منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


قصص الأنبياء مجمعة




ساهم بنشر الصفحة
موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع

ونبدا بقصه سيدنا آدم عليه السلام


نبذة:

أبو البشر، خلقه الله بيده وأسجد له الملائكة وعلمه الأسماء وخلق له زوجته وأسكنهما الجنة وأنذرهما أن لا يقربا شجرة معينة ولكن الشيطان وسوس لهما فأكلا منها فأنزلهما الله إلى الأرض ومكن لهما سبل العيش بها وطالبهما بعبادة الله وحده وحض الناس على ذلك، وجعله خليفته في الأرض، وهو رسول الله إلى أبنائه وهو أول الأنبياء.


سيرته:
خلق آدم عليه السلام:

أخبر الله سبحانه وتعالى ملائكة بأنه سيخلق بشرا خليفة له في الأرض. فقال الملائكة: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ).

ويوحي قول الملائكة هذا بأنه كان لديهم تجارب سابقة في الأرض , أو إلهام وبصيرة , يكشف لهم عن شيء من فطرة هذا المخلوق , ما يجعلهم يتوقعون أنه سيفسد في الأرض , وأنه سيسفك الدماء . . ثم هم - بفطرة الملائكة البريئة التي لا تتصور إلا الخير المطلق - يرون التسبيح بحمد الله والتقديس له , هو وحده الغاية للوجود . . وهو متحقق بوجودهم هم , يسبحون بحمد الله ويقدسون له,ويعبدونه ولا يفترون عن عبادته !

هذه الحيرة والدهشة التي ثارت في نفوس الملائكة بعد معرفة خبر خلق آدم.. أمر جائز على الملائكة، ولا ينقص من أقدارهم شيئا، لأنهم، رغم قربهم من الله، وعبادتهم له، وتكريمه لهم، لا يزيدون على كونهم عبيدا لله، لا يشتركون معه في علمه، ولا يعرفون حكمته الخافية، ولا يعلمون الغيب . لقد خفيت عليهم حكمة الله تعالى , في بناء هذه الأرض وعمارتها , وفي تنمية الحياة , وفي تحقيق إرادة الخالق في تطويرها وترقيتها وتعديلها , على يد خليفة الله في أرضه . هذا الذي قد يفسد أحيانا , وقد يسفك الدماء أحيانا . عندئذ جاءهم القرار من العليم بكل شيء , والخبير بمصائر الأمور: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).

وما ندري نحن كيف قال الله أو كيف يقول للملائكة . وما ندري كذلك كيف يتلقى الملائكة عن الله ، فلا نعلم عنهم سوى ما بلغنا من صفاتهم في كتاب الله . ولا حاجة بنا إلى الخوض في شيء من هذا الذي لا طائل وراء الخوض فيه . إنما نمضي إلى مغزى القصة ودلالتها كما يقصها القرآن .

أدركت الملائكة أن الله سيجعل في الأرض خليفة.. وأصدر الله سبحانه وتعالى أمره إليهم تفصيلا، فقال إنه سيخلق بشرا من طين، فإذا سواه ونفخ فيه من روحه فيجب على الملائكة أن تسجد له، والمفهوم أن هذا سجود تكريم لا سجود عبادة، لأن سجود العبادة لا يكون إلا لله وحده.

جمع الله سبحانه وتعالى قبضة من تراب الأرض، فيها الأبيض والأسود والأصفر والأحمر - ولهذا يجيء الناس ألوانا مختلفة - ومزج الله تعالى التراب بالماء فصار صلصالا من حمأ مسنون. تعفن الطين وانبعثت له رائحة.. وكان إبليس يمر عليه فيعجب أي شيء يصير هذا الطين؟

سجود الملائكة لآدم:

من هذا الصلصال خلق الله تعالى آدم .. سواه بيديه سبحانه ، ونفخ فيه من روحه سبحانه .. فتحرك جسد آدم ودبت فيه الحياة.. فتح آدم عينيه فرأى الملائكة كلهم ساجدين له .. ما عدا إبليس الذي كان يقف مع الملائكة، ولكنه لم يكن منهم، لم يسجد .. فهل كان إبليس من الملائكة ? الظاهر أنه لا . لأنه لو كان من الملائكة ما عصى . فالملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . . وسيجيء أنه خلق من نار . والمأثور أن الملائكة خلق من نور . . ولكنه كان مع الملائكة وكان مأموراً بالسجود .

أما كيف كان السجود ? وأين ? ومتى ? كل ذلك في علم الغيب عند الله . ومعرفته لا تزيد في مغزى القصة شيئاً..

