منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


سلسلة احكام النظر رجال ونساء




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، أمّا بعد:

فهذه أبحاث وجيزة تقرّب إلى القرّاء الأعزّاء بعضَ أحكام العورة والنّظر، على ضوء كتاب الله وما صحّ من الأثر، نسأل الله التّوفيق والسّداد، والهدى والرّشاد، والعصمة من الزّيغ والفساد.

* أوّلا: التّعريف بالعورة:

هي في اللّغة: مشتقة من العَوَر، وهو خلوّ العين من النّظر، ومنه الأعور، والعورة مشتقّة من ذلك لأنّها شيء ينبغي مراقبته لخلوّه.
فأطلقت على عدّة معانٍ:

- الخلل في الثّغر وفي الحرب.

- وتطلق على كلّ ما يُستحيا منه إذا ظهر.

- وتطلق على العيب، لأنّه ينبغي مراقبته لخلوّه من الصّلاح.

- وتطلق على السّاعة الّتي تظهر فيها العورة عادةً للّجوء فيها إلى الرّاحة والانكشاف، وهي ساعة قبل الفجر، وساعة عند منتصف النّهار، وساعة بعد العشاء الآخرة، وفي التّنزيل قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ} [النّور: من الآية58].

وقد تقع صفة منكَّرة للواحد والجمع بلفظ واحد، وفي القرآن الكريم:{وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً} [الأحزاب: من الآية13]، فهنا ورد الوصف مفردا والموصوف جمعا.

وكلّ شيء يستره الإنسان أنَفَةً وحياءً فهو عورة. وتُسمّى العورة سوأة لأنّه يسوء المرءَ انكشافها.

وفي الاصطلاح: هي ما حرّم الله كشفه والنّظر إليه، وما حرّم الله كشفه في الصّلاة.

فهي نوعان - كما في " مغني المحتاج "(1/185)، و" المبدع " (1/359) وغيرهما-: عورة النّظر، وعورة في الصّلاة.

فعورة النّظر هي: ما يجب ستره وعدم إظهاره من الجسم، ويختلف حدّها باختلاف الجنس، وباختلاف العمر، كما يختلف من المرأة بالنّسبة للمحرم، وغير المحرم.

والعورة في الصّلاة: هي ما يجب ستره في الصّلاة.

فإنّ هناك ما يجب ستره عن أعين النّاس ولا يجب ستره في الصّلاة، كوجه المرأة ويديها، لها أن تبديهما في الصّلاة، ولا تبديهما أمام الأجانب لدى فريق من أهل العلم.

وهناك ما يجب ستره في الصّلاة ولا يجب ستره خارجها، كرأس المرأة مثلا فتستره في الصّلاة ولا تستره أمام محارمها، ومنكبا الرّجل لدى فريق من أهل العلم.

* ثانيا: تحريم إظهار العورة:

حفظ العورات من المعلوم بالضّرورة من دين الإسلام، وقد أوجب الله تعالى سترها فيما يلي:

- قال تعالى:{يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف:31]، ولقد كان عرب الجاهليّة يطوفون بالبيت عراةً حتّى بعث الله النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأذّن مؤذّن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في العام التّاسع: (( أَنْ لاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ )) [رواه البخاري ومسلم].

قال القرطبيّ رحمه الله (7/179):" والخطاب في الآية لجميع العالم، وإن كان المقصود بها من كان يطوف من العرب بالبيت عريانا .. لأنّ العبرة للعموم لا للسّبب ..".

- ولأهمّية ستر العورة ومكانتها في الإسلام فقد لازم الله تعالى بينها وبين التّقوى فقال:{يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 26].

- ونهى الله تعالى عباده عن كشف عوراتهم وسمّى ذلك فتنة، قال تعالى:{يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا} [الأعراف: 27].

- وبالغ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الأمر بسترها ولو كان المسلم خاليا، فلا يليق أن يُبدِيَها من غير حاجة.

روى أبو داود والتّرمذي وابن ماجه عَنْ بَهْزِ ابْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ ؟ قَالَ: (( احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ )). قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِى بَعْضٍ ؟ قَالَ: (( إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لاَ يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ فَلاَ يَرَيَنَّهَا )). قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا ؟ قَالَ: (( اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ )).

- وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( لاَ يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلاَ الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ، وَلاَ يُفْضِى الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلاَ تُفْضِى الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِى الثَّوْبِ الْوَاحِدِ )).

- وفي صحيح مسلم عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ رضي الله عنه قَالَ: أَقْبَلْتُ بِحَجَرٍ أَحْمِلُهُ ثَقِيلٍ وَعَلَىَّ إِزَارٌ خَفِيفٌ، فَانْحَلَّ إِزَارِي، وَمَعِىَ الْحَجَرُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَضَعَهُ حَتَّى بَلَغْتُ بِهِ إِلَى مَوْضِعِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( ارْجِعْ إِلَى ثَوْبِكَ فَخُذْهُ وَلاَ تَمْشُوا عُرَاةً )).

- وروى أبو داود عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم رَأَى رَجُلاً يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ-الفضاء- بِلاَ إِزَارٍ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ صلّى الله عليه وسلّم: (( إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ حَيِىٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ )).

- أضف إلى ذلك الأحكام المتعلّقة بالنّظر، ووجوب الاستئذان، وتحريم دخول الحمّام بغير مئزر، ونحو ذلك ممّا يدلّ على وجوب ستر العورات.

لذلك لم يكن خلاف بين الأهل العلم في وجوب ستر العورة عن أعين النّاس - إلاّ ما استثناه الدّليل -، ولكن، ما هو حدّ العورة ؟

هذا ما سوف يأتي بيانه فيما يُتبع من هذه المقالات إن شاء الله.


وسنتطرّق إلى أمرين اثنين: ( أقوال العلماء في المسألة - وهل كشف العاتقين عورة في الصّلاة ؟ )

- اتّفق أهل العلم على أنّ القبل والدّبر عورة.

- كما اتّفقوا على أنّ ما فوق السّرّة وما دون الرّكبة ليس بعورة.

- ولكنّهم اختلفوا فيما بين السرّة والرّكبة هل هو عورة أو لا ؟ ولهم في ذلك مذهبان:

* الأوّل: مذهب جمهور العلماء من المذاهب الأربعة وغيرهم: أنّ عورة الرّجل من السرّة إلى الرّكبة، والأدلّة على ذلك:

1- ما رواه البخاري تعليقا - بصيغة التّمريض - قال: باب مَا يُذْكَرُ فِى الْفَخِذِ، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه وَجَرْهَدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ عَنِ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم: (( الْفَخِذُ عَوْرَةٌ )).

ورواه التّرمذي عَنْ جَرْهَدٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم مَرَّ بِهِ وَهُوَ كَاشِفٌ عَنْ فَخِذِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: (( غَطِّ فَخِذَكَ فَإِنَّهَا مِنَ الْعَوْرَةِ )). قال التّرمذي: " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ "، وقال الألبانيّ: صحيح.

