منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


على ساحل بن تيمية




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع


المقدمة


الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :

من الذي عنده شغف بالمعرفة ، وميل على العلم ، وحب في الاطلاع ، وهو لا يعرف ابن تيمية ؟
من الذي لديه همة في المجد ، وعزيمة في الخير ، ورغبة في الصلاح ، ثم لا يعرف ابن تيمية ؟
هل الشمس بحاجة إذا توسطت السماء في يوم صحو أن ينبه على مكانتها ؟ هل القمر في ليلة اكتماله والسماء صافية بحاجة لمن يشيد بعلوه وسنائه ؟
إن ابن تيمية بلغ من الحظوة والرفعة وسمو المنزلة إلى درجة أنه استغنى عن لقب الشيخ ، والعالم ، والإمام ، والمجدد ، وصار أحسن اسمائه أنه : ابن تيمية !
عاشت بعض الدول خمسة قرون ، ثم اندرست وذهبت فلا اثر ولا عين ، ولكن هذا الجهبذ الأعجوبة بقى في ذاكرة الزمان ، وقلب الدهر ، قصة فريدة محفوظة للأجيال ترددها الألسن ، وتترنم بها الشفاء . عاش سلاطين ووزراء ، وأغنياء ، وشعراء ، ثم ماتوا فماتت معهم آثارهم ، وعاش ابن تيمية بلا إمارة ولا وزارة ولا تجارة ، لكن بقى معنا ومع الأجيال من بعدنا حياَ في الضمائر ، ماثلاً في النفوس ، حاضراً في الدروس والمنتديات العلمية ، ومجامع المعرفة ، وصرح الثقافة .
كلما سلكنا سبل العلم ، وضربنا في فجاج الفنون ، تلقانا ابن تيمية ، فهو إمام في التفسير ، حجة في الحديث ، منظر في المعتقد ، مجدد في الملة ، مجتهد في الفقه ، موسوعة في العلوم ، بحر في السير والأخبار ، آية في الذكاء ، أستاذ في العبقرية وسامحني – أيها القارىء الكريم – إن قلت إنه أصبح اشهر من الدولة التي عاش في عهدها !. ولا نشكوا تقصيراً في حبه – رحمه الله - ، لكنا نستغفر الله إن غلونا في التعلق به ، كيف ننسى أياديه البيضاء وكلما قلبنا سفراً

فإذا هو بين صفحاته بعلمه وحكمته وفقهه واستنباطه ، وكلما حضرنا حواراً فإذا اسمه تتقاذفه الألسن ، يتقاسمه المتحاورون ، كل فريق يقول : أنا أولى به؟!.. كيف لا نعيش معه وقد فرض علينا احترامه ، وأمتعنا بحضوره ، وآنسنا بذكره الطيب ؟ كيف لا نحب من احب الله ورسوله r ؟ كيف لا نتولى من تولى ربه ؟ ، كيف لا نقدر من قدر الشرع ؟ كيف لا نجل من أجل الوحي ؟ .
نعم عندنا – الحمد لله – من الإدراك ما يمنعنا من التقليد الأعمى والتعاطف الأرعن ، والإعجاب الأحمق ، عندنا تمييز بين الذكي والبليد ، والصادق والكاذب ، والقوي والضعيف ، والصالح والطالح ، فهدانا الله بفضله وكرمه إلى معرفة فضل هذا الإمام وصلاحه وذكائه ونبوغه ونصرته للحق ودفاعه عن الشريعة ، ووافقنا على ذلك بشر كثير من العلماء والمؤرخين وأصحاب السيرة وأرباب الفنون وأصحاب التخصصات والمثقفين من المسلمين والكافرين .
دوائر المعارف تترجم عن دول بصفحتين وثلاث ، ولكنها تتحدث عن ابن تيمية بعشرين صفحة ! ، المجامع العلمية تذكر المصطلحات في سطر ، ولكنها تتكلم عن ابن تيمية في ثلاثين سطرا ، ولسنا متفضلين على ابن تيمية إذا مدحناه أو ذكرنا مناقبه أو عددنا سجاياه ، لكنه متفضل علينا – بعد الله – بفيض علمه ، وغيث فهمه ، وبركة إنتاجه ، ونور آثاره .
ولن أفضل الكلام عن هذا الإمام فهو بحر لجي لكنه عذب ، وهو محيط هادر لكنه فرات ، وهل يستطيع المرء – ولو أجاد السباحة – أن يغوص في أعماق البحر ، أو أن يهبط إلى قعر المحيط ؟ كلا لا يستطيع ، ولكنه يستطيع – فقط – أن يطل إطلالة ( على ساحل ابن تيمية ) .
غفر الله لابن تيمية رحم الله ابن تيمية ، جزى الله ابن تيمية خيراً ، وشكراً لابن تيمية على ما أهدى وأسدى وأبدى .
ولله الحمد أولاً وأخيراً .
وكتبه / عائض القرني
تايم فيور timeviewer تيم فيور timeviewer - meet experts
معرفته لأسرار السيرة