فوبّخ الله سبحانه وتعالى إبليس: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ) . فردّ بمنطق يملأه الحسد: (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) . هنا صدر الأمر الإلهي العالي بطرد هذا المخلوق المتمرد القبيح: (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ) وإنزال اللعنة عليه إلى يوم الدين. ولا نعلم ما المقصود بقوله سبحانه (مِنْهَا) فهل هي الجنة ? أم هل هي رحمة الله . . هذا وذلك جائز . ولا محل للجدل الكثير . فإنما هو الطرد واللعنة والغضب جزاء التمرد والتجرؤ على أمر الله الكريم .


قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85) (ص)

هنا تحول الحسد إلى حقد . وإلى تصميم على الانتقام في نفس إبليس: (قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) . واقتضت مشيئة الله للحكمة المقدرة في علمه أن يجيبه إلى ما طلب , وأن يمنحه الفرصة التي أراد. فكشف الشيطان عن هدفه الذي ينفق فيه حقده: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) ويستدرك فيقول: (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) فليس للشيطان أي سلطان على عباد الله المؤمنين .

وبهذا تحدد منهجه وتحدد طريقه . إنه يقسم بعزة الله ليغوين جميع الآدميين . لا يستثني إلا من ليس له عليهم سلطان . لا تطوعاً منه ولكن عجزاً عن بلوغ غايته فيهم ! وبهذا يكشف عن الحاجز بينه وبين الناجين من غوايته وكيده ; والعاصم الذي يحول بينهم وبينه . إنه عبادة الله التي تخلصهم لله . هذا هو طوق النجاة . وحبل الحياة ! . . وكان هذا وفق إرادة الله وتقديره في الردى والنجاة . فأعلن - سبحانه - إرادته . وحدد المنهج والطريق: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) .

فهي المعركة إذن بين الشيطان وأبناء آدم , يخوضونها على علم . والعاقبة مكشوفة لهم في وعد الله الصادق الواضح المبين . وعليهم تبعة ما يختارون لأنفسهم بعد هذا البيان . وقد شاءت رحمة الله ألا يدعهم جاهلين ولا غافلين . فأرسل إليهم المنذرين .

تعليم آدم الأسماء:

ثم يروي القرآن الكريم قصة السر الإلهي العظيم الذي أودعه الله هذا الكائن البشري , وهو يسلمه مقاليد الخلافة: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا) . سر القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات . سر القدرة على تسمية الأشخاص والأشياء بأسماء يجعلها - وهي ألفاظ منطوقة - رموزا لتلك الأشخاص والأشياء المحسوسة . وهي قدرة ذات قيمة كبرى في حياة الإنسان على الأرض . ندرك قيمتها حين نتصور الصعوبة الكبرى , لو لم يوهب الإنسان القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات , والمشقة في التفاهم والتعامل , حين يحتاج كل فرد لكي يتفاهم مع الآخرين على شيء أن يستحضر هذا الشيء بذاته أمامهم ليتفاهموا بشأنه . . الشأن شأن نخلة فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا باستحضار جسم النخلة ! الشأن شأن جبل . فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا بالذهاب إلى الجبل ! الشأن شأن فرد من الناس فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا بتحضير هذا الفرد من الناس . . . إنها مشقة هائلة لا تتصور معها حياة ! وإن الحياة ما كانت لتمضي في طريقها لو لم يودع الله هذا الكائن القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات .

أما الملائكة فلا حاجة لهم بهذه الخاصية , لأنها لا ضرورة لها في وظيفتهم . ومن ثم لم توهب لهم . فلما علم الله آدم هذا السر , وعرض عليهم ما عرض لم يعرفوا الأسماء . لم يعرفوا كيف يضعون الرموز اللفظية للأشياء والشخوص . . وجهروا أمام هذا العجز بتسبيح ربهم , والاعتراف بعجزهم , والإقرار بحدود علمهم , وهو ما علمهم . . ثم قام آدم بإخبارهم بأسماء الأشياء . ثم كان هذا التعقيب الذي يردهم إلى إدراك حكمة العليم الحكيم: (قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ) .

أراد الله تعالى أن يقول للملائكة إنه عَـلِـمَ ما أبدوه من الدهشة حين أخبرهم أنه سيخلق آدم، كما علم ما كتموه من الحيرة في فهم حكمة الله، كما علم ما أخفاه إبليس من المعصية والجحود.. أدرك الملائكة أن آدم هو المخلوق الذي يعرف.. وهذا أشرف شيء فيه.. قدرته على التعلم والمعرفة.. كما فهموا السر في أنه سيصبح خليفة في الأرض، يتصرف فيها ويتحكم فيها.. بالعلم والمعرفة.. معرفة بالخالق.. وهذا ما يطلق عليه اسم الإيمان أو الإسلام.. وعلم بأسباب استعمار الأرض وتغييرها والتحكم فيها والسيادة عليها.. ويدخل في هذا النطاق كل العلوم المادية على الأرض.

