منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > قسم التربية والتعليم > الفن الادب الشعر > القصص
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


الحب في زمن الفحم




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع
الحب في زمن الفحم

عاد أليها كما يعود المجرم إلى مكان جريمته ,عاد يتفحص السكين يقتفي أثار الدماء ,عاد كالكلب يبحث عن مكان آمن يموت فيه ,يعد أنفاسه الأخيرة بجوار تلك المرأة التي أخذت كل شيء من حفنة الحياة هاته,فمن جبال القنادسة أخذت سمرتها و من الكثبان مرونتها و عنادها ومن الشمس الحارقة حرارتها ,كانت جبلا من الأشواق, جبلا بركاني ساخن و الشهوة المسجونة في باطنها, تصعد كالماغما إلى تلك العينين السوداوين, فتتوهجا كجمرتين تنعكس حمرتهما و حرارتهما على وجهها الاسمر ,فتتحول الشفتين إلى موزع للقبلات, قبلات حارة متوحشة, فهي لا تقبلك بل تلتهمك التهاما.

جاء في أواخر الخمسينات إلى هاته البقعة المنسية ,إلى هذا الاشيئ المحاط بلا شيء , هاته الحفنة من الحياة المحاطة بالصخور و الكثبان, من الشمال جاء حيث الأرض حاضرة بمعالمها, حاضرة بطقسها حاضرة بحيواناتها و طيورها , حط الرحال و بدأ يعد الأيام نصفها فوق الأرض, و النصف الآخر في باطنها, تعلم كيف يركع على ركبتيه في ظلمة الأنفاق, و يحفر دون توقف غير, مبال برائحة الفحم و لا الماء الجاري تحت ركبتيه ,لقد تعود على هذا الركوع و لم تعد ركبتاه تؤلمه, و لا الخوف من الانهيارات يعتريه ,كل شيء يأتي مع الوقت, هكذا كان يقولون له من سبقوه في المهنة ,لا تخف ليس هناك شياطين في باطن الأرض, لم نصادفها يوما, لم نسمع صخبها كل ما هنالك أنفاق و فحم و كتل لحم تحفر و تحفر دون توقف.كان منجم الفحم هو من يعول هاته القرية, الفحم الأسود الذي يتحول بقدرة قادر إلى ديار طوب أحمر, و بساتين نخيل, و خبزا ولباسا ,كان الفحم هو زيوس القنادسة, هو من يدفع عنها الكثبان التي تطبق عليها من كل جانب, هاته الكثبان التي تدفع بالقنادسة نحو المجهول بعقليتها الاستعمارية , فهي تسير إليها حبة حبة, ثم حفنة حفنة, ثم جبال رمل تسد أبوابها, و نوافذها بل تدخل المخادع و تنام بين النساء و أزواجهن . صراع القنادسة مع حبات الرمل ابدي و للفحم الفضل في حسم الصراع لصالح هؤلاء الأحياء.

الحاجة رابحة, كانت تعمل منظفة في المبنى الإداري التابع للمنجم, كان يذهب هناك لأموره الإدارية ,و كعادته يسند ظهره على الجدار, و يدخن بلذة و هو ينظر إلى الرمال التي تلعب لعبة القط و الفار مع هذا الجبل الصخري, فمرة تدفنه حتى يكاد لا يرى, و مرة تنسحب عنه لتهاجمه في اليوم الموالي. أصلح هندامه فقد أتت من كان ينتظرها, بنت الحاجة رابحة جاءت بقفة الزاد لأمها , انه يشتهي كل شبر من جسد هاته الفتاة ,يتمنى لو تحولت إلى بحر و يغطس فيه إلى الأبد, بالرغم من أن كل النساء يعطوننا نفس الشيء, إلا أننا قد نعشق الواحدة منهن إلى حد الموت دون الأخريات, و تبقى صورتها تتحرش بنا و تضايقنا طوال حياتنا, تماما كما تفعل الكثبان مع حفنة الحياة المسماة مجازا القنادسة.

سار وراءها على وقع ردفيها التفتت و راءها ,بصقت على الأرض, لا زال لا يفارق أثرها, ولجت قصر الطوب سارت في دروبه الضيقة تبعها, دخلت من الباب الصغير و قف عند الباب, هم بالعودة لكن يد جذبته إلى الداخل وجد نفسه في أحضان البركان, ارتفعت الحرارة تطاير الدخان, انه في ضيافة الماغما, في ضيافة الشوق ,تحول إلى ماء يشرب و يشرب ,فشرب حتى ارتوى وشرب إلى آخر قطرة.غادر قصر الطوب وشيطانها يغريه بالعودة, فللمرأة شيطان أقوى من شياطين الجن و الأنس مجتمعة .