2- وما رواه أبو داود عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( لاَ تُبْرِزْ فَخِذَكَ وَلاَ تَنْظُرَنَّ إِلَى فَخِذِ حَىٍّ وَلاَ مَيِّتٍ ))، ولكنّه ضعيف جدّا.

ما رواه أحمد والدّارقطنيّ عن عبدِ اللهِ بنِ عمْروٍ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( إنَّ مَا تَحْتَ السُّرَّةِ إِلَى الرُّكْبَةِ عَوْرَةٌ )) [قال في "الإرواء " - (271): حسن].

* المذهب الثّاني: قول ابن حزم، وهي رواية عن الإمام أحمد أنّ العورة هي السّوأتان فحسب: القبل والدّبر، وأقوى ما استدلّوا به حديثان:

- الأوّل: ما رواه البخاري ومسلم عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم غَزَا خَيْبَرَ، فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلاَةَ الْغَدَاةِ بِغَلَسٍ، فَرَكِبَ نَبِيُّ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ، وَأَنَا رَدِيفُ أَبِى طَلْحَةَ، فَأَجْرَى نَبِىُّ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم فِى زُقَاقِ خَيْبَرَ، وَإِنَّ رُكْبَتِى لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم، ثُمَّ حَسَرَ الإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ، حَتَّى إِنِّى أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِىِّ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم.

قال ابن حزم رحمه الله (3/272):" فصحّ أنّ الفخذ ليست عورةً، ولو كانت عورةً لما كشفها الله U عن رسول الله المطهّر المعصوم من النّاس في حال النبوّة والرّسالة، ولا أراها أنس بن مالك ولا غيره، وهو تعالى قد عصمه من كشف العورة في حال الصّبا وقبل النبوّة ".

- الثّاني: ما رواه مسلم عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِي كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ، أَوْ سَاقَيْهِ، فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ رضي الله عنه فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ رضي الله عنه فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم وَسَوَّى ثِيَابَهُ، فَدَخَلَ، فَتَحَدَّثَ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسْتَ وَسَوَّيْتَ ثِيَابَكَ ؟! فَقَالَ: (( أَلاَ أَسْتَحِى مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِى مِنْهُ الْمَلاَئِكَةُ ؟!)).

وأجاب الجمهور عن هذين الحديثين بما يلي:

*الجواب الأوّل: كلا الحديثين إنّما هما حكاية حال لا تنتهض لمعارضة النّصوص الصّريحة العامّة، وحكاية الأحوال معرّضة للأعذار والاحتمال.

* الثّاني: أمّا حديث أنس رضي الله عنه فمحمولٌ على أنّ الإزار انحسر بنفسه إذ جرى في زُقاق خيبر، لا بفعله صلّى الله عليه وسلّم، ويدلّ على ذلك رواية أنسٍ الأخرى، وفيها: " فَانْحَسَرَ الإِزَارُ ".

* الثّالث: أمّا حديث عائشة فهو غير صريح في جواز كشف الفخذ من وجوه:

- الوجه الأوّل: فقد وقع التردّد في الرّواية ففيها: " كَاشِفاً عَنْ فَخِذَيْهِ أوْ سَاقَيْهِ " والسّاق ليست عورة إجماعا. وحمل الحديث على المباح أولى من غيره.

- الوجه الثّاني: لو سلّمنا بأنّهما الفخذان، فإنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لم يكن يعلم بأنّ فخذيه باديتان وهو مضطجع، ولمّا دخل عليه الخيِّران بقي على ما كان عليه دون أن يراقب نفسه لكثرة احتكاكهما به صلّى الله عليه وسلّم، فلمّا دخل عثمان رضي الله عنه قالت: ( جلس )، ولم تقل: " غطّى فخذيه " ما يدلّ على أنّه صلّى الله عليه وسلّم استحى من هيئة جلوسه أمام عثمان رضي الله عنه الّذي تستحي منه الملائكة، فلمّا رأى فخذيه باديتين غطّاهما.

- الوجه الثّالث: لو ظلّ على ما كان عليه حال دخول عثمان رضي الله عنه لصحّ الاستدلال، ولكنّها قالت: " وَسَوَّى ثِيَابَهُ ".

- الوجه الرّابع: ذكر السّرخسيّ في " المبسوط " (10/146) احتمالا آخر، وهو أنّ أبا بكر وعمر رضي الله عنهما جلسا حين دخلا في موضع لا يقع بصرهما على الموضع المكشوف منه صلّى الله عليه وسلّم، فلمّا دخل عثمان رضي الله عنه لم يبق إلاّ موضع لو جلس فيه لوقع بصره على فخذ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فلهذا غطّاه. وهذا لا يتعدّى أن يكون احتمالا، ولكنّه وارد.

* الوجه الخامس: يرجّح حديث جرهد وعليّ وعبد الله بن عمرو رضي الله عنهم، لأنّ القواعد الشّرعيّة تؤيّدها:

منها: الحاظر مقدّم على المبيح.

منها: القول مقدّم على الفعل.

منها: المحكم مقدّم على المتشابه، والصّريح مقدّم على المحتمِل.

منها: التّرجيح بالاحتياط، لذا قال البخاري بعد ما ساق حديث جرهد رضي الله عنه:" وَقَالَ أَنَسٌ رضي الله عنه: حَسَرَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم عَنْ فَخِذِهِ. وَحَدِيثُ أَنَسٍ رضي الله عنه أَسْنَدُ، وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ أَحْوَطُ حَتَّى يُخْرَجَ مِنِ اخْتِلاَفِهِمْ.

أمّا ما يُنقل عن مالك رحمه الله بأنّه قال: الفخذ ليست عورةً ! فإنّ معنى قوله ذلك أنّها لا تبطل الصّلاة، لأنّ الفقهاء يقسّمون العورة إلى قسمين:

عورة مغلّظة: وهي السّوأتان، وتبطل الصّلاة بإبدائها حال العلم والقدرة.

وعورة مخفّفة: وهي ما بين السّرّة والرّكبة، وهذه لا تبطل الصّلاة بإبدائها، لكنّه يأثم بذلك، وهذا عليه المالكيّة كما في " التّاج والإكليل " (1/497)/، و" مواهب الجليل "(1/497)، و" حاشية الخرشيّ على خليل "(1/244).

( مسألة ) حكم تغطية العاتقين في الصّلاة.

لا خلاف بين أهل العلم أنّ ستر الرّجل لعاتقيه ليس بواجب خارج الصّلاة، كما أنّه لا خلاف بينهم في أنّ الأكمل والأفضل هو سترهما في الصّلاة، كما قال ابن عبد البرّ في " التّمهيد "، ولكنّهم اختلفوا في وجب سترهما داخل الصّلاة على قولين:

القول الأوّل: ألحق بعض أهل العلم تغطية عاتق الرّجل في الصّلاة بستر العورة، وهي رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وحكاه تقي الدّين السّبكي عن الإمام الشّافعيّ –كما في " طرح التّثريب " (2/238)-، بل هناك رواية عند الحنابلة أنّ الصّلاة تبطل بكشفهما.

