منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > قسم التربية والتعليم > قسم الموسوعة التاريخية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


قصة الحروب الصليبية - Story of the Crusades .




ساهم بنشر الصفحة
موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع
قصة الحروب الصليبية - Story of the Crusades .








لا شك أن تاريخ الإنسانية كنزٌ عظيم فيه من التجارب والخبرات ما لا يُقدَّر بثمن ، وخطأٌ كبير أن يقع الحكيم فيما وقع فيه السابقون ، وذنبٌ عظيم أن نتوه في الدروب ، وفي أيدينا دليل النجاة .. ولقد ضلت أمتنا كثيرًا لأنها أهملت تاريخها وتاريخ البشر ، بل - وللأسف الشديد - فإنها عندما قرأتْ تاريخها قرأته على يد مبدِّلين ومغيِّرين زوَّروا الكثير من الصفحات ، وشوَّهوا العديد من الرموز ، وبدَّلوا القصص ، وقلبوا أحداثها ؛ فصار الصالحُ طالحًا وأصبح المفسد حكيمًا , وبهذا ضاعت العِبَر ، وإختفت الدروس ، وفَقَد المسلمون أحد أهم كنوزهم .

لذا كان لزامًا علينا أن نقوم بحملة دراسة شاملة لدراسة التاريخ الإسلامي من كل جوانبه ؛ فنصحِّح كل هذه التجاوزات ، ونعيد الأمور إلى نصابها ، وبالتالي نستطيع الاستفادة من هذا الكنز الهائل .

وبين أيدينا محاولة لهذا التصحيح في موضوع من أهم الموضوعات التاريخية، وهو قصة الحروب الصليبية ، وهي قصة في غاية الأهمية ، ودراستها حتمية لفَهْم كثيرٍ من الأمور ، سواء في التاريخ أو في الواقع؛ فدراسة هذه القصة مهمَّة لفهم التاريخ الإسلامي ، وهي كذلك مهمة لفهم واقعنا الذي نعيش فيه الآن ..


وقد وقع اختيارنا على هذه القصة لعدة أسباب ، كان منها :

أولاً : إنها أكثر من مائتي سنة، أي ما يمثِّل 1\7 التاريخ الإسلامي ، فإن كنا نرى للتاريخ الإسلامي أهمية ، فلا شك أن دراسة هذه الفترة أمر في غاية الأهمية .. وليست دراسة هذه الفترة مهمة للمسلمين فقط ، بل إهتم بها الأوربيون وغيرهم من مفكري العالم وعلمائه ؛ فقد ظلت الحروب الصليبية مسيطرة على الفكر الأوربي وعقلية الأدباء والشعراء وعموم الناس أكثر من ثلاثة قرون متصلة ! ، وذلك من سنة - 488هـ = 1095م - حين بدأت هذه الحروب وحتى سنة - 802هـ = 1400م - بعد إنتهائها بقرن كامل ، بل وظل الاهتمام بها مستمرًّا في كل جامعات ومعاهد أوربا وأمريكا إلى الآن ، حتي إنه في دراسة قام بها المؤرخ نورمان كانتور وجد أن الحادث الوحيد الذي يعرفه الخريج العادي من الجامعات الأمريكية فيما يتعلق بتاريخ العصور الوسطى هو الحملة الصليبية الأولى ، ووجد أيضًا أن إنطباعات هؤلاء الخريجين عن هذه الحملة إيجابية جدًّا .



ثانيًا : ولأن هذه الفترة طويلة فإننا نستطيع أن نرصد فيها الأيدلوجيات المختلفة للأطراف المتصارعة ، فإن أفكار المجتمع الغربي وأهداف محركي الجموع والجيوش وواضعي السياسيات والنظم قد تكون شاذة عن المألوف لو كانت عابرة أو مؤقتة ، ولكن ثبات هذه الأيدلوجيات عشرات السنين أو مائتين من السنين يؤكد أن هذه الأيدلوجيات عقائد ثابتة راسخة ، وليس مجرَّد فكرة طارئة خرجت من ذهن متهوِّر أو جاهل .

وبهذا سنفهم خلفيات الغرب الأوربي في حربه للمسلمين ، وهي الخلفيات التي حكمت الصراع قديمًا بين المسلمين والنصارى من الدولة الرومانية ، كما سنفهم خلفيات المجاهدين المسلمين وطرقهم في الحرب وفي المعاهدة , وفي التعامل مع غير المسلمين ، ومناهجهم في التغيير .

إنها دراسة رائعة في نفسيات البشر ، وأدبيات الصراع بين القوى المختلفة ، خاصةً إذا كان الإسلام طرفًا في القضية .



ثالثًا : يبرز إحتياجنا لدراسة الحروب الصليبية بدرجة أكبر عند رؤية التشابه العجيب بين هذه الحقبة القديمة التي مرَّ عليها أكثر من تسعة قرون ، وبين زماننا المعاصر الذي نعيش فيه الآن ..

فكما قامت قوات التحالف الغربي بغزو العالم الإسلامي ، وكما رأينا التكاتف بينهم لحرب واحدة ، وكما رأينا التعاون بين الساسة والحربيين ورجال الدين وأهل الاقتصاد والعلوم لإمضاء هذه الحرب وإنفاذها ، فإننا نرى الآن نفس هذا التكاتف والتعاون والتنسيق لحرب العالم الإسلامي في أكثر من بقعة .

وكما رأينا غزو الصليبيين للشام وفلسطين وأجزاء من تركيا ومصر بل والحجاز ، نرى الآن الهجمات المستمرة والجهود المتتالية التي نجحت في أماكن كثيرة من العالم الإسلامي مثل فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان وكشمير والبوسنة وكوسوفو ، ونراها تخطط بحرص وتدبير في السودان والصومال ولبنان وسوريا ، وليست مصر أو إيران و باكستان أو تركيا ببعيدة عن الخطر .

وكما رأينا كيانًا غريبًا يُزرع في فلسطين عُرف بعد ذلك بمملكة بيت المقدس الصليبية ، ورأينا هذا الكيان يستمر عشرات السنين ، ورأيناه يُمَدُّ بكل أنواع المساعدة من الغرب الصليبي ، رأينا أيضًا الآن الكيان اليهوديّ يُزرع في نفس الأرض ، في فلسطين ، ويُمد بكل أنواع المساعدة من الغرب الصليبي أيضًا .

وكما رأينا الفكر الاستيطاني الذي كان من محركي الحروب الصليبية ، وكيف أنهم جاءوا برجالهم ونسائهم وأطفالهم لا لينتصروا في معركة ويعودوا بغنائم ، ولكن ليعيشوا ويستقروا ويمتلكوا وينسوا تمامًا روابطهم القديمة وجذورهم الأصلية ؛ كما رأينا ذلك رأينا الآن اليهود يقومون بنفس الشيء ويهاجرون إلى الأرض المباركة بكل عائلاتهم ليستقروا بلا عودة .

وكما رأينا التخاذل من كثير من زعماء العرب والمسلمين ، وظهور نماذج مخزية في تاريخ الحروب الصليبية تفسِّر الانهيارات المروعة التي حدثت في مقاومة المسلمين للمدِّ الصليبي ، نرى الآن نفس التخاذلات وبنفس الروح وبصورة تكاد تتطابق، فلا يهب جيشٌ ولا زعيم لنصر المكروبين في بلاد العالم الإسلامي المحتل .

وكما رأينا حرصًا من أعداء الأمة على منع الوحدة بين ولايات الشام ، وعلى منع الوحدة بين مصر والشام ، وعلى منع الوحدة بين أي زعيمين مسلمين ؛ لأن في هذا بقاء لهم أطول وأعظم ، رأينا نفس الحرص من الغرب الصليبي في زماننا، وقد نجحوا في ذلك أيَّما نجاحٍ ؛ فلا تكاد ترى قطرين مسلمين متجاورين إلا وبينهما صراع ونزاع .

وأوجه التشابه أكثر من أن تحصى ! ، وعند دراسة القصة بشكل تفصيلي سنشعر وكأننا لا نقرأ صفحات من تاريخ مضى ، ولكن نقرأ واقع حياتنا ، وقصة مجتمعاتنا التي نعيش فيها الآن .



رابعًا : يظهر أيضًا بجلاء في قصة الحروب الصليبية الاختلاف الفكري والفقهي والعقائدي في قضية حسَّاسة جدًّا داخل كيان الأمة الإسلامية ، وهي قصة : السُّنَّة والشِّيعة ! ، وذلك أن الأحداث تدور في منطقتي الشام ومصر ، وهما واقعتان تحت سيطرة سلجوقية سُنِّيَّة من جهة ، وعبيديّة فاطمية شيعية من جهة أخرى ، وهذا أفرز مواقف كثيرة تعين على فهم دقائق الأمور في زماننا الآن ، وكذلك مستقبلاً .



خامسًا : دراسة الصراع مع الصليبيين ليس أمرًا مفيدًا لواقعنا فقط ، بل هو مفيد لمستقبلنا أيضًا ؛ فمن الواضح أنه لن يأتي زمانٌ تندثر فيه هذه الصراعات وتلك الصدامات ، ولكنها قد تهدأ أحيانًا وتنشط أحيانًا أخرى ، ولكنها على كل حال ستستمر إلى يوم القيامة .. وفي ذلك جاءت أحاديث مختلفة لرسول الله - صلي الله عليه وسلم - وهي أحاديث صحيحة تؤكد استمرار هذه الصورة الحادَّة من العلاقة ؛ ومن هذه الأحاديث مثلاً : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّه - صلي الله عليه وسلم - قَالَ: " لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالأَعْمَاقِ أَوْ بِدَابِقٍ ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الأَرْضِ يَوْمَئِذٍ ، فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَتْ الرُّومُ : خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ . فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ : لاَ وَاللَّهِ لاَ نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا . فَيُقَاتِلُونَهُمْ فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لاَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا ، وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ ، وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ لاَ يُفْتَنُونَ أَبَدًا فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ إِذْ صَاحَ فِيهِمْ الشَّيْطَانُ : إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ . فَيَخْرُجُونَ وَذَلِكَ بَاطِلٌ ، فَإِذَا جَاءُوا الشام خَرَجَ ، فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ إِذْ أُقِيمَتْ الصَّلاَةُ فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ - عليه السلام - فَأَمَّهُمْ ، فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ ، فَلَوْ تَرَكَهُ لاَنْذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ ، وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بِيَدِهِ فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي حَرْبَتِهِ".



سادسًا : من الدوافع المهمة لدراسة هذه الحقبة الخطيرة من تاريخ الأمة ، التزوير الذي حدث في القصة ، وبصورة مكثفة ! ؛ وذلك لثراء القصة أدبيًّا ، وولع الكتّاب والمؤلِّفين والأدباء بها ، سواء من المسلمين أو الغربيين .

