منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


الاعجاز العلمى ( الفلك-الطب- الطبيعة)




ساهم بنشر الصفحة
موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع




الإنفجار العظيم

قال الله تعالى: {أَوَ لَمْيَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَارَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء: 30]

التفسير اللغوي:
قال ابن منظور في لسان العرب:
رتْقاً: الرَّتْقُ ضدّ الفتْقُ.
وقال ابن سيده: الرَّتْقُ إلحام الفتْقِ وإصلاحه، رتَقَه يرتُقُه ويرتِقُه رتقاً فارتتق أي التَأَم.
ففتقناهما: الفتقُ خلاف الرتق، فتقه يفتقُّه فتقاً: شقه.
الفتق: انفلاق الصبح.

فهم المفسرين:

قال الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَكَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًافَفَتَقْنَاهُمَا}.

اختلف المفسرون في المراد بالرتق والفتق على أقوال:

أحدها: وهو قول الحسن وقتادة وسعيد بن جبير ورواية عكرمة عن ابن عباس رضيالله عنهم أن المعنى كانتا شيئاً واحداً ملتصقتين ففصل الله بينهما ورفعالسماء إلى حيث هي، وأقرّ الأرض، وهذا القول يوجب أن خلق الأرض مقدم علىخلق السماء لأنه تعالى لما فصل بينهما ترك الأرض حيث هي وأصعد الأجزاءالسماوية، قال كعب: "خلق الله السموات والأرض ملتصقتين ثم خلق ريحاًتوسطتهما ففتقهما بها".

وثانيها: وهو قول أبي صالح ومجاهد أن المعنى: كانت السموات مرتفعة فجُعلت سبع سموات وكذلك الأرضون.

وثالثها: وهو قول ابن عباس والحسن وأكثر المفسرين أن السموات والأرض كانتارتقاً بالاستواء والصلابة، ففتق الله السماء بالمطر والأرض بالنباتوالشجر، ونظيرهقوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ وَالأَرْضِذَاتِ الصَّدْعِ}. ورجحوا هذا الوجه على سائر الوجوه بقوله بعد ذلك:{وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} وذلك لا يليق إلا وللماءتعلق بما تقدم، ولا يكون كذلك إلا إذا كان المراد ما ذكرنا.

ورابعها: قول أبي مسلم الأصفهاني: يجوز أن يراد بالفتق: الإيجاد والإظهاركقوله: {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} وكقوله: {قَالَ بَل رَبُّكُمْرَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ}، فأخبر عن الإيجادبلفظ الفتق، وعن الحال قبل الإيجاد بلفظ الرتق.
أقول )أي الرازي): وتحقيقه أن العدم نفي محض، فليس فيه ذوات مميزة وأعيانمتباينة، بل كأنه أمر واحد متصل متشابه فإذا وجدت الحقائق، فعند الوجودوالتكون يتميز بعضها عن بعض، وينفصل بعضها عن بعض فبهذا الطريق حَسُنَ جعلالرتق مجازاً عن العدم والفتق عن الوجود".
قال الطبري في تفسير الآية أيضاً:
"وقوله: "ففتقناهما" يقول: فصدعناهما وفرجناهما ثم اختلف أهل التأويل فيمعنى وصف الله السموات والأرض بالرتق، وكيف كان الرتق وبأي معنى فتق؟
فقال بعضهم: عنى بذلك أن السموات والأرض كانتا ملتصقتين ففصل الله بينهما بالهواء وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة.
وقال آخرون: بل معنى ذلك أن السموات كانت مرتتقة طبقة ففتقها الله فجعلهاسبع سموات وكذلك الأرض كانت كذلك مرتتقة ففتقها فجعلها سبع أرضين. وهومروي عن مجاهد وأبي صالح والسدّي.
وقال آخرون: بل عُني بذلك أن السموات كانتا رتقاً لا تمطر، والأرض كذلكرتقاً لا تنبت، ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات، وهو مروي عن عكرمةوعطية وابن زيد.
قال أبو جعفر "الطبري": وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: معنىذلك: ألم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقاً من المطر والنباتففتقنا السماء بالغيث والأرض بالنبات، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في ذلكلدلالة قوله: "وجعلنا من الماء كل شيء حي" على ذلك".
ورجّح هذا القول القرطبي في تفسيره أيضاً.
مقدمة تاريخية:

يمكن العودة بأولى تصورات الإنسان لنشأة الكون إلى العصر الحجري أي قبلمئات الآلاف من السنين، حيث سيطرت الخرافة على خيال الإنسان وتطور العقلالبشري عند المصريين القدامى والبابليين الذي تجلى عندهم الربط بين أزليةالكون والآلهة المتعددة المسيطرة عليه، وقد حاول فلاسفة الإغريق والرومانوضع نظريات للظواهر الكونية بينما ساد علم التنجيم الحضارتين الهنديةوالصينية.

إن الخاصية العامة التي طبعت تصورات الكون عند الحضارات القديمة هيارتباطها بعالم الآلهة واعتقادها الراسخ بوجود اختلاف أساسي بين الأرضوالسماء، مما لم يسمح بوضع نظريات عن الكون وكيفية نشأته، لكن بعدالتطورات الهامة التي شهدتها الإنسانية في بداية القرن العشرين في المجالالفلكي (Cosmology) على الصعيد النظري، مع نظرية النسبية العامة التي وضعتالإطار الرياضي الصحيح لدراسة الكون، وكذلك على الصعيد الرصدي معالاكتشافات الرائعة لأسرار الفضاء، كان لا بد من وضع نظرية عامة تقومبإدماج تلك المعطيات مقدمة تصوراً موحداً ومتجانساً قصد تفسير أهم الظواهرالكونية ومنها نشأة الكون.

لقد اقترح القس البلجيكي "جورج لو ميتر" (George Le Maitre) سنة 1927 صورةجديدة لنشأة الكون وتطوره وقد وافقه على ذلك جورج غاموف (George Gamov)الفيزيائي الأمريكي (من أصل روسي) الذي قدّم أفكاراً طورت نظرية (لو ميتر).


حقائق علمية:

- في عام 1927 عرض العالم البلجيكي: "جورج لو ميتر" (George Le Maitre)نظرية الانفجار العظيم والتي تقول بأن الكون كان في بدء نشأته كتلة غازيةعظيمة الكثافة واللمعان والحرارة، ثم بتأثير الضغط الهائل المتآتي من شدةحرارتها حدث انفجار عظيم فتق الكتلة الغازية وقذف بأجزائها في كل اتجاه،فتكونت مع مرور الوقت الكواكب والنجوم والمجرّات.

- في عام 1964 اكتشف العالمان "بانزياس" Penziaz و"ويلسون" Wilson موجاتراديو منبعثة من جميع أرجاء الكون لها نفس الميزات الفيزيائية في أي مكانسجلت فيه، سُمّيت بالنور المتحجّر وهو النور الآتي من الأزمنة السحيقة ومنبقايا الانفجار العظيم الذي حصل في الثواني التي تلت نشأة الكون.

- في سنة 1989 أرسلت وكالة الفضاء الأمريكية "نازا" (NASA) قمرهاالاصطناعي Cobe explorer والذي أرسل بعد ثلاث سنوات معلومات دقيقة تؤكدنظرية الانفجار العظيم وما التقطه كل من بنزياس وويلسن.

- وفي سنة 1986 أرسلت المحطات الفضائية السوفياتية معلومات تؤيد نظرية الانفجار العظيم.

التفسير العلمي:

إن مسألة نشأة الكون من القضايا التي تكلّم فيها الفلاسفة والعلماء ولكنهاكانت خبط عشواء، فلقد تعددت النظريات والتصورات إلى أن تحدث عالم الفلكالبلجيكي "جورج لو ميتر" (George Le Maitre) سنة 1927 عن أن الكون كان فيبدء نشأته كتلة غازية عظيمة الكثافة واللمعان والحرارة أسماها البيضةالكونية.


ثم حصل في هذه الكتلة، بتأثير الضغط الهائل المنبثق من شدة حرارتها،انفجار عظيم فتتها وقذفها مع أجزائها في كل اتجاه فتكونت مع مرور الوقتالكواكب والنجوم والمجرات.

ولقد سمى بعض العلماء هذه النظرية بالانفجار العظيم “Big Bang” وبحسبعلماء الفيزياء الفلكية اليوم فإن الكون بعد جزء من المليارات الملياراتمن الثانية (10 -43)، ومنذ حوالي خمسة عشر مليار سنة تقريباً كان كتلةهائلة شديدة الحرارة بحجم كرة لا يبلغ قطرها جزءاً من الألف من السنتيمتر.

وفي عام 1840 أيد عالم الفلك الأمريكي (من أصل روسي) جورج غاموف (GeorgeGamov) نظرية الانفجار العظيم: “Big Bang”، مما مهد الطريق لكل منالعالمين "بانزياس" Penziaz و"ويلسون" Wilson سنة 1964 اللذين التقطاموجات راديو منبعثة من جميع أرجاء الكون لها نفس الخصائص الفيزيائية في أيمكان سجلت فيه، لا تتغير مع الزمن أو الاتجاه، فسميت "النور المتحجّر" أيالنور الآتي من الأزمنة السحيقة وهو من بقايا الانفجار العظيم الذي حصل فيالثواني التي تلت نشأة الكون.

وفي سنة 1989 أرسلت وكالة الفضاء الأمريكية “NASA” قمرها الاصطناعي “Cobeexplorer” والذي قام بعد ثلاث سنوات بإرسال معلومات دقيقة إلى الأرض تؤكدنظرية الانفجار العظيم، وسمّي هذا الاكتشاف باكتشاف القرن العشرين. هذهالحقائق العلمية ذكرها كتاب المسلمين "القرآن" منذ أربعة عشر قرناً، حيثتقول الآية الثلاثون من سورة الأنبياء: {أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَكَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًافَفَتَقْنَاهُمَا}.

ومعنى الآية أن الأرض والسموات بما تحويه من مجرات وكواكب ونجوم والتيتشكل بجموعها الكون الذي نعيش فيه كانت في الأصل عبارة عن كتلة واحدةملتصقة وقوله تعالى {رتقاً} أي ملتصقتين، إذ الرتق هو الالتصاق ثم حدثلهذه الكتلة الواحدة "فتق" أي انفصال وانفجار تكونت بعده المجرات والكواكبوالنجوم، وهذا ما كشف عنه علماء الفلك في نهاية القرن العشرين.


أو ليس هذا التوافق مدهشاً للعقول، يدعوها للبحث عن خالق هذا الكون، مسبب الأسباب؟
{الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}.

مراجع علمية:
قد ذكرت الموسوعة البريطانية انه في عام 1963، كلفت مختبرات “Bell”العالِمان أرنو بنزياس و روبرت ويلسون باتباع أثر موجات الراديو التي تشوشعلى تقدم اتصالات الأقمار الاصطناعية. اكتشف العالِمان "بنزياس" و"ويلسون" أنه كيفما كان اتجاه محطة البث فإنه يلتقط دائماً موجات ذات طاقةمشوشة خفيفة، حتى ولو كانت السماء صافية، أسهل حل كان إعادة النظر فيتصميم اللاقطات لتصفي الموجات من التشويش، ولكنهما ظلوا يتتبعون أثر هذهالموجات المشوشة، فكان اكتشافهم المهم للموجات الفضائية التي أثبتت نظريةالانفجار العظيم.
بنزياس و ويلسون ربحوا جائزة نوبل في الفيزياء على هذا الاكتشاف سنة 1978.

وجه الإعجاز:
وجه الإعجاز في الآية القرآنية هو تقريرها بأن نشأة الكون بدأت إثرالانفجار العظيم بعد أن كان كتلة واحدة متصلة، وهذا ما أوضحته وأكدتهدراسات الفلكيين وصور الأقمار الاصطناعية في نهاية القرن العشرين.