واستدلّوا بما يلي:

* ما رواه البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: (( لاَ يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِى الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيْءٌ )).

* ما رواه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَال: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: (( مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ)).

القول الثّاني: ذهب جمهور العلماء من المالكيّة والحنفيّة والشّافعيّة وهو رواية عند الجنابلة إلى استحباب ستر العاتقين، وأنّ النّهي عن الصّلاة مكشوف العاتق إنّما هو خشية أن يقع الإزار إذ لا شيء يمسكه عن الوقوع فتنكشف العورة، واستدلّوا بما يلي:

* ما رواه البخاري في " صحيحه " عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: صَلَّى جَابِرٌ رضي الله عنه فِي إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ، وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمِشْجَبِ، قَالَ لَهُ قَائِلٌ: تُصَلِّى فِى إِزَارٍ وَاحِدٍ ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِى أَحْمَقُ مِثْلُكَ، وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم ؟!.

ووجه الدّلالة أنّ جابراً رضي الله عنه صلّى في إزار من غير أن يستُر عاتقه مع أنّ ثيابه كانت قريبة منه، فالمشجب: هو ما تعلّق عليه الثّياب.

* ما رواه البخاري ومسلم وأحمد عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه عَنِ الصَّلاَةِ فِى الثَّوْبِ الْوَاحِدِ ؟ فَقَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَجِئْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ أَمْرِى، فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي وَعَلَيَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَاشْتَمَلْتُ بِهِ وَصَلَّيْتُ إِلَى جَانِبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: (( مَا السُّرَى يَا جَابِرُ ؟)). فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ: (( مَا هَذَا الاِشْتِمَالُ الَّذِى رَأَيْتُ ؟)) قُلْتُ: كَانَ ثَوْبٌ. يَعْنِى ضَاقَ. قَالَ: (( فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ )).و في رواية أحمد: (( إذَا مَا اتَّسَعَ الثَّوْبُ فَلْتُعَاطِفْ بِهِ عَلَى مَنْكِبَيْكَ ثُمَّ صَلِّ، وَإِذَا ضَاقَ عَنْ ذَلِكَ فَشُدَّ بِهِ حَقْوَيْكَ ثُمَّ صَلِّ مِنْ غَيْرِ رِدَاءٍ )).

ووجه الدّلالة أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم جوّز له الصّلاة مكشوف المنكبين إذا ضاق الثّوب، وإنّما أمره بأن يلقيه على منكبيه إذا اتّسع استحبابا.

ومن أجل هذا الحديث ذهب بعض العلماء إلى وجوب ستر العاتقين إذا كان الثّوب واسعا لأنّه قادر على ستره، وجواز الصّلاة إذا كان الثّوب ضيّقا، وإليه ذهب ابن المنذر –كما في " الأوسط في السّنن والإجماع والاختلاف " لابن المنذر (5/55)- وابن حزم (4/71).

فعلى الأقلّ لو قالوا بوجوب ستره إن كان واسعا لكان له وجه، لذلك قال الشّوكاني رحمه الله في " نيل الأوطار "(2/60): " .. القول بوجوب طرح الثّوب على العاتق والمخالفة من غير فرق بين الثّوب الواسع والضيّق تركٌ للعمل بهذا الحديث، وتعسير منافٍ للشّريعة السّمحة ".



ستر المرأة وجهها فضيلة أم فريضة ؟
فإنّ الأصل أنّ بدن المرأة كلّه عورة ينبغي ستره، وذلك لعموم الحديث الّذي رواه التّرمذي عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ فَإِذَا خَرَجَتْ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ )).

فقوله صلّى الله عليه وسلّم: ( المَرْأَةُ ) عمُومٌ لا يخرج منه شيء إلاّ ما دلّ عليه الدّليل.

ثمّ وقع الخلاف بين أهل العلم - وهو مشهور جدّا - في بعض الأدلّة الّتي تستثْنِي الوجه والكفّين.

- فمذهب المالكيّة، والحنفيّة، والأوزاعيّ، وابن حزم: أنّهما ليسا بعورة.

- ومذهب الشّافعيّة والحنابلة هو: وجوب سترهما.

وأدلّة كلّ من الفريقين قويّة معتبرة، ولكنْ ثمّة أمورٌ لا بدّ من معرفتها، وتذكير النّاس بها:

أوّلا: أنّهم اتّفقوا على أنّ بدنها كلّه عورة من الرّأس إلى أخمص القدمين، وإنّما اختلفوا في الوجه والكفّين فقط.

ثانيا: اتّفقوا على أنّ ستر الوجه والكفّين أفضل من إبدائهما.

بل إنّ ذلك كان من شيم العرب في جاهليّتهم ومكارم أخلاقهم، وها هي أشعارهم تدلّ على ذلك، والشّعر ديوان العرب وتاريخهم.

فقد صحّ أنّ امرأة النّعمان بن المنذر ملك الحيرة كانت تسير في الطّريق، فسقط نصيفها - أي: خمارها - من وجهها أمام النّاس، فمالت إلى الأرض لتحمله بيدها، وتستر وجهها بيدها الأخرى، حتّى قال النّابغة الذّبياني في معلّقته المشهورة:

سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فـتناولتـه واتّقـــتــنا باليـــــــد

بـمخـضـــب رَخْــص كأنّ بنــانــه عَنَـمٌ، يكاد من اللّطافة يُعقد

وحرب الفجّار قامت بين قريش وهوازن بسبب تعرّض شباب من كنانة لامرأة من غمار النّاس، راودوها على كشف وجهها فنادت:" يا آل بني عامر !! ".. فأجابتها سيوف بني عامر ..

وورد في أشعارهم ذكر البرقع، والقناع، والحجاب، والمرط، والكساء، ونحوها، مما يدلّ على أنّ ستر المرأة كان من مكارم الأخلاق عندهم، فجاء الحبيب المصطفى محمّد صلّى الله عليه وسلّم فأتمّها وقوّمها وكمّل نقصها.

ومن أنفس ما حفظه لنا علماؤنا: قصّة تكتب بماء الذّهب - وقد ذكرها ابن الجوزي في " المنتظم "، وابن كثير في " البداية والنّهاية "- في أحداث 286 هـ:

امرأة اختصمت مع زوجها إلى قاضي الرّي، ادّعت على زوجها صداقا قدره 500 دينار، وقالت: ما سلّمه لي أبدا. فأنكر الزّوج، فجاء الشّهود الّذين حضروا مجلس العقد، فقال الشّهود: " نريد أن تُظهر لنا وجهها حتّى نعلم أنّها الزّوجة "..

ومن المقرّر أنّ هذا من المواطن التي أباح الله فيها النّظر إلى المرأة، إذ لا يخفى أنّ نظر الرجل إلى المرأة محرّم إلاّ في مواطن ضيّقة: كالخِطبة ، والمعاملة كبيع وإجارة، وفي الشهادة كما في قصّتنا هذه .. لكن ..

