منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


أصحاب العبادات المظلمة




ساهم بنشر الصفحة
موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع
السلام عليكم


أصحاب العبادات المظلمة

طارق حسن السقا

(1 / 2)
تحدث توفيق الحكيم مرارا وتكرارا في كتابه " مصر بين عهدين " عن شخصية الدكتور سعيد عن أحد الذين قابلهم أثناء زيارته لباريس في بدايات العشرينات من القرن الماضي. ولقد أفاض الحكيم وأطال في الحديث عن هذا الرجل . فمن هو الدكتور سعيد؟ وما حكايته ؟ وما علاقته بك وبي وبكل الناس من حولنا اليوم ؟

ذهب الدكتور سعيد إلى فرنسا لا للدراسة, ولكن للتمرن العلمي على الأبحاث البكتيريولوجية في معهد باستير . كان الرجل رائدا في تخصصه , مجدا في عمله وأبحاثه , محترما بين زملائه من علماء المعهد , إلى الحد الذي جعل إدارة المعهد تفاوضه لينضم إليهم بمرتب مغر , ولكن الرجل رفض الانسلاخ من بعثته , ومن الابتعاد عن خدمة بلاده .

بالإضافة إلى هذا, كان الدكتور سعيد متدينا . "دمغ الدين كل حياته , فلم يذق خمرا , ولم يلعب القمار , ولم يفارق القرآن , ولا أدخل معمله - والكلام للحكيم - إلا وأجد المصحف مفتوحا إلى جانب أنبوبة الاختبار. كان الدكتور سعيد لا يستطيع العيش طويلا بعيدا عن المساجد والمآذن . و ظل الدكتور على هذه الحالة إلى يوم وفاته , فلقد قضى اليوم السابق لوفاته كله في زيارة أولياء الله الصالحين , والصلاة في المساجد ثم توفي فجأة في اليوم التالي كما حكى عنه الحكيم .

ومع كل ذلك كان الدكتور- سعيد ذو المكانة العلمية المرموقة , والذي دمغ الدين كل حياته - متحررا فكريا : يغازل البنات , ويواعد الجميلات , وله العديد من العلاقات مع الحسناوات , وله العديد من المغامرات مع الفرنسيات : يواعد هذه , ويتلصص على تلك, ويراقب هذه من خلف نافذة غرفته , ويصف ما يراه من جمال وعري ومحاسن , وملابس شفافة لأصدقائه ( وبالطبع كان الحكيم واحدا منهم ) . وذات يوم ثارت ثورته لما نزل في أحد فنادق باريس ليلا , وفي الصباح دق الجرس طالبا الفطور , وهو يمنى نفسه بخادمة حسناء تدخل عليه , فإذا برجل عجوز بشوارب يدخل عليه بالفطور فصاح :" إخص على هذا الصباح الهباب ...رجل بشوارب اصطبح بوجهه في باريس" . وأخذ يحزم أمتعته وهو مصمم على مغادرة هذا الفندق( الفقري) . غير أن العجوز فهم مراده , وأخذ يهدئ من روعه , ويحدثه عن " زيزيت " التي تعمل في الطابق العلوي , والتي يمكن للعجوز - بحكم مسؤولياته - أن يجعلها تحت أمره فقط إذا ما قطع أحد أزرار قميصه , وأخذ يحدثه عن " جانيت " التي تعمل في الطابق الأول ويمكن أن تكون تحت أمره فقط إذا ما أصابت ملابسه بقعة مربى أو زبده, وحدثه عن " أنطوانيت " التي يمكن أن يرسلها له فقط إذا شعر أن جسمه (مدشدش) ويريد من يدلكه له فهذا عملها . وبالطبع تهللت أسارير وجه الدكتور الذي وضع في كف العجوز خمس فرنكات كانت كفيله بأن تجعل العجوز (يروق )على الدكتور الذي لم يكتف بزيزيت , وجانيت, وانطوانيت, ولكنه طمع في مديرة الفندق الحسناء ولجأ إلى حيلة – بالاشتراك مع العجوز – أتت بالمديرة الحسناء إلى غرفته .

نحن أمام شخصيه عجيبة الأطوار , رجل يشغل الدين كل حياته , والقرآن لا يفارقه, ومع ذلك فهولا يرى في النساء , ولا في تلك المغامرات النسائية , ولا في تلك العلاقات المشبوهة لا حراما ولا ضلالا. وبرغم علمه , وعقله , ومكانته العلمية , وتدينه إلا أن سلوك الدكتور سعيد كان متناقضا مع تدينه . وهذا هو الجرح الغائر الذي نعاني منه جميعا اليوم , وهذا ما يجب أن نجد في البحث له عن ضماد .