9 طرق علمية لتحديد اتجاه القبلة

حسام عبد القادر


كيفنحدد اتجاه القبلة في أي مكان في العالم ؟ أثار هذا السؤال ضجة كبيرةجدًّا على مستوى المسلمين في جميع أنحاء العالم، وخاصة في مدينة سياتلبالولايات المتحدة، حيث ينقسم المسلمون هناك في تحديد القبلة، أثار هذاالموضوع الجمعية العربية للمساحة، فقامت بعمل ندوة استضافت فيها العميدعبد العزيز سلام الذي قام بعمل بحث موسع حول هذا الموضوع، حيث استطاعالتوصل إلى تسع طرق علمية لتحديد اتجاه القبلة عن طريق حساب المثلثاتوجداول الرياضيات، وحصل من الهيئة المصرية العامة للمساحة على تصديق رسميبصحة هذه الطرق التسع. ونحن نعلم أن اتجاه القبلة هو اتجاه الكعبة الشريفةفي مكة المكرمة بالمملكة العربية السعودية، ويحتاج المسلم أن يعرف اتجاهالقبلة في المكان الذي يتواجد فيه حتى يستقبلها أي يتجه نحوها كلما أرادأن يصلي، وذلك تنفيذًا لقوله تعالى:" قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِيالسَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَشَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْوُجُوْهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَلَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍعَمَّا يَعْمَلُونَ ". (سورة البقرة الآية 144 )
وقد جاء في كتاب الفقه علىالمذاهب الأربعة الذي أصدره قسم المساجد بوزارة الأوقاف المصرية في تعريفحد القبلة، أن القبلة لمن كان بمكة أو قريبًا منها هي عين الكعبة أيمنتصفها أو هواؤها المحاذي لها من أعلاها أو من أسفلها فيجب عليه أنيستقبل عينها يقينًا إن أمكن وإلا اجتهد في إصابة عينها، والقبلة لمن كانبعيدًا عن مكة هي جهة الكعبة، فيجوز له الانتقال عن عين الكعبة يمينًا أوشمالاً، ولا بأس بالانحراف اليسير الذي لا تزول به المقابلة بالكلية بحيثيبقى شيء من سطح الوجه واصلاً بالكعبة.
أما عن طرق حل هذه المسائل.فالطريقة الأولى حسابية باستخدام قوانين حل المثلث الكروي وذلك باستخدامقانون ( نصف الظل )، فثبت – مثلاً - أن اتجاه القبلة للراصد الموجودبمدينة الإسكندرية هو 135,5 درجة من اتجاه الشمال الحقيقي مع اتجاه دورانعقارب الساعة، وأما اتجاه القبلة للراصد في مدينة سياتل فهو 17,5 درجة مناتجاه الشمال الحقيقي مع اتجاه دوران عقارب الساعة. واتجاه القبلة للراصدالموجود في هونج كونج هو 285.1 درجة من اتجاه الشمال الحقيقي مع اتجاهدوران عقارب الساعة، وأما الطريقتان الثانية والثالثة فتتمَّان عن طريقحساب المثلثات باستخدام جداول خاصة بهذا العِلْم الرياضي، وقد ثبت منهاتين الطريقتين نفس الدرجات السابقة لاتجاه القبلة بالإسكندرية أو بسياتلأو بهونج كونج. وأما الطريقة الرابعة فتتم عن طريق استخدام كرة النجوم،حيث يحتاج المَلاَّح أثناء الإبحار إلى طريقة سريعة لتحديد اتجاه القبلةباستخدام كرة النجوم بدقة مقبولة بإذن الله تعالى، وهو ما يتم بها تحديدموقع الكعبة الشريفة بضبط خط عرض الكعبة الشريفة على موازيات الميل علىكرة النجوم وخط طول الكعبة الشريفة. والطريقة الخامسة باستخدام " قرصالنجوم"، وفيها يتم تحديد موقع الكعبة الشريفة على قرص النجوم بنفسالطريقة التي تمت على كرة النجوم بتوقيع خط عرض الكعبة الشريفة علىموازيات الميل للجرم السماوي، وخط طول الكعبة الشريفة بالنسبة لموقعالراصد.
والطريقة السادسة باستخدام "مخطوط ويرز "، وفيها يتم توقيع خط عرض الكعبة الشريفة على خط الأساس علىتدريج ميل الجرم السماوي. والطريقة السابعة باعتبار موقع الكعبة الشريفةكنقطة مراجعة في بعض الأجهزة الملاحية، حيث توجد لدى بعض الأجهزة الملاحيةمثل جهاز تحديد الموقع بواسطة الأقمار الصناعية إمكانية تخزين نقاط مراجعةمع القدرة على إعطاء اتجاه ومسافة هذه النقطة في أي لحظة، فيتم تخزين موقعالكعبة الشريفة في ذاكرة الجهاز كنقطة مراجعة وفي أي لحظة يراد معرفةاتجاه الصلة يتم طلب اتجاه ومسافة نقطة المراجعة هذه باستخدام طريقة السيرعلى الدائرة العظمى.
وأما الطريقة الثامنةفباستخدام ظاهرة تعامد الشمس على الكعبة الشريفة، فعندما تتعامد الشمس علىمكة المكرمة يكون اتجاهها في هذه اللحظة هو اتجاه القبلة، والشمس تتعامدعلى الكعبة الشريفة مرتين سنويًّا، وذلك حينما يكون ميل الشمس مساويًا لخطعرض الكعبة الشريفة، وأثناء مرورها الزوالي فوق الكعبة الشريفة (لحظة أذانالظهر بمكة المكرمة) ويكون ارتفاع الشمس 90 درجة في تلك اللحظة للراصدالموجود بالمسجد الحرام بمكة المكرمة، وسيكون ذلك في يوم 28 مايو فيالساعة 12 ظهرًا و17 دقيقة و52,8 ثانية بتوقيت كل من المملكة العربيةالسعودية وجمهورية مصر العربية ( التوقيت الصيفي )، ثم في يوم 15 يوليو فيالساعة 12 ظهرًا و26 دقيقة و40,8 ثانية من كل عام بتوقيت كل من المملكةالعربية السعودية وجمهورية مصر العربية ( التوقيت الصيفي)، وفى هذيناليومين ستكون الشمس مرئية بالنسبة لجميع سكان قارة أفريقيا وأوروبا وآسياشرقًا حتى الفلبين والجزء الشمالي الغربي من قارة أستراليا وكل من يراهافي تلك اللحظة المذكورة عاليه فإنه سيكون مستقبلاً للقبلة بإذن اللهتعالى، ويمكن ملاحظة عمود إنارة مثلاً في تلك اللحظة ليدل على اتجاهالقبلة وبذلك يمكن لكل مسلم أن يتأكد من مكانه ويعممه على طول العام،وأخيرًا الطريقة التاسعة هي خريطة الصلاة التي رسمها المركز الإسلاميبالولايات المتحدة الأمريكية، وهي توضح اتجاه القبلة بالزوايا في جميعأنحاء العالم. الجدير بالذكر أن شيخ الأزهر شكَّل لجنة للفتوى لإعطاء فتوىنهائية بصحة الطرق التسع لتحديد اتجاه القبلة.


إشارات قرآنية إلى علوم الأرض

يشير القرآن الكريم في عدد من آيـاتـه إلى الكـون وإلى الأرض ، التي جاءذكرها في أربعمائة وإحدى وستين آية كريمة ، منها ما يشير إلى الأرض ككل ،ومنها ما يشير إلى سطحها الخارجي الذي نحيا عليه أي إلى غلافها الصخري ،وهذه الآيات التي تضم عددا من حقائق علوم الأرض يمكن تبويبها في المجموعاتالتالية:

? آيات تأمر الإنسان بالسير في الأرض ، والنظر في كيفية بدء الخلق ، وهي أساس المنهجية العلمية في دراسة علوم الأرض
? آيات عديدة تشير إلى شكل وحركات وأصل الأرض ، منها ما يصف كروية الأرض ، ومنها ما يشير إلى دورانها ،
ومنها ما يؤكد على عظم مواقع النجوم ، أو على حقيقة اتساع

الكون ، أو على بدء الكون بجرم واحد( مرحلة الرتق) ، ثم انفجار ذلك الجرمالأولي (مرحلة الفتق) أو على بدء السماء في مراحل خلقها الأول بغلالةدخانية (مرحلة السديم) ، أو على انتشار المادة بين السماء والأرض (المادةبين النجوم) أو على تطابق كل السماوات والأرض (أي تطابق الكون)
? آية قرآنية واحدة تؤكد على أن كل الحديد في كوكب الأرض قد أنزل إليها من السماء.

? آية قرآنية تؤكد على حقيقة أن الأرض ذات صدع ، وهي من الصفات الأساسية لكوكبنا .

? آيات قرآنية تتحدث عن عدد من الظواهر البحرية الهامة من مثل ظلماتالبحار والمحيطات (ودور الأمواج الداخلية والخارجية في تكوينها) ، وتسجيربعض هذه القيعان بنيران حامية

، وتمايز المياه فيها إلى كتل متجاورة لا تختلط اختلاطا كاملا ، نظرالوجود حواجز غير مرئية تفصل بينها ، ويتأكد هذا الفصل بين الكتل المائيةبصورة أوضح في حالة التقاء كل من المياه العذبة والمالحة عند مصاب الأنهار، مع وجوده بين مياه البحر الواحد أو بين البحار المتصلة ببعضها البعض
? آيات قرآنية تتحدث عن الجبال ، منها ما يصفها بأنها أوتاد ، وبذلك يصفكلا من الشكل الخارجي( الذي على ضخامته يمثل الجزء الأصغر من الجبل)والامتداد الداخلي (الذي يشكل غالبية

جسم الجبل) ، كما يصف وظيفته الأساسية في تثبيت الغلاف الصخري للأرض ،وتتأكد هذه الوظيفة في اثنتين وعشرين آية أخرى ، أو دورها في شق الأوديةوالفجاج أو في سقوط الأمطار وجريان الأنهار والسيول ، أو تكوينها من صخورمتباينة في الألوان والأشكال والهيئة
? آيات قرآنية تشير إلى نشأة كل من الغلافين المائي والهوائي للأرض ، وذلكبإخراج مكوناتها من باطن الأرض ، أو تصف الطبيعة الرجعية الوقائية لغلافهاالغازي ، أو تؤكد على حقيقة ظلام الفضاء الكوني الخارجي ، أو على تناقصالضغط الجوي مع الارتفاع عن سطح الأرض ، أو على أن ليل الأرض كان في بدءخلقها مضاء كنهارها.
? آيات تشير إلى رقة الغلاف الصخري للأرض ، وإلى تسوية سطحه وتمهيده وشق الفجاج والسبل فيه ، وإلى تناقص الأرض من أطرافها .
? آيات تؤكد على إسكان ماء المطر في الأرض مما يشير إلى دورة المياه حولالأرض وفي داخل صخــورها ، أو تؤكد على عــلاقة الحياة بالماء ، أو تلمحإلى إمكــانية تصنيف الكائنات الحية
? آيات تؤكد على أن عملية الخلق قد تمت على مراحل متعاقبة عبر فترات زمنية طويلة.
? آيات قرآنية تصف نهاية كل من الأرض والسماوات وما فيهما (أي الكـون كله)بعمليـة معاكسة لعملية الخلق الأول كما تصف إعادة خلقهما من جديد ، أرضاغير الأرض الحالية وسماوات غير السماوات القائمة
هذه الحقائق العلمية لم تكن معروفة للإنسان قبل هذا القرن ، بل إن الكثيرمنها لم يتوصل الإنسان إليه إلا في العقود القليلة الماضية عبر جهود مضنيةوتحليل دقيق لكم هائل من الملاحظات والتجارب العملية في مختلف جنبات الجزءالمدرك من الكون ، وإن السبق القرآني في الإشارة إلى مثل هذه الحقائقبأسلوب يبلغ منتهى الدقة العلمية واللغوية في التعبير ، والإحاطة والشمولفي الدلالة ليؤكد على جانب هام من جوانب الإعجاز في كتاب الله ، وهو جانبالإعجاز العلمي ، ومع تسليمنا بأن القرآن الكريم معجز في كل أمر من أموره،إلا أن الإعجاز العلمي يبقى من أنجع أساليب الدعوة إلى الله في عصر العلم، ذلك العصر الذي لم يبق فيه من وحي السماء إلا القرآن الكريم ، بينماتعرضت كل الكتب السابقة على نزوله إما للضياع التام ؛ أو لضياع الأصولالتي نقلت عنها إلى لغات غير تلك التي نزل الوحي السماوي بها ، فتعرضتلقدر هائل من التحريف الذي أخرجها عن إطارها الرباني على الرغم منإيماننـا بأصولها السماوية ، وتسليمنا بصدق تلك الأصول .ومن هنا تتضحأهمية القرآن الكريم في هداية البشرية في زمن هي أحوج ما تكون إلى الهدايةالربانية كما تتضح أهمية دراسات الإعجاز العلمي في كتاب الله مهما تعددتتلك المجالات العلمية ، وذلك لأن إثبات صدق الإشارات القرآنية في القضاياالكونية مثل إشاراته إلى عدد من حقائق علوم الأرض ، وهي من الأمور الماديةالملموسة التي يمكن للعلماء التجريبين إثباتها لأدعى إلى التسليم بحقائقالقرآن الأخرى خاصة ما يرد منها في مجال القضايا الغيبية والسلوكية (منمثل قضايا العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات ) والتي لا سبيل للإنسانفي الوصول إلى قواعد سليمة لها وإلى ضوابط صحيحة فيها إلا عن طريق بيـانربـاني خالص لا يداخله أدنى قدر من التصور البشري.

