منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > قسم التربية والتعليم > الفن الادب الشعر > القصص
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


من قال ان الحب يموت




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع
من قال ان الحب يموت



وأخيـرًا......
تتنهد بعمق لِتُطلق صوتها المُتعب في أرجاء رِواق المستشفى المكتظ، تتنفس الصعداء بعد أن استطاعت الحصول على قبول ملفها الطبي، وبعد أن أجهدتها سلطات هذا البلـد في إحضار الأوراق، وضاع وقتُها الثمين ما بين تعهدات وكشوفات.. وبيروقراطيات هي في غنى عنها ويكفيها منها ما تحمله من وهن جسدي..
ترتاح على الكرسي كمن لم يعرف الراحة منذ سنوات، تطلق رجليها وتمُدُهما، ثم ترفعُ رأسها للسقف تحاول أن تسترخي، كما كانت تفعل منذ زمن.. تسرح عيناها في سماء المستشفى، لتنسى للحظات أين هي وأين استقر بها المقام، تسرح بفكرها بعيدًا، وتشرد فيما لا يعلم سواها..
هكذا دأبت على الاستفراد بنفسها وإطلاق عنان الخيال، كانت تُعطي لنفسها فسحة للخروج من الواقع لتلج عالمها الخاص الذي لم يعرفه غيرها.. ولمَّا تشبعُ منه تعود لواقعها كأن شيئًا لم يكن، لتستفيق على صوت ابنها "حُسام" وهو يُمسك بيدها اليُمنى ويجثو على رُكبتيه يُقبلها قائلاً: أمي لقد اتصلوا بي من المدينة وأخبروني أنه إن لم أرجع غدًا فإنه سيتم إقالتي من وظيفتي، يُحاولُ أن يستعدَّ لأي تعابير اندهاش أو ما قد يُفاجئ أمه، ينظر لوجهها المبتسم رضًا ثم يُواصل: عليّ أن أسافر اليوم مساءً تعلمين أن أسرتي بانتظاري، وأني ما كنتُ أحسبُ حساب كل هذه المدة الطويلة التي أمضيناها هنا من دون جدوى. يصمتُ بُرهة ثم يرفع حاجبيه كأنه ينتظر منها جوابًا، ليجد ذات الابتسامة مغروسةً في شفتيْها، تُمسك بكفه القوي بلمستها الحانية، تطبطبُ على يده وتغمزهُ كأنها ابنة العشرين لا امرأة في الخمسين، ثم تهمس له: حبيبي الصغير، أنت لا تُدرك أن أمك أقوى من كل شيء، لازلتَ لم تتعلم بعد أنني أقوى من كل مطبات الحياة، ولو كنتُ الضعيفة ما كنت أنتَ اليوم رجُلا وما استطعتُ أن أربيك طيلة عشرين سنة بعد وفاة والدك الذي تركك وأنت ابن الثلاث سنوات، ولا كنتُ زوّجتُك وأعنتُك على مصاريف الحياة وصار لك ابنة الآن تحمل اسمي هههه
تضحك بعفويتها المُعتادة وتواصل: إذهب حبيبي أكمل أشغالك بالبلد، اطمئن على زوجتك ودلال الصغيرة، وعُد حبيبي، فكل الأمور تبدو هنا على ما يُرام، لقد حجزوا لي غرفة هنا، وعملية القلب كما سمعتَ الآن من الطبيب ستُجرى الليلة، أي أنك قد تطمئن علي قبل ذهابك إن كنتَ قد حجزت للسفر؟
يبتسم حسام ويهز رأسه يمنة ويسرة غير مصدّق، ويهمس لأمه، لولا هذا الجمع الغفير من الناس لكنتُ دغدغتك يا دلال، فشغبك وشغب دلال مثل بعض، عساها تُشبهك في ذكاءك أمي الحبيبة، نعم لقد حجزت وموعد الطائرة سيكون على الساعة العاشرة مساءًا.
وهو كذلك تقول: سأنتظر الممرضة هنا لترشدني لغرفتي وسيكون بإمكانك الذهاب حبيبي، فقط انتبه لنفسك وطمئني فور وصولك إن شاء الله. بل أنا الذي لن يصل إلا بعد الاطمئنان أماه، يرد حسام، هيا تعالي (ينهض ويُعطيها ذراعه) الممرضة تنادينا فلنذهب لغرفتك حتى أطمئن عليكِ.
تقفُ برشاقة كأنها ليست كهلة في الخمسين، وتبتسم ابتسامة شابة آملة، وبينما حسام يُكلم الممرضة، تُحاول هي أن تسبقه لتمشي بخطوات هادئة ثابتة.. تسير في رواقٍ فارغٍ إلا من طبيب وممرضة ذاهبان باتجاه ابنها حسام، وتواصل هي في الجهة الفارغة منه، لتسمع خطواتٍ قوية قادمة من الزاوية المظلمة هناك، تحسُ بشيء غريب يتحرك داخلها لا تعرف مصدره، تواصل السير بترقب الخطوات القادمة من بعيد، لا تستطيع أن ترى المكان الذي أصبح يزداد ظلمة كلما اقتربت، لتملحَ خيال رجل طويل قادم باتجاهها، تحاول أن لا تهتم لوجوده، لكن شيئًا ما يقفز داخلها لم تعرف سببه! يقترب منها خيال الرجل شيئًا فشيئًا لتتبدى ملامحه أكثر فأكثر.. يبدو رجلا مُسنًا ولكن صاحب جسدٍ قويٍ لا يُنبئ بسنه تمامًا.. تُحاول أن تتطلع لملامحه التي شدَّتها فتزداد ضربات قلبها المريض نبضًا، يقتربُ أكثر.. يرفع رأسه باتجاهها، ثم تثـَّاقل خطواته شيئًا فشيئًا، يُحاول أن لا يهتم لوجودها لكن الشيء ذاته يحصل له، يُحس بشيء ما يعبث داخل قلبه لا يعرف له معنًى.. لكنَّه كان أكثر جرأة منها، فتوقف تمامًا لما أصبح وجهه يُقابلها، وجسدُه يقابل جسدها.. يرفع حاجبيه، يفتح فمه كالمدهوش يقتربُ أكثر ثم يُطلق صوتًا بهمسٍ متردد: عفوًا هل أعرفك من قبل سيدتي؟ تجيب دلال بنفس الدهشة ونفس الفاه المفتوح مُتأتأةً: لا أظن سيدي.. فــ.. هذه أول مرة أدخل هذا المستشفى. لا أقصد المكان هذا تحديدًا، يُجيب، ولكن قد أكون رأيتك في غير هذا المكان.. تُطلق ابتسامةً مُحتشمة لترد: لا أظن ذلك مطلقًا سيدي، فأنا غريبة عن هذا البلد، هذا إن كنت لاحظت لهجتي... يُصعقُ لما يتحسس لهجتها ويرتعد حتى لا تكاد تفهمُ ما يقوله وما يعنيه، ليُعيده على مسامعها: بالله عليكِ أجيبيني برَويَّة قبل أن أُصعق اللحظة، هل أنتِ دلال؟.... يرتعش قلبُها كما لم يفعل منذ أن توفي زوجها قبل عشرين سنة أو أكثر.. ترتجف يداها.. يتعرق كفاها.. تجحظُ ملامحها، لتنزل عَبَرات غير متوقعة من عيناها المتعبتان من آثار السنين، وتعب الزمن.. لم تعد رجلاها تقويان على الوقوف، تستند على الحائط بروية، وتخفي وجهها بين يديها غير مُصدقة. يهرع الرجل لذراعها يُمسكها، ترتجف فرائصها وتغيب عن الوعي إلى ما لا تدري..