لمّا سمع الزّوج ذلك صرخ وقال: لا تفعلوا، هي صادقة فيما تدّعيه.

يريد بذلك صيانة زوجته من أن يراها الرّجال ..

فلمّا رأت الزّوجة ذلك منه، وأنّه ما أقرّ إلاّ ليصون وجهها، قالت: هو في حِلٍّ من صداقي في الدّنيا والآخرة "..

قال ابن الجوزيّ رحمه الله قبل أن يذكرها:" ومن عجائب ما وقع من الحوادث في هذه السّنة .." ثمّ روى القصّة بسنده. وقال قاضي الريّ:" اكتبوها في مكارم الأخلاق ".

ثالثا: القائلون باستحباب تغطية الوجه قيّدوا ذلك بأمن الفتنة.

لا بدّ أن نعلم أنّ علماء المذاهب الأربعة من المتأخّرين اتّفقوا على أنّه يجب ستر الوجه إذا فسد النّاس وخِيفت الفتنة، وضابط الفتنة: أن تفتِن المرأة النّاس بجمالها، أو لا تأمن المرأة على نفسها فيُعتدى عليها، وإليك نقولا من بعض علماء المذاهب:

* نقل الخطيب الشّربيني في " مغني المحتاج " (3/123) عن إمام الحرمين الجوينيّ – وهو من كبار أئمّة الشّافعيّة – " اتّفاق المسلمين على منع النّساء من الخروج سافرات الوجوه ".

* ونقل صاحب " عون المعبود " (11/162) عن ابن رسلان قوله:" أمّا عند خوف الفتنة فظاهر إطلاق الآية والحديث عدم اشتراط الحاجة، ويدلّ على تقييده بالحاجة اتّفاق المسلمين على منع النّساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لا سيّما عند كثرة الفسّاق ".

* وفي " حاشية الطّحطاوي على المراقي " (2/237)، و" الدرّ المختار " للحصكفيّ من الحنفيّة قالوا: " وتمنع المرأة الشّابذة من كشف الوجه بين الرّجال، لا لأنّه عورة، بل لخوف الفتنة ".

* وقال ابن عابدين في " حاشيته ": " وتمنع المرأة الشّابّة من كشف الوجه لعلّة خوف الفتنة ".

* وقال القرطبيّ: وقد قال ابن خويز منداد من علمائنا [وهو من كبار أئمّة المالكيّة وكان على عقيدة السّلف]:

" إنّ المرأة إذا كانت جميلة وخيف من وجهها وكفّيها الفتنة فعليها ستر ذلك، وإن كانت عجوزا أو مقبّحة جاز أن تكشف وجهها وكفّيها ".

* وقال محمّد بن عبد الرّحمن المغربيّ رحمه الله في " مواهب الجليل " (1/499):

" واعلم أنّه إن خشي من المرأة الفتنة يجب عليها ستر الوجه والكفّين، قاله القاضي عبد الوهّاب، ونقله عنه الشّيخ أحمد زروق في "شرح الرّسالة"، وهو ظاهر التّوضيح ".

وقال النّفراوي في " الفواكه الدّواني " (2/277):

" اعلم أنّ المرأة إذا كان يُخشى من رؤيتها الفتنة، وجب عليها ستر جميع جسدها، حتّى وجهِها وكفّيها، وأمّا إن لم يُخش من رؤيتها ذلك فإنّما يجب عليها ستر ما عدا وجهها وكفّيها.. وأقول الّذي يقتضيه الشّرع وجوبُ سترها وجهَها في هذا الزّمان، لا لأنّه عورة، وإنّما ذلك لما تُعُورف عند أهل هذا الزّمان الفاسد أنّ كشف المرأة وجهَها يؤدّي إلى تطرّق الألسنة إلى قذفها، وحفظ الأعراض واجب كحفظ الأديان والأنساب.. ".

إذن فقد تبيّن من هذه النّقول أنّ الصّواب الّذي تدلّ عليه أصول الشّريعة هو القول بوجوب تغطية الوجه والكفّين، وذلك:

- لأنّه أحوط.

- لأنّه كما قال تعالى:{ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ}، قال ابن كثير رحمه الله:" أي: إذا فعلن ذلك عُرِفْن أنّهنّ حرائر لسن بإماءٍ ولا عواهر "، وقال القرطبيّ رحمه الله: " فتنقطع الأطماع عنهنّ، وليس المعنى أن تعرف المرأة حتّى تعلم ".

لأنّ ذلك يمنع الاعتداء عليهنّ، فإذا كان النّساء جميعهنّ مستورات الوجوه فلن يتجرّأ الفاسق على الاعتداء عليهنّ بالكلام ونحو ذلك، خشية أن تكون قريبته.

ونختم هذا البحث الوجيز بنقل كلام الشّيخ الألبانيّ رحمه الله في المسألة، فإنّ الكثيرين يجهلونه عنه، قال:

" ولو أنّهم قالوا: يجب على المرأة المتستّرة بالجلباب الواجب عليها إذا خشيت أن تصاب بأذى من بعض الفُسّاق لإسفارها عن وجهها: أنّه يجب عليها في هذه الحالة أن تستُره دفعاً للأذى والفتنة، لكان له وجهٌ في فقه الكتاب والسنّة، بل قد يقال: إنّه يجب عليها أن لا تخرج من دارها إذا خشِيت أن يُخلع الجلباب من رأسها من قِبل بعض المتسلّطين ... أمّا أن يُجعل هذا الواجب شرعا لازما على كلّ النّساء في كلّ زمان ومكان، وإن لم يكن هناك من يؤذي المتجلببات، فكلاّ ثمّ كلاّ ..".

[" جلباب المرأة المسلمة " (ص 17) من مقدّمة الطّبعة الجديدة].

هذا والله أعلم، وأعزّ وأكرم، وهو الهادي للّتي هي أقوم.


عورة المرأة أمام المحارم
بحث العلماء في حدود عورة المرأة من زوايا مختلفة، ذلك لأنّ عورتها تختلف باختلاف النّاظر، فيبحثون أوّل ما يبحثون عن حدود عورتها أمام الأجانب، ثمّ أمام المحارم، ثمّ أمام النّساء المسلمات، ثمّ أمام النّساء الكافرات.

* أمّا عورة المرأة أمام الأجانب: فقد تحدّثنا عن ذلك في الجزء الثّالث من هذه المقالات، وذكرنا أنّ العلماء اتّفقوا على أنّ بدن المرأة كلّه عورة ينبغي ستره، كما ذكرنا خلافهم في حكم تغطية الوجه واليدين.

وفي هذه الأسطر المتواضعة نتطرّق إلى: عورة المرأة أمام المحارم من الرّجال.

وقبل كلّ شيء فإنّه لا بدّ من ضبط معنى المَحْرَم شرعا في باب النّظر.