موقف المفسرين من الآيات الكونية في القرآن الكريم‏ - 1

القرآن يحض علي تدبر آياته ومعانيه والاجتهاد في تفسيره ضرورة
بقلم الدكتور‏:‏زغلول النجار

طال الجدل حول جواز تفسير الاشارات الكونية الواردة في كتاب الله علي أساسمن معطيات علوم العصر وفنونه‏,‏ وتفاوتت مواقف العلماء من ذلك تفاوتاكبيرا بين مضيقين وموسعين ومعتدلين مما يمكن أن نوجزه فيما يلي‏:‏

موقف المضيقين‏:‏


وهوالموقف الذي يري أصحابه أن تفسير الآيات الكونية الواردة في كتاب الله‏,‏علي ضوء ماتجمع لدي الانسان من معارف هو نوع من التفسير بالرأي الذي لايجوز استنادا إلي أقوال منسوبة لرسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏منها‏:‏
من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ
ومن قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار وإلي أقوال منسوبة إليكل من الخليفتين الراشدين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله تعاليعنهما من قول الأول أي سماء تظلني‏,‏ وأي أرض تقلني ان قلت في كتاب اللهبرأيي وقول الثاني اتبعوا ماتبين لكم من هذا الكتاب فأعملوا به‏,‏ ومالمتعرفوه فكلوه إلي ربه وكذلك استنادا إلي قول كل من سعيد بن المسيب وعبدالله بن عمر رضي الله عنهما في الصحيح المنقول عن الأول انا لا نقول فيالقرآن شيئا وإلي الثاني لقد أدركت فقهاء المدينة وأنهم ليعظمون القول فيالتفسير‏.‏
وإلي القول المنسوب إلي مسروق بن الأجدع‏(‏ رضي الله عنه‏‏ اتقوا التفسير فانما هو الرواية عن الله

الرد علي المضيقين‏:‏

فات أصحاب هذا الموقف المضيق أن المقصود بالرأي في الحديث هو الهوي‏,‏ لاالرأي المنطقي المبني علي الحجة الواضحة والبرهان المقبول‏,‏ ويؤكد ذلكعبارة بغير علم التي وردت في الحديث الثاني هذا بغض النظر عن كون الحديثينقد اعتبرا من ضعاف السند‏.‏
كذلك فاتهم أن ماقد ورد علي لسان بعض الصحابة والتابعين مما يوحي بالتحرجمن القول في القرآن الكريم بالرأي الاجتهادي‏,‏ انما هو من قبيل الورع‏,‏والتأدب في الحديث عن كلام الله‏,‏ خاصة أنهم كانوا قد فطروا علي فهماللغة العربية‏,‏ وفطنوا بها وبأسرارها‏,‏ ودرجوا علي عادات المجتمعالعربي ـ وألموا بأسباب النزول‏,‏ وعايشوا رسول الله صلي الله عليه وسلمعن قرب وهو الموصول بالوحي ــ وسمعوه صلي الله عليه وسلم ــ وهو يتلوالقرآن الكريم ويفسره‏,‏ واستعانوا به علي فهم ماوقفوا دونه‏,‏ وأدركواتفاصيل سنته الشريفة في ذلك وغيره‏,‏ فهل يمكن لمن توافر له كل ذلك أنيكون له مجال للاجتهاد بالرأي؟ خاصة أن العصر لم يكن عصر تقدم علمي كالذينعيشه‏,‏ وأنهم كانوا لايزالون قريبي عهد بالجاهلية التي كان قد خيم فيهاعلي شبه الجزيرة العربية‏,‏ بل وعلي العالم أجمع ركام من العقائدالفاسدة‏,‏ والتصورات الخاطئة‏,‏ والافكار السقيمة‏,‏ والأوهاموالأساطير‏...‏ ولم يسلم من ذلك الركام أحد‏,‏ حتي أصحاب الحضاراتالبائدة‏.‏
وأن العصر كان عصر انتشار للاسلام‏,‏ ودخول للكثيرين من أصحاب العقائدواللغات الأخري في دين الله أفواجا‏,‏ ومعهم خلفياتهم الفكرية الموروثة‏,‏والتي لم يتمكنوا من التخلص منها كلية بمجرد دخولهم في الاسلام‏,‏ وأنأعدادا غير قليلة من هؤلاء كانوا قد دخلوا الاسلام ليأتمروا به ويتآمرواعليه‏,‏ ويكيدوا له‏,‏ بتأويل القرآن علي وجوه غير صحيحة‏,‏ وبتفتيت وحدةالصف الاسلامي‏,‏ وبث بذور الفرقة فيه‏,‏ وكان من نتائج ذلك كله هذا الفكرالغريب الذي دس علي المسلمين والذي عرف فيما بعد بالاسرائيليات نسبة إليالسلالات الفاسدة من بني اسرائيل‏(‏ أي اليهود‏)‏ الذين كثر النقل عنهم‏,‏وكثر دسهم علي دين الله‏,‏ وعلي أنبيائه ورسله‏(‏ صلي الله وسلم عليهمأجمعين‏),‏ وكان من نتائجه كذلك بروز الشيع والفرق والطرائق المختلفة‏,‏ومحاولة كل فرقة منها الانتصار لرأيها بالقرآن‏...‏ وهذا هو الهوي الذيعبر عنه بالرأي فيما نسب من أقوال إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم وإليعدد من صحابته وتابعيهم‏(‏ عليهم رضوان الله أجمعين‏).‏

اللهم فقهه في الدين

كذلك فقد فات هؤلاء‏,‏ وهم ينادون بعدم الاجتهاد بالرأي في فهم كتابالله‏,‏ والوقوف عند حدود المأثور وهو مانقل عن رسول الله صلي الله عليهوسلم مباشرة‏,‏ أو عن صحابته الكرام‏,‏ أو عمن عاصر الصحابة منالتابعين‏,‏ موكلين مالم يفسره التراث المنقول إلي الله وهو ماعرف بمنهجالتفسير بالمأثور أو التفسير بالمنقول‏,‏ وكلنا يعلم أن التفسير بالمأثورلم يشمل القرآن كله‏,‏ فلحكمة يعلمها الله ــ وقد ندرك طرفا منها اليوم ــلم يقم رسول الله صلي الله عليه وسلم بالتنصيص علي المراد في كل آية منآيات القرآن الكريم‏,‏ وأن صحابته الكرام كانوا يجتهدون في فهم مالم ينصعليه‏,‏ وكانوا يختلفون في ذلك ويتفقون‏,‏ وأن من الثابت أنه‏(‏ صلي اللهعليه وسلم‏)‏ قد صوب رأي جماعة من أصحابه حين فسروا آيات من كتاب الله‏,‏وانه قد دعا لابن عباس بقوله اللهم فقهه في الدين‏,‏ وعلمه التأويل‏,‏ وانذلك وغيره من الأقوال المأثورة قد اتخذ دليلا علي جواز الاجتهاد فيالتفسير في غير ما حدده رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم فمما يروي عنعلي‏(‏ رضي الله عنه‏)‏ حين سئل‏:‏ هل خصكم رسول الله‏(‏ صلي الله عليهوسلم‏)‏ بشيء؟ انه قال‏:‏ ما عندنا غير ما في هذه الصحيفة‏,‏ وفهم يؤتاهالرجل في كتابه وهذا يؤكد علي ان فهم المسلمين لدلالة آيات القرآن الحكيموتدبر معانيها هي ضرورة تكليفية لكل قادر عليها مؤهل للقيام بها‏,‏ وذلكيقرره الحق تبارك وتعالي في قوله وهو أحكم القائلين‏:‏
كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب‏(‏ ص‏29)‏

وهذه الآية الكريمة‏,‏ وكثير غيرها من الآيات القريبة في المعني ـ أمرصريح من الله تبارك وتعالي بتدبر آيات القرآن الكريم وفهم معانيها‏,‏فالقرآن ينعي علي أولئك الذين لا يتدبرونه‏,‏ ولا يستنبطون معانيه‏,‏ وهذهآياته
أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراوإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به‏,‏ ولو ردوه إلي الرسول وإليأولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم‏.....[‏ النساءالآيتان‏83,82].‏
أفلا يتدبرون القرآن أم علي قلوب أقفالها‏(‏ محمد الآية ـ‏24)‏

وقد ساق الامام الغزالي‏(‏ يرحمه الله‏)‏ الأدلة علي جواز فهم القرآنبالرأي‏(‏ أي بالاجتهاد‏)‏ ثم أضاف‏:‏ فهذه الأمور تدل علي أن في فهممعاني القرآن مجالا رحبا‏,‏ ومتسعا بالغا‏,‏ وأن المنقول من ظاهر التفسيرليس منتهي الادراك فيه
وبناء علي ذلك فقد أجاز الغزالي لكل انسان ان يستنبط من القرآن بقدر فهمهوحد عقله‏,‏ ولو ان المبالغة في استخدام تلك الرخصة قد أفرزت نتاجا لم يكنكله مستساغا مقبولا لدي العلماء‏,‏ مطابقا لمقاصد القرآن الكريم فيالهداية‏,‏ فقد خرج قوم من المفسرين بالآيات القرآنية‏(‏ إما عن عمد واضحأو جهل فاضح‏)‏ إلي مالا يقبله العقل القويم‏,‏ والصحيح المنقول عن رسولالله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ وعن أصحابه والتابعين لهم‏,‏ وعن المنطقاللغوي وأساليب العرب في الأداء حقيقة ومجازا‏,‏ وذلك لانطلاق الفرقالمختلفة والمذاهب المتنوعة من غير أهل السنة والجماعة‏(‏ من فقهيةوكلامية‏,‏ وصوفية وباطنية‏)‏ من منطلق التعصب لمذاهبهم ومحاولاتهم إخضاعالتفاسير لخدمة مللهم ونحلهم‏,‏ مما أدي إلي الموقف المتشدد من القول فيالقرآن بالرأي‏,‏ ومن ثم رفض تفسير الآيات الكونية الواردة في كتاب اللهعلي أساس من معطيات المعارف الانسانية المكتسبة في حقل العلوم البحتةوالتطبيقية‏.‏

الدعوة إلي الاجتهاد في التفسير

هناك أعداد كبيرة من علماء المسلمين الذين اقتنعوا بضرورة الاجتهاد فيتفسير كتاب الله‏,‏ ولكنهم حصروا ذلك في مناهج محددة منها المنهج اللغويالذي يهتم بدلالة الالفاظ‏,‏ وطرائق التعبير وأساليبه والدراسات النحويةالمختلفة‏,‏ والمنهج البياني الذي يحرص علي بيان مواطن الجمال في أسلوبالقرآن‏,‏ ودراسة الحس اللغوي في كلماته‏,‏ والمنهج الفقهي الذي يركز علياستنباط الاحكام الشرعية والاجتهادات الفقهية‏,‏ كما أن من هؤلاء المفسرينمن نادي بالجمع بين تلك المناهج في منهج واحد عرف باسم المنهج الموسوعي‏(‏أو المنهج الجمعي‏),‏ ومنهم من نادي بتفسير القرآن الكريم حسب الموضوعاتالتي اشتمل عليها‏,‏ وذلك بجمع الآيات الواردة في الموضوع الواحد في كلسور القرآن‏,‏ وتفسير واستنباط دلالاتها استنادا الي قاعدة أن القرآن يفسربعضه بعضا‏,‏ وقد عرف ذلك باسم المنهج الموضوعي في التفسير‏.‏

من مبررات رفض المنهج العلمي للتفسير

اما المنهج العلمي في التفسير والذي يعتمد علي تفسير الاشارات الكونيةالواردة في كتاب الله تعالي حسب اتساع دائرة المعرفة الانسانية من عصر اليعصر وتبعا للطبيعة التراكمية لتلك المعرفة فقد ظل مرفوضا من غالبيةالمجتهدين في التفسير وذلك لأسباب كثيرة منها‏:‏

‏(1)‏ أن الإسرائيليات كانت قد نفذت أول ما نفذت إلي التراث الإسلامي عنطريق محاولة السابقين تفسير تلك الاشارات الكونية الواردة في كتاب الله‏,‏وذلك لأن الله تعالي قد شاء أن يوكل الناس في أمور الكشف عن حقائق هذاالكون إلي جهودهم المتتالية جيلا بعد جيل‏,‏ وعصرا بعد عصر‏...,‏ ومن هناجاءت الاشارات الكونية في القرآن الكريم بصيغة مجملة‏,‏ يفهم منها أهل كلعصر معني من المعاني‏,‏ وتظل تلك المعاني تتسع باستمرار في تكامل لا يعرفالتضاد‏,‏ ومن هنا أيضا لم يقم رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏بالتنصيص علي المراد منها في أحاديثه الشريفة‏,‏ التي تناول بها شرحالقرآن الكريم‏,‏ ولكن لما كانت النفس البشرية تواقة دوما إلي التعرف عليأسرار هذا الوجود‏,‏ ولما كان الانسان قد شغل منذ القدم بتساؤلات كثيرة عننشأة الكون‏,‏ وبداية الحياة‏,‏ وخلق الإنسان ومتي حدث كل ذلك‏,‏ وكيفتم‏,‏ وما هي أسبابه؟‏,‏ وغير ذلك من أسرار الوجود‏..,‏ فقد تجمع لديالبشرية في ذلك تراث ضخم‏,‏ عبر التاريخ اختلط فيه الحق بالباطل‏,‏والواقع بالخيال‏,‏ والعلم بالدجل والخرافة‏,‏ وكان أكثر الناس حرصا عليهذا النوع من المعرفة المكتسبة هم رجال الدين في مختلف العصور‏,‏ وقد كانتالدولة الاسلامية في أول نشأتها محاطة بحضارات عديدة تباينت فيها تلكالمعارف وأمثالها ثم بعد اتساع رقعة الدولة الاسلامية واحتوائها لتلكالحضارات المجاورة‏,‏ ودخول أمم من مختلف المعتقدات السابقة علي بعثةالمصطفي ـ صلي الله عليه وسلم ـ الي دين الله‏..‏ ووصول هذا التراث إليقيامهم علي ترجمته ونقده والاضافة اليه‏.‏ حاول بعض المفسرين الاستفادة بهفي شرح الاشارات الكونية الواردة بالقرآن الكريم فضلوا سواء السبيل لأنالعصر لم يكن بعصر تطور علمي كالذي نعيشه اليوم‏,‏ ولأن هذا التراث كانأغلبه في أيدي اليهود‏,‏ وهم الذين ائتمروا علي الكيد للاسلام منذ بزوغفجره‏,‏ وأن النقل قد تم عمن اسلم ومن لم يسلم منهم‏,‏ علي الرغم من تحذيررسول الله صلي الله عليه وسلم بقوله‏:‏ إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهمولاتكذبوهم‏,‏ فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه‏,‏ وأما أن يحدثوكم بباطلفتصدقوه‏.‏