إن نجاح الإنسان في معرفة هذين الأمرين (الخالق وعلوم الأرض) يكفل له حياة أرقى.. فكل من الأمرين مكمل للآخر



يتبع



غزوة بني قريظة

نذكر فيه غزوة بني قريظة فنهض صلى الله عليه وسلم من وقته اليهم وامر المسلمين أن لا يصلي أحد صلاة العصر وقد كان دخل وقتها إلا في بني قريظة فراح المسلمون أرسالا وكان منهم من صلى العصر في الطريق وقالوا لم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة إنما أراد تعجيل السير وكان منهم من لم يصل حتى غربت الشمس ووصل الى بني قريظة ولم يعنف صلى الله عليه وسلم واحدا من الفريقين قال ابن حزم وهؤلاء هم المصيبون وأولئك مخطئون مأجورون وعلم الله لو كنا هناك لم نصل العصر إلا في بني قريظة ولو بعد أيام قلت أما ابن حزم فإنه معذور لأنه من كبار الظاهرية ولا يمكنه العدول عن هذا النص ولكن في ترجيح أحد هذين الفعيلين على الآخر نظر وذلك أنه صلى الله عليه وسلم لم يعنف أحدا من الفريقين فمن يقول بتصويب كل مجتهد فكل منهما مصيب ولا ترجيح ومن يقول بأن المصيب واحد وهو الحق الذي لا شك فيه ولا مرية لدلائل من الكتاب والسنة كثيرة فلا بد على قوله من أن أحد الفريقين له أجران بإصابة الحق وللفريق الآخر أجر فنقول وبالله التوفيق الذين صلوا العصر في وقتها حازوا قصب السبق لأنهم امتثلوا أمره صلى الله عليه وسلم في المبادرة الى الجهاد وفعل الصلاة في وقتها ولا سيما صلاة العصر التي اكد الله سبحانه المحافظة عليها في كتابه بقوله تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي العصر على الصحيح المقطوع به إن شاء الله من بضعة عشر قولا والتي جاءت السنة بالمحافظة عليها فإن قبل كان تأخير الصلاة للجهاد حينئذ جائزا كما أنه صلى الله عليه وسلم أخر العصر والمغرب يوم الخندق واشتغل بالجهاد والظهر أيضا كما جاء في حديث رواه النسائي من طريقين فالجواب انه بتقدير تسليم هذا وأنه لم يتركها يومئذ نسيانا فقد تأسف على ذلك حيث يقول لما قال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه يا رسول الله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب فقال والله ما صليتها وهذا يشعر بأنه صلى الله عليه وسلم كان ناسيا لها لما هو فيه من الشغل كما جاء في الصحيحين عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا والحاصل أن الذين صلوا العصر في الطريق جمعوا بين الأدلة وفهموا المعنى فلهم الأجر مرتين والآخرين حافظوا على أمره الخاص فلهم الأجر رضي الله عنهم جميعهم وأرضاهم وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية علي بن ابي طالب رضي الله عنه واستخلف على المدينة ابن ام مكتوم ونازل حصون بني قريظة وحصرهم خمسا وعشرين ليلة وعرض عليهم سيدهم كعب بن أسد ثلاث خصال إما أن يسلموا ويدخلوا مع محمد في دينه وأما أن يقتلوا ذراريهم ويخرجوا جرائد فيقاتلوا حتى يقتلوا عن آخرهم أو يخلصوا فيصيبوا بعد الأولاد والنساء وأما ان يهجموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم سبت حين يأمن المسلمون شرهم فأبوا عليه واحدة منهن وكان قد دخل معهم في الحصن حيي بن أخطب حين انصرفت قريش لأنه كان أعطاهم عهدا بذلك حتى نقضوا العهد وجعلوا يسبون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسمعون أصحابه ذلك فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخاطبهم فقال له علي رضي الله عنه لا تقرب منهم يا رسول الله خشية أن يسمع منهم شيئا فقال لو قد رأوني لم يقولوا شيئا فلما رأوه لم يستطع منهم أحد أن يتكلم بشئ ثم بعث صلى الله عليه وسلم أبا لبابة بن عبد المنذر الأوسي وكانوا حلفاء الأوس فلما رأوه قاموا في وجهه يبكون رجالهم ونساؤهم وقالوا يا أبا لبابة كيف ترى لنا أننزل على حكم محمد قال نعم فأشار بيده الى حلقه يعني أنه الذبح ثم ندم على هذه الكلمة من وقته فقام مسرعا فلم يرجع الى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء مسجد المدينة فربط نفسه بسارية المسجد وحلف لا يحله إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وأنه لا يدخل أرض بني قريظة أبدا فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك قال دعوه حتى يتوب الله عليه وكان من أمره ما كان حتى تاب الله عليه رضي الله عنه ثم إن بني قريظة نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ليلتئذ ثعلبة وأسيد ابنا سعية وأسد بن عبيد وهم نفر من بني هدل من بني عم قريظة والنضير وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدي القرظي فانطلق فلم يعلم أين ذهب وكان قد أبى الدخول معهم في نقض العهد ولما نزلوا على حكمه صلى الله عليه وسلم قالت الأوس يا رسول الله قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت وهم حلف إخوتنا الخزرج وهؤلاء موالينا فقال ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم قالوا بلى قال فذاك الى سعد بن معاذ وكان سعد إذ ذاك قد أصابه جرح في أكحله وقد ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب فبعث إليه صلى الله عليه وسلم فجئ به وقد وطأوا على حمار وإخوته من الأوس حوله محيطون به وهم يقولون يا أبا عمرو أحسن في مواليك فلما أكثروا عليه قال قد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم فرجع رجال من قومه الى بني عبد الأشهل فنعوا إليهم بني قريظة فلما دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قوموا إلى سيدكم فقام إليه المسلمون فقالوا يا سعد قد ولاك رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم في بني قريظة فقال عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيهم كما حكمت قالوا نعم قال وعلى من ها هنا وأشار الى الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالا له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم فقال سعد إني أحكم فيهم أن يقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة فأمر رسول الله أن يقتل من أنبت منهم ومن لم يكن أنبت ترك فضرب أعناقهم في خنادق حفرت في سوق المدينة اليوم وكانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة وقيل ما بين السبعمائة الى الثمانمائة ولم يقتل من النساء أحد سوى امرأة واحدة وهي بنانة امرأة الحكم القرظي لأنها كانت طرحت على رأس خلاد بن سويد رحى فقتله لعنها الله وقسم أموال بني قريظة على المسلمين للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم وكان في المسلمين يومئذ ستة وثلاثون فارسا ولما فرغ منهم استجاب الله دعوة العبد الصالح سعد بن معاذ وذلك أنه لما أصابه الجرح قال اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها وإن كنت رفعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها ولا تمتني حتى تشفيني من بني قريظة وكان صلى الله عليه وسلم قد حسم جرحه فانفجر عليه فمات منه رضي الله عنه وشيعه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وهو الذي اهتز له عرش الرحمن فرحا بقدوم روحه رضي الله عنه وأرضاه وقد استشهد يوم الخندق ويوم قريظة نحو العشرة رضي الله عنهم آمين فصل بعث عبدالله بن عتيك الى قتل أبي رافع سلام بن أبي الحقيق ولما قتل الله وله الحمد كعب بن الأشراف على يد رجال من الأوس كما قدمنا ذكره بعد وقعة بدر وكان أبو رافع سلام بن أبي الحقيق ممن ألب الاحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقتل مع بني قريظة كما قتل صاحبه حيي بن أخطب رغبت الخزرج في قتله طلبا لمساواة الأوس في الأجر وكان الله سبحانه قد جعل هذين الحيين يتصاولان بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخيرات فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله فأذن لهم فاشتد له رجال كلهم من بني سلمة وهم عبدالله بن عتيك وهو أمير القوم بأمره صلى الله عليه وسلم وعبدالله بن أنيس وأبو قتادة الحارث بن ربعي ومسعود ابن سنان وخزاعي بن أسود حليف لهم فنهضوا حتى أتوه في خيبر في دار جامعة فنزلوا عليه ليلا فقتلوه ورجعوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم ادعى قتله فقال أروني أسيافكم فلما اروه قال لسيف عبدالله بن أنيس هذا قتله إذ رأى فيه اثر الطعام وكان عبدالله بن أنيس قد أتكأ عليه بالسيف حتى سمع صوت عظم ظهره وعدو الله يقول قطني قطني يقول حسبي