* أوّلا: معنى محرَم المرأة:

هو من يحرم عليه نكاحها، على التّأبيد، لا من أجل العقوبة.

[" المغني " لابن قدامة (7/345)، و" شرح النّووي على مسلم " (9/105)، و" فتح الباري " (4/77)].

فخرج بقولنا: ( على التّأبيد ): زوج أختها، أو زوج عمّتها أو زوج خالتها، أو من عقد على أمّها ولم يدخل بها؛ فهؤلاء ليسوا محارم، لا تحلّ خلوة المرأة بهم، ولا أن تلمسهم، ولا أن تسافر معهم، لأنّ حرمة نكاحهم مؤقّتة.

وخرج بقولنا: ( لا من أجل العقوبة ): زوج الملاعِنة، فإنّه لا يحلّ للرّجل أن ينظر إليها مع أنّها محرّمة عليه للأبد، ذلك لأنّ هذه الحرمة الأبديّة ثبتت عقوبة.

هذا التّعريف خاصّ بالمحرم في مسألة النّظر – كما سبق ذكره، وإلاّ:

- ففي مسألة الخلوة، فإنّه يشترط في المحرم أن يكون ممّا يُستحى منه، قال العلماء كالنّووي وغيره:" لو كان معهما من لا يُستحَى منه لصغره، فإنّ وجوده كعدمه باتّفاق الفقهاء ".

- وفي مسألة السّفر فإنّ الفقهاء يُضيفون قيدا آخر وهو القدرة على حمايتها وصيانتها.

* ثانيا: فمن هم هؤلاء المحارم ؟

قال تعالى:{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ..}.

ففي الآية إباحة نظر المحارم من الرّجال إلى مواضع الزّينة من المرأة، لأنّ الضّرورة تدعو إلى المخالطة، والفتنة مأمونة من جهتهم.

وقد بدأ الله تعالى في الآية بذكر الأزواج، ثمّ ذكر سائر المحارم من الرّجال، والمحارم الّذين دلّت الأدلّة على اعتبارهم:

1- الآباء، وكذا الأجداد، سواء كانوا من جهة الأب أو من جهة الأمّ.

2- آباء الأزواج.

3- أبناؤهنّ وأبناء أزواجهنّ، ويدخل فيهم أولاد الأولاد وإن نزلوا.

4- الإخوة مطلقا سواء كانوا أشقّاء أو لأب، أو لأمّ.

5- أبناء الإخوة والأخوات لأنّهم في حكم الإخوة.

6- الأعمام والأخوال وهم من المحارم وإن لم يُذكروا في الآية، ولكنّ القرآن والسنّة يدلاّن على ذلك، ذلك لأنّ القرآن ذكر أبناء الأخ وأبناء الأخت فتكون المرأة عمّتهنّ أو خالتهنّ، فلا فرق إذن بين أن تكون المرأة عمّة أو خالة، أو يكون الرّجل هو عمّها أو خالها.

وجاءت السنّة فبيّنت الجواز، ففي الصّحيحين عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ عَمَّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ يُسَمَّى أَفْلَحَ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا فَحَجَبَتْهُ فَأَخْبَرَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ لَهَا: (( لَا تَحْتَجِبِي مِنْهُ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ )).

7- ثمّ المحارم من الرّضاع، ولم تذكرهم الآية أيضا، لأنّ الآية أطلقت، والسنّة أيضا دلّت على ذلك كما في الحديث السّابق.

إذا عرفنا المحارم من الرّجال فما هو القدر الّذي يجوز للمرأة أن تُبدِيه لهم ؟

* ثالثا: حدود عورة المرأة أمام المحارم.

فإنّ ثمّة قولين مشهورين لأهل العلم:

الأوّل: أنّه يجوز لهم النّظر إلى جميع البدن ما عدا ما بين السرّة والرّكبة.

وهذا مذهب أكثر الشّافعيّة والحنفيّة، كما في " المبسوط " (10/149) و"المجموع" (16/140).

واستدلّوا بعموم حديث ابنِ عمْروٍ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( إنَّ مَا تَحْتَ السُّرَّةِ إِلَى الرُّكْبَةِ عَوْرَةٌ )) [قال في "الإرواء " (271): حسن].

الثّاني: وهو مذهب الحنابلة والمالكيّة، وقال به بعض الشّافعيّة والحنفيّة: أنّه لا يحلّ النّظر إلاّ إلى مواضع الزّينة وهي الأطراف، ومواضع الوضوء: كالرّأس والعنق والذّراعان وأنصاف السّاقين، ولا يجوز لها أن تُبدِي لهم أكثر من ذلك كالبطن، والظّهر، والثّدي ونحو ذلك، كما لا يجوز لها أن تظهر أمامهم بلباس ضيّق يصف، أو شفّاف يشفّ عمّا يجب عليها ستره.

واستدلّوا:

1- بظاهر الآية، حيث قال تعالى:{ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } أي: مواضع الزّينة، فمن استثنى شيئا من ذلك فعليه الدّليل.

2- ولأنّه سبحانه وتعالى جعل الظّهار منكرا من القول وزورا, وهو- أي الظّهار- تشبيه الزّوجة بظهر الأمّ في حقّ الحرمة, ولو لم يكن النّظر إلى ظهر الأمّ وبطنها أو لمسها حراما لم يكن الظّهار منكرا من القول وزورا.

وهذا هو الصّحيح إن شاء الله تعالى.

* وهنا تنبيهان مهمّان:

- قال القرطبيّ رحمه الله:

" لمّا ذكر الله تعالى الأزواج وبدأ بهم، ثنّى بذوي المحارم، وسوّى بينهم في إبداء الزّينة، ولكن تختلف مراتبهم بحسب ما في نفوس البشر، فلا مرية أنّ كشف الأب والأخ على المرأة أحوط من كشف ولد زوجها، وتختلف مراتب ما يبدَى لهم، فيبدَى للأب ما لا يجوز إبداؤه لولد الزَّوج " اهـ.

- لا تُظهر المرأة زينتها لمحرمها الّذي تحصل من جهته الشّبهة والرّيبة، ومن باب أولى إذا كان فاجرا غير مؤتمنٍ.

وإليك ما رواه البخاري ومسلم عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتِ:

اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِى وَقَّاصٍ رضي الله عنه وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ رضي الله عنه فِي غُلاَمٍ، فَقَالَ سَعْدٌ: هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ، عَهِدَ إِلَىَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ. وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللهِ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم إِلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: (( هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ )). فَلَمْ تَرَهُ سَوْدَةُ قَطُّ.

والله الموفّق لا ربّ سواه.


عورة المرأة أمام النّساء.
فقد سبق أن تطرّقنا بتفصيل إلى حدود عورة المرأة أمام المحارم، فبقي علينا أن نتطرّق إلى حدود عورة المرأة المسلمة أمام المسلمات، ثمّ عورتها مع الكافرات.
أوّلا: عورة المرأة أمام النّساء المسلمات.