ولا يخفى على أحد أن الأديب لا يهتم كثيرًا بصحة الوقائع التاريخية ، ولكن يروي ما يراه يخدم القصة ، بل قد يخترع شخصيات وهمية ، أو يخترع قصصًا وهمية لأشخاص حقيقيين لتأييد معنى أو ترسيخ فكرة ، وهذا يشوِّش على الناس الكثير من الحقائق ، ويصبح المستمع أو القارئ رهينة لفكر المؤلف أو الأديب , هذا فوق التزوير المغرض والتحريف المتعمد الذي إستهدف في الأساس تشويه الرموز الإسلامية وتعظيم النوايا الصليبية ، وإظهار الموضوع بشكل مغاير تمامًا للحقيقة .. ولعل من أكبر التزويرات في تاريخ الحروب الصليبية هو إطلاق هذا الاسم عليها ! فالحروب الصليبية لم تكن معروفة بهذا الاسم طيلة الفترة التي حدثت فيها ، بل والتي تبعتها ولم يعرف هذا الاسم إلا في القرن الثامن عشر الميلادي وما بعده ، وكان الجميع يطلق على الحروب الصليبية أسماء أخرى مثل : الحملة ، أو رحلة الحجاج ، أو الرحلة للأراضي المقدسة ، أو الحرب المقدسة ؛ أما لماذا اشتهر هذا الاسم فلكونه يحمل معنى الحرب النبيلة ! ، ويُوحِي بالشجاعة والتضحية ، ويعبِّر عن الفداء الذي يحبه النصارى ، وهي جميعًا صفات لم توجد البتَّة في هذه الحروب ، بل كانت حروبًا تجسِّد كل معاني القسوة والعنف والظلم والإجرام ، ولكن الانطباع العام عند الأوربيين والأمريكيين أنها كانت حرب نبيلة تهدف إلى غايات سامية ، واستعملت وسائل شريفة ؛ وهذا يفسِّر الكلمة , التي قالها جورج بوش رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وهو يصف الحرب الأمريكية على العراق بأنها "حرب صليبية" .

فهو لا يعني بهذه الكلمة أيَّة ميولٍ عدوانية، إنما هو يسترجع الموروث الثقافي عنده وعند الشعوب النصرانية الأمريكية وغيرها، ومن ثَمَّ يوجه رسالة مباشرة وغير مباشرة إلى كل هذه الشعوب أن هذه الحرب نبيلة وشريفة، وتضحِّي فيها أمريكا من أجل سعادة الإنسانية .

ومع هذا الخلط الشديد في مصطلح الحروب الصليبية إلا أن الخروج منه أصبح صعبًا جدًّا ، وخاصةً أن الأجيال الأخيرة من المؤرِّخين المسلمين درست في معظمها على أيدي العلماء الأوربيين ، وبالتالي تبنَّوا دون مقاومة نظرياتهم وتحليلاتهم وتقسيماتهم للتاريخ ومصطلحاتهم في وصفه ، ولم يعُدْ يجدي هنا أن نتحدث عن الحملة الاستعمارية الأولى ، أو عن حملة أوربا الغربية ، أو عن حروب النصارى أو غير ذلك من المصطلحات ؛ لأنها كلها ستصرف الذهن حتمًا إلى شيء آخر غير ما نعنيه من معارك وأحداث ..





عماد الدين زنكي وبناء الأمة

ذهب عماد الدين زنكي لتولي منصبه الخطير ، وهو إمارة الموصل ، وليس وجه أهمية المنصب في كونه يشرف على واحدة من أهم وأوسع وأثرى الإمارات الإسلامية في ذلك الوقت، وليس فقط للأهمية الإستراتيجية لهذه الإمارة الواقعة في وسط مثلث مهم جدًّا ؛ حيث إنها فاصلة بين العراق والخلافة العباسية ، وفارس ومركز السلاجقة العظام ، والشام بما فيها من أحداث ساخنة ، ليس لهذه الأمور فقط ترجع أهمية الموصل ، ولكن في الأساس لكونها أصبحت الإمارة التي يعلق عليها المسلمون آمالهم في تخليصهم من الكابوس المفزع المتمثل في الإحتلال الصليبي .

كانت المهمة إذن خطيرة جدًّا ، والمعوقات لنجاح العمل كثيرة ، ولا بد لمن يتولى هذا المنصب أن يكون على دراية تامة بأحوال الواقع الإسلامي ، وعلى علم غزير بأمور الجهاد والإدارة والسياسة ، وعلى قدرة تامة للتعامل مع كل المفاجآت والأحداث ، وقد كان عماد الدين زنكي هذا الرجل المطلوب !

بدأ عماد الدين زنكي - وقبل وصوله إلى الموصل - ينظر نظرة شمولية للأحداث وللظروف ، وكأني به قد نظر إلى المنطقة بمنظار درجته ثلاثمائة وستون درجة ، وكأنه بهذه الصورة قد رأى كل صغيرة وكبيرة في المنطقة ! فتعالوا نفكر مع عماد الدين زنكي في الوضع الجديد ، ونرى كيف يمكن أن تكون رؤيته ؟ وما هي أولوياته ؟ وكيف ستكون خطواته ؟! وما هي موازين القوى الموجودة في المنطقة في ذلك الوقت ؟ ..

أولاً : أقوى شخصيات العالم الإسلامي الآن هو السلطان السلجوقي محمود ، ومقرُّه في أصفهان ، وله الهيمنة على مناطق كثيرة أهمها إيران والعراق بما فيها بغداد والموصل ، كما أن له السيطرة كذلك على حلب ، ومن ثَمَّ فولاء عماد الدين زنكي سيكون بوضوح له ، فوق أنه هو الذي ولَّى عماد الدين زنكي أصلاً ولاية الموصل , وكان السلطان محمود عند ولاية عماد الدين زنكي يبلغ من العمر ثلاثة وعشرين عامًا ، وكان عاقلاً حليمًا كريمًا عفيفًا، وإن لم يكن على نفس الخبرة والكفاءة التي كان يتمتع بها أبوه السلطان محمد أو أجداده .

ثانيًا : الخليفة العباسي آنذاك هو المسترشد بالله ، ولو ظهر هذا الخليفة في زمان قوة الدولة العباسية لكان له شأن ، لكنه ظهر والدولة العباسية في غاية الضعف ، وتقع تحت الهيمنة السلجوقية تمامًا ، وكانت تراود هذا الخليفة الطموحات بالإستقلال ، ومرَّ بنا كيف أنه إصطدم قبل ولاية عماد الدين زنكي بشهور قليلة مع السلطان محمود ، إلا أن السلطان محمود إنتصر ، وإعتذر الخليفة له ، فهذا - لا شك - سيؤثر في علاقة عماد الدين زنكي بالخليفة ؛ فعماد الدين زنكي وإن كان لا يريد خصامًا أو شقاقًا مع أحد إلا أن أولوياته في هذه المرحلة ستكون موجَّهة للسلطان محمود أولاً ، ثم الخليفة أو غيره من بعده ، ثم إن عليه أن يعلم أن الخليفة قد يؤذيه في يوم ما ؛ لأنه يعلم إرتباط عماد الدين زنكي بالسلطان محمود .


ثالثًا : إمارة الموصل الآن تموج بالفتن ، والوضع الأمني فيها في غاية الإضطراب ، ومنذ عام واحد قُتل آق سنقر البرسقي أمير المدينة بسهولة ، وذلك على يد الباطنية ، فهذا الإنفلات الأمني أدى إلى نتائج خطيرة ؛ حيث إضطربت حركة التجارة ، وساد المفسدون ، وخشي الناس على حركتهم وأموالهم ، ومن ثَمَّ فقدوم عماد الدين زنكي على البلد ليس آمنًا .

رابعًا : من موازين القوى المهمَّة التي لا ينظر إليها كثير من المحلِّلين هو الشعب في المدينة المعيَّنة أو الدولة المعيَّنة ، وشعب الموصل - كما سبق وتحدَّثنا عنه - كان شعبًا محبًّا للعلم راغبًا في الجهاد ، ومن ثَمَّ فهو يصلح أن يكون نواةً جيدة لدولة قويَّة ، كما تصلح الموصل بشعبها أن تكون عاصمة لحكم عماد الدين زنكي ، حتى لو كانت أوضاعها الأمنية منفلتة الآن ، وهذه نقطة مهمَّة ؛ لأن إختيار العاصمة نقطة محورية في ذهن عماد الدين زنكي ، خاصَّة أن حلب تُعَدُّ هي الأخرى بديلاً مطروحًا لأمورٍ كثيرة سنعرض لها في النقطة القادمة .

خامسًا : الوضع في حلب

حلب مدينة في غاية الأهميَّة ؛ فهي مدينة تتمتع بحصانة عسكرية عالية ، كما أنها تقع على خطوط المواصلات بين العراق والشام ، وهي قريبة جدًّا من معاقل الصليبيين ، وأهمها الرها في الشمال وأنطاكية في الغرب ، ولها أهمية إقتصادية عالية ، كما أن كثافتها السكانيَّة كبيرة ..

كل هذه العوامل جعلت عماد الدين زنكي يعتقد تمام الإعتقاد أن هذه المدينة مهمَّة جدًّا في المنطقة ، إضافةً إلى أن أهل حلب ما زالوا يتذكَّرون حاكمهم القديم "قسيم الدولة آق سنقر الحاجب" والد عماد الدين زنكي بكلِّ خير ، ولا شكَّ أن هذا سيجعل قاعدة شعبيَّة عريضة لعماد الدين زنكي .

لكن في ذات الوقت فطبيعة الشعب في حلب مختلفة عن الموصل ، فالشعب هناك عانى من سوء التربية وفساد الحكم عشرات السنين ، وذلك منذ أيام تتش بن ألب أرسلان وإبنه رضوان ، وهذا الشعب وإن كان فيه خيرٌ - إن شاء الله - إلاَّ أنه لا يصلح في هذه المرحلة أن يكون نواة للحركة الجهاديَّة ضد الصليبيين ، هذا إضافةً إلى أن المدينة قريبة جدًّا من معاقل الصليبيين ؛ ولذا فتَمَرْكُز الحكم فيها أمر خطير ؛ ولذا ففي ذهن عماد الدين زنكي أن أهميَّة الموصل تعلو فوق أهميَّة حلب ، ولكل منهما دور في خططه وبرامجه .

أمَّا الوضع السياسي الآن في حلب فهو مضطرب جدًّا ؛ لأنه بعد وفاة عز الدين مسعود بن آق سنقر البرسقي ظهر فيهم أحد التركمان وإسمه قتلغ أبه ، وسيطر على الحكم ، ووضع في صورة الحكم إبراهيم بن رضوان بن تتش ، وكان إبراهيم هذا فاسدًا كأبيه ، وكان قتلغ آبه أفسد منه ، فبدأت المدينة تعيش حالة من الظلم والجور ، وبدأ الذعر ينتشر هنا وهناك ، وطمع الجميع في المدينة ، وخاصَّة جوسلين دي كورتناي أمير الرها ، وريموند دي بواتييه أمير أنطاكية ..

ثم لجأ أهل المدينة إلى شخصيَّة جديدة لعلَّها تنقذهم من ظلم قتلغ أبه ، وهو سليمان بن عبد الجبار الأرتقي ، ولكنه كان ضعيفًا ، ومن ثَمَّ قامت مؤامرات وفتن ، ولم يستقرّ الوضع على حال ، والصليبيون على الأبواب ..

