرار؟!..

***








(-5-)

وأمنية


حين تأكدت أمي أن شقيقي الأصغر حسام ليس في فراشه أصابها الذعر، وبعد قليل انطلق لسانها ينثر صيحات الاستغاثة والخوف. كانت الساعة تشير إلى الثالثة صباحاً، وهي المرة الأولى التي يغيب فيها شقيقي عن البيت ليلة، بل وأنا الذي أكبره بثلاث سنين ما قضيتُ ليلة خارج بيتنا.

امتدّ صوت أمي حتى ارتدَّتْ أصداؤه بالجيران المستفسرين، وبعد قليل تفرّق الرجال في رحلة البحث عن شقيقي الغائب، وتجمَّعت النسوة يحاولن إدخال الطمأنينة إلى نفس أمي القلقة... وأنا انتابني شعور بالخوف.. بالحزن.. مرَّت الدقائق بطيئة، وأخذ الرجال يعودون واحداً تلو الآخر. وكلما وصل أحدهم تهرع أمي إليه تستطلع الخبر، ولا خبر.

قال أحدهم: حسام ليس في أي مشفى من مشافي المدينة.

وقال آخر: رجال الشرطة لا علم لديهم بشأنهم.

وثالث عاد و معه أقاربنا الذين أكّدوا أن حساماً ما زارهم.

وأبي عاد بعد أن تأكد من أن كل رفاق حسام لا يعلمون شيئاً عن اختفائه.

تعالى نحيب أمي، وارتسمت على وجه أبي ملامح الحزن، وكأنما أخذ يتهيأ لتقبّل العزاء، كأنما أدرك أن شقيقي فارق هذا العالم.
وسيطر على الرجال قلق، بينما اقترب الفجر ببرودة ربيعية، وغلبتني دموعي فجلستُ قرب أمي.

***


منذ سكننا الجديد في هذا الحي قبل أسبوع، حيث باع أبي بيتنا القديم وحديقته الرائعة، واشترى المنزل الذي نسكنه الآن، والأسى ما فارق وجه شقيقي حسام. كنتُ أنصتُ لأمي وهي تحدثُ النسوة عن ابنها الغائب، الطفل الهادئ الوديع، الذي ما تجاوز العاشرة من عمره ويحتاج دفء الأسرة.

فجأة رنّ جرس الباب، ودخل الرجل الذي اشترى بيتنا القديم ممسكاً بيد حسام! وقفنا جميعاً والدهشة سمة كل الوجوه.. ابتسم الرجل وألقى التحية، وقال: لا شك أنكم قلقون لغيابه، فالساعة تجاوزت الرابعة صباحاً.

سارعتْ أمي تحتضن شقيقي العائد، كان يبكي. تابع الرجل حديثه: سمعتُ حركة غير اعتيادية عند باب البيت، وحين فتحتُ الباب وجدتُ حساماً يجلس ضاماً يديه إلى صدره خائفاً مضطرباً. وقف وكان يرتجف. سألته: ماذا تفعل هنا؟ أجاب: جئتُ أزور بيتنا الذي مات. سألته مستغرباً: الذي مات!

فقال: (حين سألتُ أبي هل سنعود إلى بيتنا يوماً؟) قال لي: ذلك البيت فارقنا إلى الأبد. فسألته: إذا مثل جدي الذي مات. فأجابني: أجل يا بنيّ، مثل جدك الذي مات.

عندها تذكرتُ أننا مقصرون بحق بيتنا فنحن منذ رحيلنا عنه ما حملنا إليه الورود، ولا جئنا لزيارته. فقطفتُ هذه الأزهار وأتيته بها عشية يوم أمس بعد أن نام أهلي، وعند بابه أحببتُ أن أجلس قليلاً، وغفوت. أريد أمي.. أريد أمي..).

كان يحدثني وهو يرتجف خائفاً، وكانت باقة من الزهور تناثرت زهراتها عند باب البيت. احتضنته وجئتُ به إليكم. وها أنا أعلن استعدادي للتخلي عن البيت فوراً وإعادته إليكم. صدقوني لا حرج لدي في ذلك فبيتي القديم ما زال ينتظرني، ثم إن إجراءات التسجيل لم تستكمل بعد أما المال الذي دفعته فأقبل استرداده على دفعات أو حين يتوفر..

كان هذا ما يؤرق أبي فالمال الذي استلمه أنفق جزءاً منه.
ورجوت الله أن نعود إلى بيتنا القديم فهناك ما يشدني بقوة إليه. وانتظرنا ردّ أبي الذي تقدم إلى الرجل وقال: شكراً لك. الحقيقة أن إحساسنا بفقد ذلك المنزل كان كما صوّره حسام (موت عزيز) فمتى نستطيع العودة إليه؟.

قال الرجل: غداً إن أحببت.

***


وخلال أيام كنا نعود إلى بيتنا الغالي وحديقته الرائعة وتعود إلينا البهجة. ترى أي رابط بين سعادتنا وبيتنا القديم؟!

رجوتُ الله ألاّ يضطر إنسان إلى ترك مسكنه لأي سبب.

***











(-6-)

وأمنية


حديث واحد على ألسنة الناس هذه الأيام. تتردد الأسئلة. تتكرر الأسئلة: إلى متى؟.. وماذا بعد؟.. والغضب عنوان بارز على كل الوجوه.

لون الدم يكاد يمحو كل الألوان.. دم عربي يسيل في أرض فلسطين العربية الحبيبة.. فإلى متى؟..

لا يكترث الناس لأسئلتي.. لغضبي.. فأنا ما زلت –كما يقولون- طفلاً في الثالثة عشرة من عمري. وأسأل نفسي: أما كان فارس عودة في الرابعة عشرة حين وقف قبالة جبل من الحديد يقذف حمماً كالبركان، وبحجره أكره المعتدين على التراجع؟ هل كانت الطفلة إيمان حجو ذات الأربعة أشهر أكبر حين اخترقت جسدها الغض شظايا حقد المعتدين الصهاينة؟.

رغم اعتراضهم على أسئلتي إلا أنني أرى نفسي أكبر حين أتحدث عن هذا الأمر. الحقيقة أنني كنت شغوفاً بمتابعة برامج الأطفال، أرقب القصص التي تصوّر العالم واحة خير، فالخير ينتصر دائماً. ولكن لِمَ لا ينتصر الخير الآن؟.




من كتاب اختفاء اللاعب الصغير مهران