بنت الحاجة رابحة كل عمال المنجم ضاجعوها, مقابل بعض الفرنكات, أو علبة جبن, ليس هناك من لا يعرف بيت الطوب ذلك , جسدها كان بمثابة الخريطة السياحية للبلدة .العاهرة لا تحب و لا تحب, سياستنا نحن المنجميين اضرب و اهرب ,كيف يمكنها أن تحب و هي طيلة الوقت تحت احد الرجال ,من أين تأتي بالوقت لتحب, لا تأكل من يدها و لا تترك شيئا من أغراضك في بيتها, فأهل الصحراء سحرة ماهرين: الم تسمع بالطائرة التي لم ترد الإقلاع ,لان احد المسحورين كان داخلها , كلها سخرية و تعليقات, كان يسمعها كل يوم ببسمة تارة و بمرارة اغلب الأحيان, لكن في قرارة نفسه كان متأكد أن ذالك الجبل البركاني لا يمكن أن ينفجر في وجه كل الرجال كما انفجر في وجهه, ليس في أحشاءه كمية من الماغما تكفي كل الرجال لابد أن تكون الماغما له وحده, تلك الأنفاس التي تحرق رقبته, لا بد أنها تأتي من قلب قاعه, يشوى على نار الحب, تلك الأصابع التي أنغرست في شعره, لا بد أن تكون تحت ضغط كهربائي عالي ,إنها تحبه و تعشقه حتى لو كانت عاهرة, أليس عهرها دليل حبها لأمها ,ثم ما الفرق بينها و بين فتاة زوجت لرجل لا تعرفه, كلاهما تمارسان العهر: واحدة بأوراق ثبوتية ,و أخرى بدونها, تعددت المصالح و العهر واحد, هكذا كان يبرر حبه لها و حبها له.

رابحة, أريد أن أتزوج ابنتك, تبسمت, و نظرت إليه بخبث العاهرات :

لماذا تتزوجها ؟ قد تكون لك ببعض الفرنكات و بدون زواج

أريدها زوجة قال

و أين تسكن بها؟ في الأنفاق, أم في غرف النوم الجماعية, لقد تفاجأت الحاجة رابحة لهذا الطلب, لم تعد ابنتها للزواج, كانت ذراعها الثالث الذي يساعدها على تحمل أعباء الحياة القاسية, لكنها رقت لهذا الأبيض الصغير الذي أحب ابنتها: اسمع يا ابني أنا موافقة على أن تسكن معي في القصر و تتركها تأتيني بالزاد كل يوم.

تزوجها وسكن قصر الطوب, كانت غرفته هي كل ما يملكه في خلية النمل هاته, و مع هذا كان سعيدا ,يذهب إلى العمل, يركب القاطرة وينزل بها الى الأنفاق, يركع على ركبتيه, ينام على بطنه, يجمع الأحجار السوداء, يملأ حقيبة ظهره ,يفرغها في القاطرة الصغيرة ثم , يأتي البؤساء مثله, يصعدون بها إلى السطح, تفرغ في القطار فيمضي بها إلى مصانع التصفية .دأب على هذا العمل الذي لا يعرف غيره, و كأنه جبل عليه, كان يتقاضى بضع فرنكات يعطيها لزوجته ,فتعطيها بدورها للحاجة رابحة ,نسي أهله في الشمال, كانت المرأة هي كل, ما نسي و ما سوف ينسى حين ما يأوي إليها, تنسيه تعبه تنسيه رائحة الفحم, تنسيه ظلام الأنفاق, تنسيه ما نسيه حرارتها, كانت وحدها تشفيه من وحشة باطن الأرض .أحب الفحم لأنه كان عطاء ألاهيا من اجله ,و من اجل سيدته بنت الحاجة رابحة.