سادسًا : من مراكز القوى الموجودة أيضًا في ذلك الوقت الأمير جاولي ، الذي أعلن الوصاية على إبن آق سنقر البرسقي الصغير ، وكان طامعًا في الحكم ، ورأينا أنه أرسل بهاء الدين الشهرزوري وصلاح الدين الياغيسياني لكي يُقنعا السلطان محمود بإعطائه الولاية ولكن جَرَت الريح بما لا تشتهي السفن ، ووصلت الإمارة إلى عماد الدين زنكي ، فماذا سيفعل جاولي ، وهو الآن بالموصل ومعه جيش الموصل الذي كان تحت إمرة عز الدين مسعود قبل وفاته ؟

سابعًا : دمشق وبقية بلاد الشام

في كل قصتنا من أولها إلى هذه اللحظة كانت دمشق تمثِّل مشكلة عويصة للحركة الجهادية ! فدمشق هي المدينة الرئيسية في منطقة الشام بكاملها ، بل إن الأهالي في هذه المناطق لو قالوا : الشام، فإن كثيرًا ما يقصدون دمشق فقط ! لكن - للأسف - هذه المدينة بكل مقدراتها البشرية والإقتصادية والإستراتيجية والعسكرية ، وبالتاريخ الإسلامي الطويل لم تكن على المستوى المطلوب إسلاميًّا في هذه الفترة ، بل على العكس كانت حجر عثرة في المشروع الجهادي فترةً طويلة من الزمن !

وأصل المشكلة كما تعرضنا لها قبل ذلك الفترات الطويلة التي مرت على المدينة وهي محكومة بالفاسدين والظالمين وأصحاب البدع ، حتى خرج علينا بالتدريج جيلٌ لا يوقر العلم ولا يحب الجهاد ، ولا يعرف من الدين إلا بعض القشور ، بل وتتحول عنده البدع إلى أصول !!

لقد حكمت دمشق كما ذكرنا قبل ذلك من سنة 358هـ\ 968م إلى سنة 468هـ\ 1075م بالدولة العبيدية ، وفي هذه الفترة الطويلة تغيرت المناهج التربوية والتعليمية والحياتية بشكلٍ كبير ، أدى إلى حدوث خلل بيِّن في الشعب هناك ، وضاعت الكثير من المبادئ والقيم ، وفَقَد عقلاء المدينة الرؤية الصائبة ، ومن ثَمَّ هجرها علماؤها ، ودخلت فترة من الظلام الدامس !

وحتى بعد تحرير المدينة من العبيديين فإنها مرت بفترات عصيبة تحت الحكم العسكري لأحد قواد السلاجقة وهو أتسز (الأقسيس) ، ثم تتش بن ألب أرسلان ، ثم دقاق بن تتش ، وأخيرًا طغتكين التركماني ..

ومع أن الحكم الآن في يد طغتكين إلا أنه لم يكن بالشخصية الجهادية الصرفة ، ومن ثَمَّ فقد يمثل حجر عثرة أمام أحلام عماد الدين زنكي الجهادية .

أضف إلى كل ذلك تغلغل النفوذ الباطني في الشام ، وخاصةً في دمشق وما حولها من قرى وقلاع ، وكان هذا يرهب الناس إرهابًا كبيرًا ، خاصةً أن الباطنية كانوا يتربصون بأي دعوة إصلاحية في المنطقة ، مما جعل الشعب ييأس من إحتمالية الإصلاح .

كل هذه العوامل جعلت مشكلة دمشق معقدة ، فهي ليست مشكلة حكام فقط ، إنما هي مشكلة شعب كذلك ، وهذا - ولا شك - أصعب !
أما عسكريًّا وسياسيًّا فإن الوصول إلى بيت المقدس مستحيل دون التعاون مع دمشق أو السيطرة عليها ، ونفس الكلام يقال على إمارة طرابلس ، وعلى هذا فإن كان عماد الدين زنكي يريد حلاًّ لقضية الصليبيين في طرابلس وبيت المقدس ، فلا بد أن يجد حلاًّ أولاً لقضية دمشق !

أما المدن الأخرى في الشام فكانت أضعف بكثير من دمشق ، ولكنها جميعًا كانت محورية في حرب الصليبيين ؛ لتداخل المناطق بعضها مع بعض .

وكانت حماة تحت سيطرة إمارة دمشق ، وهي مدينة تتحكم في عدة محاور ، كما أنها قريبة من أنطاكية وطرابلس .

أما حمص فكانت في ذلك الوقت إمارة مستقلة على رأسها صمصام الدولة خيرخان بن قراجا ، وهو رجل تركي إشتهر بالظلم والتعسف ، ولكنه كان قويًّا ومؤثرًا في المنطقة .

وآخر هذه الإمارات هي إمارة شيزر ، وكان يسيطر عليها سلطان بن منقذ - وهو من الأمراء العرب - الذي سيطر على هذه الإمارة فترة طويلة من الزمن ، على الرغم من صغر إمارته وضعفها وخطورة موقعها ؛ حيث إنها قريبة جدًّا من أنطاكية ..

ثامنًا : منطقة الجزيرة وما حولها

وهذه المنطقة في غاية الخطورة ، وهي المنطقة الواقعة بين نهري دجلة والفرات من ناحية الشمال ، وهي تضم الآن أجزاء من العراق وسوريا وتركيا ، وهي المنطقة التي تحوي في داخلها إمارة الرها الصليبية ، وهي قريبة جدًّا من الموصل ، بل إن الموصل نفسها تُعَد إحدى مدن إقليم الجزيرة ، ومن ثَمَّ فإن هذه المنطقة من أهم المناطق التي يجب أن يفكر فيها عماد الدين زنكي .

وللأسف الشديد فإنه مع خطورة هذه المنطقة وقربها من إمارة الرها الصليبية إلا أنها كانت ممزقة بين الزعماء المختلفين ، سواء من الأراتقة أو التركمان أو العرب ، ولا نبالغ إن قلنا أن هذه المنطقة المحدودة كانت تضم عشرات الإمارات المستقلة ، وليس ذلك فقط ، بل كانت تتناحر مع بعضها البعض من أجل توسيع بقعة السيطرة !!

تاسعًا : الأكراد

وهم - كما ذكرنا - من الشعوب السُّنِّية العظيمة ، وكانوا يعيشون في الجبال الواقعة في شمال وشمال شرق الموصل ، ولكن نتيجة لوعورة المناطق هناك فقد ضعفت السيطرة الحكومية السلجوقية عليها ، وقلَّ وجود العلماء هناك ، فإنعدم الأمن وساد الجهل ، وصارت هذه المناطق مصدر إزعاج وقلق للمدن المجاورة .. وكانت الأكراد مقسَّمة إلى قبائل كثيرة ، وكل قبيلة مستقلة إستقلالاً كاملاً ، وليس هناك ما يمكن أن يسمَّى دولة كردية ، ولعل أشهر القبائل في هذه المنطقة في ذلك الوقت هي قبائل الأكراد الحميدية والهكارية والمهرانية واليشنوية ..

عاشرًا : الصليبيون

بعد كل هذه الهموم والمشاكل التي في المنطقة يبقى هناك الهم الأكبر ، والعبء الأعظم المتمثل في الكيان الصليبي المستقر في أربعة تجمعات رئيسية ، وهي الرها وأنطاكية وطرابلس وبيت المقدس .

وفي ظل الإضطرابات التي حدثت في الموصل بعد مقتل آق سنقر البرسقي سنة (520هـ) 1126م ، فإن الإمارات الصليبية إستقرت بصورة أكبر ، بل وبدأت تتعرض للقوافل المارة بجوارها ، وبدأت في فرض الإتاوات على المدن القريبة ؛ مما أحدث نوعًا من الفزع والرعب عند عامة سكان المنطقة، خاصةً أن الزعماء الضعفاء الذين كانوا يسيطرون على المدن الإسلامية كانوا لا يرغبون ، ولا يفكرون أصلاً في أي صدام مع الصليبيين ..

أما من ناحية الزعامات الصليبية فقد إستقرت أوضاعهم إلى حدٍّ كبير ، وكانت الرها تحت حكم جوسلين دي كورتناي ، وأنطاكية تحت حكم بوهيموند الثاني ، وطرابلس تحت حكم بونز بن برترام ، وبيت المقدس تحت حكم بلدوين الثاني .

ولا شك أن أخطر هذه الإمارات بالنسبة لعماد الدين زنكي هي إمارة الرها المزروعة كالإسفين بين الموصل وحلب !

إذن كانت هذه الصورة في ذهن عماد الدين زنكي ، وهي صورة معقدة ، فيها عشرات بل مئات المشاكل ، ولن يستطيع الخروج من هذه الأزمة المركبة إلا بيقين صادق في الله ، ثم رؤية واضحة ، وحسن ترتيب للأولويات ، وسياسة ماهرة في التعامل مع كل هذه التنوعات البشرية ، وحكمة بالغة في تغيير المنكر وإصلاح الفساد .

لقد كانت الرؤية في تمام الوضوح في ذهن عماد الدين زنكي من أول يومٍ تولى فيه الحكم ؛ لقد كانت قضيته بوضوح هي "تحرير العالم الإسلامي من الصليبيين" ، ولكن هذه مهمة شاقة وعسيرة ، وتحتاج إلى منهج واضح في التعامل ، ولقد كان منهج عماد الدين زنكي في ذلك يتركز في نقطتين رئيسيتين ظلتا الشغل الشاغل له طيلة حياته ؛ وهاتان النقطتان هما : توحيد المسلمين ، والجهاد في سبيل الله ضد الصليبيين !

لقد أدرك عماد الدين زنكي من اليوم الأول أن حالة الفرقة الشنيعة التي تعاني منها الأمة الإسلامية هي السبب الرئيسي في تمكن الصليبيين من السيطرة على الأوضاع في عمق العالم الإسلامي ، ولم يكن الأمر يقف عند ضعف القوة فقط ، ولكن كان الصليبيون يضربون بعض المسلمين ببعض ، فنشأت الدويلات المتناحرة التي حفظت بقاء الصليبيين مدة أطول .

كما أدرك عماد الدين زنكي أيضًا من اليوم الأول أن الحل الوحيد لطرد الصليبيين من البلاد هو الجهاد في سبيل الله ، وأن التفاوض مع الصليبيين للموافقة على الخروج هراء لا معنى له ، خاصةً أنهم مجتمعات إستيطانية جاءوا بنسائهم وأولادهم ليستقروا ويعيشوا ، ومن ثَمَّ فقد أصبح الصليبيون يعتبرون الديار الإسلامية المنهوبة ديارهم ، وهناك أجيال كاملة ولدت وعاشت في بلاد المسلمين ، ولم تر أوربا أصلاً ، فقد مر على الوجود الصليبي حتى لحظة ولاية عماد الدين زنكي ثلاثين سنة كاملة .

وعلى هذا فخطة الجهاد في سبيل الله كانت واضحة تمامًا عند عماد الدين زنكي ، ولا بد أن يكون الجهاد في سبيل الله ، وليس في سبيل مطامع شخصية ، أو أحلام توسعية .. وهذا الجهاد له أسلوب وطريقة ، ويحتاج إلى إعداد وجهد ، وإلى طاقات وإمكانيات ، وهو ليس جهد فرد ، وإنما جهد أمة ..

هكذا كان يفكر عماد الدين زنكي ...





عماد الدين زنكي .. وحدة وجهاد !