هذا الإمام ملم بسيرة الرسول r وسيرة أصحابه ، عارف بدقائقها ، مطلع على تفاصيلها ، قضية ، ومسالة مسالة ، والعجيب أنه إذا تكلم في الخلافة والملك وقضايا الصحابة والمغازي والسير والملاحم لا يوردها إيراداً فحسب ، بببل يقف وقفة مستبصرة متفقة عالم ويخرح لك كنوزاً وهو بكتب في هذه القضايا ،دون أن يسبق إلى هذه الكنوز التي يستخرجها ؛ أذكر على سبيل المثال انه ذكر حديثين عن الرسول r
الحديث الأول : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين .." الحديث
والحديث الثاني : " اقتدوا باللذين من بعدى أبي بكر وعمر ، وكلا الحديثين في السنن ، قال أما الأول فإنه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بالأربعة الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ؛ لأنهم على هداية في الجملة ؛ ولأنهم من أفضل الصحابة رضوان الله عليهم أو كما قال ، ثم خصص صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر في الحديث الثاني ؛ لأنه كمل زهد أبي بكر وعمر في الرئاسة والمال ، وأما عثمان فتأول في المال ، وأما علي فتأول في الدماء ، فخصص صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر بتمام اتباعهما وكمال رشدهما رضي الله عن الجميع .
وفي مسألة أخرى لما ولى أبو بكر خالد بن الوليد ، ثم لما تولى عمر الخلافة نزعة وعزله وولى أبا عبيده ، قال ابن تيمية في ذلك : إن أبا بكر رجل لبن رقيق يصلح له رجل قوي شديد وهو خالد بن الوليد ، وإن عمر قوي شديد يصلح له رجل لين رقيق وهو ابوعبيدة ، فبين أن من السياسة الشرعية أن يكون الخليفة والقائد على خلاف في بعض الصفات ، ليكمل أمر الأمة في اللين والقوة والشدة ، إلى غير ذلك من الأسرار التي ذكرها في كتبه – رحمه الله –



تايم فيور timeviewer تيم فيور timeviewer - meet experts
لماذا لم يفسر القرآن كاملاً ؟
طلب من ابن تيمية أن يفسر القرآن ، فرد بأن غالب القرآن واضح معلوم للقارئ ، وإنما هناك آيات تحتاج إلى شيء من البيان والتفسير ، وهذا الذي قاله صحيح ، مع العلم أنه ينسب إليه أن له تفسيراً كاملاً فالله أعلم بذلك ، لكن في الجملة لم ار له إلا تفسير بعض الآيات في القرآن، واشتغل – رحمه الله – بالتأليف والفتيا وتأصيل المعتقد والذب عن السنة والرد على الطوائف ، ولكن العجيب أنه إذا أتى إلى آية وأراد شرحها جاء بشيء لا يوجد – غالباً – في كتب التفسير ؛ من براعة الاستنباط وحسن الاستدلال وعميق الفهم ورسوخ الفقه ، وربما سأل قلمه فأكثر في الآية وأورد إيرادات واستشكل إشكالات وحلها وبين الصواب في ذلك ، وربما رد على كبار المفسرين وناقشهم من حيث الدلالة واللغة ، ومن حيث المقاصد الشرعية ، ومن أراد أن ينظر في ذلك فلينظر إلى الأجزاء التي جمعت له في باب التفسير ، مع العلم أنه نسب إليه أنه فسر ( إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه ) على المنبر في الأسبوع مرة واحدة يوم الجمعة فيما يقارب ثلاثين سنة ، فدخل في الرسالة والرسل ، وأتى بكلام عجاب ، كتب بعضه وبعضه لم يكتب .