ذهب إلي المنجم, إلا انه أحس بدوحة خفيفة و غثيان, كلم رئيسه في العمل الذي أخذه بدوره إلى العيادة, أعطاه الطبيب زجاجة مشروب ,و راحة لمدة يومين, يومين كاملين سيقضيهما بالقرب من سمراء الوجه ذات العينين السوداوين و الجسد الثائر.كان الطقس حار فهنا الشمس لا ترحم الأرض فهي منذ ظهورها في الأفق و هي تشوي تظاريسها ,و كأنها تحمل لها ضغينة ثأر قديم.دق الباب مرة و مرتين جلس يستريح من التعب, و لم تمضي سوى لحظة حتى فتح الباب رجل يخرج مستعجلا و هو يصلح من هندامه ,امسك بتلابيب الرجل و هو يصرخ, لكن المرض و التعب جعلاه كالقشة في يد الرجل, فدفعه القاه بعيدا, و اكمل سيره ,خرجت المرأة مسرعة لما سمعت الصراخ ,فوجدت زوجها ملقى على الأرض, احتضنته لكنه دفعها, و دخل بيت الطوب, لم أغراضه في حقيبة سفره, ثم ترك الحقيبة و خرج.

خرج يمشي داخل جرحه يسيل مع الدم يسري مع الألم, ما أقسى ما جرى له, لم يفكر فيها كخائنة, بل فكر في نفسه كرجل مخدوع, لقد أصبح من الآن من فئة الرجال الذين خدعتهم نساءهم ,عندما تتركنا المرأة التي نحبها من اجل رجل فهي تحجر على فحولتنا, تخصينا, تسبب لنا عاهة مستديمة.ركب الحافلة بعد عن القنادسة, ثم عن الصحراء و أخيرا عن الوطن بكامله. كانت صورة الرجل الذي يقفل حزامه تدفعه إلى الابتعاد, و جرحه يبحث عن مكان بارد يخفف حرقته.هو في فرنسا لاجئ عاطفي لقد قدم قلبه و الأوراق الخاصة بجرحه وتفحصها السين و قوس النصر و برج ايفل, اعتمدوه كلهم كلاجئ عاطفي من الدرجة الأولى , و ما أكثر اللاجئين العاطفيين في هذا البلد, تجدهم في ردهات الفنادق, و في محطات الميترو, ليس لهم مخيم خاص, يسكنون هنا و تسكنهم هناك, لقد تركوا كل شيء, حتى حقائب سفرهم جاءوا مستعجلين يحملون فقط ذاكراتهم و جروحهم, اضطهدتهم عواطفهم فجاءوا فارين منها.

عندما يدخل مقهى: يفتح أزرار معطفه, و يجلس في آخر طاولة, و حدهم الجرحى يختارون الأماكن الأخيرة باحثين عن متسع من المكان, يضعون فيه رجلا لا تنعكف, أو ذراعا مجبسة وهو كان جريحا يحمل عاهة مستديمة, لذا كان دائما ينزوي في الخلف, يجلس على طاولة و يضع عاهته على طاولة أخرى, عندما يأتي النادل يصب له الحليب, ثم يفرغ فوقه نسمة قهوة يرى صورتها في الكوب :هي القهوة بلونها و رائحتها و حضورها القوي, هي بنت الفحم, لم ينساها يوما كما لم ينسى مملكة الشمس و الأنفاق المظلمة.

هل يحبها؟

هل سامحها؟

سؤالان لهما جواب واحد :انه يحبها فما جدوى الجواب عن السؤال الثاني , انه يبحث عن حرارتها في كل شيء, في أكواب القهوة, في محرك الشاحنة التي يشتغل عليها ,في أجساد النساء للواتي يذهب إليهن كل ليلة سبت .خرج من بيت الطوب جريحا, الحاجة رابحة جاملت رئيسها في العمل بجسد بنتها, فكانت المجاملة جرحا و فراقا و هجرة, كانت سفرا لا ينتهي .قيل له أن المنجم أغلق أبوابه و الأنفاق هجرت ,و القاطرات بحت و القنادسة ترملت ,لبست السواد و بكت أسبوعا كاملا ,ثم تزينت و تبرجت. لم تقضي شهور العدة, لم تحيي الأربعينية, أسبوعا كان كافيا لتنسى المارد الأسود, تقفز فوق أنفاقه ,و تمر إلى أشياء أخرى.تناست من كان يقطع من أحشاءه و يعطيها, كما تناسى هو حقيبته في بيت الطوب تناساها ربما ليعود في آخر الليل ناسيا جرحه, متجاهلا فحولته ,غافرا للمرأة حبها لأمها ,ينتظر منها أن تركع على ركبتيها و تعانق رجليه, لكنه لم يعد, و لا زالت الحقيبة تنتظر من يحسم أمرها ,أما بحملها, أو بإفراغها من أغراض السفر .