ويفسر ابن خلدون أسباب نقل هذه الاسرائيليات بقوله‏:‏ والسبب في ذلك أنالعرب لم يكونوا أهل كتاب‏,‏ ولاعلم‏,‏ وإنما غلبت عليهم البداوةوالأمية‏,‏ واذا تشوقوا الي معرفة شيء مما تتشوق اليه النفوس البشرية‏:‏في أسباب المكونات‏,‏ وبدء الخليقة‏,‏ وأسرار الوجود‏,‏ فإنما يسألون عنهأهل الكتاب قبلهم‏,‏ ويستفيدون منهم‏,‏ وهم أهل التوراة من اليهود‏,‏ ومنتبع دينهم من النصاري‏,‏ وأهل التوارة الذين بين العرب يومئذ وهم باديةمثلهم ولايعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب‏,‏ ومعظمهم منحمير الذين أخذوا بدين اليهودية‏,‏ فلما أسلموا بقوا علي ما كان عندهم ممالاتعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها‏...‏
‏2‏ ــ أن القرآن الكريم هو في الأصل كتاب هداية ربانية‏,‏ أي كتاب عقيدةوعبادة وأخلاق ومعاملات‏,‏ بمعني آخر هو كتاب دين الله الذي أوحي به اليسائر انبيائه ورسله وتعهد الله تعالي بحفظه فحفظ‏,‏ فعلي ذلك لابد منالتأكيد أن القرآن الكريم ليس كتاب علم تجريبي‏,‏ وأن الاشارات العلميةالتي وردت به جاءت في مقام الارشاد والموعظة لا في مقام البيان العلميبمفهومه المحدد‏,‏ وأن تلك الاشارات ــ علي كثرتها ــ جاءت في أغلبالاحيان مجملة‏,‏ وذلك بهدف توجيه الانسان الي التفكير والتدبر وامعانالنظر في خلق الله‏,‏ لابهدف الإخبار العلمي المباشر‏.‏
‏3‏ ــ أن القرآن الكريم ثابت لايتغير بينما معطيات العلوم التجريبيةدائمة التغير والتطور وان ما تسمي بحقائق العلم ليست سوي نظريات وفروضيبطل منها اليوم ما كان سائدا بالامس‏,‏ وربما في الغد ماهو سائد اليوموبالتأكيد فلا يجوز الرجوع إليها عند تفسير كتاب الله العزيز لانه لايجوزتأويل الثابت بالمتغير‏.‏
‏4‏ ـ ان القرآن الكريم هو بيان من الله‏,‏ بينما معطيات العلوم التجريبيةلاتعدو ان تكون محاولة بشرية للوصول الي الحقيقة‏,‏ ولايجوز ــ في ظنهم ـرؤية كلام الله في اطار محاولات البشر‏,‏ كما لايجوز الانتصار لكتاب اللهتعالي بمعطيات العلوم المكتسبة لأن القرآن الكريم بصفته كلام الله هو حجةعلي البشر كافة‏,‏ وعلي العلم واهله‏.‏

‏5‏ ــ أن العلوم التجريبية تصاغ في أغلب دول العالم اليوم صياغة تنطلقكلها من منطلقات مادية بحت‏,‏ تفكر أو تتجاهل الغيب‏,‏ ولا تؤمن بالله‏,‏وأن للكثيرين من المشتغلين بالعلوم الكونية‏(‏ البحت والتطبيقية‏)‏ مواقفعدائية واضحة من قضية الايمان بالله تعالي وبملائكته وكتبه ورسله‏,‏وبالقدر خيره وشره‏,‏ وبحياة البرزخ وبالبعث والنشور والحساب وبالحياةالخالدة في الدار الآخرة إما في الجنة أبدا أو في النا ر ابدا‏.‏
‏6‏ ــ أن بعض معطيات العلوم التجريبية قد يتباين مع عدد من الأصولالثابتة في الكتاب والسنة نظرا لصياغتها من منطلقات مادية بحت منكرة لكلحقائق الغيب أو متجاهلة لها‏.‏
‏7‏ ـ أن عددا من المفسرين الذين تعرضوا لتأويل بعض الاشارات الكونيةالواردة في كتاب الله قد تكلفوا في تحميل الآيات من المعاني مالا تحمله فيتعسف واضح وتكلف مفتعل علي أعناق الكلمات والآيات وتحميلها من المعانيمالا تحمله‏.‏

الرد علي الرافضين للمنهج العلمي في التفسير

ان حجج المعارضين للمنهج العلمي للتفسير والتي أوردناها في الفقرات السابقة هي كلها حجج مردودة حجة بحجة كما يلي‏:‏
‏1‏ ــ انه لاحاجة بنا اليوم الي الاسرائيليات في تفسير آيات الكونيات‏,‏لأن الرصيد العلمي في مختلف تلك المعارف قد بلغ اليوم شأوا لم يبلغه منقبل‏,‏ واذا كان من استخدم الاسرائيليات في تفسيره من الأوائل قد ضل سواءالسبيل‏,‏ فان من يستخدم حقائق العلم الثابتة‏,‏ ومشاهداته المتكررة فيشرح تلك الآيات لابد أن يصل الي فهم لها لم يكن من السهل الوصول اليه منقبل‏,‏ وأن يجد في ذلك من صور الاعجاز مالم يجده السابقون‏,‏ تأكيدا لوصفرسول الله صلي الله عليه وسلم للقرآن بأنه لاتنقضي عجائبه ولايخلق من كثرةالرد‏.‏
‏3‏ ــ انه لاتعارض البتة بين كون القرآن الكريم كتاب هداية ربانية‏,‏وارشادا إلهيا ودستور عقيدة وعبادة واخلاقا ومعاملات وكتاب تشريع سماوييشمل نظاما كاملا للحياة‏,‏ وبين احتوائه علي عدد من الاشارات العلميةالدقيقة التي وردت في مقام الاستدلال علي عظمة الخالق وقدرته في إبداعهللخلق‏,‏ وقدرته علي افناء ما قد خلق‏,‏ وإعادة كل ذلك من جديد‏,‏ وذلكلأن الاشارات تبقي بيانا من الله‏,‏ خالق الكون ومبدع الوجود‏,‏ فلابد وأنتكون حقا مطلقا‏,‏ لأنه من أدري بالخليقة من الخالق سبحانه وتعالي‏)‏ ولوأن المسلمين وعووا هذه الحقيقة منذ القدم لكان لهم في مجال الدراساتالكونية سبق ملحوظ‏,‏ وثبات غير ملحوق فنحن ندرك اليوم ــ وفي ضوء ماتجمعلنا من معارف في مجال دراسات العلوم البحتة والتطبيقية ــ أن آياتالكونيات في كتاب الله تتسم جميعها بالدقة المتناهية في التعبير والشمولفي المعني‏,‏ والاطراد والثبات في الدلالة والسبق لكثير من الكشوف العلميةبعشرات المئات من السنين وفي ذلك شهادة قاطعة لايستطيع ان ينكرها جاحد بأنالقرآن لايمكن أن يكون إلا كلام الله الخالق‏.‏

أما القول بأن تلك الاشارات قد تم سردها بصورة مجملة‏,‏ فانها بحق احديصور الاعجاز العلمي والبياني في القران الكريم‏,‏ وذلك لأن كل اشارة علميةوردت فيه قد صيغت صياغة فيها من اعجاز الايجاز والدقة في التعبير والاحكامفي الدلالة‏,‏ والشمول في المعني ما يمكن الناس علي اختلاف ثقافاتهموتباين مستويات ادراكهم وتتابع اجيالهم وأزمانهم ان يدركوا لها من المعانيمايتناسب وهذه الخلفيات كلها‏,‏ بحيث تبقي المعاني المستخلصة من الآيةالواحدة يكمل بعضها بعضا في تناسق عجيب‏..‏ وتكامل أعجب لانه تكامل لايعرفالتضاد وهذا عندي من أروع صور الاعجاز في كتاب الله فالاجمال في تلكالاشارات مع وضوح الحقيقة العلمية للاجيال المتلاحقة‏,‏ كل علي قدر حظه منالمعرفة بالكون وعلومه هي بالقطع امر فوق طاقة البشر وصورة من صور الاعجازلم تتوافر ولايمكن ان تتوافر لغير كلام الله الخالق‏,‏ ومن هنا كان فهمالناس للاشارات العلمية الواردة بالقرآن الكريم علي ضوء مايتجمع لديهم منمعارف‏,‏ فهما يزداد اتساعا وعمقا جيلا بعد جيل‏,‏ وهذا في حد ذاته شهادةللقرآن الكريم بأنه لاتنتهي عجائبه‏,‏ ولايبلي علي كثرة الرد كما وصفهالمصطفي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏).‏
وقد أدرك نفر من السابقين ذلك وفي مقدمتهم الامام المزركشي الذي كتب فيكتابه البرهان في علوم القرآن مانصه‏..‏ وما من برهان ودلالة وتقسيم‏,‏وتحديد شيء من كليات المعلومات العقلية والسمعية إلا وكتاب الله تعالي قدنطق به‏,‏ لكن أورده تعالي علي عادة العرب دون دقائق طرق أحكام المتكلمينلأمرين‏:‏ أحدهما بسبب ماقاله سبحانه وتعالي‏:‏
وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم‏[‏ سورة ابراهيم‏:4]‏

والثاني أن المائل إلي دقيق المحاجة هو العاجز عن إقامة الحجة بالجليل منالكلام‏,‏ فان استطاع أن يفهم بالأوضح الذي يفمهه الأكثرون لم يتخط إليالأغمض الذي لايعرفه إلا الأقلون‏,‏ وكذلك أخرج تعالي مخاطباته في محاجةخلقه من أجل صورة تشتمل علي أدق دقيق لتفهم العامة من جليلها مايقنعهمالحجة‏,‏ وتفهم الخواص من أينائها مايوفي علي ما أدركه الخطباء‏....‏
ثم يضيف‏:‏ ومن ثم كان علي كل من أصاب حظا في العلم أوفر أن يكون نصيبه منعلم القرآن أكثر‏,‏ لأن عقله حينئذ يكون قد استنار بأضواء العلم‏,‏ وهؤلاءالذين اهتم القرآن بمناداتهم كلما ذكر حجة علي الربوبية والوحدانية‏,‏ أوأضاف اليهم أولو الألباب والسامعون والمفكرون والمتذكرون تنبيها إلي أنبكل قوة من هذه القوي يمكن ادراك حقيقة منها‏.‏
من هنا كان واجب المتخصصين من المسلمين في كل عصر وفي كل جيل أن ينفر منهممن يستطيع أن يجمع إلي حقل تخصصه الماما بحد أدني من علوم اللغة العربيةوآدابها‏,‏ ومن الحديث وعلومه‏,‏ والفقه وأصوله‏,‏ وعلم الكلام وقواعده‏,‏واحاطة بأسباب النزول‏,‏ وبالمأثور في التفسير‏,‏ وباجتهاد السابقين منآئمة المفسرين‏,‏ ثم يعود هؤلاء إلي دراسة الاشارات الكونية الواردة فيكتاب الله ـ كل فيما يخصه ـ محاولين فهمها في ضوء معطيات العلم وكشوفه‏,‏وقواعد المنطق وأصوله حتي يدركوا ما يستطيعون من فهم لكتاب الله حتي تتحققنبوءة المصطفي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ في وصفه لكتاب الله أنه لاتنتهيعجائبه‏..‏

‏(3)‏ ان القول بعدم جواز تأويل الثابت بالمتغير قول ساذج‏,‏ لأن معناهالجمود علي فهم واحد لكتاب الله‏,‏ ينأي بالناس عن واقعهم في كل عصر‏,‏حتي لايستسيغوه فيملوه ويهملوه‏,‏ وثبات القرآن الكريم‏..‏ وهو من السماتالبارزة له لايمنع من فهم الاشارات الكونية الواردة فيه علي أساس منمعطيات العلوم الكونية البحتة منها والتطبيقية‏,‏ حتي ولو كان ذلك يتسع منعصر إلي آخر بطريقة مطردة‏,‏ فالعلوم المكتسبة كلها لها طبيعة تراكمية‏,‏ولا يتوافر للانسان منها في عصر من العصور إلا أقدار تتفاوت بتفاوتالأزمنة‏,‏ وتباين العصور‏,‏ تقدما واضمحلالا‏,‏ وهذه الطبيعة التراكميةللمعرفة الانسانية المكتسبة تجعل الأمم اللاحقة أكثر علما ـ بصفة عامة ـمن الأمم السابقة‏,‏ إلا إذا تعرضت الحضارة الانسانية بأكملها للانتكاسوالتدهور‏.‏
من هنا كانت معطيات العلوم الكونية ـ بصفة خاصة‏,‏ والمعارف المكتسبة كلهابصفة عامة ـ دائمة التغير والتطور‏,‏ بينما كلمات وحروف ـ القرآن الكريمثابتة لاتتغير‏,‏ وهذا وحده من أعظم شواهد الإعجاز في كتاب الله‏.‏
وعلي الرغم من ثبات اللفظ القرآني‏,‏ وتطور الفهم البشري لدلالاته ـ معاتساع دائرة المعرفة الانسانية جيلا بعد جيل ـ فإن تلك الدلالات يتكاملبعضها مع بعض في اتساق لايعرف التضاد‏,‏ ولايتوافر ذلك لغير كلام الله‏,‏إلا إذا كان المفسر لايأخذ بالأسباب‏,‏ أو يسيء استخدام الوسائل فيضلالطريق‏....!!‏ ويظل اللفظ القرآني ثابتا‏,‏ وتتوسع دائرة فهم الناس لهعصرا بعد عصر‏..‏ وفي ذلك شهادة للقرآن الكريم بأنه يغاير كافة كلامالبشر‏,‏ وأنه بالقطع بيان من الله‏....‏ ولذلك فاننا نجد القرآن الكريميحض الناس حضا علي تدبر أياته‏,‏ والعكوف علي فهم دلالاتها‏,‏ ويتحدي أهلالكفر والشرك والإلحاد أن يجدوا فيه صورة واحدة من صور الاختلاف أوالتناقض علي توالي العصور عليه‏,‏ وكثرة النظر فيه‏,‏ وصدق الله العظيم إذيقول‏:‏
أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا‏.‏
‏[‏ النساء‏82]‏