لماذا لم يؤلف ابن تيمية
كتاباً جامعاً في الفقه ؟
لم يعلم عن ابن تيمية أنه ألف كتاباً جامعاً في الفقه من أول أبوابه إلى آخره ؛ لأنه كان مشغولاً بقضايا أهم ؛ فهو يرى أن كنت الفقه موجودة على المذهب ، وأنها مبسوطة ومختصرة ومتوفرة ، لكن الأهم من ذلك – كما يبين هو – مسائل الأصول في المعتقد ، ونصره السنة ، والرد على المخالفين من الكفرة والمبتدعة الضلال ، وكان هذا شغله الشاغل ، فلم يكرر نفسه أو يكرر المكتبة الإسلامية ، بل جاء بالجديد المؤصل النافع المفيد ، وأتى بشيء لم يكن موجوداً من قبله ، وسد على الأمة فراغاً كبيراً ، وبنى لها صرحاً من التأصيل العلمي والتأليف النافع المفيد . ولم يشرح ابن تيمية كتاباً – فيما أعلم – إلا ( العدة ) ، شرح منه جزءاً ، ولكنه لم يشرح كتاباً فقهياً كاملاً من أوله إلى آخره على حد علمي ؛ لأنه اشتغل بما هو أهم وأعظم كالدعوة ونشر العلم والجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

تايم فيور timeviewer تيم فيور timeviewer - meet experts
التفاؤل والرجاء عند ابن تيمية
صدر ابن تيمية منشرح ، ونفسه قوية واثقة بربها سبحانه وتعالى ، وهو صاحب ثقة فيما عند الله عز وجل ، ومتفائل بالنصر دائماً والعاقبة الحسنة لأولياء الله ، وهو حسن الظن بربه ، وينظر بنظرة متفائلة للأمور ، وهو صاحب رجاء ؛ فإذا تكلم فيما أعد الله لأوليائه أسهب وأظنب ، وإذا تكلم عن أهل التوحيد بين ما لهم عند الله عز وجل من مصير مبارك ، وأذا تكلم عن التوبة رغبك في رحمة الله عز وجل ، وحبب إليك الإنابة ، وقربك من المغفرة ، وذلك على طريق العودة إلى الله عز وجل ، لا تقرأ في كلامه اليأس ، ولا تفهم منه القنوط ، ولا تجد فيه إحباطاً ، كما يفعل بعض غلاة الصوفية الذين يقتلون النفس بكثرة التأنيب وسياط التأديب ، ويكثرون من النقول في مسألة الخوف حتى يصاب الإنسان بالإحباط والقنوط واليأس من روح الله ، فيترك العمل ، لكنك كما قرأت لابن تيمية وجدت نشاطاً وانبساطاً وراحة وقوة على العبادة وعلى الذكر ، وزال عنك الهم والغم والحزن، وهذا أمر مجرب شهد به أصحابه وطلابه ، ومن شك في ذلك فليأخذ فترة من فترات الزمن ويبقى على اتصال بكتب هذا الإمام ، ثم لياخذ فترة أخرى ويقرأ لغيره ، ليجد البون الشاسع في هذه المسألة الكبرى .

تايم فيور timeviewer تيم فيور timeviewer - meet experts
ابن تيمية والشعر

الأدب – في العموم – قالب جميل وحسن يقدم فيه العالم علمه ، وابن تيمية صاحب عبارة أخاذة آسرة ساحرة في الجملة ، ولكنه لم يكن شاعراً بالمعنى الحقيقي ، ربما نظم القصائد والأبيات واستشهد لكبار الشعراء كالمتنبي وغيره ، ولكن بحد وباقتصاد ، وربما شرح البيت الذي يورده ، فيأتي بشاهد على كلمة في اللغة ، أو بدليل لرايه ، أو ينقل لكلام غيره من النظم ، إذا أراد ؛ فقد كتب قصيدة رد فيها على يهودي في أكثر من مائتي بيت في جلسة واحدة ، وكان يكتب المقطوعات التي فيها الدعوة إلى الله عز وجل ، وبيان مذهب الحق ، وربما استشهد بالبيت بالعيد في مسألة المحبة والخوف والرجاء ، وهذا من الاستشهاد الإشاري .