نفس القضية تعرض لها الفيلم المصري (كباريه ) الذي يعرض لحياة شريحة في المجتمع تعاني – كما كان الدكتور سعيد يعاني - من مشكلة الخلط بين الديني والدنيوي في الكثير من شئون حياتهم . فصاحب الكباريه «فؤاد» يداوم على شرب اللبن والعصائر، ويرفض تناول الخمر، ورغم ذلك يقتسم آخر الليل مع العاهرات من العاملات في الكباريه ما جمعن من نقود . وبينما كان يداوم على الاستماع إلى المنشد الديني الشيخ النقشبندي وهو يصدح بدعاء " مولاي إني ببابك " ،كان يتأفف من سماع عواء المطربين الشعبيين في صالة الكباريه بأغانيهم المبتذلة والسوقية . هذا الرجل كان يحرص على أداء مناسك العمرة كل عام , وفي الوقت الذي كان يتهيأ فيه لأداء فريضة العمرة ، كان يجبر بنات الليل «بوسي»على الجلوس مع زبائن الكباريه . و تتجسد قمة الازدواجية في الفيلم في شخصية «نهى» مضيفة الكباريه التي لا تتوقف عن استقطاب البنات , ولاعن الإيقاع بهن للعمل في الكباريه ، ولا عن الرقص طوال الليل في الكباريه من أجل هدف كبير كان يشغل بالها وتفكيرها ألا وهو تجميع الأموال اللازمة لتأمين فرصة أداء مناسك الحج لوالدتها !!

إنها حالة من الازدواجية الحادة سواء في حالة الدكتور سعيد , أوفي حالة أبطال فيلم (كباريه ), أو في حالتنا نحن. فمن منا لا يعيش هذه الازدواجية في حياته اليومية ( مع اختلاف الوسائل , والنسب , والدرجات) ؟ من منا لا يخلط بين الحق والباطل في عمله وفي يومه وفي ليله ؟ من منا لا تخلو حياته من جانب من جوانب هذا الخلط الزاعق بين الديني والدنيوي في شتى صورها ؟ إن هذا الجرح يدفعنا إلى أن نجتهد في وضع أيدينا على الأسباب التي تؤدي إلى مثل هذه الحالة من الازدواجية الصاخبة , أو إلى هذا الخلط بين الديني والدنيوي في واقعنا اليومي . فما هي الأسباب التي تؤدي إلى هذه الازدواجية الصاخبة في واقع حياة الناس ؟

(2 / 2)

. لكي نضع أيدينا على هذا الخلل لابد أن نوقن أن التدين الحق يعتمد على ارتباطات ثلاث :

أولا : الارتباط المعرفي : وهو الجهد الذي لابد أن يبذله كل منا في التعرف على حقائق هذا الدين وتعاليمه كما جاء ت في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم صافية نقية .
ثانيا : الارتباط التنفيذي : وهو الجهد الذي لابد أن يبذله كل منا في الاجتهاد في ممارسة شعائر هذا الدين وأدائها كما علمنا إياها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .
ثالثا : الارتباط النفسي :وهو الجهد الذي لابد أن يبذله كل منا من أجل الارتباط نفسيا بهذا الدين. فأية فكرة لها من يرتبط بها إما عضويا أو نفسيا . فمثلا من ينتمون لحزب من الأحزاب منهم من يكتفي بهذه العضوية وكفى , ومنهم من يرتبط بهذا الحزب ارتباطا نفسيا : فهو يدعو له , وينادي به , ويروج لمبادئه , ويتبنى أفكاره , فهو مهموم بالفكرة , التي هي شغله الشاغل, والتي تملأ عليه حياته. كذلك الارتباط بهذا الدين يجب أن يكون ارتباطا نفسيا قبل أن يكون عضويا , ارتباطا نفسيا عميقا بحقائق هذه العبادات , ومردود هذه الشعائر, ومفهوم هذا الدين , ارتباطا يُحَكِم هذا الدين في كل سلوكنا وأفعالنا , في أقوالنا وأعمالنا , في حبنا وكرهنا , في خوفنا ورجائنا , في مشاعرنا وعواطفنا , وحتى في مجرد همنا بفعل فعل, أو قول قول .