بعد أربعين سنة وجد نفسه يحن إلى حرارتها, نسي انها خانته و لم يعد يتذكر سوى انه تركها و هو يحبها, كان حبه لها يتجاوز الأخطاء الصغيرة و بعد أربعين سنة صارت الخيانة خطأ صغيرا.

ها هي الحافلة تسير نحو تلك النقطة في الرمال شمس الصحراء حتى عبر الستائر تضايقك, لا تريدك ان تنسى لحظة انك في مملكتها و تحت سلطانها, هنا يتقاطع العدم مع العدم ليس لك هنا دعوى بالزمن فأنت خارجه, الناس هنا لا يسابقون الزمن بل يتجاهلونه بكل بساطة حتى الموسيقى التي تسمعها ثقيلة فهناك زمن واضح بين نقرتي العود هنا يأتي لك النادل بالشاي يتكلم معك ربع ساعة و هو يصبه ,الإحساس بالوقت في الصحراء له بعد آخر هم الصحراويون فقط يعلمون سره.

أخيرا سوف يرى تلك المرأة التي أكلت من أحشاءه,تلك الأفعى التي لدغته يوما و لا زالت أثار أنيابها واضحة في عشقه للسمرة ,في بحثه عن النقاط الحارة في أجساد النساء .أسمحلى يا الحاج قالت السمراء الصغيرة بعد أن داست قدمه و هي تغير مكان جلوسها في الحافلة .

آه لو عرفتني قبل أربعين سنة قال في سره لكنت القبلة التي تصلين اتجاهها و المزار الذي تحجين اليه قولى الحاج او أي شيئ آخر لا يهم قولي الكسيح او حتى الحقير فأنا لم آت من أجلك بل من اجل حبيبة تفصلني عنها أربعين سنة من التفاهة التي تسمونها حياة, كل ما أريده هو أن أراها أضع وجهي بين ثدييها و أشهق شهقتي الأخيرة.

ترى هل تكون قد نسيت محطتي بعدما قطعت ملايين الكلوميترات و مرت على ألاف المحطات, هل نسيت أشجار الحب وارفة الظلال في مدخل المحطة و رائحة الخيانة في مخرجها هل نسيت حرارة الدخان و لزوجة الماغما ,هل نسيت فرنكاتي التي تحمل بصمة الفحم .

تسمر فجأة فقد هاجمته أسراب من الأحاسيس المؤلمة و المتناقضة حتى أن قلبه الذي لم يعد يشتغل الا بالأقراص و البخاخات بدأ يشتغل بسرعة افقدته توازنه للحظات, لقد رأى الفحم المكوم ومصنع التكرير, رأى هذ الشقي الذي لا يزال هنا مكوما ينتظر من يأتي يزحزحه, يشمه, يحمله إلى حيث يشتعل فيخرج ما في قلبه من دخان اسود يرى على بعد أميال .طلب من السائق ان ينزله قرب المصنع ,نزل و عينيه لا تفارقان أكوام الفحم : أهلا يا صديقي يا سيدي و مولاي أنا الذي احترق معك في مملكة الشمس, أنا الذي اختنقت معك برياح الرمل ,أنا من سافر في أحشاءك و تلمس بيداه و قلبه قوة وضعف أنفاقك ,أنا من سرقت لؤلؤك الأسود أنا من أنزلت بي عقابك و نفيتني أربعين سنة’ سلام عليك و على كل جثة تحتفظ بها في ملكوتك ’لاتبالي يا سيدي بزوجتك التي أهملت ضريحك أرجوك لا تنزل بها عقابك, لا تبعث عليها ريحا اسود فتحول بساتينها الى رماد و سكانها الى صخور سوداء ,لا تهد إنفاقك من تحتها فتهوي بها سبعين صيفا في قاع الصحراء, دع القنادسة ترمي بفضلاتها في إرجاءك و تسد بقوارير البيرة معالمك , لقد مت و هي تحولت الى أرملة عجوز, تكثر من المساحيق و الطيب ,تبدي مفاتنها لمن هب و دب عسى أن يترك لها سائح حفنة من النقود فوق احد كثبانها ام قرب باب قصرها الهرم.أنت اكبر من ان تحس بالذل, هون عليك فالنساء الأرامل سرعان ما ينسون أزواجهن و لو كانوا في قوتك و شموخك.ركع على ركبتيه و وضع يديه على رأسه سادا أذنيه سابحا في ذكرياته مسترجعا صوت القاطرات و نقير الحفر و خرير الماء المتدفق عبر الأنفاق.حينما تجد الذكريات الباب مفتوحا تتدافع الى رأسك كأسراب الغربان الجائعة تمر الى قلبك و تنهشه بمناقيرها تمزقه بمخالبها تبحث فيه عن كتلة لحم طرية تتلذذ بتقطيعها الى ملايين القطع ,لا يدري كيف يصف هذا الإحساس هل هو لذيذ لأنه مؤلم ام مؤلم لأنه لذيذ.