ابن تيمية والأمثال

إذا أسهب ابن تيمية في الحديث أورد بعض الأمثال التي سارت في الناس ، أو أنشأها من نفسه هو ؛ مثلاً تحدث عن ( البطائحية ) في وجود أصحابه وطلابه – والبطائحية فرقة صوفية ضالة ، كان عندهم شيء من الإسلام ، فكانوا إذا ذهبوا إلى الكفار مت التتار ظهرت بعض الكرامات لهم ، فإذا ، فإذا جاؤوا إلى أهل السنة بطلت كراماتهم ! فقال شيخهم له : ما لنا إذا ذهبنا إلى الكفرة التتار ظهرت كراماتنا وإذا أتينا إليكم بطلت ؟ قال : مثلكم ومثلنا ومثل التتار كخيل دهم – يعني فيها شيء من البياض – إذا دخلت بين خيل سود ظهرت بيضاء ، و، إذا دخلت في خيل بيضاء ظهرت سوداً ، فأنتم دهم ؛ لأن عندكم شيئاً من الإسلام ، والتتار سود لما عندهم من الكفر ، ونحن بيض لما عندنا من نور السنة ، فإذا ذهبتم إلى التتار ظهر بياضكم الباقي عندكم فصرتم بيضاء ، وإذا أتيتم إلينا ظهر سوادكم لظهور السنة ووضوح الحق لدينا ، قال : فتعجب الأصحاب من مثلي ! وسمع صوفياً يقرأ ( فخر عليهم السقف من تحتهم ) ! فضربه وقال : لا عقل ولا قرن ! لأن العقل يدل عل أن السقف من فوق ، والقرآن فيه( فخر عليهم السقف من فوقهم) . وله أمثال في ذلك لا يتسع المقام لذكرها، مما يدلك على سعة دائرة الرجل ، وعلى فهمه وبراءته وذكائه ، واستخدام كافه الثقافات في تقوية ما يدعو إليه وما ينشره في الناس من علم .



تايم فيور timeviewer تيم فيور timeviewer - meet experts
كتب ابن تيمية بين العامة والخاصة
لابن تيمية كتب لا يفهمها إلا الجهابذة العباقرة كـ ( درء تعارض العقل والنقل ) ؛ فإن فيه من المسائل الشائكة ، وقوة الاستدلال ، وصعوبة العبارة ، ما يرد بها عل أهل الفلسفة وعلماء المنطق ، ونجده – وهو يرد على هؤلاء – يوغل ويسهب ويتعمق في مسائل لا يدركها العلماء العاديون أو صغار طلبة العلم، فضلاً عن العامة ، فهذه ميزة ابن تيمية ؛ يوجه الخطاب للناس على كافة المستويات ، فله كتب يخاطب بها خواص الناس ،وله كتب ميسرة سهلة ككتاب ( الواسطية ) أو منهاج السنة أو ( اقتصاد الصراط المستقيم ) أو ( الصارم المسلول على شاتم الرسول ) صلى الله عليه وسلم ،وغير ذلك ، فميزته أنه لكل الطوائف ؛ فمن أراد الإيغال والعمق والدقة فله كتب ، ومن أراد السهولة والشرح والبسط فله كتب ، وغالب رسائله وفتا ويه في ( الفتاوى ) تفهم من العامة إذا قرئت عليهم من أول وهلة ؛ لأنه يوضحها ويسهلها ويجلبها ويقربها ، بخلاف غيره من العلماء ، فإن بعضهم إذا ذهب وراء التخصص الدقيق كعلم المنطق أو الفلسفة أو أصول الفقه أغلق العبارة ، وتكلم إلى طائفة خاصة ، ثم لا يستطيع أن يخاطب العامة ، وبعضهم إذا تكلم للعامة بسط العبارة وشرحها ، ولكنه لايرتقي أسلوبه ليخاطب به خاصة أهل العلم والندرة الذكية منهم .


تايم فيور timeviewer تيم فيور timeviewer - meet experts
ابن تيمية ومسألة التكفير
ابن تيمية معتصم – كما قلت – بالدليل ، عامل بالبرهان كتاباً وسنة ، مطلع على أسرار الشريعة ، عارف بمقاصدها ؛ ولذلك كان كلامه في التفكير من أحسن الكلام ، حتى إن له من الجدة في الحديث في هذا الباب ، والبراعة في التأصيل ، ما لا تجده عند غيره ، فقد نظر لهذه المسألة ، وأورد عليها أمثلة ، وطرحها بشتى الطروح ، وعدد الأساليب في ذكرها ، فاشترط وجود الأسباب في التكفير ، وانتقاء الموانع ، وجاء بمسألة الخطأ ومسألة العذر ، ومسألة التأويل ، ومتى يكون التكفير ، وتكفير المعين ، وماذا يمنع التكفير ، والقول المكفر ، والفعل المكفر ، وغير ذلك ، حتى صار كلامه مرجعاً في الباب ، ورأيت من ألف في مسائل التكفير أو ذكرها من الأئمة المعاصرين أو المتقدمين من بعد ابن تيمية ، فإذا هو يعود إلى هذا الإمام ويستشهد بكلامه ، ويقبل قوله ، ويحتج برأيه في هذه المسالة العويصة .