غزوة بني لحيان

ثم خرج صلى الله عليه وسلم بعد قريظة بستة أشهر وذلك في جمادى الاولى من السنة السادسة على الصحيح قاصدا بني لحيان ليأخذ ثأر أصحاب الرجيع المتقدم ذكرهم فسار حتى نزل بلادهم في واد يقال له غران وهو بين أمج وعسفان فوجدهم قد تحصنوا في رؤوس الجبال فتركهم وركب في مائتي فارس حتى نزل عسفان وبعث فارسين حتى نزلا كراع الغميم ثم كرا راجعين ثم قفل صلى الله عليه وسلم الى المدينة


غزوة ذي قرد

ثم أغار بعد قدومه المدينة بليال عيينة بن حصن في بني عبدالله بن غطفان على لقاح النبي صلى الله عليه وسلم التي بالغابة فاستاقها وقتل راعيها وهو رجل من غفار وأخذوا امرأته فكان أول من نذربهم سلمة بن عمروا بن الأكوع الأسلمي رضي الله عنه ثم انبعث في طلبهم ماشيا وكان لا يسبق فجعل يرميهم بالنيل ويقول خذها انا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع يعني اللئام واسترجع عامة ما كان في أيديهم ولما وقع الصريخ في المدينة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماعة من الفرسان فلحقوا سملة بن الأكوع واسترجع اللقاح وبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ما يقال ذو قرد فنحر لقحة مما استرجع وأقام هناك يوما وليلة ورجع الى المدينة وقتل في هذه الغزوة الأخرم وهو محرز بن نضلة رضي الله عنه قتله عبد الرحمن بن عيينة وتحول على فرسه فحمل على عبد الرحمن أبو قتادة فقتله واسترجع القرس وكانت لمحمود بن مسلمة وأقبلت المرأة المأسورة على ناقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نذرت إن الله أنجاها عليها لتنحرنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بئس ما جزيتها لانذر لابن آدم فيما لا يملك ولا في معصية وأخذ ناقته وقد روى مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع في هذه القصة قال فرجعنا الى المدينة فلم نلبث إلا ثلاث ليال حتى خرجنا الى خيبر ولعل هذا هو الصحيح والله تعالى اعلم


غزوة بني المصطلق

وغزا بني المصطلق من خزاعة في شعبان من السنة السادسة وقيل كانت في شعبان سنة خمس والأول أصح وهو قول ابن إسحاق وغيره واستعمل على المدينة أبا ذر وقيل نميلة بن عبدالله الليثي فأغار عليهم وهم غارون على ماء لهم يسمى المريسيع وهو من ناحية قديد الى الساحل فقتل من قتل منهم وسبى النساء والذرية وكان شعار المسلمين يومئذ أمت أمت وكان من السبي جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار ملك بني المصطلق وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس فكاتبها فأدى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجها فصارت أم المؤمنين فأعتق المسلمون بسبب ذلك مائة بيت من بني المصطلق قد أسلموا وفي مرجعه صلى الله عليه وسلم قال الخبيث عبدالله بن أبي سلول لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الاعز منها الأذل يعرض برسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغها زيد بن أرقم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء عبدالله بن أبي معتذرا ويحلف ما قال فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنزل الله عزوجل تصديق زيد بن أرقم في سورة المنافقين وكان في هذه الغزوة من الحوادث قصة الإفك الذي افتراه عبدالله بن أبي هذا الخبيث وأصحابه وذلك أن أم المؤمنين عائشة بنت الصديق رضي الله عنها كانت قد خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه السفرة وكانت تحمل في هودج فنزلوا بعض المنازل ثم أرادوا أن يرتحلوا أول النهار فذهبت الى المبرز ثم رجعت فإذا هي فاقدة عقدا لأختها أسماء كانت أعارتها إياه فرجعت تلتمسه في الموضع الذي كانت فيه فجاء النفر الذين كانوا يرحلون بها فحملوا الهودج حملة رجل واحد وليس فيه أحد فرحلوه على البعير ولم يستنكروا خفته لتساعدهم عليه ولأن عائشة رضي الله عنها كانت في ذلك الوقت لا تحمل اللحم بل كانت طفلة في سن أربع عشرة سنة فلما رجعت وقد أصابت العقد لم تر بالمنزل أحدا فجلست في المنزل وقالت إنهم سيفقدونها فيرجعون إليها والله غالب على أمره وله الحكم فيما يشاء وأخذتها سنة من النوم فلم تستيقظ إلا بترجيع صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني فكان قد عرس في أخريات القوم لانه كان شديد النوم كما جاء ذلك عنه في رواية ابي داود فلما رأى ام المؤمنين قال إنا لله وإنا إليه راجعون زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أناخ بعيره فقربه إليها فركبته ولم يكلمها كلمة واحدة ولم تسمع منه إلا ترجيعه ثم سار بها يقودها حتى قدم بها وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة فلما رأى ذلك الناس تكلم المنافقون بما الله مجازيهم به وجعل عبدالله بن أبي الخبيث مع ما تقدم له من الخزي في هذه الغزوة يتكلم في ذلك ويستحيله ويظهره ويشيعه ويبديه وكان الأمر في ذلك كما هو مطول في الصحيحين من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص الليثي وعبيدالله بن عبدالله بن عتبة كلهم عن عائشة رضي الله عنها الصديقة بنت الصديق المبرأة من فوق سبع سموات مما اتهمها به أهل الإفك في هذه الغزوة في قوله تعالى إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم الآيات فلما أنزل الله تعالى ذلك وكان بعد قدومهم من هذه الغزوة بأكثر من شهر جلد الذين تكلموا في الإفك وكان ممن جلد مسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك صعد على المنبر فخطب المسلمين واستعذر في عبدالله بن أبي وأصحابه فقال من يعذرني من رجل بلغني أذاه في اهلي والله ما علمت على أهلي إلا خيرا وذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما يدخل على أهلي إلا معي فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الاشهل فقال يا رسول الله أنا أعذرك منه فإن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك فقام سعد بن عبادة فقال كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تستطيع قتله ولو كان من رهطك لما أحببت أن يقتل فقال أسيد بن الحضير والله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فتثاروا الحيان حتى كادوا يقتتلون فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم ويسكنهم حتى سكنواالحديث وهكذا وقع في الصحيحين ان المقاول لسعد بن عباد هو سعد بن معاذ وهذا من المشكلات التي أشكلت على كثير من أهل العلم بالمغازي فإن سعد بن معاذ لا يختلف أحد منهم أنه مات إثر قريظة وقد كانت عقب الخندق وهي سنة خمس على الصحيح ثم حديث الإفك لا يشك أنه في غزوة بين المصطلق هذه وهي غزوة المريسيع وقال الزهري في غزوة المريسيع وقد اختلف الناس في الجواب عن هذا فقال موسى بن عقبة فيما حكاه البخاري عنه إن غزوة المريسيع كانت في سنة أربع وهذا خلاف الجمهور ثم في الحديث ما ينفي ما قال لأنها قالت وذلك بعد ما أنزل الحجاب ولا خلاف انه نزل صبيحة دخوله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش وقد سأل صلى الله عليه وسلم زينب عن شأن عائشة في ذلك فقالت أحمي سمعي وبصري قالت عائشة وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكر أهل التواريخ أن تزويجه بها كان في ذي القعدة في سنة خمس فبطل ما كان ولم ينجل الإشكال وأما الإمام محمد بن إسحاق بن يسار فقال إن غزوة بني المصطلق كانت في سنة ست وذكر فيها حديث الإفك إلا أنه قال عن الزهري عن عبيدالله بن عبدالله عن عائشة فذكر الحديث قال فقام أسيد بن الحضير فقال أنا أعذرك منه لم يذكر سعد بن معاذ قال أبو محمد بن حزم وهذا الصحيح الذي لا شك فيه وذلك عندنا وهم وبسط الكلام في ذلك مع اعترافه بأن ذكر سعد جاء من طرق صحاح قلت وهو كما قال إن شاء الله وقد وقع من هذا النمط في الحديث مما لا يغير حكما أحاديث ذوات عدد وقد نبه الناس على أكثرها وقد حاول بعضهم أجوبة لها فتعسف والله سبحانه وتعالى أعلم