لقد اختلف العلماء في عورة المسلمة أمام المسلمة اختلافا كبيرا، وأقوى المذاهب مذهبان اثنان:

- المذهب الأوّل: عورتها مع المسلمات ما بين السرّة والرّكبة.

وهو قول جمهور العلماء من الحنفيّة، والمالكيّة، والشّافعية، والحنابلة. إلاّ أنّ أكثر الحنفيّة يعدّون الرّكبة تدخل ضمن العورة أيضا.

[" بدائع الصّنائع "(5/124)، و" حاشية الخرشيّ على مختصر خليل "(1/246)، و" مغني المحتاج "(3/130)، و" المغني "(6/562)].

وأدلّة هذا المذهب:

- الدّليل الأوّل: حديث (( مَا تَحْتَ السُّرَّةِ إِلَى الرُّكْبَةِ عَوْرَةٌ ))، فهو خطابٌ عامّ يشمل الرّجال فيما بينهم، والنّساء فيما بينهنّ، ومفهومه أنّ ما عداه ليس بعورة.

- الدّليل الثاني: السنّة العمليّة جرت على أنّ المرأة هي من تغسّل المرأة عند موتها.

قال الحطّاب رحمه الله:" وأمّا حكمها – أي المرأة – مع النّساء فالمشهور أنّها كحكم الرّجل مع الرّجل ".

ثمّ نقل قول الفاكهاني في " شرح الرّسالة ":" وجُعِل للنّساء تجريد المرأة للغسل، ففي ذلك دليل على أن عورة المرأة في حقّ المرأة كعورة الرّجل في حقّ الرّجل، وهو من السرّة إلى الرّكبة فقط "[" مواهب الجليل " للحطّاب (1/498-499)].

وقال ابن رشد رحمه الله:" وقد أجمع أهل العلم – فيما علمت – على أنّ النساء يغسلن المرأة الميتة كما يغسل الرجال الرجل الميت، ولم يختلفوا في ذلك كما اختلفوا في غسل النساء ذوي محارمهن من الرّجال، وفي غسل الرّجل ذوات محارمه من النساء .." [" البيان والتّحصيل" (18/548)].

- الدّليل الثالث: قالوا: ليس في نظر المرأة إلى المرأة خوف الشّهوة والوقوع في الفتنة، كما لا يكون ذلك في نظر الرّجل إلى الرّجل.

[" بدائع الصّنائع " للكاساني (5/124)].

- المذهب الثّاني: عورتها مع المسلمات كعورتها مع المحارم.

فلا تبدي لهنّ إلاّ مواضع الزّينة وهي الأطراف، ومواضع الوضوء: كالرّأس والعنق والذّراعان وأنصاف السّاقين، ولا يجوز لها أن تُبدِي لهنّ أكثر من ذلك كالبطن، والظّهر، والثّدي ونحوه.

وهذا قول ابن القطّان الفاسي رحمه الله في " أحكام النّظر " (235)].

ودليل ذلك: هو ظاهر قوله تعالى:{ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } أي: مواضع الزّينة، فجميع من ذكر في الآية يشتركون في هذا الحكم، بما فيه النّساء لقوله تعالى:{ أَوْ نِسَائِهِنَّ }، ولم يُبح لأحد النّظر إلى أكثر من ذلك إلاّ للزّوج، فمن ادّعى استثناء صِنفٍ آخر فعليه الدّليل.

قال ابن القطّان رحمه الله:" وأمّا جواز إبداء الوجه والكفّين والقدمين فمن الآية، إذ الّذي هو مشترك لجميع من ذكر فيها يجوز إبداؤه، وذلك الشّعر والعنق لمن أمرهنّ معلوم استقراره في كلّ زمان ومكان على تزيين بعضهنّ بعضا، ومشط بعضهنّ بعضا ... ولفظ الآية مطلق في النّهي عن إبداء الزّينة لأحد من الخلق، استثنى منها ما ظهر منها وما يشترك فيه المذكورات .. "اهـ.

التّرجيح:

على ما تقرّر في علم الأصول فإنّ الرّاجح - والله أعلم – هو القول الثّاني، وأنّ عورة المرأة المسلمة أمام المسلمة كعورتها أمام المحارم، وذلك لما يلي:

1- وجوب الأخذ بظاهر الآية وليس ثمّة دليل يصرف عنه، فقوله تعالى:{أَوْ نِسَائِهِنَّ}، لا يدلّ إلاّ جواز كشف مواضع الزّينة الباطنة للنّساء.

2- وجوب العمل بالعموم، وليس ثمّة دليل يصرف عنه إلى التّخصيص.

3- وجوب الأخذ بالأحوط عند قوّة الخلاف، ومن ثمّ بُثّت قواعد كثيرة تحت هذا الأصل، كتقديم الحاظر على المبيح، والمحكم على المتشابه، ونحو ذلك.

4- مراعاة الأصل في المرأة، فإنّ الأصل في جسد المرأة السّتر لخوف الفتنة، ولقوله صلّى الله عليه وسلّم: (( المَرْأَةُ عَوْرَةٌ )). وبناء على ذلك فإنّه لا يقال بجواز كشف أي عضو منها إلاّ بدليل، سواء للرّجال الأجانب أو المحارم، وسواء للنّساء المسلمات أو الكافرات.

الجواب عن أدلّة الجمهور: وهي قويّة، ولكن يمكن معارضتها بما يلي:

- مناقشة الدّليل الأوّل: وهو استدلالهم بخبر: (( مَا تَحْتَ السُّرَّةِ إِلَى الرُّكْبَةِ عَوْرَةٌ )) وأنّه على عمومه، وأنّ النّساء شقائق الرّجال، فجوابه:

أ‌) أنّ الخبر ورد في حقّ الرّجال بدلالة سبب الورود، فالتّعميم للنّساء غير صحيح.

ب‌) ثمّ إنّ مقتضى قولهم هذا أنّه يباح للرّجل أيضا النّظر إلى ما دون سرّة المرأة وركبتها ! فإن قالوا: قضى على هذا العموم حديث: ((المرأة عورة))، قيل لهم: فما الّذي ضعّف هذا العموم في حقّ النّساء ؟

- مناقشة الدّليل الثّاني: وهو جريان السنّة العمليّة على جواز تغسيل المرأة، فالجواب: أنّ الدليل أعمّ من الدّعوى من وجهين اثنين:

أ‌) أنّه يمكن النّساء غسل الميتة دون النّظر إلى عورتها، ومثل قائل ذلك كمثل من أباح النّظر إلى عورة الرّجل بحجّة جواز تغسيله !

ب‌) لو فرضنا جواز النّظر إلى عورة المغسولة لاندرج ذلك تحت الضّرورات المبيحة للمحظورات.

قال ابن القطّان رحمه الله:" وهذا أيضا لا حجّة لهم فيه، لأنّ إطلاق الغسل ليس فيه إطلاق النّظر، فقد يكون الغسل فوق ثوب، وأيضا غسل الميت ضرورة، بخلاف مسألة النّظر والبدوّ من غير حاجة ".