تسلَّم عماد الدين زنكي منصبه الجديد ، والذي لم يكن تشريفًا على قدر ما كان تكليفًا ، فالمهمَّة صعبة ، والعبء ثقيل ، والآمال معلَّقة على هذا القائد الجديد .. وبدأ عماد الدين زنكي في ممارسة مهامه حتى قبل أنْ يصل إلى الموصل !

لقد كان متَّجِهًا من بغداد إلى الموصل ، وهو يعلم أن جاولي الذي تولى الوصاية على إبن آق سنقر البرسقي قد يرفض تسليم الموصل ويتحصَّن بها ، وقد يستقلُّ بها كما حدث من بعض الزعماء قبل ذلك ، فأراد عماد الدين زنكي أن يضع الخطَّة البديلة لمثل هذا الوضع إن حدث ، وعرف أنه لا بُدَّ له من مركز يتحرَّك منه ، وبالتالي فقد توجَّه على رأس الفرقة التي كانت معه إلى مدينة البوازيج ، وهي مدينة قرب تَكريت إلى الجنوب من الموصل ، وسيطر عليها ، وجعلها قاعدة لجيشه ، وبهذا يستطيع أن يتابع الضغط على الموصل في حال رفض جاولي أن يُسَلِّمها ، وفي نفس الوقت ستصبح البوازيج تأمينًا لحدود الموصل الجنوبيَّة في حال تسليم جاولي للمدينة ، أو سقوطها في يَدِ عماد الدين زنكي .

وبالفعل سيطر عماد الدين زنكي على البوازيج ، ثم أتبعها بضمِّ جزيرة إبن عمر ، وهي منطقة مهمَّة جدًّا تقع على مسافة خمسة كيلو مترات تقريبًا جنوب الموصل ، ولها أهمية عسكرية وإقتصادية عالية ، وكان قد إستقلَّ بها أحد مماليك البرسقي ؛ ولهذا كان لا بُدَّ من ضمِّها لتأمين جنوب الموصل ، ثم تقدَّم بطلنا صوب الموصل .

وفكر جاولي في موقفه ، فوجد أنه ضعيف ، وليس له سند من الدولة ولا من الشعب ؛ ولذلك تردَّد في منع عماد الدين زنكي من دخول المدينة ، وكان عماد الدين زنكي يقرأ أفكار جاولي ، ومن ثَمَّ عَلِمَ أنه ليست له طاقة كاملة للإستقلال بالمدينة ، إلاَّ أنه من الممكن أن يُكَلِّف عماد الدين زنكي خسائرَ في المال والأرواح والوقت إذا قاومه لفترة ؛ لذلك فكَّر عماد الدين زنكي في إستغلال جاولي لصفِّه ، فراسله من البداية ، ووعده بإعطاء إقليم الرحبة وما حوله كإقطاعية يحكمها بإسم عماد الدين زنكي ، وإقليم الرحبة من أقاليم الشام الثريَّة والقريبة من حصون الصليبيين ، وهو بذلك سيضرب أكثر من عصفور بحجر ؛ فهو سيدخل الموصل آمنًا دون قتال ، وسيستخدم جاولي في إدارة إقليم إسلامي مهمٍّ ، ويصبح بذلك من رجاله ، ثم سيستغلُّ طاقاته العسكرية في قتال الصليبيين ، وهو الهدف الرئيسي لعماد الدين زنكي ، وفوق كلِّ ذلك فإن هذا السلوك من عماد الدين زنكي سيشجِّع كل المعارضين على التعامل معه والإخلاص له ، فهو لا يتخلَّص من المنافسين له ، ولكن يُجزل لهم العطاء ، ويُوَلِّيهم في إمارته ، ولا شكَّ أن هذا سيجذب إليه القلوب .

وجد جاولي في هذا العرض السخي من عماد الدين زنكي حلاًّ لمطامحه ، وبالتالي وافق بسهولة ، ومن ثَمَّ دخل عماد الدين زنكي الموصل دون إراقة قطرة دم واحدة ، وكان هذا منهجه كلَّما إستطاع إلى ذلك سبيلاً .

بدأ عماد الدين زنكي مباشرة في ترتيب البيت الداخلي ، فعيَّن على إمارة الموصل نصير الدين جقر ، وهو بمنزلة محافظ الموصل ، وكان نصير الدين جقر شخصية حازمة قويَّة تناسب الوضع الأمني المتدهور في الموصل آنذاك ، وأوكل إليه عدَّة مهام رئيسية كان منها إستتباب الأمن الداخلي في الموصل ، وتقوية الأسوار والقلاع والخنادق ، وتقوية العلاقات مع رءوس الناس والأعيان ورؤساء القبائل ، وتنسيق الدواوين والإدارات ، وقد جعل عماد الدين زنكي ميزانيَّة ضخمة لهذه الدواوين (الوزارات) ، حتى صار العمل فيها سلسًا وسريعًا ومنظَّمًا ، كما أكَّد عماد الدين زنكي على حسن التعامل مع الجمهور حتى وصف أبو شامة المتعاملين مع هذه الدواوين بقوله : "وكأنهم في أهلهم" ..

وأوكل عماد الدين زنكي مهمَّة الجيش إلى صلاح الدين محمد الياغيسياني ، وهو أحد الرسولَيْنِ اللذين أرسلهما جاولي قبل ذلك للسلطان محمود ، وقام مع زميله بترشيح عماد الدين زنكي خلافًا لما أراده جاولي ، وقد شعر عماد الدين زنكي بمدى تجرُّد الرجل حيث ضحَّى بمنصب متوقَّع في سبيل تزكية عماد الدين زنكي ، إضافةً إلى أنه من المتمكِّنين عسكريًّا ، ومن المتميِّزين في ساحة المعارك ..

ثم أسند عماد الدين زنكي مهمَّة القضاء إلى الرسول الثاني الذي كان مرافقًا لصلاح الدين محمد الياغيسياني ، وهو بهاء الدين الشَّهْرُزُوري وقد كانت عائلة الشهرزوري بكاملها من العائلات المشهورة بالعلم عامَّة ، وبالقضاء خاصَّة ، وقد أيقن عماد الدين زنكي أيضًا بإخلاص هذا الرجل فقدَّمه على غيره ، وإعتمد عليه في إختيار مَنْ تحته من القضاة في الولايات المختلفة .

وهكذا إستقرَّ عماد الدين زنكي رحمه الله على حكومته الرئيسيَّة ؛ حيث إطمأنَّ على أهمِّ القيادات في دولته ، وهي القيادة الإداريَّة والعسكريَّة والدينيَّة .

ثم شرع عماد الدين زنكي رحمه الله في إستقدام العلماء من الأماكن المختلفة في العالم الإسلامي ، وأفسح لهم المجال لتعليم الناس دينهم ، والحديث بإستفاضة عن قضية الجهاد ، وتعبئة الشعب لهذه المهمَّة النبيلة ، وتذكير الناس بأيام الله التي إنتصر فيها المسلمون ، وإعادة الناس إلى ربهم سبحانه وتعالى ، وتنشئة الجيل الجديد على التضحية والبذل ، وتوجيه النيَّة لله رب العالمين وهكذا بدأ الإعلام في الدولة الجديدة يهتمُّ بقضايا أُهملت في كثير من المناهج ، وبدأت أحلام الناس وأهدافهم تتغيَّر لصالح قضية عماد الدين زنكي الرئيسيَّة ، وهي قضية إخراج الصليبيين من بلاد المسلمين .

وهكذا رتَّب عماد الدين زنكي بيته الداخلي ، وأسَّس دولة على بُنيان صُلب ، وإطمأنَّ إلى الأوضاع في داخل الموصل ، ومن ثَمَّ بدأ ينظر إلى خارجها عازمًا على توحيد الأُمَّة في كيان كبير يستطيع أن يصمد أمام الصليبيين .

ولما كان عماد الدين زنكي واقعيًّا ، وكان يُحسن تقدير قوَّته وقوَّة عدوِّه فإنه أدرك أنه في هذه المرحلة لا يَقْوَى على قتال إمارة الرها القريبة ، وكان في نفس الوقت يريد أن يتفرَّغ لتوحيد الإمارات الكثيرة المتناثرة حول الموصل ، ومن هنا قرَّر أن يعقد هدنة مع إمارة الرها لمدَّة سنتين ، وقد كان واضحًا جدًّا أن الإتفاقية محدَّدة بفترة زمنيَّة معيَّنة ؛ لأنه لا يستطيع بحالٍ أن يعقد إتفاقيَّة سلام دائم مع عدوٍّ يحتلُّ أرض المسلمين ، ومن هنا دلَّل على أنه يجمع بين الفقه العسكري والفقه الديني ، وهذا ما ميَّزه عن بقيَّة زعماء عصره .

ولما عُقِدَتْ هذه الهدنة المهمَّة فكَّر عماد الدين زنكي مباشرة في ضمِّ المدينة العظيمة حلب ، وقد تحدَّثنا قبل ذلك عن أهميَّة حلب الإستراتيجيَّة والعسكريَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة والبشريَّة ، إضافةً إلى أن حلب كانت متحدة قبل ذلك في زمان آق سنقر البرسقي مع الموصل تحت حكم السلطان السلجوقي محمود ، فالوَحدة بينهما منطقيَّة وقانونيَّة ، وليس من المفترض أن يكون هناك خلاف على توحيدها مع الموصل ، هذا إضافةً إلى أن القاعدة الشعبية لعماد الدين زنكي هناك قويَّة ؛ وذلك لذكريات أبيه العادل قسيم الدولة آق سنقر الحاجب ، الذي قُتل منذ أربعٍ وثلاثين سنة وهو يدافع عن حلب ضد تتش بن ألب أرسلان .

لكن عماد الدين زنكي - مع رغبته في ضمِّ حلب - لم يشأ أن يُقْدِم على هذه الخطوة قبل أن يقوم بإجراءين رئيسيين :

أما الإجراء الأول فهو تأمين الحدود الشمالية والشمالية الشرقية للموصل ، وكان قد أمَّن حدودها الجنوبية قبل ذلك بضمِّ البوازيج وجزيرة إبن عمر كما مرَّ بنا ، وهذا التأمين يضمن له الحركة الآمنة في إتجاه الغرب ناحية حلب .

وكانت هذه المناطق مستَقَرًّا لقبائل الأكراد الكثيرة ، وكانت أقرب هذه القبائل للموصل هي قبائل الأكراد الحميدية والأكراد الهكارية ، وكانوا في هذه الفترة يُكَوِّنُونَ فِرَقًا مسلَّحة تُغِيرُ على مزارع وقرى الموصل الشرقيَّة ، وبالتالي يُثيرون الذعر بين الفلاَّحين ومواطني الموصل ؛ ومن ثَمَّ توجَّه إليها عماد الدين زنكي بفرقةٍ من جيشه .

ومع كون الفارق هائلاً بين قوَّة عماد الدين زنكي وجيشه النظامي وبين هذه القبائل المتفرِّقة ، إلاَّ أن عماد الدين زنكي رحمه الله كان حريصًا طيلة حياته على الإستفادة من كل الطاقات من حوله ، وكما وظَّف جاولي لصالحه قرَّر أن يوظِّف الأكراد - إن إستطاع - لخدمة دولته الناشئة ، وقد أقدم على هذه الخطوة على الرغم من التاريخ السيِّئ لهذه التجمُّعات ، لكنه كان دائمًا - رحمه الله - يسعى إلى الإصلاح وإلى الوَحدة .