يتبع






غزوة الحديبية

ولما كان ذو القعدة من السنة السادسة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرا في ألف ونيف قيل وخمسمائة وقيل وأربعمائة وقيل وثلاثمائة وقيل غير ذلك فأما من زعم أنه إنما خرج في سبعمائة فقط غلط فلما علم المشركون بذلك جمعوا احابيشهم وخرجوا من مكة صادين له عن الاعتمار هذا العام وقدموا على خيل لهم خالد بن الوليد الى كراع الغميم وخالفه صلى الله عليه وسلم في الطريق فانتهى صلى الله عليه وسلم الى الحديبية وتراسل هو والمشركون حتى جاء سهيل بن عمرو فصالحه على أن يرجع عنهم عامهم هذا وأن يعتمر من العام المقبل فأجابه صلى الله عليه وسلم الى ما سأل لما جعل الله عز وجل في ذلك من المصلحة والبركة وكره ذلك جماعة من الصحابة رضي الله عنهم منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وراجع أبا بكر الصديق في ذلك ثم راجع النبي صلى الله عليه وسلم فكان جوابه صلى الله عليه وسلم كما أجابه الصديق رضي الله عنه وهو أنه عبدالله ورسوله وليس يضيعه وهو ناصره وقد استقصى البخاري هذا الحديث في صحيحه فقاضاه سهيل بن عمرو على أن يرجع عنهم عامه هذا وأن يعتمر من العام المقبل على أن لا يدخل مكة إلا في جلبان السلاح وأن لا يقيم عندهم أكثر من ثلاثة أيام وعلى أن يأمن بينهم وبينه عشر سنين فكانت هذه الهدنة من أكبر الفتوحات للمسلمين كما قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه وعلى أنه من شاء دخل في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن شاء دخل في عقد قريش وعلى أنه لا يأتيه احد منهم وإن كان مسلما إلا رده إليهم وإن ذهب أحد من المسلمين إليهم لا يردونه إليه فأقر الله سبحانه ذلك كله إلا ما استثنى من المهاجرات المؤمنات من النساء فإنه نهاهم عن ردهن الى الكفار وحرمهن على الكفار يومئذ وهذا أمر عزيز ما يقع في الأصول وهو تخصيص السنة بالقرآن ومنهم من عده نسخا كمذهب أبي حنيفة وبعض الأصوليين وليس هو الذي عليه أكثر المتأخرين والنزاع في ذلك قريب إذ يرجع حاصله الى مناقشة في اللفظ وقد كان صلى الله عليه وسلم قبل وقوع هذا الصلح بعث عثمان بن عفان رضي الله عنه الى أهل مكة يعلمهم أنه لم يجئ لقتال أحد وإنما جاء معتمرا فكان من سيادة عثمان رضي الله عنه أنه عرض عليه المشركون الطواف بالبيت فأبى عليهم وقال لا أطوف بها قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرجع عثمان رضي الله حتى بلغه صلى الله عليه وسلم انه قد قتل عثمان فحمي لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دعا أصحابه الى البيعة على القتال فبايعوه تحت الشجرة هناك وكانت سمرة وكان عدة من بايعه هناك جملة من قدمنا أنه خرج معه الى الحديبية الا الجد بن قيس فإنه كان قد استتر ببعير له نفاقا منه وخذلانا وإلا أبا سريحة حذيفة بن أسيد فإنه شهد الحديبية وقيل إنه لم يبايع وقيل بل بايع وكان أول من بايع يومئذ أبو سنان وهب بن محصن أخو عكاشة بن محسن وقيل ابنه سنان بن أبي سنان وبايع سلمة بن الأكوع رضي الله عنه يومئذ ثلاث مرات بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم له بذلك كما رواه مسلم عنه ووضع صلى الله عليه وسلم إحدى يديه عن نفسه الكريمة ثم قال وهذه عن عثمان رضي الله عنه فكان ذلك أجل من شهوده تلك البيعة وأنزل الله عزوجل في ذلك لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك وقال صلى الله عليه وسلم لا يدخل ممن بايع تحت الشجرة النار فهذه هي بيعة الرضوان ولما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من مقاضاة المشركين كما قدمنا شرع في التحلل من عمرته