الى أين تذهب لتسأل عنها , ليته يرى احد من زملاءه القدامى لا بد أن تكون الموت قد أخذتهم كلهم ’لا بد أن يكون الفحم قد استرد أبناءه, سار متثاقلا ينظر مرة الى الكثبان التي لا زالت تحكم سيطرتها على البلدة و أخرى الى وجوه الناس باحثا عن وجه ,عن صوت او حتى رائحة تدله على ذات الجسد الحار .سار الى رجل جالس قرب باب حديدي مسندا ظهره الى الجدار :

هل تعرف شخصا عمل في منجم الفحم

لم يحرك الرجل شفتيه و لم ينظر اليه عرف انه لم يسمعه

أعاد سؤاله بصوت مرتفع

هل أنت صحافي رد الرجل

لا أنا ابحث عن الحاجة رابحة

نهض الرجل و تفحص وجه الغريب باحثا عن ردة فعله بعد الجواب

لقد ماتت منذ سنين

و ابنتها..... قالها ممزوجة بحشرجة في الصدر و جفاف في اللسان و خفقان في القلب

أنها تسكن في القصر

ضن أن الرجل يهذي آلا يزال ذالك القصر صالح للسكن.....

لف الرجل يمينا و دق على الباب الحديدي بعصاه, خرج طفل في العاشرة من عمره او أكثر بقليل :خذه الى بيت رابحة المينور

قفز عندما سمع هذا اللقب لقد نسيه و هو يعني عامل المنجم , غريب كيف يلتصق اللقب بالشخص أكثر من اسمه الحقيقي هل هو زيادة تعريف أم حجر على الاسم الحقيقي الذي لم يعد كاف لوصف الشخص.

لقد اقترب لقاءه بتلك المرأة التي كان ينصهر في فراشها كما تنصهر الشموع في ضريح سيدي محمد بزيان انه مرعوب

ربما كانت متزوجة ....

و زوجها في البيت......

همس في أذن الصبي هل هي متزوجة

رد الصبي بلامبالاة لا. لم يكن يعرف هذا الصغير ثمن جوابه أما هو فكاد يصرخ فرحا كاد يعانق الصبي بل كاد يفرغ له ما في جيوبه من نقود.

ها أنا قادم اليك يا ذات المقام العالى, سأقذف بنفسي في أحضانك، سأذوب فيك سأتحول الى قطرات عرق تندي ما بين ثدييك, لن أسألك هل عرفت رجالا بعدي لم تعد هاته التفاهات تهمني, لقد أتيت من ارض الصقيع لتشفيني من غربتي عدت احمل في رحمي طفلا تحملت رفساته أربعين سنة توحمت أربعين سنة تقيأت أربعين سنة. جئت الى مشفاك يا حكيمتي لأضعه في حجرك و تضميه الى صدرك بعدما رفض ان ينزل في حجور كل النساء , لم يأتيني المخاض وحدك انت تبعثي في جسدي رغبة الولادة.

هذا القصر سأحمله بين كفاي احكهما و ابحث عنك تحت كل ذرة رمل و في كل سعفة نخيل سأمرر رمال الكثبان ذرة ذرة بين أصابعي حتى اصل اليك.مشى في ظلال القصر بين أسوار الطوب يتبع الصبي هذا القصر كان يعج بالسكان, ضجيج الأطفال لا ينقطع و رائحة الخبز تتحرش بك و النساء يسرعن الخطى في دروبه أما اليوم فهو لا يرى سوى أكياس بلاستكية فارغة و لا يسمع سوى وقع أقدامه و أقدام الصبي و لا يشم سوى نتانة البول المسفوح على جدران القصر و مع هذا لا زالت القنادسة تصر على انه احد مفاتنها.