إجتمع عماد الدين زنكي رحمه الله مع زعيم الأكراد الحميديين الأمير عيسى الحميدي ، وفي هذا الاجتماع أقرَّه على ولايته على الأكراد ، وترك له كل ما في يده ، في مقابل أن يُصبح تابعًا لإمارة الموصل ، وبالتالي لا يُغِيرُ على الإمارة ، إضافةً إلى الإستعانة به ضدَّ الصليبيين إذا لزم الأمر .. ولا شكَّ أن عيسى الحميدي أدرك قوَّة عماد الدين زنكي ، وعلى الرغم من أن هذه القبائل كانت كالميليشيات العسكرية الخاصة إلاَّ أنهم أدركوا أنه من الأسلم لهم - على الأقلِّ في هذه المرحلة - أن يخضعوا لسلطان عماد الدين زنكي , وهكذا ضُمَّتْ قوَّة الأكراد الحميدية إلى قوَّة الموصل ، أو على الأقلِّ حُيِّدَتْ .

وعندما نجحت خُطَّة عماد الدين زنكي رحمه الله مع الأكراد الحميدية , إتجه مباشرة إلى الأكراد الهكارية ، وعقد نفس الإتفاقية مع أبي الهيجاء الهكاري زعيمهم ، وبذلك أمَّن الحدود الشمالية والشمالية الشرقية تمامًا وهكذا نجح عماد الدين زنكي بجهود دبلوماسية في أن يقرَّ الأوضاع في الموصل وما حولها ، وبالتالي أفرغ ذهنه لقضيَّة حلب ، وكان هذا هو الإجراء الأول - وهو تأمين الحدود الشمالية والشمالية الشرقية - قبل الإتجاه غربًا إلى حلب .

أمَّا الإجراء الثاني فهو التمهيد الإعلامي والعسكري لفكرة قدومه إلى حلب ؛ حتى يتجنَّب حدوث صدام قد تراق فيه الكثير من الدماء المسلمة .

وكان التمهيد الإعلامي الذي قام به هو إرسال الرسل من طرفه إلى حلب فتسلَّلوا إليها ، وتحدَّثوا مع الناس في مساجدهم ومجتمعاتهم بأحقِّيَّة عماد الدين زنكي في حكم هذه المدينة المهمَّة ، فهو الذي إرتضاه لهم السلطان محمود سلطان السلاجقة والقوة الأُولى في العالم الإسلامي آنذاك ، وهو المجاهد الصُّلب الذي يستطيع أن يقف في وجه الصليبيين ، وهو الحاكم العادل الذي سيُقِرُّ السلام في داخل حلب ، ويُعيد الحقوق لأصحابها ، وهو إبن آق سنقر الحاجب الذي توارث أهلُ حلب الرحمة عليه ..


لقد كان عماد الدين زنكي يهدف من وراء هذا التمهيد أن يجعل قدومه على حلب مطلبًا شعبيًّا ، خاصَّةً أنه يعلم أن قتلغ أبه وإبراهيم بن رضوان كليهما من الفاسدين ، وأن سليمان بن عبد الجبار الأرتقي ضعيف ، وأن أهل حلب لا يريدون أحدًا منهم ، فإذا كان البديل هو عماد الدين شخصيًّا فلا شكَّ أن هذه ستكون فرصة طيِّبة للشعب هناك .

ولقد نجحت خطَّة عماد الدين زنكي تمامًا ، وإنتشر دُعاته بين الناس ، وصار الناس يترقَّبون اليوم الذي يظهر فيه عليهم .

أما التمهيد العسكري فقد قام به عماد الدين زنكي عن طريق إرسال رأس جيشه صلاح الدين الياغيسياني ، الذي درس الأوضاع حول حلب ، وأمَّن الطرق ، وتراسل مع بعض الأفراد من جيش حلب ، ومهَّد الأوضاع لإستقبال القائد العظيم عماد الدين زنكي ..

وعندما تيقَّن عماد الدين زنكي من أن الظروف أصبحت مناسبة في حلب ، تحرَّك إليها من الموصل على رأس فرقة قويَّة من جيشه ، وفي طريقه ضمَّ مدينتي بزاغة ومَنْبِج ، وهما مدينتان في شرق حلب تمامًا ؛ وذلك لتأمين خطِّ رجعته إن فشل في دخول حلب ، ثم إقترب بعدها من حلب ، وهنا حدثت المفاجأة السارَّة !

لقد خرج شعب حلب من المدينة ؛ ليكون في إستقبال عماد الدين زنكي ، مرحِّبِينَ به أشدَّ الترحيب ، ومعلنِينَ ولاءهم الكامل له ، بعد معاناتهم الفترة السابقة تحت حكم هذه المجموعة من الفاسدين .

وإزاء هذه المظاهرة الشعبيَّة الرائعة لم يجد إبراهيم بن رضوان ولا سليمان بن عبد الجبار بُدًّا من الهرب من المدينة دون قتال ، بينما أمسك الشعب بقتلغ أبه ، وقُتل جزاءً وفاقًا للأرواح الكثيرة التي أزهقها فترة حكمه ..

وهكذا دخل عماد الدين زنكي مدينة حلب دون إراقة دماء وفي وسط ترحيب شعبي عارم ، وتتوحَّد بذلك مدينتان من أهمِّ مدن المنطقة ، وهما الموصل وحلب ، ولم تكن أهمية هذه الوحدة تعود إلى إزدياد القوة الإسلاميَّة فقط ، ولكنها تعود أيضًا إلى فصل إمارة الرها عن بقيَّة الإمارات الصليبيَّة في الشام وفلسطين , ممَّا سيُؤَثِّر حتمًا في مقدراتها وإمكانياتها ، وكان هذا الدخول المبارك لحلب في شهر جُمادى الآخرة سنة (522هـ) يونيو 1128م أي بعد حوالي تسعة أشهر فقط من تسلُّم عماد الدين زنكي مقاليد الحكم في الموصل ، وهو بذلك إنجاز رائع في زمن قياسي !

وبمجرَّد دخول عماد الدين زنكي حلب قام بخطوة سياسيَّة رائعة ، وهي الزواج من خاتون إبنة رضوان بن تتش حاكم حلب السابق ، وكان هذا الزواج سياسيًّا ؛ لأنه بذلك سيُهَدِّئ أفئدة بيت رضوان ، وأصحاب العَلاقات معه .. ولا ننسى أن رضوان حَكَمَ حلب عشرين سنة كاملة قبل ذلك ، من سنة 487هـ إلى سنة 507هـ، ولا بُدَّ أن تكون له عَلاقات ضاربة في جذور البلد ، فضلاً عن عائلته المستقرَّة هناك ، وكذلك إبراهيم بن رضوان الذي كان يحكم حلب منذ أيَّام ، وهرب إلى نصيبين عند قدوم عماد الدين زنكي .

لقد كان الملوك والأمراء في ذلك الوقت يُثَبِّتون دعائم ملكهم عن طريق الزواج من حلفائهم ، وأحيانًا من أعدائهم ؛ حتى يتوثَّق الحِلْف بشكل أقوى ، أو تزولَ العداوة بشكل طبيعي ، وهذا ما سعى إليه عماد الدين زنكي ، وأثمر نتائجَ طيِّبةً ؛ حيث لم تقم عليه ثورات مطلقًا في داخل المدينة المهمة حلب .

ثم إنه تزامن مع دخول عماد الدين زنكي إلى حلب ، أو قبل ذلك بقليل ، في نفس السنة 522هـ أن مات طغتكين أمير دمشق بعد حكم دام حوالي خمسٍ وعشرين سنة (من سنة 497هـ إلى سنة 522هـ) ، وخلفه في الحكم إبنه بوري بن طغتكين بوصية من والده ..

وهذا الموت لطغتكين سيجعلنا نفتح مع عماد الدين زنكي ملف دمشق ! فلا شك أن دمشق هي أكبر مدن الشام مطلقًا ، وقوة من القوة المؤثِّرة في مجريات الأمور ، وهي بإمكانياتها البشرية والتاريخية والسياسية والعسكرية تمثِّل محطة مهمة جدًّا من محطات الصراع مع أي عدو من أعداء المسلمين ، وعندما ينصلح حالها ويقوى تُصبِح من أثقل النقاط إيجابية في المعادلة ، ولكنها على الجانب الآخر عندما يفسد حالها وتضعف تؤثَِّر تأثيرًا سلبيًّا في المنطقة ككل ، هذا أمرٌ لا نستطيع أبدًا أن نغفله .

وإذا كان عماد الدين زنكي يمتلك مشروعًا واضحًا ضخمًا كمشروع إخراج الصليبيين من أرض المسلمين كُلِّيَّةً ، فإنه لا بد أن يضع دمشق في حساباته ، وخاصةً أنها بموقعها المتوسط في الشام تصبح مركز إنطلاق وعودة في غاية الأهمية لإمارة أنطاكية وإمارة طرابلس ، وكذلك لمملكة بيت المقدس .

ومن هنا فلا بد لمن أراد أن يتم هذا المشروع بنجاح أن يضم دمشق إلى المشروع الوحدويّ الذي يجمع طاقات هذه المنطقة بكاملها ، وهذا من المؤكد أنه في ذهن عماد الدين زنكي ، وسيكون بعد ذلك في ذهن نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي ، بل ومن يأتي بعد صلاح الدين الأيوبي من زعماء ، سواء في الدولة الأيوبية أو في المماليك ، ولعله إلى زماننا الآن ؛ فإن دمشق - لا شك - محطة لا يمكن أن تُغفل .

لكن - للأسف الشديد - مع كل الإعتبارات التي ذكرناها فإن دمشق في هذه الفترة من حياة الأمة ، حين دخل الصليبيون بلاد الشام وفلسطين كانت تمثِّل - بلا جدال - حجر عثرة أمام أي مشروع وحدة إسلامية !

ولقد ذكرنا قبل ذلك الخلفيات التي جعلت الشعب في دمشق في هذه الآونة يخرج بلا هُوِيَّة واضحة ، ولا نزعة إسلامية سويَّة ؛ وذلك نتيجة الحكم العبيديّ الذي إمتد أكثر من مائة سنة ثم حكم تتش الظالم وإبنه دقاق كذلك ، ولئن كان طغتكين على خلاف ذلك ، فإنه أيضًا لم يكن بالرجل المتكامل الذي يقدِّم مصلحة الأمة بصرف النظر عن مصالحه الشخصية ، بدليل أنه لم يمانع من التحالف مع الصليبيين في نظير الحفاظ على كرسيِّه في الحكم .

ولقد كانت مشكلة كبرى بالنسبة لدمشق أن الذي يحكمها يشعر من تلقاء نفسه بالإستقلالية ؛ لأنها مدينة كبيرة ، ولها سمعتها وقيمتها ، وبالتالي يصبح له من الوضع الإجتماعي ما يمنع ذهنه تمامًا من التفكير في كونه يصبح تابعًا لغيره ! إنه ملك دمشق أو زعيمها ، فكيف يتبع أميرًا آخر أيًّا كان هذا الأمير ؟! هذه كانت مشكلة طغتكين وأبنائه من بعده .