واذ يكرر التساؤل التقريعي في سورة الرحمن إحدي وثلاثين مرة فبأي آلاءربكما تكذبان‏,‏ ويؤكد ضرورة تدبر القرآن وانه تعالي قد جعله في متناولعقل الإنسان فيذكر ذلك أربع مرات في سورة القمر حيث يصدع التنزيل بقولالحق‏‏ تبارك وتعالي‏)‏
ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر
‏[‏ القمر‏:‏ الايات‏17‏ و‏22‏ و‏32‏ و‏40]‏
والذكر هنا ـ كما يجمع المفسرون ـ يشمل التلاوة والتدبر معا‏,‏ ويشير إلياستمرار تلك العملية مع تبادل العصور وتجدد الأزمان‏,‏ ومن هنا يبقي النصالقرآني ثابتا ويتجدد‏,‏ فهم الناس له كلما اتسعت دائرة معارفهم ونمتحصيلتهم العلمية‏,‏ وذلك بالقطع ـ فيما لم يرد في شرحه شيء من المأثورالموثق‏,‏ وليس في ذلك مقابلة بين كلام الله وكلام الناس ـ كما يدعي البعضولكنه المحاولة الجادة لفهم كلام الله وهو الذي أنزله الله تعالي للبشرلكي يفهموه ويتعظوا بدروسه‏,‏ وفهمه في نفس الوقت هو صورة من صور الاعجازفي كتاب الله‏,‏ لاينكرها إلا جاحد‏.‏
أما القول بأن مايسمي بحقائق العلم ليس إلا نظريات وفروضا‏,‏ يبطل منهااليوم ما كان سائدا بالأمس‏,‏ وربما يبطل في الغد ماهو سائد اليوم فهوأيضا قول ـ ساذج لأن هناك فروقا واضحة بين الفروض والنظريات من جهةوالقواعد والقوانين من جهة أخري‏,‏ وهي مراحل متتابعة في منهج العلومالتجريبية الذي يبدأ بالفروض ثم النظريات وينتهي بالقواعد والقوانين‏,‏والفروض هي تفسيرات أولية للظواهر الكونية‏,‏ والنظريات هي صياغة عامةلتفسير كيفية حدوث تلك الظواهر ومسبباتها‏,‏ أما الحقائق الكونية فهيمايثبت ثبوتا قاطعا في علم الإنسان بالأدلة المنطقية المقبولة وهي جزء منالحكمة التي نحن أولي الناس بها‏,‏ وكذلك القوانين العلمية فهي تعبيراتبشرية عن السنن الإلهية في الكون‏,‏ تصف علاقات محددة تربط بين عناصرالظاهرة الواحدة‏,‏ أو بين عدد من الظواهر الكونية المختلفة‏,‏ وهي كذلكجزء من الحكمة التي أمرنا بأن نجعلها ضالة المؤمن‏.‏

المادة وقرين المادة



نحننعلم أن العزيز الحكيم خلق الإنسان وجعل منه زوجين ذكرا وأنثى قال تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىوَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) حتى يكون للإنسانرفيق وحتى ليزداد التعارف والمودة بين خلقه . ولم يقتصر هذا النظام علىالإنسان فقط بل تعداه ليشمل مملكة الحيوان فقد جاء فيهما قال تعالى : (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * من نُّطْفَةٍإِذَا تُمْنَى) وقول الله تعالى : ( قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّزَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) وكذلك مملكة النبات قال تعالى : ( وَمِن كُلِّالثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) فالإنسان والشطر الأكبرمن فصائل الحيوان والنبات خلقوا جميعا في صورة الذكر والأنثى , هذا مايخبرنا به القرآن وهو ما تعلمناه في علوم الأحياء .

وبالإضافة إلى ذلك نرى في الآية التالية شمولا أكبر وأعم قال تعالى : (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) فكلمة" شيء " هنا فهمها من قبلنا ويفهمها أكثرنا على أنها تشمل الإنسانوالحيوان والنبات فقد جميع القرآن ذكرهم في هذه الآية وأخبرنا بأنه جعل منكل المخلوقات الحية زوجين . وقد يكون الأمر كذلك , ولكنا إذا أمعنا النظرلوجدنا أن كلمة " شيء " فيها شمول أكثر من النبات والحيوان والإنسان ,أنها تشمل الجماد أيضا . فهل في الجماد زوجان ؟ من أجل الإجابة على هذاالسؤال نحتاج لنزهة قصيرة في فيزياء الجسيمات .


في النصفالأول من القرن العشرين كان أحد الفيزيائين الإنجليز – واسمه ديراك Dirak- يقوم بأبحاث على معادلات الالكترونات , والالكترونات كما نعلم هيالجسيمات السالبة الشحنة التي تدور حول نواه الذرة , وفي أثناء قيامه بهذهالأبحاث اكتشف أن المعادلات لها حلين وليس حل واحد . وأي واحد منا تعاملمع معادلات الدرجة الثانية يستطيع أن يدرك بسهوله هذا الموقف . فمعادلاتالدرجة الثانية تحتوي على مربع كمية مجهولة , والكمية المربعة دائما موجبة, فحاصل ضرب 2x2 يعطى 4 كذلك حاصل ضرب -2 x -2 يعطى أيضا نفس النتيجة .ومعنى ذلك أن الجذر التربيعي لــ 4 هو أما 2 أو - 2 . وقد كانت معادلاتديراك أكثر تعقيدا من هذا المثال ولكن المبدأ هو نفسه , فقد حصل علىمجموعتين من المعادلات إحداهما للاكترونات السالبة الشحنة والأخرى لجسممجهول ذو شحنة موجبة . وقد قام ديراك ببعض المحاولات الغير ناجحة لتفسيرسر هذا الجسيم المجهول , فقد كان يؤمن بوجوده , ولكن الفيزيائيون تجاهلوابعد ذلك فكرة وجود جسيم موجب الشحنة ممكن أن يكون قرينا للالكترونات تماماكما يتجاهل المهندس الذي يتعامل مع معادلات الدرجة الثانية الحلول التيتعطى أطوالا أو كتلا سالبة .
وبعد عدة سنوات من أعمال ديراك النظرية وفي أوائل الثلاثينات اكتشف أثارهذا الجسيم المجهول في جهاز يسمى بغرفة الضباب ( cloud chambre ) , وعنددراسة تأثير المجال المغناطيسي على هذه الآثار اكتشف أن كتلة ذلك الجسيمتساوي كتلة الالكترون وانه يحمل شحنة موجبة ومساوية لشحنة الالكترونوعندئذ سمى هذا الجسيم بقرين الالكترون ( Antielectron ) أو بالبوزترون (Positron ) ومن ثم بدأ البحث عن قرائن الجسيمات الأخرى فمعنى وجود قرينللالكترون وجود قرائن للجسيمات الأخرى , وفعلا بدأ اكتشاف هذه القرائنالواحد يلي الآخر وبدأ تقسيمها إلى أنواع لن ندخل في تفاصيلها وسوف نكتفيبذكر نتيجتها النهائية وهي وجود قرين لكل جسيم بل ولكل جسم .


حصل العالمباول ديفيز في عام 1995 على) جائزة عالمية قدرها مليون دولار لبحوثه التيتدعم العلاقة ما بين العلم والدين وقد أصدر العديد من المؤلفات وأبرزها :الله والفيزياء الحديثة .. إن حقائق علم الفيزياء الحديثة تعمق في النفسالبشرية الإيمان بالله واليوم الأخر والغيب ) .

وإكتشاف قرينالمادة يخبرنا باحتمال وجود عالم آخر يناظر عالمنا المادي ويتكون من قرائنالجسيمات أي من قرين المادة . أي هو هذا العالم الذي يتكون من قرين المادة؟ هذا هو السؤال الذي لم يستطع أحد الإجابة عليه , فالأرض تتكون أساسا منمادة وليس من قرائن المادة , أما قرائن المادة التي يتم إنتاجها في الأشعةالكونية ( cosmic rays ) أو في معجلات الجسيمات ( Particle accelerator )لا تعيش مدة طويلة في الأجواء الأرضية , فبمجرد أن تنخفض سرعتها بعض الشيءتحتم عليها أن تواجه مصيرها المؤلم الذي لا تستطيع الفرار منه وهو المحقأو الإبادة بواسطة المادة المقابلة لها التي تملأ أجواء الأرض . فعندمايتقابل الجسيم مع قرينه أو المادة مع قرينها يبدد كل منهما الآخر ويختفيالاثنان في شيء يشبه الإنفجار متحولين كليهما إلى طاقة معظمها في صورةأشعة جاما .

وأحد الألغازالتي حيرت الفيزيائيين هو مقدار القرائن الداخلة في بناء هذا الكون فهلتعتبر الأرض نموذجا مصغرا لبقية الكون ؟ أي هل تزيد نسبة المادة في الكونكله عن نسبة قرائنها كما هو الحال في الأرض ؟ قد نستطيع الجزم بأن نسبةقرائن المادة في مجرتها نسبة ضئيلة وإلا تبددت أكثر المواد الموجودة بينالنجوم ولسجلت مراصدنا كميات أكبر بكثير من أشعة جاما . ولكن من يدرينا أنالأمر لا يختلف عن ذلك في المجرات الأخرى النائية التي تقع في أطراف الكونالنائية , فربما وجدت مجرات بأكملها تسمى بقرائن المجرات وتتكون من قرائنالنجوم وإذا سلمنا بوجود قرينا للمجرة وجدنا أنفسنا أمام سؤال آخر محيروهو : ما الذي يمنع المجرة وقرينها من الاقتراب من بعضها ومن ثم التبددوالزوال ؟ هل هو الفراغ الكوني الهائل والمسافات الشاسعة التي أوجدهاالعلي القدير لتفصل بين المجرات وقرائنها ؟ وهل تقدم لنا هذه النظريةتفسيرا جديدا لقوله العزيز الحكيم : ( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْأَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًاغَفُورًا) فتبدد المجرات وقرائنها وزوالها بهذه الطريقة قد يتم في لحظاتويكون نتيجته كمية هائلة من الطاقة فتبدو السماء وكأنها وردة كالدهان قالتعالى : (فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ)ونحن لا نستطيع تصور انشقاق السماء كيف ستنشق ؟ وأي جزء منها سيبدو منشقا؟ ولكن إذا حدث وتبددت مجرتنا مع قرينتها فذلك يعني تبدد كل مستوى المجرةالذي نراه نحن من داخلها وكأنه يقسم الكون إلى قسمين فتبدوا المساء منشقةوعندئذ تنكر النجوم وتنطمس فكل نجم يتبدد عندنا يقترب من قرين النجم قالتعالى : (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ * وَإِذَا السَّمَاء فُرِجَتْ) وإذاتبددت النجوم بهده الطريقة وتحولت كتلتها إلى طاقة فعندئذ تتلاشى تلكالقوى التي تجذب الكواكب إلى النجوم في مساراتها فتتعثر الكواكب وتنتثرقال تعالى : ( إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُانتَثَرَتْ) ونتج عن ذلك اضطرابات هائلة على كوكبنا الأرض قال تعالى :(وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ) وقال تعالى : (وَإِذَا الْجِبَالُسُيِّرَتْ) وقال تعالى : (وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ) .. سورةالإنفطار

إنها علاماتالساعة التي أخبرنا الخالق البارئ بها وقد يقدم لنا موضوع فيزياء الجسيماتوقرائنها تفسيرا لها فزوال المادة وقرينها أصبح حقيقة علمية تحدث يوميا فيمعجلات الجسيمات التي تحول الطاقة إلى مادة . وإذا عدنا إلى الآية الكريمة: ( وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ) لوجدنا أن إجابتنا ستكونبالإيجاب على سؤال وجود الجماد أو المادة في صورة زوجين المادة وقرينها ,فالخلاق الكريم لم يخلق الإنسان والحيوان والنبات فقط في صورة زوجين بلجعل من كل شيء زوجين حتى من الجماد والمادة وهذا هو تفسير الشمول التامالذي نراه في الآية : ( وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِلَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) سورة الذريات .
ومما يذكر أن الفيزيائي المسلم - محمد عبد السلام الباكستاني الجنسيةالحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1979 والذي قام بأبحاث هامة فيموضوع الجسيمات وقرائنها وكان له الفضل في وضع النظرية التي جمعت بينقوتين رئيسيتين من القوى الأربع المؤثرة في هذا الكون وهما القوةالكهرومغناطيسية والقوة النووية الضعيفة صرح بعد حصوله على الجائزة أنالآية القرآنية : ( وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ) كانت بمثابةإحساس خفي وإلهام قوي له وذلك أثناء أبحاثه على قرائن الجسيمات المادية .فقد فهم هذه الآية فهما شاملا يطوي بني كلماتها حقيقة وجود قرائن للمادةكحقيقة وجود أزواج أو قرائن في مملكة النبات والحيوان الإنسان .
من كتاب " آيات قرآنية في مشكاة العلم " د : يحيى المحجري

موقف المفسرين من الآيات الكونية في القرآن الكريم‏ - 2

القرآن يحض علي تدبر آياته ومعانيه والاجتهاد في تفسيره ضرورة
بقلم الدكتور‏:‏زغلول النجار