توقف الصبي و دق دقات خفيفة ثم دقات أقوى و أقوى لكن لا احد خلف الباب

ربما هي غائبة قال الطفل و أختفي في الدروب الضيقة للقصر

أسند رأسه على الحائط و استسلم لقلقه :

لقد أتيت بعد أربعين سنة لتسند راسك على جدارها ,لقد أتيت لتموت مثل الكلب على باب سيدك الذي نبذك و اغلق بابه في وجهك لا لن احمل الطفل في رحمي الى الأبد لن يسمح الفحم بذالك, لن تسمح الجثث النائمة في قاع المنجم, ستستفيق من غفوتها تصعد الى السطح, تقلب الكثبان بفؤوسها ستركب القاطرات تجوب غياهب الصحراء بوجهها المطلي بغبار الفحم تتفحص كل كهف بحثا عن بنت رابحة المينور.سمع خطوات قادمة امرأة تمشي متثاقلة تحمل حقيبة في يد أما اليد الأخرى فتتكأ بها على الجدار كلما سارت بعض الخطوات, وقفت فتحت الباب لم تنظر ناحيته دخلت و لم تكد تغلق الباب حتى نهض مسرعا و دفع الباب بكلتا يديه و قف برهة ينظر اليها قال : انا احمد و اندفع الى حضنها يمرغ وجهه على صدرها ولما لم يسمع جوابا أعاد: أنا احمد هل نسيتني بعد لحظة أحس بزلزال في صدرها

هل سامحتني قالت و هي تنتحب

لم آت هنا لأسامحك بل لآخذك معي قال

النساء لا يكلمنني و الأطفال يسخرون مني

سآخذ ك الي حيث لا يعرفك احد

لا يشترون مني الخبز و اذهب حتى المدينة أبيعه

لن ينال منك أحد بعد اليوم

هل سامحتني قالت لم أفعلها أبدا بعد ذالك اليوم

لا يهمني لقد أتيت من أجلك

قالت و هي تشهق لقد ماتت أمي لم اعرف كيف أعيش بعدها سلت جسدها من بين يديه هل تأكل الخبز أردفت و هي تنشف دموعها بطرف ثوبها و قدمت له خبزة: لم أبع سوى ثلاثة و بقي أربعة

ابتسم وقال هيا نذهب

وهل أخرج عن طوع سيدي محمد أغادر أرضه و اكفر ببركته سيلعنني الى يوم الدين

لن تصل لعنته الى المكان الذي سنعيش فيه هل عرفتني من أول وهلة قال

لم أنساك أبدا لأتذكرك أطرقت برأسها و أضافت ليس هناك من ينقذف الى أحضاني بهاته الطريقة سواك

هيا نذهب

سآخذ أغراضي

دعك من هذا الهراء ليس هنا شيئا يساوي شيئا

لا بد أن اذهب ألى سيدي محمد أستسمحه

سأصطحبك

دخلت الزاوية و بقي خارجا نظر صوب المنجم : لا تغار يا مولاي من هذا الضريح الذي لم يطله ما طالك من اهمال فهو ليس سوى احد مفاتن الأرملة أما أنت فالزوج الذي لن تجد مثلك, طبيعي جدا ان ان ينساك كل عاشق للأرملة فأنت الزوج الشرعي .

ركب سيارة أجرة و المرأة بجانبه وحقيبة الخبز في حجرها و قبل أن تقلع السيارة التفت إلى البلدة و تمتم :

أنا يا سجينة الكثبان من جاء اليك مرتين و خرج أمام عيون أرصادك مرتين و تناسى حقيبة سفره مرتين أنا من عرفتك متزوجة و عرفتك أرملة, لقد سرقت منك أخر مفاتنك و تركتك تصارعين الرمل و الشمس عيشي ما شاء الله لك أن تعيشي لكن لن تجدي زوجا أقوى و لا احن عليك من هذا المنجم, عيشي من بركة سيدي محمد تبرجي أكثر لتظهري مفاتنك أيتها الأرملة العجوز.........


لا اعلم صراحة ما سأقوله وما ساتركه ..

اجدت وابدعت بوصف الحب ومشاعره وأدق تفاصيله ..

لو اخبرتك عن الافكار التي راودتني لاحتجت الى مئة رد








الساعة الآن 08:11 PM.