تايم فيور timeviewer تيم فيور timeviewer - meet experts
التسلسل الفكري عند ابن تيمية
ابن تيمية لا يخلط الأوراق ، ولا يورد الكلام على عواهنه ، بل يبدأ المسألة متدرجاً فيها من أولها إلى آخرها ، كالباني الذي يبنى لبنة لبنة ، وكالذي يصعد السلم درجة درجة ؛ فهو يبدأ بكمن أول المسألة مؤصلاً لك ، ثم يأخذ بيدك نقطة نقطة ، وفصلاً فصلاً ، وباباً باباً ، حتى ينتهي بك ، فلا يدخل الكلام بعضه في بعض ، ولا يعاضل في الحديث ، ولا يكون في كلامه ارتجاج ، بل تجده – مثلاً – إذا تكلم في مسألة الإيمان، أو مسالة الكفر ، أو البدعة ، أو الفسق ، أو غيرها من المسائل ، وبنى كلامه بعضه على بعض ، حتى يظهره لك فكرياً اثريا يمكن أن تجعله بحثاً مستقلاً . وقد رأيت له بحوثاً في ( الفتاوى ) عن سجود السهو والنوافل والأذكار والصدقة وغيرها ، فوجدت أنها بحوث متكاملة ، ربما لو انفصلت في رسالة ( ماجستير ) ، أو ( بحث جامعي ) لكفت وشفت ،ولما وجدت معترضاً .


ابن تيمية المجتهد المطلق

بقول بعض الفضلاء: إذا لم يكن ابن تيمية مجتهداً مطلقاً فلا ندرى من هو المجتهد المطلق ؟ ، فكل ما ذكره أهل المذاهب والعلماء في شروط المجتهد توفرت في ابن تيمية مجتمعة ، وزاد عليها في شروطه ؛ فإن ذكروا الحفظ فهو آية في الحفظ ، وإن ذكروا الفهم فهو مضرب المثل في الفهم ، وإن ذكروا معرفته بالمقاصد فهو إمام يرجع إليه في ذلك ، وإن ذكروا علمه باللغة فحسبك به ، وإن ذكروا قدرته على الاستنباط ، ومثله يكون مرجعاً في المسألة الاجتهاد ،وقد تلكم فيها هو وأوعب الحديث فيها أيعاب ، وأملى فيها فصولاً ،وتكلم بإطناب عن الاجتهاد والتقليد ، ومن يتتبع فتاويه ورسائله يجد أنه بلغ الغاية في الاجتهاد ، حتى إنه لحظ على بعض الأئمة الكبار الخطأ في كثير من المسائل وفي الاستدلال ؛ وبين سبب خطئهم فيها ، وغلظهم في بعض القضايا ، وبين غلظهم بالدليل والبرهان والحجة الدامغة التي لا تقبل الرد ، وقد أثنى عليه كثير من الأئمة ممن ترجموا له كالذهبي ، وكالشوكاني في ( البدر الطالع ) ، وذكروا أنه الغاية في هذا الباب – رحمه الله –