أضف إلى هذا أن طغتكين كان من عائلة تركية منفصلة عن بقية العائلات الكبرى التي كانت تحكم المنطقة ، فلا هو من السلاجقة ، ولا هو من العباسيين ، ولا هو من العائلات العربية التي كان لها تاريخ في الحكم في المنطقة كبني عقيل أو بني مرداس أو بني منقذ أو غيرهم ؛ ومعنى هذا الكلام أنه سيظل محدودًا في دمشق ، ولن يكون له أعوان في مدن أخرى ، وهذه كانت مشكلة طغتكين الكبرى ، إذ إنه مع قوة مدينته لم يستطع أن يضم إليها أي مدينة في المنطقة إلا بشكل عابر ومؤقت ؛ ولذلك قنع طغتكين بالإحتفاظ بدمشق ، وسيقنع أولاده من بعده بذلك ، وسيُخرِجون تمامًا مشروع الأمة من أذهانهم ليستمر لهم حكم دمشق !

كان عماد الدين زنكي يقرأ كل هذه الظروف والملابسات ، وكان في نفس الوقت يخطِّط لضم المدينة المهمة دمشق إلى الوحدة المنشودة التي تهدف إلى جهاد الصليبيين ، ولا شك أن محور الموصل - حلب لو إكتمل بدمشق ، فإنه سيصبح محورًا مستعصيًا على الإنكسار .
والآن بعد موت طغتكين الذي حكم خمسًا وعشرين سنة متصلة ، لا بد أن دمشق في حالة فقدان للتوازن ، والحاكم الجديد بوري بن طغتكين ليست له الخبرة الكافية التي تمكِّنه من السيطرة على مجريات الأمور في دمشق ؛ ولذلك فإنْ أراد عماد الدين زنكي أن يضم هذه المدينة فلا بد أن يسعى في ضمِّها الآن دون تأخير .

فإذا أضفنا أن دمشق في ذلك الوقت كانت وكرًا للباطنية ، وكان طغتكين طيلة حياته يخشاهم ويداريهم ، ويترك لهم الحبل على الغارب ؛ مما أدى إلى توحُّشهم ، وبالتالي إزدادت خطورتهم ، ليس على دمشق فقط ، بل على منطقة الشام بكاملها ؛ إذا أضفنا هذا فلا بد أن نعلم أن سرعة السيطرة على دمشق ستُعِيد الأمن إلى نصابه في الشام وستصرف جهود المسلمين إلى الإصلاح ، وستفتح المجال للعلماء والقادة أن يتحركوا في سبيل الله دون أن يخشوا من خناجر الباطنية وسيوفهم .

وكان عماد الدين زنكي كسياسي خبير يدرك أن محاولات الوحدة السلمية بين دمشق وحلب والموصل تكاد تكون مستحيلة ، فلم يكن طغتكين على هذه الصورة ، ومن المؤكد أن إبنه كذلك سيكون متمسِّكًا بحكم دمشق ؛ ولذلك فإنه لكي يضم دمشق إلى الكيان الإسلامي الجديد لا بد له من سلوك أحد طريقين : إما طريق الحيلة ، وإما طريق القوة .

ولما كان عماد الدين زنكي لا يحب أن يريق الدماء إلا عند الضرورة القصوى ، وكان يغلب عليه طيلة حياته محاولة ضم المدن والبلاد الإسلامية دون الدخول في قتال عسكري ، فإنه إختار طريق الحيلة، ومحاولة الضغط على بوري بن طغتكين بطريقة غير عسكرية ليضم في النهاية دمشق إلى حكمه ، خاصةً أن دمشق كانت تسيطر على حماة أيضًا وهي مدينة مهمة جدًّا ، وقريبة من طرابلس .

وقبل الحديث عن حيلة عماد الدين زنكي ، فإننا يجب أن نشير إلى أنَّ حمص كانت هي الأخرى إمارة مستقلة ، وكان على رأسها رجل ظالم عامل أهلها بالتعسف والجور ، وهذا الرجل هو صمصام الدولة خيرخان بن قراجا ، وليس هذا فقط ، ولكن كان الشعب كذلك في حمص فيه من الصفات كما كان الحال في دمشق تمامًا لتعرُّض المدينة لنفس الظروف ، فقد حُكمت المدينة بالعبيديين أكثر من مائة سنة ، وحكمها بعدهم تتش بن ألب أرسلان ثم دقاق ، بل كان طغتكين شخصيًّا أميرًا عليها فترة من الزمان أيام حكم دقاق .

وهكذا - وبالنظر إلى جغرافية المنطقة - نجد أن الوصول إلى دمشق يحتِّم السيطرة على حماة وحمص أولاً لوقوعهما في الطريق بين حلب ودمشق فماذا يمكن أن يفعل عماد الدين زنكي ليتمكن من حمص وحماة أولاً ، ثم دمشق بعدهما ؟

لقد فكر عماد الدين زنكي في حيلة سياسية ، وهي أن يُظهِر أنه يجهِّز جيشًا لحرب الصليبيين ، ثم يطلب التعاون من الأميرين خيرخان بن قراجا أمير حمص ، وبوري بن طغتكين أمير دمشق، فإذا جاءا إليه ألقى عليهما القبض ، فتخلو مدنهما من الحماية ، وبالتالي يستطيع دخول المدن دون قتال .

هكذا كانت حسابات عماد الدين زنكي ولقد نجحت خطة عماد الدين زنكي في شقها الأول حيث جاءه بالفعل خيرخان بن قراجا في فرقة من جيشه ، أما بوري بن طغتكين فإكتفى بإرسال إبنه سونج مع سرية رمزية من دمشق قوامها خمسمائة فارس ، وكان سونج أميرًا على حماة .

فقام عماد الدين زنكي بالقبض على سونج فورًا ، وأسرع بدخول حماة ، وقد ضعفت لعدم وجود سونج وجيشه فيها ، وهكذا دخلت حماة في دولة عماد الدين زنكي دون إراقة دماء ، وبعد أن إستقر الوضع له هناك ألقى القبض على خيرخان بن قراجا ليفعل بحمص مثلما فعل بحماة ، لكن حمص أغلقت أبوابها ، وكان بها جيش كبير ، فلم يستطع عماد الدين زنكي أن يدخلها .

حاول عماد الدين زنكي أن يضغط على بوري بن طغتكين ليسلِّم مدينة دمشق في مقابل إطلاق سراح إبنه سونج إلا أن بوري رفض ، وعليه فقد ظلت دمشق منفصلة عن الوحدة الإسلامية .

وهكذا خرج عماد الدين زنكي من هذا الموقف بمدينة حماة بينما فشل في السيطرة على حمص ودمشق ، وليس هذا فقط، ولكن كُشفت كذلك أوراق عماد الدين زنكي أمام المدينتين ، وعلم بوري بن طغتكين أمير دمشق ، وقريش بن خيرخان أمير حمص الجديد (بعد أسر أبيه) أن عماد الدين زنكي لن يتردد في المستقبل في إختيار الحل العسكري لضم المدينتين ..

ويحمل كثيرٌ من المؤرخين على عماد الدين زنكي أنه قام بهذه الحيلة ، وأوهم بوري بن طغتكين ، وخيرخان بن قراجا بالجهاد ، ثم غدر بهما وقبض على الثاني وعلى إبن الأول ، وأن الغدر ليس أبدًا من شيم المؤمنين .

والواقع أن هذا الموقف من المواقف الصعبة في التحليل ؛ لأن الغدر فعلاً ليس من شيم المؤمنين ، لكن الأمر هنا ليس بهذه البساطة ، فالذي يصدر حكمًا على عماد الدين زنكي لا بد أن ينظر إلى جميع الملابسات في آنٍ واحد ، وأن يضع النقطة بجوار النقطة ، والدليل فوق الدليل ليخرج في النهاية برؤية سليمة للحدث ، ولا يتعامل معه على أنه غدرٌ مجرَّد أو مطلق .

ولعلنا لكي نتعايش مع عماد الدين زنكي في هذه القضية لا بد أن نقف على بعض الأمور :

أولاً , لا بد أن ننظر إلى المهمة التي يحملها عماد الدين زنكي قبل إطلاق الأحكام النظرية على الموقف والأحداث ؛ إنه يحمل مهمة جهاد الصليبيين الذين إحتلوا بلاد المسلمين منذ أكثر من ثلاثين سنة ، وإرتكبوا - وما زالوا يرتكبون - المذابح الشنيعة في القرى والمدن الإسلامية ، والوقت عامل مهم جدًّا في قضية كهذه القضية .

ثانيًا , هؤلاء الزعماء يرفضون مشروع الوحدة تمامًا ، وأي تلميح فضلاً عن التصريح لن يحمل إلا كل رفض ، وستضيع فرصة توحيد الأمة في كيان واحد قادر على مواجهة الصليبيين ، ولن يستطيع المسلمون - كما فهم عماد الدين زنكي - أن يُقدِموا على خطوة جهاد الصليبيين دون هذه الوحدة ، فأصبحت الوحدة واجبًا لا بد منه لتحقيق الواجب الأكبر وهو الجهاد ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .

ثالثًا , هؤلاء الزعماء لا يكتفون برفض الوحدة ، والوقوف السلبي تجاه القضية ، ولكنهم يتعاونون تعاونًا صريحًا مع الصليبيين ، وتاريخهم يشهد بذلك، وكذلك واقعهم ، بل وسنرى في المستقبل القوات الصليبية تقف مدافعةً من حمص ودمشق ضد قوات عماد الدين زنكي !

رابعًا , ما هو البديل لهذه الحيلة ؟! البديل هو الضم القسري للمدينتين ! بمعنى أن يتم حصار المدينتين عسكريًّا ، وينشب القتال بين الجيشين المسلمين ، وتسقط الضحايا المسلمة ، وتدمر الحصون الإسلامية ، وتنسف الأسوار الإسلامية ، ويتعمق الحقد والبغضاء بصورة عظيمة بين الطائفتين !!

وهذا البديل وإن كان صعبًا ومُرًّا إلا أن الفقهاء أقروه ، وطبعًا هذا الإقرار لا يكون إلا في آخر المطاف ، أي بعد إستنفاد الوسائل السلميَّة الأخرى ، وقد رأينا هذه المواقف العسكرية لضم المدن الإسلامية في حياة معظم المجاهدين في تاريخ الأمة الإسلامية ، وخاصةً في الأوقات التي إبتليت فيها الأمة بضعف الخلافة ، فلم يعُدْ هناك رابط معين بين الدويلات الكثيرة المتفرقة .

فإذا نظرنا إلى هذا البديل العسكري ونتائجه ، ونظرنا في نفس الوقت إلى ضم حماة دون قطرة دم واحدة ، فإننا سندرك المنطلق الذي فكر به عماد الدين زنكي في هذه المسألة .

خامسًا , نحن لم نطَّلع على الصيغة التي أرسلها عماد الدين زنكي إلى بوري بن طغتكين أو خيرخان بن قراجا ، لندرك هل كان فيها أسلوب تورية أم لا ، فلعله صرَّح بألفاظ تحمل أكثر من معنى من أجل تحقيق هدفه دون غدر .

سادسًا , يقول رسول الله : "الْحَرْبُ خُدْعَةٌ" ، وهذه حرب حقيقية بين المسلمين والصليبيين ، وبين المجاهدين المخلصين ومن يقف حجر عثرة ضد الجهاد ، وقد رأى عماد الدين زنكي أن هذه خدعة من خدع الحرب ، وهذا اجتهاد قد يكون أصاب فيه أو أخطأ ، لكن يبقى أنه في حالة حرب ، والحرب لها أحكامها التي قد تختلف كُلِّيَّةً عن أحكام الأوضاع السلمية .