إن مشكلة قطاع عريض منا – حتى من المتدينين – أننا نهتم بتنمية البعدين المعرفي والتنفيذي على حساب البعد النفسي , فغالبا ما ينحصر البعد النفسي في حياتنا ويتضاءل , فليست هناك مساحة معتبرة لهذا البعد في حياة الكثيرين منا .لذلك يجب أن نوقن أن كثيرا من كبوات أبناء هذا الدين وانكساراتهم إنما تنتج من تهميشهم الارتباط النفسي بهذا الدين. وإذا غاب الارتباط النفسي بهذا الدين عن حياة المسلم فلابد أن ينشأ عن هذا الغياب الانحرافات الكبرى في الفكر والتصور والسلوك سواء على الصعيد الفردي أو الصعيد الجماعي .

فسواء في حالة الدكتور سعيد , أوفي حالة أبطال فيلم كباريه , أو في حالتنا - أنا وأنت - تبدو معدلات الجانب المعرفي والجانب التنفيذي عندنا عالية . (كان "عم علام "- احد شخصيات فيلم كباريه - يتوقف عن متابعة زبائن الكباريه من أجل أداء صلاة الفجر !) . ولكن ليس بينا وبين هذه العبادات وهذه الشعائر وهذا الدين أدني قدر من الارتباط النفسي . ومن ثم يتولد عن ذلك انعدام المردود الأخلاقي على سلوكنا الشخصي أو تصرفاتنا الفردية , ومن وهنا تحدث الازدواجية في حياتنا .
إن إيمانا بهذه الكيفية هو إيمان أشبه ما يكون بإيمان العواجز (كما كان يحلو للحكيم أن يصف إيمان صديقه الدكتور سعيد). وإيمان العواجز هذا إيمان أساسه النية الطيبة , والقلب الطيب , والمفاهيم الباردة . إيمان تحولت فيه العديد من العبادات إلى عادات مألوفة , بدأ الانحراف فيها ضئيلا وسرعان ما وصل إلى مداه بمرور الزمن .عبادات أقل ما يمكن أن توصف به أنها عبادات مظلمة , لا تضئ حتى مجرد ما تحت أقدام أصحابها . عبادات لا تأخذ أصحابها بعيدا عن ظلمات هذا الطريق ولا انحرافاته . عبادات لا تنهاهم عن فحشاء , ولا تبعدهم عن منكر, ولا ترتقي بسلوكهم ليتناسب مع انتمائهم لهذا الدين العظيم .
إنه إيمان مستوحى في المقام الأول من التقليد الوراثي للمجتمع الذي نعيش فيه . إيمان يملؤه الوهم الديني أكثر من أي شي آخر . إيمان يقسم أصحابُه الدين إلى قسمين : سلوك ومشاعر. ثم يبادرون ببساطة إلى الفصل بين القسمين , فالسلوك شيء والمشاعر الدينية شيء آخر . ومع هذا الفصل يعتقد هؤلاء أن المشاعر وحدها يمكن أن تكون إسلاما بمعزل عن السلوك , وهذا لا يمكن أن يكون إسلاما بالمرة . فالنية الطيبة , والقلب الطيب , والعبادات المظلمة ما لم تتحول إلى أعمال طاهرة , وسلوك نقي , وأخلاق نظيفة , وحركة إيجابية ترتقي بالفرد والمجتمع , فهي لا تساوي شيئا لا في ميزان الواقع , ولا في ميزان الله . ورسولنا العظيم يلخص هذه القضية ببساطة بقوله :" ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي , ولكن هو ما وقر في القلب وصدقه العمل "
لذلك نحن في أمس الحاجة اليوم إلى حركة يقودها الآباء والأمهات قبل الدعاة و المربين , من أجل تنمية الارتباط النفسي بهذا الدين عند أبناء المسلمين,تماما كما نهتم بتنمية الارتباط المعرفي والتنفيذي عندهم. ولنوقن جميعا أنه لن يستقيم إيمان الفرد , ولا المجتمع , ولا الأمة ما لم تتساو هذه الأضلاع الثلاثة عند أبناء المسلمين وتتطابق.


طارق حسن السقا


تحياتي

بارك الله فيك وجزاك الله كل خير
شكرا الك على طرحك الموضوع
الله يعطيك العافيه
وفي انتظار جديدك دائما
دمت بحفظ الله ورعايته


يعطيك العافية على الموضوع القيم و الراقي
و بانتظار جديدك بشوق
اخوك حمدان
يغلق لانتهاء فترة المشاهدة