تايم فيور timeviewer تيم فيور timeviewer - meet experts
ثناء الأصدقاء والأعداء عليه
لا يجتمع الناس في الثناء على رجل إلا وقد فاق الأقران ، وابن تيمية من أكثر العلماء الذين حصل لهم حظوة ، ووجدوا محبة وقبولاً من الناس ، فأما أصدقاؤه وأحبابه وطلابه فحدث ولا حرج ، فمنهم من قال العبارات التي صارت كالأمثال ؛ كقول بعضهم فيه : لو حلفت بين الركن والمقام أتي ما رأيت مثله ، وأنه ما رأى مثل نفسه لصدقت وما حنثت ، كقول ابن حيان المفسر الأندلسي : أنه لم ير مثل ابن تيمية في الناس ابدأ ، وقول ينسب لبعض العلماء أنه لما رأى ابن تيمية لمبالغته في الكلام ، وقول ينسب للمزي أنه قال : لم يأت مثل ابن تيمية من خمسمائة سنة ، وكلام لو ذهبنا نجمه لخرج لنا مجلد كبير من الثناء الحسن على إمامته ، وزهده ، وصدقه ، وتواضعه ، وبراعته في التأليف وفي الفتيا ، وجهاده ، ودعوته ، وإصلاحه ، وأمره بالمعروف ونهية عن المنكر ،وشجاعته ، وكرمه ، وتقشفه ، وغير ذلك من أخلاقه التي ألفت فيها الكتب ؛ فقد ألف البر زار وابن عبد الهادي وأناس من المعاصرين بحوثاً ورسائل وكتباً فيه ، والعجيب أن الأعداء اثنوا عليه وببعض الجوانب ؛ لأنه أصبح كالشمس كما يقول المتنبي :
وكيف يصح في الأذهان شيء
إذا احتاج النهار إلى دليل ؟ !
فحتي أعداؤه من أقرانه وصفوه بالحفظ ، ومنهم من وصفه بالزهد ، ومنهم من وصفه بالتمكن ، بل العجيب إني سمعت علاماً من علماء السنة لقي عالماً شيعياً وتباحثاً في كتاب ابن تيمية (منهاج السنة ) الذي رد فيه على الرافضة ، فوجد الشيعي منزعجاً من هذا الكتاب ، ولكنه كان يقول للسني : لو أن عند كل طائفة رجلاً مثل ابن تيمية لوجب على هذه الطائفة أن تفتخر بهذا الرجل وتتشرف ، وحق لكم أنتم يا أهل السنة أن تفتخروا بهذا الإمام وتتشرفوا به ، وكثير من الطوائف – حتى من المخالفين – تعجب من ذكائه ونبوغه ، وذهل من عبقريته ؛ لأن المسألة أصبحت قضية ظاهرة ما تقبل اللبس ولا يختلف فيها اثنان ، ولا يستطيع أحد أن ينكر الشمس إذا طلعت على الناس ، أو يشكك في ضوئها ، أو يشكك في نورها هذا لا يكون ، ولذلك كان ابن تيمية فارضاً احترامه على الصديق والعدو، مثبتاً بجدارة أنه إمام يستحق الاهتمام والاعتبار والإنصات والإعجاب ، وكان مقصده – رحمه الله – ما عند الله عز وجل ، فحصل – إن شاء الله – ثواب الآخرة ، والثناء المستمر في الدنيا ، وهذا لسان الصدق في الآخرين .