سابعًا , عندما أراد رسول الله أن يقتل كعب بن الأشرف ، قال له محمد بن مسلمة : أتحب أن أقتله ؟ قال : "نعم" .. قال: فإذن لي أن أقول شيئًا .. قال: قل , ثم كان حوار طويل بين محمد بن مسلمة وكعب بن الأشرف ، كان فيه خداع كبير من محمد بن مسلمة ، وإنتهى الأمر بقتل كعب بن الأشرف .

وأنا أعلم أن الفعل هنا مع كافر وليس مسلمًا ، ولكن الحكم عام ، وخاصةً أن الزعماء المسلمين في هذه المدن كانوا يتعاونون مع الصليبيين تعاونًا صريحًا مشينًا .

ثامنًا , كان عماد الدين زنكي رحمه الله يستفتي الفقهاء في كل أموره ، وقد وجد فقهاء زمانه أن الضرر الواقع من هذه الحيلة أقل من الضرر الواقع عند إصطدام الجيوش الإسلامية ببعضها البعض ، مع الإعتراف أنه ضرر ولا يجب أن يُفعل في الظروف العادية ، ولا داعي لاتهام فقهاء العصر جزافًا ، فقد وصل الأمر ببعض المؤرخين أن قال في حق هؤلاء الفقهاء : " فأفتاه من لا دين له ، وجوَّز له ما لا يحل ، ولا يحسن شرعًا وعرفًا " .

فلم يكن عماد الدين زنكي بالرجل الذي يستفتي من لا دين له ، ولم يكن فقهاء دولته من الذين يفتون للسلطان بما يريد ، إنما كانوا بشهادة كل المؤرخين من أفضل علماء عصره ، غاية ما هناك لو كانت الفتوى خاطئة ، أنهم إجتهدوا لتحقيق مصلحة فأخطئُوا .

تاسعًا , يؤخذ الفعل في ضوء سيرة الشخص ! فهل بمراجعة سيرة عماد الدين زنكي يمكن أن نقول أنه رجل غادر لا يهتم برأي الدين ؟! لقد وجدنا في سيرته سواء قبل هذا الحدث أو بعده سعيًا حثيثًا لجهاد الصليبيين ، وبذلاً لوقته وجهده وكل حياته من أجل هذه القضية ؛ ولذلك نستطيع أن نقول أنه ما كان يريد بهذا الفعل - حتى ولو كان خطأً لا يجب أن يُكرر - إلا المصلحة للمسلمين ، وليست المصلحة الشخصية له .

إننا نقول هذا الكلام لكي لا يتخذ أحد الجشعين من عشاق السلطة هذا الفعل ذريعة أن يتقدم بجيشه ناحية كذا أو كذا من بلاد المسلمين بحجة توحيد الأمة لمصلحة ما ! فلا بد أن ننظر إلى سيرة هذا الذي يجمع البلاد تحت حكمه ، هل هو من نوعية المجاهد العظيم عماد الدين زنكي ؟ أم من نوعية الحاكم الظالم تتش بن ألب أرسلان أو أولاده ؟!

عاشرًا وأخيرًا , لقد حكم عماد الدين زنكي المسلمين عشرين سنة كاملة ، من سنة 521هـ إلى سنة 541هـ ، فكم كانت أخطاؤه؟! إننا إذا سلمنا أن هذا خطأ محض ، وأنه موقف ما كان له أن يحدث ، فإننا سنجد هذه المواقف نادرة تمامًا في حياته ، ومَن هذا الذي لا يُخطِئ من البشر إلا المعصومين من الأنبياء ؟!

وكفى بالمرء نبلاً أن تُعَدَّ معايبه ! ولا ننسى أن الزمن كان زمن فتنة ، والخلافة ضعيفة ولا رأي لها ، وبالتالي فجهود المخلصين لتوحيد الأمة لا بد أن يشوبها لبسٌ كبير ؛ لأنه ليس هناك تكليف من شخصية معينة لها الأمر على كل المسلمين ، مما كان يستدعي بعض الرؤى الخاصة التي قد تتعارض أحيانًا مع الرأي الحكيم .

إننا بعد هذا التحليل لا نريد أن نخرج عماد الدين زنكي من دائرة البشرية فنعتبر أنه لا يخطئ ، ولا نريد أن نبرِّر له خطأً بينًا أو فعلاً فاحشًا ، وإنما نريد أن نقول أن الظروف المضطربة ، والأمور المتشابكة المعقدة جعلت من إختيار الرأي الصائب في قضية من القضايا أمرًا صعبًا لا يتحقق في كل الأحوال ، وشتَّان بين من يأخذ هذا الرأي وهو يعيش وسط الأحداث ، ويرى الصليبيين يجوسون خلال الديار ، ويري المعاملات الدنيئة من بعض الزعماء المسلمين مع قواد الصليبيين ، وبين من يجلس في غرفته آمنًا مطمئنًا ، وبعد الحدث بمائة سنة أو مئات السنين ، يحلِّل ويُنظِّر ، ويصوِّب ويخطِّئ ، ويقول في بساطة : هذا حلال ، وهذا حرام !

فلنضع كل هذه الخلفيات عند التحليل ، والموفَّق من وفقه الله !










نعود إلى قصتنا ..

فإن عماد الدين زنكي - وبعد مرور سنة واحدة على حكمه - أصبح أميرًا على الموصل وحلب وحماة ، وهذه قوة لا يستهان بها ، وبالتالي سعى عماد الدين زنكي لتأمين الطريق الواصل بين هذه المدن لتصبح إمارته آمنة ، وجيدة المواصلات ، وضم لذلك سنجار الواقعة في منتصف الطريق بين الموصل وحلب ، وذلك في أواخر سنة 522هـ\ أواخر 1128م ، كما شاء الله أن يستدعيه أهل حرَّان لضم مدينتهم لدولته ، حيث أصبحت بعد وفاة عز الدين مسعود بن البرسقي معرضةً لهجمات الصليبيين ، وبالفعل ضمها عماد الدين زنكي في سنة 523هـ\ 1129م ، وبذلك صارت الأوضاع مستقرة إلى حد كبير في هذه الدولة الجديدة ..

ومع أن هذه الجهود التي كان يبذلها عماد الدين زنكي رحمه الله كانت تشير إلى ظهور قوة جديدة قد يكون لها شأن في تخليص المسلمين من كابوس الصليبيين ، إلا أن تنامي هذه القوة لم يكن مريحًا لكل القوى المعاصرة !

لقد وجد السلطان سنجر - وهو سلطان السلاجقة في منطقة خراسان وبلاد ما وراء النهر - أن هذه القوة المتنامية قد تؤثِّر سلبًا في ممتلكات السلاجقة أنفسهم ، فأشار على السلطان محمود إبن أخيه - وهو السلطان على منطقة فارس والعراق ، والذي عيَّن عماد الدين زنكي في منصبه - أن يعزل عماد الدين زنكي ويولِّي مكانه دبيس بن صدقة ! ودبيس بن صدقة هو أمير قبيلة بني مزيد ، وكان متشيعًا هو وقبيلته ، وكان قد أفسد قبل ذلك في بغداد ، وقام بمحاولة إنقلابية على الخليفة المسترشد بالله سنة 514هـ ، أي منذ تسع سنوات ، ولكنه كان قد لجأ إلى السطان سنجر ، وأصبح من خاصَّته ؛ ولذلك أراد السلطان سنجر أن يضعه في إمارة الموصل وحلب ليكون رجله في المنطقة ، خاصةً أنه يضمن أن الخليفة لن يستقطبه لحسابه للخلاف القديم الذي بينهما !

إنها حرب المصالح والأهواء ، حيث لم ينظر السلطان سنجر إلى مصلحة المسلمين ، ولا إلى قضية جهاد الصليبيين ، فطلب هذا الطلب من السلطان محمود ، الذي لم يعارض تقديرًا لمكانة عمِّه ، ومن ثَمَّ إستدعى عماد الدين زنكي ليخبره بهذا التطور الجديد !

هكذا وبهذه البساطة ! .. وكادت هذه الفكرة تُنهِي على آمال المسلمين في الوحدة ، وعلى قضية الجهاد في سبيل الله ضد الصليبيين ، وأسرع عماد الدين زنكي إلى بغداد ، حيث إلتقى مع السلطان محمود في مباحثات طويلة ، وإستعمل فيها كل ما أوتي من فكر ودبلوماسية لإقناع السلطان محمود بضرورة بقائه في هذا المنصب ، وعدَّد له الأسباب التي من أجلها لا بد أن يستمر في مهمته ، فكان منها :

أولاً : أنه لم يخطئ في منصبه ، بل على العكس، لقد حقق نجاحًا غير مسبوق ، وأفلح في ضم الموصل وحلب وحماة وسنجار وحرَّان ، ومناطق الأكراد تحت راية واحدة .

ثانيًا : كل هذا النجاح يصبُّ في صالح السلطان محمود ، حيث يحكم عماد الدين بإسمه .

ثالثًا : السلطان سنجر وإن كان عم السلطان محمود إلا أنه يحاول السيطرة على هذه المناطق لحسابه هو ، وليس لحساب السلطان محمود ؛ ولهذا يضع رجله هو في المكان وذلك تمهيدًا لإقصاء محمود عن مكانته .

رابعًا : من هو البديل؟ إنه دبيس بن صدقة الشخص المنحرف الذي أفسد قبل ذلك في بغداد ، كما أنه متشيِّع بينما دولة السلاجقة بكاملها سُنِّيَّة .

خامسًا : دبيس بن صدقة شخصية إستقلالية ، ولا يستبعد أبدًا أن يستقل بحكم الموصل وحلب لنفسه ، خاصةً وقد حاول أن يفعل ذلك مع مدينة بغداد نفسها .

سادسًا : دبيس بن صدقة سيحبط أهم مشروع عند المسلمين الآن ، وهو مشروع جهاد الصليبيين ؛ لأنه لم يقف قبل ذلك موقفًا سلبيًّا فقط ، إنما تعاون معهم في حروبهم ضد المسلمين .

لهذه الأسباب مجتمعة فإن من مصلحة المسلمين ، ومصلحة السلطان محمود نفسه ، أن يستمر عماد الدين زنكي في منصبه .

وكان السلطان محمود كما يصوِّره إبن الأثير حليمًا عاقلاً ، فلما إستمع إلى هذه الكلمات والحجج وافق على إقرار عماد الدين زنكي في منصبه ، بل وكتب له منشورًا جديدًا يؤكِّد فيه على منشوره السابق ، وفيه يُقطِعه حكم الموصل والجزيرة وما إستطاع أن يضمه من بلاد الشام .

وهكذا مرت أزمة خطيرة كادت تعصف بالأمة دون أن يكون لها أثر في المسيرة التي بدأها عماد الدين زنكي .

ولعل هذا الموقف يطمئننا أن الله يريد الخير لهذا الجيل ؛ لأنه إطَّلع على الصدق في قلوبهم ، فلو عُزِل عماد الدين زنكي وولي دبيس بن صدقة لكان في ذلك تعطيل واحد لحركة الجهاد ولنهضة الأمة ، ولكن الله سلَّم .