- مناقشة الدّليل الثّالث: وهو قولهم: ليس في نظر المرأة إلى المرأة خوف الشّهوة والوقوع في الفتنة.

فهذه مجرّد دعوى تقبل المعارضة، وجوابه ما قاله ابن القطّان الفاسي (ص 236):" أمّا امتناع إبداء ما زاد، ففيما تقرّر عادة من ولوع النّساء بعضهنّ ببعض، على ما سنبيّنه إن شاء الله في باب النّظر إليها، فما يمكن أن يجرّ إليه هوى يمتنع ".

تنبيه: هناك مذاهب ضعيفة في المسألة إمّا لانعدام دليلها، أو لضعفه، من ذلك:

* * أنّ عورة المرأة أمام أختها المسلمة هي السّوأتان فحسب، وهو مذهب ابن حزم رحمه الله، كما في " المحلّى " (10/32).

وذلك جريا على أصله الّذي مشى عليه في عورة الرّجل مع الرّجل أيضا، وعورة المرأة مع المحارم، وقد سبق بيان ضعف مذهبه.

* * أنّ عورتها مع المسلمة من السّرّة إلى الرّكبة مع الظّهر والبطن، وهو قول نقِل عن أبي حنيفة [" تكملة شرح فتح القدير "(10/30)، و"مجمع الأنهر" (2/538)].

وهو أحوط من مذهب الجمهور، ولكن ليس ثمّة دليل على ذلك.

* * أنّها مع المسلمة جميعها عورة إلاّ الوجه والكفّين، وهو قول عزاه ابن القطّان للقاضي عبد الوهّاب المالكيّ في " شرح الرّسالة ".

ولا سبيل إلى الاطّلاع على كلامه، لأنّه يستبعد منه الغفلة عن قوله تعالى:{ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ...} إلى أن استثنى وقال:{أَوْ نِسَائِهِنَّ}.

وأظنّ ابن القطّان رحمه الله فهم عنه ذلك من شرحه لعبارة ابن أبي زيد رحمه الله حين قال:" ولا تدخل المرأة الحمّام إلاّ من علّة " ذكر القاضي في شرحه – كما في " البيان والتّحصيل " لابن رشد (18/ 548)-: أن الحمّام محرّم على النّساء لأنّ جميع بدنها عورة لا يجوز أن يراه رجل ولا امرأة... ثمّ شرع ابن رشد يردّ قوله ذلك.

والّذي يتأمّل عبارة القاضي يراها مجملة، لم يُرِد أنّ المسلمة عورة أمام المسلمة إلاّ الوجه والكفّين، وإنّما مقصوده أنّ مجموع المرأة عورة، وهو ما سيبدو عادةً في الحمّام من الظّهر والثّدي ونحو ذلك، والله أعلم.

المبحث الأخير: عورة المرأة المسلمة أمام الكافرة.

دلّ قوله تعالى:{ أَوْ نِسَائِهِنَّ } على أنّ المرأة عورة كلّها أمام الكافرة ما عدا الوجه والكفّين، قال القرطبيّ رحمه الله:

" قوله تعالى:{أَوْ نِسَائِهِنَّ} يعني المسلمات، ويدخل في هذا الإماء المؤمنات، ويخرج منه نساء المشركين من أهل الذمّة وغيرهم، فلا يحلّ لامرأة مؤمنة أن تكشف شيئا من بدنها بين يدي امرأة مشركة، إلاّ أن تكون أمة لها، فذلك قوله تعالى:{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ}.

وكان ابن جريج وعبادة بن نسيّ وهشام القارئ يكرهون أن تقبِّل النّصرانية المسلمة أو ترى عورتها، ويتأوّلون:{أَوْ نِسَائِهِنَّ} " اهـ.

وقال شيخ الإسلام رحمه الله – كما في " مجموع الفتاوى "(22/112)-:

" وقوله:{أَوْ نِسَائِهِنَّ} قال: احتراز عن النّساء المشركات، فلا تكون المشركة قابلةً للمسلمة، ولا تدخل معهنّ الحمّام، لكن قد كنّ النّسوة اليهوديّات يدخلن على عائشة وغيرها فيرين وجهَها ويديها، بخلاف الرّجال، فيكون هذا في الزّينة الظّاهرة في حقّ النّساء الذمّيات، وليس للذّمّيات أن يطَّلعن على الزّينة الباطنة ".

ويؤيّد ما ذُكِر الآثار عن السّلف في ذلك:

- فقد روى عبد الرزّاق في " المصنّف " (1/295) عن قيس بن الحارث قال: كتب عمر بن الخطّاب إلى أبي عبيدة: بلغني أنّ نساءً من نساء المؤمنين والمهاجرين يدخلن الحمّامات ومعهنّ نساء من أهل الكتاب، فازجر عن ذلك، وحُلْ دونه. فقال أبو عبيدة وهو غضبان – ولم يكن غضوبا ولا فاحشا – فقال: اللهمّ أيّما امرأة دخلت الحمام من غير علّة ولا سقم تريد بذلك أن تُبَيِّض وجهها فسوِّد وجهها يوم تبيضّ الوجوه.

- وفي رواية أخرى عن قيس بن الحارث أيضا قال: كتب عمر رضي الله عنه إلى أبي عبيدة بن الجرّاح رضي الله عنه قَال: بلغني أنّ نساء من نساء المسلمين قِبَلك يدخلن الحمّام مع نساء المشركات، فَانْهَ عن ذلك أشدّ النّهي، فإنّه لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن يرى عوراتِها غيرُ أهل دينها.


حكم نظر المرأة إلى الرّجال

فإنّ من المسائل الّتي يكثر السّؤال عنها هذه الأيّام، ممّن هداه الله تعالى إلى الاستقامة على شرائع الإسلام: حكم نظر المرأة إلى الرّجل الأجنبيّ.

وازداد طرح هذا السّؤال انتشارا مع انتشار القنوات الفضائيّة الإسلاميّة الّتي يظهر على شاشاتها العلماء والدّعاة - ولا أتحدّث عمّن سُمُّوا بالمنشِدين !-.

فهبّت مع ذلك كلّه رياح الخصوماتِ بين الزّوجين، فهذا يمانع .. وتلك تدافع .. ولعلّ هذا البحث المختصر يعالج هذا الواقع.
أمّا حكم نظر المرأة للرّجال فالأصل في ذلك قوله تعالى:{وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} [النّور من الآية:31]، ولا يُستثنى منه إلاّ الزّوج والمحارم.

* من أجل ذلك أجمع أهل العلم قاطبةً على تحريم نظر المرأة إلى الرّجل الأجنبيّ بشهوة، أو خُشِي عليها الافتتان به، لأنّ النّظر بريد الزّنا، ومن أجل ذلك قال تعالى عقب ذلك مباشرة:{وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ}.

* ثمّ اختلف العلماء رحمهم الله في حكم نظر المرأة إلى الرّجل من غير شهوة، وخلا النّظر من خوف الافتتان به على قولين اثنين:

القول الأوّل: أنّه جائز، وهو قول جمهور أهل العلم.