ابن تيمية رجل المرحلة
لاشك أن الله سبحانه وتعالى هيأ الظروف والأحوال لخروج مثل هذا الرجل الإمام المجدد ، إذ كانت الحياة السائدة في عهده حياة تدعو إلى الرثاء ، وتستجدى بزوغ نجم مجدد مصلح كبير ، يكون في مثل عقل ابن تيمية ،وعلمه ، وخشيته ، وشجاعته ، لقد كانت الحالة العقدية بها غبش في التصور ، فظهر الشرك عند القبوريين الذين يطوفون متبركين بالقبور ؛ فظهر كثير من المهنة والمشعوذين والسحرة والدجالين والأفاكين ، ووجد كثير من المبتدعة بشتى مشاربهم ونحلهم ومذاهبهم الخاوية المنحرفة ، واستشرى فساد سياسي يتمثل في الظلم من الحاكم ، والجهل بالشريعة ، كما ظهر الفساد في القضاء من انتشار للرشوة ،وجهل بالشريعة ، وحيف وجور وظلم ، مقيت ، وجهل بالنص ، وبعد عن الدليل ، وبرز الفساد في مسالة الأدب ، حيث تراكم نتاج شعراء أفسدوا في المسيرة الأدبية ، وانحرفوا عن الجادة ؛ لما تركوا من لغو آثم وتركه فاسدة منحرفة عن الصراط المستقيم ، من الفجور والإلحاد.والفسق والعصيان ، كما وجد من يصد عن منهج الله عز وجل في المجتمع ممن يدعو إلى انغماسه في الدنيا بحالة ومقاله ، من فوائد هذه الآية الكريمة يدعو إلى ترك السنة ، من فوائد هذه الآية الكريمة ينصب نفسه للناس إماما وهو ضال مضل ، من فوائد هذه الآية الكريمة يعطل الشرائع ؛ كفرقة البطائحية ، وكالنصيرية الضالة المنحرفة ، وكأتباع غلاة المتصوفة ، وأتباع ابن عربي الحلولي الاتحادي ، وغير ذلك من أرباب المسالك الجائزة فيهأ الله خروج هذا الإمام الذي أتى فملأ الزمان والمكان بالحق المورث عن ولد عدنا صلى الله عليه وسلم ، والملهم من الرحمن ، فأتى مصلحاً مجدداً .
فبدأ بالعقائد فأوضح الحق في هذه المسالة ، ودعا دعوة تامة عامة كاملة للعودة إلى التوحيد الصحيح ، وأنه أصل الأصول ، فبين ووضح وشرح ورد كل شبهة ترد على هذا الأصل العظيم .
ثم أتي إلى الفقه فدعا الناس إلى الاعتصام بالدليل ، مع توفير الأئمة ، وبين في أول كتاب ( الاستقامة ) أن الناس في هذه المسألة طرفان ووسط : فطرف جمد على الظاهر ولم يحترم الأئمة ولم يشتغل بالاستنباط والفقه ، وقابله طرف آخر عظم أقوال الأئمة واrأرباب المذاهب على حساب الدليل والنص ، فغلا في التعصب وإفراط في التقليد ، والصحيح الوسط وهو الاعتصام بالدليل من الكتاب والسنة وتقديم قول الله عز وجل وقول رسوله r عل قول الرجال ، كائناً من كل صاحب هذا القول ، مع احترام الأئمة وعدم المساس بهم رضوان الله عليهم ، وأتى إلى مسالة السنة فأوضحها للناس وبينها ودعا إليها بأقواله وأعماله وأحواله ، ورد على كل من خالفها ، أتم كل بحسبه ، وفت باب خصومات مع أعداء السنة ، فجابههم أتم المجابهة لما تقتضيه حكمته وبصيرته ، وأوذي في كل الأذى وهو صابر محتسب متلذذ بما يصيبه في ذات الله ، ومستعذب العذاب في سبيله ، فكانت العافية له ، وهي سنة الله –عز وجل – في رسله عليهم الصلاة السلام ، واتباع رسله إلى يوم القيامة .
ثم أتى إلى الفساد السياسي فدعا الحاكم إلى العمل شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام ، وشافه الحكام بهذه الدعوة وراسلهم وكاتبهم ، ووجد من بعضهم الأذى ، وحبس في ذلك وأظهر دعوته ، وكتب في ذلك ( السياسة الشرعية ) ، ونهى عن الظلم ، ودعا إلى تقديم الملة على الأحكام الوضعية القانونية الأرضية ، وأخبر بأنه لا يسع أحداً من الناس – سواء الملوك أو العامة – الخروج عن شيء من شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام ، وقام في ذلك المقامات التي شهد بها القريب والبعيد وزار السلاطين في بلاطهم ، ودخل دواونيهم ، وخطب بين أيديهم ، وكاتبهم وراسلهم ،وقام المقامات المشهودة عند العامة ، في مجامع الناس ، ونازل أعداء الشريعة وبارزهم في الميادين العامة ، وفي المجالس الخاصة ،وفي أماكن النظر ،وفي محلات التدريس ، فكان بحق شاغل تلك الفترة بالحديث والأخبار والأخذ والعطاء .

تايم فيور timeviewer تيم فيور timeviewer - meet experts
ابن تيمية وعلاقته بالدولة في عهده
لا شك أن ابن تيمية صحب في تلك الفترة السلاطين من المماليك ومن الأمراء الذين يتبعون للدولة العباسية في أواخر عهدها الانحطاط والضعف ، وهؤلاء السلاطين نافذون في مصر والشام ، وكان عندهم جور وظلم ، وهم في الجملة مسلمون ، فعاملهم بما يقتضي الحال من النصيحة والإرشاد والتوجيه ،ولم يوافقهم على باطلهم ، ولم يأخذ أعطيا تهم ، ولم يدخل في شيء من وظائفهم ،ولم يتقلد لهم مناصب ،ولم يتول لهم زلالية ، وإنما كان همه إصلاحهم وإعادتهم إلى منهج الله عز وجل وإلى شريعة رسوله r ، ولنه في المقابل لم يخرج عليهم ، ولم يدع إلى السيف والمبارزة ومقاتلتهم ؛ لأمور منها :أنه يحتكم إلى الشرع الذي يدعو صاحبه صلى الله عليه وسلم إلى عدم الخروج على الإمام والراعي المسلم ما لم نر كفراً بواحاً عندما فه من الله برهان ، فالمعاصي والجور والظلم لا تقتضي الخروج على الحاكم مهما كانت ؛ لأن الخروج أعظم مفسدة من البقاء تحت ولايته ، لما ينتج من ذلك من افتراق الكلمة ، وسفك الدماء ، وذهاب الأموال ، وانتهاك الأعراض ، والفساد في الأرض بكل أنواع الفساد ، فكان ذلك منهج ابن تيمية ومنهج أئمة الإسلام وعلماء الملة على طول التاريخ تعاملهم مع الحكام الظلمة ، وهذا هو المنهج الصحيح الذي أثبت صلاحه ونجاحه على مر الدهور والأعوام ،وهو الموافق لشرع الله عز وجل .