في غرفة هادئة.. مشهد الأم دلال وابنها حسام، والرجل الغريب الذي بدا متلهفًا على حالها، تفتح عيناها الجميلتان ببطء.. تتحسس مَن بالغرفة فلا تجد غير الرجل وابنها، والممرضة تهم بالانصراف بعدما طمأنتهم على حالتها وعلى ضرورة إجراء عملية القلب بعد ثلاث ساعات من الآن..
ستكونين بخير أمي هكذا قالت الممرضة، يُخاطبُها حسام، هذا الرجل قد حملك بعدما وجدك مغمى عليكِ في الرواق، إنها الثامنة أمي، عليّ أن ألحق بموعد الطائرة فالمطار بعيدٌ من هنا مسافة ساعتين تقريبًا.. لقد وعدني هذا الرجل الطيب أن يتوسط لكِ حتى تلقيْن العناية اللازمة، يبدو أنه صديق للطبيب الذي سيُجري لكِ العملية......
تبتسم الأم ابتسامة خاطفة، مِن سُرعة ولدها الذي لم يتعلم التأني بعد، ولا يزال متسرعًا، غير ثابت الجُمل كعادته.. تـُطمئِنه عن حالها وبأنها صارت أفضل، وجاهزةً للعملية.. تدعو له بالسلامة، وتنتظر منه الاتصال. يتوجه للرجل مخاطبًا إياه لستُ أدري كيف سأشكرك سيد أمين، فأنت قد أسديت لي خدمة لن أنساها ما حييت، سنبقى على اتصال أليس كذلك.. يُجيب السيد أمين بنفس الابتسامة الخاطفة ويعدُه بأن يهتم لحالة أمه..
يخرج حسام ودعوات أمه تُرافقه، يقف أمين الكهل الذي تجاوز الخمسين وأبحر في الستينات، ومِن دون مقدمات يتقدم لمقدمة السرير.. يتوجه لرأس دلال.. يجثو على رُكبتيه.. يضع كفه الحاني على رأسها.. يمسحُ دموعًا رآها تهطل بغزارة من عيونها، ويذرف ذات الدموع الحارقة: هل تسمحين أن أناديك حبيبتي؟... نعم يا دلال.. كنتِ ولازلتِ حبيبتي، سواء كنتِ لي أم لم تكوني، سواءً مرت سنواتٌ عجافٌ قطعت غيث تواصلنا أم لا.. سواءً كان لكِ ابن أو عشرةٌ أمثال حسام... أنتِ الحبيبة الأولى والأخيرة التي سكنَت قلبي منذ سنوات ولم تزل للحظة..
........
يعم الغرفة سكون هادئ.. حتى تُسمع أصوات تنهيدتيهِْما الحارقة.. تتلفظ العِبارات بصعوبة بالغة، لتتوجه برأسها لوجهه العطوف كما كان دومًا.. وتمسح دموعه بيديها الحانيتين: ولازلتَ الحبيب الذي سكن فؤادي منذ سنواتِ عديدات.. كنتُ وفيةً لزوجي طيلة هذه السنين، منعتُ على قلبي أن يُفكر فيك أو أن يستحضرك، لكنك كنت تسكُنني دون إرادة مني.. ولم أنجو من السرحان الذي كان يأخذني دومًا إليك من دون إرادة.. كنتُ أسرح فيك كل يوم وكل ليلة أتحس مكانك فأجدك لا تزال تتربع على عرش روحي دون إرادة مني.. زوجي كان يُسافر كثيرًا، ولم أشهد معه سنوات الحياة سوى حقائب السفر، وتذكرات السفر ومشتقات الرحيل.. حتى رائحته لم يتسن لي أن أحفظها طيلة سنواتٍ من الزواج... يضع يده على فمها بهدوء، لتصمت طواعيةً كأنه لا يُريد لأي شعور حزين أن يستتب بلحظات لقائهما معًا.