حرصكثير من علماء المسلمين‏,‏ علي ألا يتم تأويل الاشارات العلمية‏,‏ الواردةفي القرآن الكريم إلا في ضوء الحقائق العلمية المؤكدة من القوانينوالقواعد الثابتة‏,‏ أما الفروض والنظريات فلا يجوز تخديمها في فهم ذلكوحتي هذا الموقف نعتبره تحفظا مبالغا فيه‏,‏ فكما يختلف دارسو القرآنالكريم في فهم بعض الدلالات اللفظية‏,‏ والصور البيانية‏,‏ وغيرها منالقضايا اللغوية ولا يجدون حرجا في ذلك العمل الذي يقومون به في غيبة نصثابت مأثور‏,‏ فاننا نري أنه لا حرج علي الإطلاق في فهم الاشارات الكونيةالواردة بالقرآن الكريم علي ضوء المعارف العلمية المتاحة‏,‏ حتي ولو لمتكن تلك المعارف قد ارتقت إلي مستوي الحقائق الثابتة‏,‏ وذلك لأن التفسيريبقي جهدا بشريا خالصا ـ بكل ما للبشر من صفات القصور‏,‏ والنقص‏,‏ وحدودالقدرة‏,‏ ثم ان العلماء التجريبيين قد يجمعون علي نظرية ما‏.‏ لها منالشواهد ما يؤيدها‏,‏ وان لم ترق بعد الي مرتبة القاعدة أو القانون‏,‏ وقدلا يكون أمام العلماء من مخرج للوصول بها الي ذلك المستوي أبدا‏,‏ فمنأمور الكون العديدة مالا سبيل للعلماء التجريبيين من الوصول فيها اليحقيقة أبدا‏,‏ ولكن قد يتجمع لديهم من الشواهد مايمكن أن يعين علي بلورةنظرية من النظريات‏,‏ ويبقي العلم التجريبي مسلما بأنه لا يستطيع أن يتعديتلك المرحلة في ذلك المجال بعينه أبدا‏,‏ والأمثلة علي ذلك كثيرة منهاالنظريات المفسرة لأصل الكون وأصل الحياة وأصل الإنسان‏,‏ وقد مرت بمراحلمتعددة من الفروض العلمية حتي وصلت اليوم الي عدد محدود من النظرياتالمقبولة‏,‏ ولا يتخيل العلماء أنهم سيصلون في يوم من الأيام الي أكثر منتفضيل لنظرية علي أخري‏,‏ أو تطوير لنظرية عن أخري‏,‏ أو وضع لنظريةجديدة‏,‏ دون الادعاء بالوصول الي قانون قطعي‏,‏ أو قاعدة ثابتة لذلك‏,‏فهذه مجالات إذا دخلها الإنسان بغير هداية ربانية فإنه يضل فيها ضلالابعيدا‏,‏ وصدق الله العظيم اذ يقول‏:‏
ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا‏.(‏ الكهف‏51)‏

وذلك لأنه علي الرغم من أن العلماء التجريبيين يستقرئون حقائق الكونبالمشاهدة والاستنتاج‏,‏ أو بالتجربة والملاحظة والاستنتاج‏,‏ في عملياتقابلة للتكرار والاعادة‏,‏ إلا أن من أمور الكون مالا يمكن إخضاعه لذلك منمثل قضايا الخلق‏:‏ خلق الكون‏,‏ وخلق الحياة وخلق الانسان‏.‏ وهي قضايالا يمكن للإنسان أن يصل فيها إلي تصور صحيح أبدا بغير هداية ربانية‏,‏ولولا الثبات في سنن الله التي تحكم الكون ومافيه ما تمكن الانسان مناكتشافها‏,...‏ ولا يظن عاقل أن البشر مطالبون بما هو فوق طاقاتهم ـ خاصةفي فهم كتاب الله ـ الذي أنزل لهم‏,‏ ويسر لتذكرهم لقول الحق تباركوتعالي‏:‏
‏(‏ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر‏)(‏ القمر‏:‏ الآيات‏40,32,22,17)‏
ففي الوقت الذي يقرر القرآن الكريم فيه أن الله لم يشهد الناس خلق السمواتوالأرض ولا خلق أنفسهم‏,‏ نجده في آيات أخر يأمرهم بالنظر في كيفية بدايةالخلق‏,‏ وهي من أصعب قضايا العلوم الكونية البحتة منها والتطبيقية قاطبةاذ يقول‏(‏ عز من قائل‏:‏

‏(‏أو لم يروا كيف يبديء الله الخلق ثم يعيده ان ذلك علي الله يسير‏*‏ قلسيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشيء النشأة الأخرة انالله علي كل شيء قدير‏)(‏ العنكبوت‏:20,19)‏
مما يشير الي أن بالأرض سجلا حافلا بالحقائق التي يمكن أن يستدل منها عليكيفية الخلق الأول‏,‏ وعلي امكانية النشأة الآخرة‏,‏ والأمر في الآية منالله تعالي الي رسوله الكريم ليدع الناس كافة الي السير في الأرض‏,‏واستخلاص العبرة من فهم كيفية ا لخلق الأول‏,‏ وهي قضية تقع من العلومالكونية‏(‏ البحتة والتطبيقية‏)‏ في الصميم‏,‏ ان لم تكن تشكل أصعب قضيةعلمية عالجها الانسان‏.‏
وهذه القضايا‏:‏ قضايا الخلق وإفنائه وإعادة خلقه لها في كتاب الله وفيسنة رسوله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ من الإشارات اللطيفة مايمكن الإنسانالمسلم من تفضيل نظرية من النظريات أو فرض من الفروض والارتقاء بها أو بهإلي مقام الحقيقة لمجرد ورود ذكر لها أو له في كتاب الله أو في سنةرسوله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ ونكون بذلك قد انتصرنا بالقرآن الكريموالسنة النبوية المطهرة للعلم وليس العكس‏.‏

وعلي ذلك فاني أري جواز فهم الاشارات العلمية الواردة بالقرآن الكريم عليأساس من الحقائق العلمية الثابتة أولا‏,‏ فان لم تتوافر فبالنظريةالسائدة‏,‏ فان لم تتوافر فبالفرض العلمي المنطقي المقبول‏,‏ حتي لو أديالتطور العلمي في المستقبل الي تغيير تلك النظرية‏,‏ أو ذلك الفرض أوتطويرهما أو تعديلهما‏,‏ لأن التفسير ـ كما سبق أن أشرت يبقي اجتهادابشريا خالصا من أجل حسن فهم دلالة الآية القرآنية إن أصاب فيه المرء فلهأجران وإن أخطأ فله أجر واحد‏,‏ ويبقي هذا الاجتهاد‏,‏ قابلا للزيادةوالنقصان‏,‏ وللنقد والتعديل والتبديل‏.‏
الرد علي القائلين بعدم جواز رؤية كلام الله في إطار محاولات البشر
ان في كون القرآن الكريم بيانا من الله تعالي إلي الناس كافة‏,‏ يفرض عليالمتخصصين من أبناء المسلمين أن يفهموه ـ كل في حقل تخصصه ـ علي ضوءماتجمع له من معارف بتوظيف مناهج الاستقراء الدقيقة‏,‏ فالقرآن نزل للناسليفهموه وليتدبروا آياته‏.‏ ثم ان تأويل آيات الكونيات علي ضوء من معطياتالعلوم التجريبية لا يشكل احتجاجا علي القرآن بالمعارف المكتسبة‏,‏ ولاانتصارا له بها‏,‏ فالقرآن بالقطع ـ فوق ذلك كله‏,‏ ولأن التأويل علي أساسمن المعطيات العلمية الحديثة يبقي محاولة بشرية للفهم في اطار لم يكنمتوفرا للناس من قبل‏,‏ ولا يمكن أن تكون محاولات البشر لفهم القرآنالكريم حجة علي كتاب الله‏,‏ سواء اصابت أم أخطأت تلك المحاولات‏,‏ والالما حفل القرآن الكريم بهذا الحشد الهائل‏,‏ من الآيات التي تحض علياستخدام كل الحواس البشرية للنظر في مختلف جنبات الكون بمنهج علمياستقرائي دقيق‏.‏ وذلك لأن الله تعالي قد جعل السنن الكونية علي قدر منالثبات والاطراد يمكن حواس الإنسان المتأمل لها‏,‏ المتفكر فيها‏,‏المتدبر لتفاصيلها من إدراك أسرارها‏(‏ علي الرغم من حدود قدرات تلكالحواس‏),‏ ويعين عقله علي فهمها‏(‏ علي الرغم من حدود قدرات ذلك العقل‏),

‏ وربما كان هذا هو المقصود من آيات التسخير التي يزخر بها القرآنالكريم‏,‏ ويمن علينا ربنا تبارك وتعالي ـ وهو صاحب الفضل والمنة ـ بهذاالتسخير الذي هو من أعظم نعمه علينا نحن العباد‏.‏
ومن أروع مايدركه الإنسان المتأمل في الكون كثرة الأدلة المادية الملموسةعلي كل حدث وقع في الكون صغر أم كبر‏,‏ أدلة مدونة في صفحة الكون وفي صخورالأرض بصورة يمكن لحواس الإنسان ولعقله إدراكها لو اتبع المنهج العلميالاستقرائي الصحيح‏,‏ فما من انفجار حدث في صفحة الكون إلا وهو مدون‏,‏ومامن نجم توهج أو خمد إلا وله أثر‏,‏ وما من هزة أرضية أو ثورة بركانيةأو حركة بانية للجبال إلا وهي مسجلة في صخور القشرة الأرضية‏,‏ وما منتغير في تركيب الغلاف الغازي أو المائي للأرض إلا وهو مدون في صخورالأرض‏,‏ ومامن تقدم للبحار أو انحسار لها‏,‏ ولا تغير في المناخ إلا وهومدون كذلك في صخور الأرض‏,‏ ومامن هبوط نيازك أو أشعة كونية علي الأرض إلاوهو مسجل‏.‏ في صخورها‏.‏ ومن هنا فإن الدعوة القرآنية للتأمل في الكونواستخلاص سنن الله فيه وتوظيف تلك السنن في عمارة الأرض والقيام بواجبالاستخلاف فيها هي دعوة للناس في كل زمان ومكان‏,‏ وهي دعوة لا تتوقف ولاتتخلف ولا تتعطل انطلاقا من الحقيقة الواقعة أنه مهما اتسعت دائرة المعرفةالإنسانية فإن القرآن الكريم يبقي ـ دوما ـ مهيمنا عليها‏,‏ محيطا بهالأنه كلام الله الخالق الذي أبدع هذا الكون بعلمه وقدرته وحكمته‏,‏ والذيهو أدري بصنعته من كل من هم سواه‏.‏

وعلي ذلك فإن مقابلة كلام الله بمحاولة البشر لتفسيره وإثبات جوانبالإعجاز فيه لا تنتقص من جلال الربوبية الذي يتلألأ بين كلمات هذا البيانالرباني الخالص‏,‏ وإنما تزيد المؤمنين ثباتا علي إيمانهم‏,‏ وتقيم الحجةعلي الجاحدين من الكفار والمشركين‏,‏ وحتي لو أخطأ المفسر في فهم دلالةأية من آيات القرآن الكريم فإن هذا الخطأ يعد علي المفسر نفسه ولا ينسحبعلي جلال كلام الله أبدا‏,‏ والذين فسروا باللغة أصابوا وأخطأوا‏,‏ وكذلكالذين فسروا بالتاريخ‏,‏ فليحاول العلماء التجريبيون تفسير الآيات الكونيةبما تجمع لديهم من معارف لأن تلك الآيات لا يمكن فهم دلالاتها فهماكاملا‏,‏ ولا استقراء جوانب الإعجاز فيها في حدود أطرها اللغوية وحدها‏.‏