- واستدلّوا بما رواه البخاري ومسلم عن عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت:

( كَانَ الْحَبَشُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ، فَسَتَرَنِي رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم وَأَنَا أَنْظُرُ، فَمَا زِلْتُ أَنْظُرُ حَتَّى كُنْتُ أَنَا أَنْصَرِفُ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ تَسْمَعُ اللَّهْوَ ).

ووجه الدّلالة: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أقرّها على نظرها إلى الأحباش، ولم يُنكر عليها.

- كما استدلّوا بأنّ النّساء كُنّ يمشِين في الطّرقات والأسواق، ويُصلِّين مع الرّجال وذلك مظنّة للنّظر إليهم.

وبهذين الوجهين استدلّ الشّيخ ابن عثيمين رحمه الله في "فتاوى المرأة المسلمة" (1/43)، وكثير من علماء اللّجنة الدّائمة.

القول الثّاني: أنّه يحرُم مطلقا، إلاّ ما دعت الحاجة إليه.

وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها عدد من أصحابه، ووجه للشّافعيّة، وصحّحه الإمام النّوويّ.

["المنهاج" (ص95)، و"شرح النّووي على مسلم" (6/184)، و"الإنصاف" (8/25)، و"تكملة المجموع" (16/139)، و"تنبيه الغافلين" (ص 199)].

- واستدلّوا بقوله تعالى:{وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ}.

ووجه الدّلالة: أنّ النصّ مطلق، فمن قيّده طُولِب بالدّليل.

- وبقوله صلّى الله عليه وسلّم: (( النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ )) [رواه أحمد وأبو داود، وهو صحيح].

ووجه الدّلالة: أنّه كما يحرم على الرّجل النّظر إلى المرأة خشية الافتتان بها، فإنّه يحرم على النّساء أيضا النّظر إلى الرّجال.

- وبما رواه أبو داود وغيره عن أمّ سلمةَ قالت: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم، وَعِنْدَهُ مَيْمُونَةُ، فَأَقْبَلَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أُمِرْنَا بِالْحِجَابِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: (( احْتَجِبَا مِنْهُ ))، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَيْسَ أَعْمَى لَا يُبْصِرُنَا وَلَا يَعْرِفُنَا ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: (( أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا ؟ أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ ؟)) [وهو حديث ضعيف].

ووجه الدّلالة: أنّه صلّى الله عليه وسلّم نهاهما وهم من أتقى النّساء أن ينظرن إلى الرّجال الأجانب.

التّرجيح:

الرّاجح - والله تعالى أعلم - أنّه يحرم نظر المرأة إلى الرّجال الّذين يُخْشى على المرأة الافتتان بهم، كالرّجل الشّابّ، أو الوسيم، أو ذي الهيئة الحسنة الفاتنة، ونحو ذلك.

أمّا من لا يُخْشَى الافتتان به فالأولى تركُ النّظر إليه؛ خروجا من خلاف أهل العلم.

وذلك لما يلي:

- إطلاق الآية.

- أنّ قياس نظر النّساء إلى عموم الرّجال على نظر عائشة إلى الأحباش قياس مع الفارق؛ لوجوه ثلاثة:

أ‌) الوجه الأوّل: ما ذكره النّووي رحمه الله:" أنّه ليس فيه أنّها نظرت إلى وجوههم وأبدانهم، وإنّما نظرت لعبهم وحرابهم، ولا يلزم من ذلك تعمّد النّظر إلى البدن، وإن وقع النّظر بلا قصد صرفته في الحال " [" شرح النّوويّ " (6/184)].

ب‌) الوجه الثّاني: أنّ الأحباش على الهيئة الّتي يُعرفون بها ويكونون عليها ليسوا مظنّة الفتنة.

ت‌) الوجه الثّالث: قولها رضي الله عنها آخر الحديث: ( فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ )، فيه إشارة إلى أنّها صغيرة السنّ، فمثلها مثل البنات اللاّء يحدّثن الباعة والأساتذة والجيران، فلا يمكن أن تقيس المرأة الّتي فاقت السّادسة عشرة أو الثّامنة عشرة نفسها عليها !

ومن أجل ذلك فرّق بعض أهل العلم بين الفتاة الّتي لم تصل إلى ذروة الشّباب وما دونها، كابن عبد البرّ رحمه الله في " التّمهيد " (19/157).

- أنّ المرأة ربّما نظرت إلى الرّجل وهي لا تشتهيه، ولكن باستدامة النّظر يحدُث الافتتان، ومعلوم من شرعنا وجوب سدّ الذّرائع ودرء المفاسد.

- أمّا نظر المرأة إلى الرّجال على شاشة الرّائي ( التّلفاز ) فهو أشدّ فتنةً ! ذلك لأنّ المرأة تستحِي عادةً من أن تستديم النّظر في الرّجل أمامها، ولكن ليس ثمّة ما يمنعها من استدامة النّظر وهو على شاشة الرّائي، ممّا يكون أكثرَ مدعاةً إلى الفتنة.

- أنّ القلب ما سُمّي قلبا إلاّ لتقلّبه، فمن ذي الّتي تأمن على نفسها عدم الافتتان ؟!

ومن الأمثلة على ما نقول: قصّة جميلة بنت عبد الله رضي الله عنها وطلبها الخلع من ثابت بن قيس، فقد قالت - كما في صحيح البخاري -: " مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ "، فما سببُ بغضها له إذاً ؟

ذكر الحافظ في " الفتح " أنّه جاء في رواية معتمر بن سليمان عن فضيل عن أبي جرير عن عكرمة عن ابن عبّاس رضي الله عنه قال:

" أوّل خلع كان في الإسلام امرأة ثابت بن قيس، أتت النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، لا يجتمع رأسي ورأس ثابت أبدا، إنّي رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدّة، فإذا هو أشدّهم سوادا، وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجها ...).

فانظر إلى هذه المرأة على تقواها، وورعِها، ما كان منها إلاّ أن نظرت إلى زوجها وهو بين الرّجال فرأته أكثرهم دمامة فكرهته !

الحاصل:

1- أنّ المرأة يحْرُم عليها النّظر بشهوة بإجماع العلماء.

2- ويحرم عليها أن تنظر إلى الشّابّ، أو إلى الوسيم، وذي الهيئة الفاتنة.

3- أمّا المحاضر والمدرّس إن كان شيخاً، أو ليس مظنّة الفتنة، فلا يحرُم عليها ذلك، والأولى عدم النّظر خروجا من خلاف العلماء.

والله الموفّق لا ربّ سواه.


بارك الله فيك

بارك الله فيك ونفع بك
وجزاك الله كــــــــــــل خير وجعلها في موازين حسناتك بأذن الله
شكرا الك على طــــــــــرحك الموضوع الرائع والقيم
الله يعطيك العافيه
دمت بحفظ الله ورعايته


شكرا لك اخي مجهود رائع وموضوع قيم
بارك الله فيك


الساعة الآن 01:33 AM.