وأمر الناس بذلك فشق عليهم وتوقفوا رجاء نسخه فغضب النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فدخل على أم سلمة فقال لها ذلك فقالت أخرج أنت يا رسول الله فاذبح هديك واحلق رأسك والناس يتبعونك يا رسول الله فخرج ففعل ذلك فبادر الناس الى موافقته فحلقوا كلهم الا عثمان بن عفان وأبا قتادة الحارث بن ربعي فإنهما قصرا ذكره السهيلي في الروض الأنف وكاد بعضهم يقتل بعضا غما لأنهم يرون المشركين قد ألزموهم بشروط كما أحبوا وأجابهم صلى الله عليه وسلم إليها وهذا من فرط شجاعتهم رضي الله عنهم وحرصهم على نصر الإسلام ولكن الله عزوجل بحقائق الأمور ومصالحها منهم ولهذا لما انصرف صلى الله عليه وسلم راجعا الى المدينة أنزل الله عز وجل عليه سورة فتح مكة بكما لها في ذلك وقال عبدالله بن مسعود إنكم تعدون الفتح فتح مكة وإنما كنا نعده فتح الحديبية وصدق رضي الله عنه فإن الله سبحانه وتعالى جعل هذه هي السبب في فتح مكة كما سنذكره بعد إن شاء الله تعالى وعوض من هذه سلفا وتعجيلا
غزوة خيبر

ولما رجع صلى الله عليه وسلم الى المدينة أقام بها الى المحرم من السنة السابعة فخرج في آخره الى خيبر ونقل عن مالك بن أنس رحمه الله أن فتح خيبر كان في سنة ست والجمهور على أنها في سنة سبع وأما ابن حزم فعنه أنها في سنة ست بلا شك وذلك بناء على اصطلاحه وهو أنه يرى أن أول السنين الهجرية شهر ربيع الأول الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة مهاجرا ولكن لم يتابع عليه إذ الجمهور على أن أول التاريخ من محرم تلك السنة وكان أول من أرخ بذلك يعلى بن أمية باليمن كما رواه الامام أحمد بن حنبل عنه بإسناد صحيح إليه وقيل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذلك في سنة ست عشرة كما بسط ذلك في موضع آخر فسار صلى الله عليه وسلم إليها واستخلف على المدينة نميلة بن عبدالله الليثي فلما انتهى اليها حاصرها حصنا حصنا يفتحه الله عز وجل عليه ويغنمه حتى استكملها صلى الله عليه وسلم وخمسها وقسم نصفها بين المسلمين وكان جملتهم من حضر الحديبية فقط وأرصد النصف الآخر لمصالحه ولما ينوبه من أمر المسلمين واستعمل اليهود الذين كانوا فيها بعد ما سألوا ذلك عوضا عما كان صالحهم عليهم من الجلاء على أن يعملوها ولرسول الله صلى الله عليه وسلم النصف مما يخرج منها من ثمر أو زرع وقد اصطفى صلى الله عليه وسلم من غنائمها صفية بنت حيي بن أخطب لنفسه فأسلمت فأعتقها وتزوجها وبنى بها في طريق المدينة بعدما حلت وقد أهدت إليه امرأة من يهود خيبر وهي زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم شاة مصلية مسمومة فلما انتهش من ذراعها أخبره الذراع أنه مسموم فترك الأكل ودعا باليهودية فاستخبرها أسممت هذه الشاة فقالت نعم فقال ما أردت الى ذلك فقالت أردت إن كنت نبيا لم يضرك وإن كنت غيره استرحنا منك فعفا عنها صلى الله عليه وسلم وقيل إن بشر بن البراء بن معرور كان ممن أكل منها فمات فقتلها به وقد روى ذلك أبو داود مرسلا عن أبي سلمة ابن عبدالرحمن بن عوف وقدم على النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر بعد فراغهم من القتال جعفر بن أبي طالب وأصحابه ممن بقي مهاجرا بأرض الحبشة وصحبتهم أبوموسى الأشعري في جماعة من الأشعريين يزيدون على السبعين وقدم عليه أبو هريرة وآخرون رضي الله عنهم أجمعين فأعطاهم صلى الله عليه وسلم من المغانم كما أراد الله عزوجل وقد قال صلى الله عليه وسلم لجعفر لا أدري بأيهما أنا أسر أبفتح خيبر أم بقدوم جعفر ولما قدم عليه قام وقبل ما بين عينيه وقد استشهد بخيبر من المسلمين نحو عشرين رجلا رضي الله عنهم جميعهم