تايم فيور timeviewer تيم فيور timeviewer - meet experts
لماذا لم يكون ابن تيمية جماعة
لم يعرف عن ابن تيمية –رحمه الله – أنه كون جماعة أو نظم فرقة معه ، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، صحيح أن له طلاباً وأصحاباً ، لكن لم يكن بينهم تنسيق وتنظيم حتى يصحبوا جماعة تعرف بين الناس ، لها خطتها ولها برنامجاً ، ابدأ لم يحصل هذا ، ومن قال ذلك فعليه الدليل ، والمؤكد أن ابن تيمية لم يفعل ذلك؛ لأنه فعل فعل علماء الإسلام وأئمة الدين ممن سبقه من أهل السنة ، ولو أنه كون جماعة لا اقتضى الحال أموراً .
فإما أن تنظيم هذه الجماعة في طاعة الدولة المعاصرة له وتنقد أوامر السلطان في عهده فيكون هذا تحصيل حاصل ؛ لأنها لن تأمر بالمعروف ولن تنهى عن المنكر إلا بإذن من السلطان ، ولن تقوم بعمل رعي عام الإ بسماح منه ، فكأنها لم تفعل شيئاً ، فالناس في عهده في الجملة لا يعلون إلا بإذن السلطان سواء من العلماء أو القضاء أو المحسنين أو الدعاة فما فائدة تكوين جماعة نأتمر بأمر السلطان ؟ والناس كلهم أصلاً مؤتمرون بأمر السلطان فلم يكن هناك شيء جديد إذا وأما أن تقوم هذه الجماعة بأمرها ولا تراجع سلطاناً ولا دولة، فتأمر بالمعروف متى شاءت ، وتنهى عن المنكر متى شاءت ،وتكون لها منهجا صالحاً سنياً على نظرها دون أن تعود إلى سلطان أو دولة ، وحينئذ لن ترضى الدولة المعاصرة ،ولن يرضى السلطان ،وسيقع التصادم ، ثم يستمر الحال ، فإما أن تمضي الدولة كلمتها ،وتمضي أمرها أو تأتي هذه الجماعة فتتفذ أمرها وكلمتها وتمضي أمرها ، وحينئذ يقع التصادم والاختلاف ، وتقع الفرقة ، وينتهي الحال إلى أراقه الدم ،وهو ما حصل في بعض العهود من قيام جماعات قصدها نصره الدين ، ولكنها واجهت دولاً ، فسكفت الدماء ، وفتحت المعتقلات ، ونهيت الأموال ، وانتهكت الأعراض ، ووقع فساد عظيم واختلاف وشر في الأمة ،وهذا الذي منع ابن تيمية من تكوين جماعة أو فرقة ،وكان الذي فعله عين الصواب ، وهو الذي اثبت لابن تيمية قوته وجدارته ، وترك له أثرا علميا ودعوياً وإصلاحياً وتجديدنا مباركاً ، وتركه طيبة من العلم النافع ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، وهذا المطلوب ؛ فإن إقامة دولة مسلمة هو أمر مطلوب عل العام والخاص ،ولكن إذا لم يستطيع الإنسان إلا أن يكون في ظل دولة مسلمة ،وعندها قصور وجور وظلم وأخطاء ، فإن عليه أن يبقى الله عز وجل ، وأن يعمل بالشرع في لك ، وأن يدعو ويصبر ،وأن يطيع في طاعة الله عز وجل ولا يوافق في المعاصي ، لكنه لا يخرج عليهم ولا ينابذهم السيف ،ولا يدعو غل الفرقة ؛ لأن الشر في ذلك عظيم والفساد كبير .

تايم فيور timeviewer تيم فيور timeviewer - meet experts
الساعة الآن 07:30 PM.