عاد عماد الدين زنكي إلى الموصل وهو أكثر قوة ، بعد أن نال تأييد السلطان محمود ، كما أن الخليفة المسترشد بالله كان سعيدًا به ؛ لأنه أقصى دبيس بن صدقة عن إحتمالية حكم الموصل وحلب ، مما كان سيشكِّل أزمة للخليفة لعداوته السابقة معه .

نظر عماد الدين زنكي إلى الوضع الآن ، فوجد أنه أصبح قريبًا جدًّا من حدود إمارتي الرها في الشمال وأنطاكية في الغرب ، فأيهما يبدأ ؟

إن إمارة الرها - لا شك - أضعف من إمارة أنطاكية ، ليس لمناعة حصون أنطاكية فقط ، ولكن أيضًا لقوة المقاتلين النورمان في أنطاكية ، ولكون التركيبة السكانية في الرها عبارة عن مزيج من الأرمن والصليبيين بكل المشاكل التي بينهما ، والتاريخ الأسود الذي لا ينساه الأرمن ، أما إمارة أنطاكية ففيها تجانس واضح ، حيث يغلب عليها الطابع النورماني الكاثوليكي .

هذا الفارق بين الإمارتين جعل تفكير عماد الدين زنكي يتجه إلى الجهاد ضد إمارة الرها قبل إمارة أنطاكية .

لكن هناك مشكلة كبيرة تعوِّق مسيرة الجهاد إلى الرها ! :

إن إمارة الرها تقع في شمال منطقة الجزيرة ، وعلى ضفاف نهر الفرات ، وبقية شمال الجزيرة يقع الآن تحت حكم الأراتقة ، والجيل الموجود الآن يختلف تمامًا عن الجيل السابق ، فليس فيهم من يشبه سقمان بن أرتق أو إيلغازي بن أرتق أو بلك بن بهرام ، إنما هناك شخصيات هشَّة في غاية الضعف ، وقد قسمت بينها البلاد والعباد ، وأضعفت المسلمين وشتتهم ، ولا نبالغ إذا قلنا أن المنطقة أصبحت تضم عشرات الإمارات المستقلة ، وكلها يجاور إمارة الرها ، ويفصل بين عماد الدين زنكي وبين الإمارة الصليبية .

إن عماد الدين زنكي لو خاطر باجتياز أرضهم لقتال الصليبيين في الرها ، فإنه سيعرِّض نفسه لعدة مخاطر :

أولاً : قد يُضرب في ظهره من هؤلاء الزعماء المسلمين أنفسهم ؛ لأنهم سيعتبرونه خطرًا عليهم كما هو خطر على الصليبيين .

ثانيًا : قد يتعاون هؤلاء تعاونًا صريحًا مع الصليبيين ، فتكون كارثة على جيش عماد الدين زنكي .

ثالثًا : إذا هُزِم جيش عماد الدين زنكي من إمارة الرها ، فإلى أي الحصون سيلجأ ؟ إن العودة إلى الموصل أو حران أو حلب تحمل مخاطر جمَّة لطول المسافة ، فلا بد من وجود قاعدة قريبة ينطلق منها ويعود إليها .

رابعًا : هذه المناطق ذات كثافة سكانية عالية ، وكل السكان من المسلمين ، فلو توحدت قوتهم مع جيش عماد الدين زنكي كانوا إضافةً قوية ، ولو قاوموه وعطَّلوا مسيرته ، كانت مشكلة صعبة الحل .

لهذه الأسباب وجد عماد الدين زنكي أن ضم هذه المنطقة إلى حكمه خطوة لازمة قبل محاربة إمارة الرها ؛ وعلى هذا بدأ عماد الدين زنكي يدرس الوضع هناك ، ويقيِّم موازين القوى الرئيسية في المنطقة .

لقد كان هناك عشرات الزعماء في هذه المنطقة إلا أن القوة الرئيسية تعود إلى ثلاثة :

أما الأول فهو حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي الأرتقي ، وهو - كما ذكرنا قبل ذلك - شخصيَّة تميل إلى الدَّعَة والرفاهية ، ولا يضع قضية الصليبيين في حساباته ، وكان يستقر في ماردين ، ويمتلك عدة مدن بالإضافة إلى ماردين ، لعل من أهمها مدينة نصيبين (على الحدود بين تركيا وسوريا الآن) .

أما الثاني فهو ركن الدولة داود بن سقمان الأرتقي ، وهو أمير حصن كيفا ، وكان رجلاً متصلبًا وفظًّا صعب المِرَاس .

وأما الثالث فهو سعد الدولة أبو منصور إيكلدي أمير آمد ، وكان أضعفهم عسكريًّا .

وجد عماد الدين زنكي أن أقرب المدن إلى مناطق حكمه هي مدينة نصيبين التابعة لحسام الدين تمرتاش ، ولم يرد أن يكرِّر مشكلة دمشق ، وقد علم أن المفاوضات السلمية لن تؤدِّي غالبًا إلى نتيجة ، فذهب بسرعة في أوائل سنة 524هـ ، وبعد عودته من بغداد ، وحاصر مدينة نصيبين بجيشه ، بينما كان حسام الدين تمرتاش في ماردين .

وجدت الحامية الأرتقية نفسها في أزمة كبيرة نتيجة قوة جيش عماد الدين زنكي بالقياس إلى قوة الحامية ، ومن ثَمَّ أرسلت رسالة إستغاثة عاجلة إلى حسام الدين تمرتاش في ماردين ، فردَّ عليهم حسام الدين بأنه سيوفِّر لهم فرقة عسكرية في غضون ثلاثة أيام ، مع أن المسافة بين المدينتين أقل من خمسين كيلو مترًا ! مما يدل على عدم الجاهزية وقلة الحيلة ! ثم أراد الله أن تقع الرسالة التي أرسلها حسام الدين تمرتاش ، وكان قد أرسلها على جناح طائر من الحمام الزاجل ، في يد عماد الدين زنكي ، فحوَّر ألفاظ الرسالة وجعل المدة التي ستأتي فيها النجدة عشرين يومًا بدلاً من ثلاثة ! ثم أعاد إطلاق الطائر إلى داخل مدينة نصيبين ، وقد أراد بذلك أن ييأس الجنود من المقاومة فيفتحوا الأبواب سلميًّا ، وهو ما حدث بالفعل ، وفتحت المدينة أبوابها ليضمها عماد الدين زنكي في سهولة ، ودون إراقة دماء !

وصلت الأخبار إلى حسام الدين تمرتاش ، وشعر بالقلق الشديد ، وتكلم مع بقية زعماء الأراتقة ، وجمع الأعوان والأنصار منهم بقيادة ركن الدولة داود بن سقمان ، وأبو منصور إيكلدي ، وغيرهم من زعماء التركمان الموالين لداود بن سقمان ، وتجمعت قواتهم في بلدة إسمها دارا ، وبلغ تعدادهم عشرين ألفًا ، وعلم عماد الدين زنكي بتجمعهم ، فتحرك لهم على رأس فرقة من جيشه قوامها أربعة آلاف مقاتل فقط ، ومع أن قوته صغيرة إلا أنه إنتصر عليهم في فترة قصيرة جدًّا ، وأتبع هذا الانتصار بالسيطرة على عدة حصون في المنطقة مثل : حصن دارا ، وحصن سرجي .

لقد كان هذا دليلاً على أنهم لا يملكون مقومات الإستقلال ، إنما عاش كل منهم على بقعة صغيرة من الأرض ، وإعتبر نفسه زعيمًا وقائدًا وعطَّل بذلك مسيرة الأمة ، وشتَّت أمرها .

كانت هذه هي أول الصدامات مع الأراتقة ، وكُلِّلت بنجاح سريع ، وكان من الممكن أن تكون بداية جيدة لمسيرة واضحة تنتهي بضم إقليم الجزيرة بكامله إلى دولة عماد الدين زنكي ، وذلك بكل ما في الإقليم من إمارات ودويلات لا وزن لها ؛ كان من الممكن أن يحدث ذلك لولا الأنباء المفاجئة التي جاءت من إمارة أنطاكية !

والقصة أن أحد التجمعات الأرمينية في جبال طوروس القريبة من شمال أنطاكية تعرضت لهجوم بوهيموند الثاني أمير أنطاكية ، فما كان من ليون الأول زعيم الإمارة الأرمينية إلا أن يستغيث بإيلغازي الدانشمندي زعيم ملطية ، وحدث صدام بين الجيش الدانشمندي بقيادة إيلغازي ، والجيش النورماني بقيادة بوهيموند الثاني ، وكانت المفاجأة الكبرى أن سُحِق الجيش النورماني ، بل وقُتِل بوهيموند الثاني في المعركة !

وهكذا خلت أنطاكية من الزعماء !

لقد كان بوهيموند الثاني شابًّا صغيرًا ، وكان متزوجًا من أليس ابنة بلدوين الثاني ملك بيت المقدس ، ولم يكن له إلا ابنة صغيرة إسمها الأميرة كونستانس ، ووفقًا لقوانين الإقطاع في غرب أوربا فإنَّ إمارة أنطاكية تنتقل إلى الوريثة الوحيدة ، وهي الطفلة كونستانس ! على أن يوضع وصيٌّ مناسب عليها حتى تبلغ سن الرشد ، فوضعت أليس بنت بلدوين الثاني نفسها على الوصاية دون أن تنتظر رأي أبيها ملك بيت المقدس ، وكان من الواضح أنها تطمح إلى الملك ، بل وترامت الإشاعات في أنطاكية أنها تريد أن تحكم كأميرة مستقلة ، وليست كوصية على الأميرة الصغيرة كونستانس !

ووصلت الأنباء من أنطاكية بسرعة إلى كل مكان ..

سمع عماد الدين زنكي بالأخبار فإهتم بها جدًّا ؛ لأن حالة أنطاكية الآن مضطربة جدًّا ، ولو إستغل الفرصة ، وباغتها بالهجوم فقد يستطيع أن يفتحها ، ويخلِّص المسلمين من هذا الإحتلال .

وكذلك وصلت الأخبار إلى بلدوين الثاني ملك بيت المقدس ، فأسرع إلى أنطاكية ليختار الوصي المناسب .

ووصل بلدوين الثاني إلى أسوار أنطاكية أولاً ، ففوجئ بكارثة أخرى ! وهي أن إبنته أعلنت العصيان عليه وإستقلت بالإمارة ، بل وأرسلت إلى عماد الدين زنكي تعرض عليه مساعدتها في حكم أنطاكية على أن تعطيه جزية مالية كرمزٍ للتبعية !

كانت هذه بالطبع فرصة ذهبية لعماد الدين زنكي لولا أن بلدوين الثاني إستطاع أن يمسك بالرسول الذي يحمل رسالة أليس، بل وأعدمه ، ثم تراسل مع رجال الحكومة في أنطاكية الذين وجدوا أن محاولة أليس هذه محاولة طفولية للاستئثار بحكم إمارة صليبية عسكرية ؛ ففتحوا الأبواب لأبيها بلدوين الثاني الذي تملك الأمور بسرعة ، ثم قام بنفي إبنته إلى مدينة اللاذقية .













يغلق لانتهاء فترة المشاهدة