الرد علي المدعين
بكفر الكتابات العلمية المعاصرة
إن الاحتجاج بأن العلوم التجريبية ـ في ظل الحضارة المادية المعاصرة ـتنطلق في معظمها من منطلقات مادية بحتة‏,‏ تنكر أو تتجاهل الغيب‏,‏ ولاتؤمن بالله‏,‏ وأن للكثيرين من المشتغلين بالعلوم مواقف عدائية واضحة منقضية الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر‏,‏ فمرده بعيد عنطبيعة العلوم الكونية‏,‏ وانما يرجع ذلك الي العقائد الفاسدة التي أفرزتهاالحضارة المادية المعاصرة‏,‏ والتي تحاول فرضها علي كل استنتاج علميكلي‏,‏ وعلي كل رؤية شاملة للكون والحياة‏,‏ في وقت حققت فيه قفزات‏.‏هائلة في مجال العلوم الكونية البحتة منها والتطبيقية‏,‏ بينما تخلفالمسلمون في كل أمر من أمور الحياة بصفة عامة‏,‏ وفي مجال العلوم والتقنيةبصفة خاصة‏,‏ مما أدي الي انتقال القيادة الفكرية في هذه المجالات علي وجهالخصوص إلي أمم سبق للعلماء فيها أن عانوا معاناة شديدة من تسلط الكنيسةعليهم‏,‏ واضطهادها لهم‏,‏ ورفضها للمنهج العلمي ولكل معطياته ووقوفها حجرعثرة في وجه أي تقدم علمي‏,‏ كما حدث في أوروبا في أوائل عصر النهضة‏.‏فانطلق العلماء الغربيون من منطلق العداوة للكنيسة أولا ثم لقضية الايمانبالتبعية‏,‏ وداروا بالعلوم الكونية ومعطياتها في اطارها المادي فقط‏,‏وبرعوا في ذلك براعة ملحوظة‏,‏ ولكنهم ضلوا السبيل وتنكبوه حينما حبسواأنفسهم في اطار المادة‏,‏ ولم يتمكنوا من أدراك ما فوقها‏,‏ أو منعواأنفسهم من التفكير فيه‏,‏ فأصبحت الغالبية العظمي من العلوم تكتب من مفهوممادي صرف‏,‏ وأنتقلت عدوي ذلك الي عالمنا المسلم أثناء مرحلة اللهث وراءاللحاق بالركب التي نعيشها وما صاحب ذلك من مركبات الشعور بالنقص‏,‏ أونتيجة لدس الأعداء‏,‏ وانبهار البلهاء بما حققته الحضارة المادية المعاصرةمن انتصارات في مجال العلوم البحتة والتطبيقية‏,‏ وما وصلت اليه من أسبابالقوة والغلبة‏,‏ وما حملته معها حركة الترجمة من غث وسمين‏,‏ فأصبحتالعلوم تكتب اليوم في عالمنا المعاصر من نفس المنطلق لأنها عادة ماتدرسوتكتب وتنشر بلغات أجنبية علي نفس النمط الذي ارست قواعده الحضارةالمادية‏,‏ وحتي ماينشر منها باللغة العربية‏,‏ أو بغيرها من اللغاتالمحلية‏,‏ لا يكاد يخرج في مجموعه عن كونه ترجمة مباشرة أو غير مباشرةللفكر الغريب الوافد بكل مافيه من تعارض واضح أحيانا مع نصوص الدين‏,‏وهنا تقتضي الأمانة اثبات ان ذلك الموقف غريب علي العلم وحقائقه ومن هناأيضا كان من واجب المسلمين اعادة التأصيل الاسلامي للمعارف العلمية أياعادة كتابة العلوم بل والمعارف المكتسبة كلها من منطلق اسلامي صحيح خاصةأن المعطيات الكلية للعلوم البحتة والتطبيقية ـ بعد وصولها الي قدر منالتكامل في هذا العصر ـ اصبحت من أقوي الأدلة علي وجود الله وعلي تفردهبالألوهية والربوبية وبكامل الأسماء و‏,‏الصفات‏,‏ وأنصع الشواهد عليحقيقة الخلق وحتمية البعث وضرورة الحساب وأن العلوم الكونية كانت ولا تزالالنافذة الرئيسية التي تتصل منها الحضارة المعاصرة بالفطرة الربانية وأنالمنهج العلمي ونجاحه في الكشف عن عدد من حقائق هذا الكون متوقف علي اتساقتلك الفطرة واتصاف سننها بالاطراد والثبات‏.‏

الرد علي الادعاء بالتعارض
بين معطيات العلم والدين
إن القول بأن عددا من المعطيات الكلية للعلوم التجريبية ـ كما تصاغ فيالحضارة المادية المعاصرة ـ قد تتباين مع الأصول الاسلامية الثابتة ـ قولعلي اطلاقه غير صحيح لانه اذا جاز ذلك في بعض الاستنتاجات الجزئيةالخاطئة‏,‏ أو في بعض الأوقات كما كان الحال في مطلع هذا القرن‏,‏والمعرفة بالكون جزئية متناثرة‏,‏ ساذجة بسيطة‏,‏ أو في الجزء المتأخر منهعندما أدت المبالغة في التخصص الي حصر العلماء في دوائر ضيقة للغاية حجبتعنهم الرؤية الكلية لمعطيات العلوم‏,‏ فإنه لا يجوز‏:‏اليوم حين بلغتالمعارف بأشياء هذا الكون حدا لم تبلغه البشرية من قبل وقد أصبحتالاستنتاجات الكلية لتلك المعارف تؤكد ضرورة الإيمان بالخالق الباريءالمصور الذي ليس كمثله شيء‏,‏ وعلي ضرورة التسليم بالغيب وبالوحي وبالبعثوبالحساب‏,‏ فمن المعطيات الكلية للعلوم الكونية المعاصرة ما يمكن إيجازهفيما يلي‏:‏ ـ
أن هذا الكون الذي نحيا فيه متناه في أبعاده مذهل في دقة بنائه‏,‏ مذهل في إحكام ترابطه وانتظام حركاته‏.‏

ـ أن هذا الكون مبني علي نفس النظام من أدق دقائقه إلي أكبر وحداته‏.‏
أن هذا الكون دائم الاتساع إلي نهاية لا يستطيع العلم المكتسب إدراكها‏.‏
ـ أن هذا الكون ـ علي قدمه ـ مستحدث مخلوق‏,‏ كانت له في الماضي السحيقبداية حاول العلم التجريبي قياسها‏,‏ ووصل فيها الي دلالات تكاد تكونثابتة ـ لو استبعدنا الأخطاء التجريبية‏.‏

ـ ان هذا الكون عارض أي أنه لابد أن ستكون له في يوم من الأيام نهاية تشير إليها كل الظواهر الكونية من حولنا‏.‏
ـ ان هذا الكون المادي لا يمكن أن يكون قد أوجد نفسه بنفسه ولا يمكن لأي من مكوناته المادية أن تكون قد أوجدته‏.‏
ـ ان هذا الكون المتناهي الأبعاد‏.‏ الدائم الاتساع‏,‏ المحكم البناء‏,‏الدقيق الحركة والنظام الذي يدور كل ما فيه في مدارات محددة وبسرعات مذهلةمتفاوتة وثابتة لا يمكن أن يكون قد وجد بمحض المصادفة‏.‏

ـ هذه المعطيات السابقة تفضي الي حقيقة منطقية واحدة مؤداها أنه اذا كانهذا الكون الحادث لا يمكن أن يكون قد وجد بمحض المصادفة‏.‏ فلابد له منموجد عظيم له من العلم والقدرة والحكمة وغير ذلك من صفات الكمال والتنزيهما لا يتوافر لشيء من خلقه بل ما يغاير صفات المخلوقات جميعا فلا تحده‏.‏حدود المكان ولا الزمان ولا قوالب المادة أو الطاقة‏,‏ ولا تدركه الأبصاروهو يدرك الأبصار ولا ينسحب عليه ما يحكم خلقه من سنن وقوانين‏,‏ لأنه‏(‏سبحانه وتعالي‏)‏
‏(‏ ليس كمثله شيء‏)(‏ الشوري‏:11)‏
ـ هذا الخالق العظيم الذي أوجد الكون بما فيه ومن فيه هو وحده الذي يملكالقدرة علي ازالته وافنائه ثم اعادة خلقه وقتما شاء وكيفما شاء‏:‏
يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب‏,‏ كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين‏.(‏ الأنبياء‏:‏ آية‏104)‏
إنما قولنا لشيء اذا أردناه أن نقول له كن فيكون‏(‏ النحل‏:40)‏

ـ ان الوحدة في هذا الكون تشير الي وحدانية هذا الخالق العظيم‏,‏ وحدةبناء كل من الذرة والخلية الحية والمجموعة الشمسية والمجرة وغيرها‏,‏ووحدة تأصيل العناصر كلها وردها الي أبسطها وهو غاز الايدروجين‏,‏ ووحدةتواصل كل صور الطاقة‏,‏ وتواصل المادة والطاقة‏,‏ وتواصل المخلوقات‏,‏ هذاالتواصل وتلك الوحدة التي يميزها التنوع في أزواج‏,‏ وتلك الزوجية التيتنتظم كل صور المخلوقات من الأحياء والجمادات تشهد بتفرد الخالق الباريءالمصور بالوحدانية‏,‏ واستعلاء هذا الخالق الواحد الأحد الفرد الصمد فوقخلقه بمقام الألوهية والربوبية الذي لا يشاركه فيه أحد ولا ينازعه عليسلطانه منازع ولا يشبهه من خلقه شيء
ـ ان العلوم التجريبية في تعاملها مع المدرك المحسوس فقط‏,‏ قد استطاعت أنتتوصل الي أن بالكون غيبا قد لا يستطيع الانسان أن يشق حجبه‏,‏ ولولا ذلكالغيب ما استمرت تلك العلوم في التطور والنماء‏,‏ لأن أكبر الاكتشافاتالعلمية قد نمت نتيجة للبحث الدءوب عن هذا الغيب‏.‏
ـ تؤكد العلوم التجريبية أن بالأحياء سرا لا نعرف كنهه‏,‏ لأننا نعلممكونات الخلية الحية‏,‏ والتركيب المادي لجسد الانسان‏,‏ ومع ذلك لم يستطعهذا العلم أن يصنع لنا خلية حية واحدة‏,‏ أو أن يوجد لنا انسانا عن غيرالطريق الفطري لا يجاده‏.‏
ـ ان النظر في أي من زوايا هذا الكون ليؤكد حاجته ـ بمن فيه وما فيه ـ الي رعاية خالقه العظيم في كل لحظة من لحظات وجوده

ـ ان العلوم الكونية اذ تقدر أن الكون والإنسان في شكليهما الحاليين ليساأبديين‏,‏ فانها ـ وعلي غير قصد منها ـ لتؤكد حقيقة الآخرة‏,‏ بل وعليحتميتها‏,‏ والموت يتراءي في مختلف جنبات هذا الكون في كل لحظة من لحظاتوجوده‏,‏ شاملا الانسان والحيوان والنبات والجماد وأجرام السماء علي تباينهيئاتها‏,‏ وتكفي في ذلك الاشارة الي ما أثبتته المشاهدة من أن الشمس تفقدمن كتلتها بالاشعاع ما يقدر بحوالي‏4,6‏ مليون طن في كل ثانية وانها اذتستمر في ذلك فلابد من أن يأتي الوقت الذي تخبو فيه جذوتها‏,‏ وينطفيءأوراها‏,‏ وتنتهي الحياة علي الأرض قبل ذلك‏,‏ لاعتمادها في ممارسةانشطتها الحيوية علي آشعة الشمس وأن الطاقة تنتقل من الأجسام الحارة اليالأجسام الأقل حرارة بطريقة مستمرة في محاولة لتساوي درجات حرارة الأجرامالمختلفة في الكون ولابد أن تنتهي بذلك أو قبله كل صور الحياة المعروفةلنا‏,‏ وليس معني ذلك أنه يمكن معرفة متي تكون نهاية هذا الوجود‏,‏ لأنالآخرة قرار الهي لا يرتبط بسنن الدنيا‏,‏ وإن أبقي الله تعالي لنا فيالدنيا من الظواهر والسنن ما يؤكد امكانية وقوع الآخرة‏,‏ بل حتميتهاانصياعا للأمر الإلهي كن فيكون وأن الإنسان الذي يحوي جسده في المتوسط ألفمليون مليون خلية يفقد فيها في كل ثانية ما يقدر بحوالي‏125‏ مليون خليةتموت ويتخلق غيرها بحيث تتبدل جميع خلايا جسد الفرد من بني البشر مرة كلعشر سنوات تقريبا‏,‏ فيما عدا الخلايا العصبية التي إذا ماتت لا تتجدد‏,‏وتكفي في ذلك أيضا الإشارة إلي أن انتقال الاليكترون من مدار إلي آخر حولنواة الذرة يتم بسرعة مذهلة دفعت بعدد من العلماء إلي الاعتقاد بأنه فناءفي مدار وخلق جديد في مدار آخر‏,‏ كما تكفي الإشارة إلي ظاهرة اتساع الكونعن طريق تباعد المجرات عن بعضها البعض بسرعات مذهلة تقترب من سرعةالضوء‏(‏ أي حوالي ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية‏)‏ وتخلق المادة فيالمسافات الجديدة الناتجة عن هذا التباعد المستمد بطريقة لايعلمها إلاالله‏,‏ وتباطؤ هذا التباعد الناتج عن ظاهرة الانفجار العظيم مع الزمن ممايشير إلي حتمية تغلب الجاذبية علي عملية الدفع إلي الخارج مما يؤدي إليإعادة جمع مادة الكون ومختلف صور الطاقة فيه في جرم واحد ذي كثافة بالغةمما يجعله في حالة من عدم الاستقرار تؤدي إلي انفجاره علي هيئة شبيهةبالانفجار الأول الذي تم به خلق الكون‏,‏ فيتحول هذا الجرم إلي غلالة مندخان كما تحول الجرم الأول‏,‏ وتتخلق من هذا الدخان أرض غير الأرض‏,‏وسماوات غير السماوات‏.‏

كما وعد ربنا تبارك وتعالي بقوله‏(‏ عز من قائل‏):‏
يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين‏(‏ الأنبياء‏:‏ آية‏104)‏
وقوله‏(‏ سبحانه‏):‏
يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار‏(‏ إبراهيم‏:48).‏

وتكفي في ذلك أيضا الإشارة إلي أن الذرات في جميع الأحماض الأمينيةوالجزيئات البروتينية تترتب ترتيبا يساريا في أجساد كافة الكائنات الحيةعلي اختلاف مراتبها‏,‏ فإذا مامات الكائن الحي أعادت تلك الذرات ترتيبنفسها ترتيبا يمينيا بمعدلات ثابتة محددة يمكن باستخدامها تحديد لحظة وفاةالكائن الحي اذا بقيت من جسده بقية بعد مماته‏,‏ ويتعجب العلماء من القدرةالتي مكنت الذرات من تلك الحركات المنضبطة بعد وفاة صاحبها وتحلل جسده‏!!‏
فهل يمكن لعاقل بعد ذلك أن يتصور أن العلوم الكونية ومعطياتها في أزهيعصور ازدهارها ـــ تتصادم مع قضية الايمان بالله‏,‏ وهذه هي معطياتهاالكلية‏,‏ وهي في جملتها تكاد تتطابق مع تعاليم السماء‏,‏ وفي ذلك كتبالمفكر الإسلامي الكبير الأستاذ محمد فريد وجدي‏(‏ يرحمه الله‏)‏ في خاتمةكتابه المستقبل للإسلام ما نصه‏:‏
إن كل خطوة يخطوها البشر في سبيل الرقي العلمي‏,‏ هي تقرب إلي دينناالفطري‏,‏ حتي ينتهي الأمر إلي الإقرار الإجماعي بأنه الدين الحق‏.‏