تمضي ليلتان.. تنجح العملية.. تسترد دلال عافيتها، ويرجع النبض لقلبها.. تخرج من المستشفى رفقة أمين. وهي تقف أمام باب الخروج، تهمس له: لقد رُد لي قلبي برؤيتك أمين لا بتلك العملية! ولكن أريد أن يستقر قلبي جيدًا إذ لا زال لم يستقرّ بمكانه.. يهرع أمين لعيونها مستعدًا للإجابة عن أي ما يخطر على بالها: اسألي دلال أعرف أنك تريدين أن تسألي.. لازلتَ تفهمني وتعرف ما بي كما كنتَ دومًا أمين.. تغبطه بنظرتها الحانية: أريد أن أعرف ماذا بعد؟ أو بالأحرى أين سنذهب؟ يُجيب أمين على الفور وابتسامةٌ خفيةٌ تسبق زغللة عيونه: إلى المأذون يا دلال.. أريد أن نتزوج، والآن.. الآن.. قبل الغد!
يُمسك بيدها.. لا يترك لها فرصة للإجابة.. يفتح باب سيارته يُدخلها بروية.. وهي غير مُصدقة.. يُغلق خلفها الباب قائلا: بعد ساعة أو ساعتين من الآن ستكونين زوجتي، فمرحبًا بكِ في العالم الذي وعدتُك به قبل خمسٍ وعشرين سنة من الآن!



مَـنْ قـال أن الحـُب يـمـُوت ؟


الساعة الآن 07:29 AM.