ثم يضيف‏:..‏ نعم إن العالم بفضل تحرره من الوراثات والتقاليد‏,‏ وإمعانهفي النقد والتمحيص‏,‏ يتمشي علي غير قصد منه نحو الإسلام‏,‏بخطوات متزنةثابتة‏,‏ لاتوجد قوة في الأرض ترده‏.‏ عنه إلا إذا انحل عصام المدنية‏,‏وارتكست الجماعات الإنسانية عن وجهتها العلمية‏.‏
وقد بدأت بوادر هذا التحول الفكري تظهر جلية اليوم‏,‏ وفي مختلف جنباتالأرض‏,‏ بإقبال أعداد كبيرة من العلماء والمتخصصين وكبار المثقفينوالمفكرين علي الاسلام‏,‏ إقبالا لم تعرف له الانسانية مثيلا من قبل‏,‏وأعداد هؤلاء العلماء الذين توصلوا الي الايمان بالله عن طريق النظرالمباشر في الكون‏,‏ واستدلوا علي صدق خاتم رسله وأنبيائه‏(‏ صلي اللهعليه وسلم‏)‏ بالوقوف علي عدد من الإشارات العلمية البارقة الصادقة فيكتاب الله‏,‏ هم في تزايد مستمر‏,‏ وهذا واحد منهمموريس بوكاي الطبيبوالباحث الفرنسي يسجل في كتابه الإنجيل والقرآن والعلم مانصه‏:..‏ لقدأثارت هذه الجوانب العلمية التي يختص بها القرآن دهشتي العميقة فيالبداية‏,‏ فلم أكن أعتقد قط بإمكان اكتشاف عدد كبير ـ إلي هذا الحد ــ منالدعاوي الخاصة بموضوعات شديدة التنوع ومطابقة تماما للمعارف العلميةالحديثة‏,‏ وذلك في نص دون منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنا‏.‏


القلب مركز التعقل



س: هل مركز الإيمان والتصبر في الإنسان هو القلب ؟ وإذا كان كذلك فكيفالحال في عمليات نقل القلوب والقلوب الصناعية ؟ وهل القلب في القرآنوالسنة هو هذا القلب ؟
ج : اليوم فقط في الفجر وجدت جوابا جديدا كنت أبحث عنه , فمنذ مدة ونحننتتبع هذا فأرسلنا واحدا من إخواننا إلى مركز إجراء العمليات الصناعيةلتغيير القلوب الصناعية إلى أمريكا قال : لو تسمحون لي أن أقابل المرضى ؟قالوا : لا نسمح لك ! لماذا ؟ أريد أن أقابلهم وأن أسألهم . فماذا حدث ؟انزعجوا انزعاجا شديدا من طلبي ! فما السبب ؟ قالوا لي : أي معلومة تريدهانحن سنقدمها لك . قلنا : إن شاء الله ربنا سيكشف وسيجعل من هذا إعجازاعلميا نتكلم عنه في الأعوام القادمة والأيام القادمة - إن شاء الله - هكذاوسترون وستذكرون . فأخذنا نتتبع فإذا بأستاذ بجامعة الملك عبد العزيز قاللي : أما سمعت الخبر ؟! قلت ما هو ؟ قال نشر في الجريدة منذ ثلاث سنواتونصف . تقول الجريدة : إنهم اكتشفوا أن القلب ليس مضخة للدماء , بل هومركز عقل وتعقل . الله أكبر أرني الجريدة سلمني الجريدة فأحضرها لي وهيموجودة عندي وهذا أول باب . مرت الأيام وإذا بمركز لتبديل القلوب بالأردن, فقلت هذه بلاد عربية لعلنا إن شاء الله يتيسر لنا معلومة , وأن نرى ذلكبأعيننا فأحد الأخوة من المتتبعين لهذا الموضوع قال : هل سمعت المؤتمرالصحفي لأول شخص بدل قلبه ؟ قلت : لا قال : عقد مؤتمر صحفي وقالوا : لوأنكم معنا في البيت تشاهدون سلوك هذا ما غبطتمونى على هذا . يبقى هناك شيءولكنه ليس محل تركيز وأبحاث . اليوم في الفجر اتصل بي أحد الإخوة منالأطباء السعوديين يشتغل في عملية تغيير القلوب ويريد أن يعد بحثا عن هذاالموضوع , فأخذت أسأله : أنا أريد أن تركز على التغييرات العقلية التيتحدث والنفسية , والقدرة على الاختيار ماذا يحدث ؟ قال : أولا أريد أنأقول لك شيئا معلوما الآن عند العاملين في هذا الحقل وهو أن القلب الجديدلا تكون فيه أي عواطف ولا انفعالات .. كيف هذا الكلام ؟ قال : هذا القلبإذا قربت إليه خطرا بدا وكأنه لا شيء يهدده ! بينما الثاني يرعش وإذا قربتشيئا يحبه بدا وكأنك لم تقدم إليه شيئا . قلب بارد غير متفاعل مع سائرالجسد . فأقول : هذا إن شاء الله سيكشف عن كثير من أوجه الإعجاز وسيبين مانبحث عنه واصبروا قليلا , فإن المسألة في بدايتها وهاهم يقولون : أكتشفوافي القلب هرمونات عاقلة , وهرمونات عاقلة ترسل رسائل عاقلة إلى الجسم كلهوإن القلب مركز عقل وتعقل , وليس مجرد مضخة والله أعلم وإن موعدنا قريببإذن الله

المصدر " أنت تسأل والشيخ الزنداني يجيب حول الإعجاز العلمي في القرآن والسنة " للشيخ عبد المجيد الزنداني

قال تعالى : (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَوَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا)(الإسراء-36)


حالة الصدر في الطبقات العليا



فيالمؤتمر العلمي الأول عن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة الذي عقد فيإسلام آباد تقدم الدكتور صلاح الدين المغربي وهو عضو في الجمعية الأمريكيةلطب الفضاء وهو أستاذ لطب الفضاء بمعهد طب الفضاء بلندن ببحث عن حالةالصدر في طبقات الجو العليا فقال : لنا حويصلات هوائية . والأوكسجين إذادخل في الهواء ينفخ هذه الحويصلات الهوائية فنراها منتفخة , لكن إذا صعدناإلى طبقات الجو العليا ينقص الهواء , وينقص الأكسجين فيقل ضغطه فتنكمش هذهالحويصلات ويقل الأكسجين فإذا انكمشت هذه الحويصلات ضاق الصدر .. يضيق ..ويتحرج التنفس ويصبح صعبا . قال من سطح البحر إلى 000 و10 قدم لايحدث تغير. من 000و10 قدم إلى 000و16 قدم في هذه المنطقة يبدأ الجسم في تكييف نفسهليعدل النقص الذي حدث والتغيير الذي حدث ومن 000و16 قدم إلى 000و25 قدميبدأ الضيق الشديد في الصدر فيضيق الصدر , ويصاب صاحبة بالإغماء , ويميلإلى أن يقذف وتأخذه دوخة , ويكون التنفس حادا جدا وهذه الحالة تقع للطيارالذي تتعطل أجهزة التكييف في كابينة الطائرة فكلما صعد الإنسان إلى أعلىنقص الأكسجين فيتعذر التنفس وتتحرج العمليات الحيوية , ويضيق الصدر لعدموجود هواء يضغط على هذه الحويصلات الهوائية بل بعد 000و25 قدم تتمددالغازات في المعدة فتضغط على الحجاب الحاجز فيضغط على الرئتين ويضيق الصدرقال : كل هذا يشير إليه المولى في قوله تعالى : ( فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَنيَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُيَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءكَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ )سورة الأنعام : 125 يضرب مثلا بحال من يصعد في السماء .. هل كان سيدنامحمد صلى الله عليه وسلم عنده من الطيران ما يمكنه من معرفة تلك الحقائق؟! لقد كان عنده أكثر من ذلك عنده الوحي يأتيه الوحي من الله هذا البحثتقدم به أربعة من علماء الأرصاد في جامعة الملك عبد العزيز بجدة اشتركوامعه فيه
المصدر "العلم طريق الإيمان " للشيخ عبد المجيد الزنداني

خلق الجنين في أطوار

آيات الإعجاز:

قال الله تعالى: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْبَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُالْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [الزمر: 6].

أحاديث الإعجاز:

عن حذيفة بن أسيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذامرّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً، فصوّرها وخلق سمعهاوبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى، فيقضي ربك ماشاء، ويكتب الملك" رواه مسلم في كتاب القدر.


فهم المفسرين:

قال ابن كثير في تفسيره: "قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى:{مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ}: يعني ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعاواختلطا ثم ينتقل بعد من طور إلى طور ومن حال إلى حال ومن لون إلى لون".

فهم علماء الحديث:


قالالإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في كتابه "طريق الهجرتين": "إنللملك ملازمة ومراعاة بحال النطفة، وإنه يقول: يا رب، هذه نطفة.. هذهعلقة.. هذه مضغة، في أوقاتها، فكل وقت يقول فيه ما صارت إليه بأمر الله..وهو أعلم بها، وبكلام الملك، فتعرُّفُه (أي الملَك) في أوقات، أحدها حينيخلقها الله نطفة ثم ينقلها علقة، وهو أول أوقات علم الملك بأنه ولد".

مقدمة تاريخية:

منذ أن لخص أرسطو النظريات السائدة في عصره والمتعلقة بتخلق الجنين، استمرالجدل بين أنصار نظرية الجنين الكامل القزم الموجود في ماء الرجل وبينأنصار نظرية الجنين الكامل القزم الموجود في بويضة المرأة، ولم يتنبّه أحدمن الفريقين إلى أن كلاً من حوين الرجل وبويضة المرأة يساهمان في تكوينالجنين، وهو ما قال به العالم "سبالانزاني" (Spallanzani) سنة 1775م.
وفي عام 1783 تمكن "فان بندن" (Van Beneden) من إثبات هذه المقولة وهكذا تخلت البشرية عن فكرة الجنين القزم.

حقائق علمية:

في عام 1775م قدّم "سبالانزاني" (Spallanzani) نظريته التي تقول بأن كلاًمن الحوين المنوي للرجل وبويضة المرأة يساهمان في تكوين الجنين البشري حيثيقوم الحوين بتخصيب البويضة التي تبدأ بعدها بالانقسام لتتكون الخلاياالأولى للجنين.

التفسير العلمي:

يقول الله تعالى في الآية السادسة من سورة الزمر: {يَخْلُقُكُمْ فِيبُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّىتُصْرَفُونَ}.

لقد جاء القرآن الكريم بحقائق عن خلق الإنسان لم تكن البشرية قد عرفتهابعد، ومن أهم هذه الحقائق تقرير أن خلق الإنسان لم يكن دفعة واحدة وإنمامر بمراحل مختلفة تدرج فيها الجنين البشري من النطفة إلى العلقة إلىالمضغة إلى تكوّن العظام ثم كساء العظام باللحم ثم اكتمال الخلق.

ورغم بداهة هذه الحقيقة العلمية عند علماء الأجنة اليوم إلا أنها ظلتمندرسة عبر قرون متطاولة من عهد الفراعنة واليونان القدماء، مروراًبالحضارة العربية الإسلامية وانتهاء بعصر النهضة واكتشاف الميكروسكوب.

فقد تعددت التصورات والنظريات، فـ أرسطو قال بأن الإنسان يتكون من دمالحيض وقد سيطرت هذه النظرية على العقل البشري زماناً طويلاً، ثم جاءالاعتقاد بأن الإنسان يكون مخلوقاً خلقاً تاماً في حوين الرجل، بينمااعتقد فريق آخر من العلماء أنه يُخلق في صورة قزم في بويضة المرأة.

ولقد كان انعدام الوسائل العلمية التقنية عائقاً حال دون تقدم العقل البشري في هذا الموضوع.

واستمر الجدل العلمي قائماً حتى سنة 1775م حينما اعتبر "سبالانزاني" بأنكلاً من حوين الرجل وبويضة المرأة يساهمان في تكوين الجنين البشري حيثيقوم الحوين بتخصيب البويضة التي تبدأ بعدها بالانقسام لتتكون الخلاياالأولى للجنين.

وهكذا لم يتخلّ العلم التجريبي عن فكرة القزم البشري حتى أواخر القرنالثامن عشر، في حين أن القرآن الكريم قد أشار إلى ذلك صراحة قبل أحد عشرقرناً فقال سبحانه وتعالى: {يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق فيظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون} [الزمر:6].

وقد قال علماء التفسير بأن عبارة "خلقاً من بعد خلق" تعني أن الإنسان يمرخلال عملية تخلقه بمراحل متتابعة فصلها القرآن في سورة المؤمنون (12-14)حيث قال عز وجل: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَاالنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَاالْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُخَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}.

كما روي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: من نطفة أمشاج قوله: "يعني ماءالرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا ثم ينتقل بعد من طور إلى طور ومنحال إلى حال ومن لون إلى لون".

وهذا ما كشف عنه علم الأجنة الحديث في القرن الثامن عشر، تصديقاً لقوله تعالى: {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ}.

وجه الإعجاز:

وجه الإعجاز في الآيات القرآنية هو تقريرها صراحة بأن الإنسان يمر خلالتخلقه بمراحل متتابعة، وأنه لا يُخلق دفعة واحدة في صورة قزم، وهذا ماكشفت عنه دراسات علم الأجنة الحديث.