فتح فدك

ولما بلغ أهل فدك ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأهل خيبر بعثوا إليه يطلبون الصلح فأجابهم فكانت مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب فوضعها صلى الله عليه وسلم أراد عز وجل ولم يقسمها


فتح وادي القرى

ورجع من المدينة الى وادي القرى فافتتحه وقيل إنه قاتل فيه فالله أعلم وفي الصحيحين أن غلاما لرسول الله صلى الله عليه وسلم يدعى مدعما بينما هو يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم غرب فقتله فقال الناس هنيئا له الشهادة يا رسول الله فقال كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا


عمرة القضاء

ولما رجع صلى الله عليه وسلم الى المدينة أقام بها الى شهر ذي القعدة فخرج فيه معتمرا عمرة القضاء التي قاضى قريشا عليها ومنهم من يجعلها قضاء عن عمرة الحديبية حيث صد ومنهم من يقول عمرة القصاص والكل صحيح فسار حتى بلغ مكة فاعتمر وطاف بالبيت وتحلل من عمرته وتزوج بعد إحلاله بميمونة بنت الحارث أم المؤمنين وتمت الثلاثة أيام فبعث إليه المشركون عليا رضي الله عنه يقولون له اخرج من بلدنا فقال وما عليهم لو بنيت بميمونة عندهم فأبوا عليه ذلك وقد كانوا خرجوا من مكة حين قدمها صلى الله عليه وسلم عداوة وبغضا له فخرج عليه الصلاة والسلام فبنى بميمونة بسرف ورجع الى المدينة مؤيدا منصورا فصل بعث مؤتة ولما كان في جمادى الآخرة من سنة ثمان بعث صلى الله عليه وسلم الأمراء الى مؤتة وهي قرية من أرض الشام ليأخذوا بثأر من قتل هناك من المسلمين فأمر على الناس زيد ابن حارثة مولاه صلى الله عليه وسلم وقال إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة فخرجوا في نحو من ثلاثة آلاف وخرج صلى الله عليه وسلم معهم يودعهم الى بعض الطريق فساروا حتى إذا كانوا بمعان بلغهم ان هرقل ملك الروم قد خرج اليهم في مائة ألف ومعه مالك بن زافلة في مائة ألف أخرى من نصارى العرب من لخم وجذام وقبائل قضاعة من بهراء وبلي وبلقين فاشتور المسلمون هناك وقالوا نكتب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بأمره أو يمدنا فقال عبدالله بن رواحة رضي الله عنه يا قوم والله إن الذي خرجتم تطلبون أمامكم يعنى الشهادة وإنكم ما تقاتلون الناس بعدد ولا قوة وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فانطلقوا فهي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة فوافقه القوم فنهضوا فلما كانوا بتخوم البلقاء لقوا جموع الروم فنزل المسلمون الى جنب قرية مؤتة والروم على قرية يقال لها مشارف ثم التقوا فقاتلوا قتالا عظيما وقتل أمير المسلمين زيد بن حارثة رضي الله عنه والراية في يده فتناولها جعفر ونزل عن فرس له شقراء فعقرها وقاتل حتى قطعت يده اليمنى فأخذ الراي بيده الأخرى فقطعت أيضا فاحتضن الراية ثم قتل رضي الله عنه عن ثلاث وثلاثين سنة على الصحيح فأخذ الراية عبدالله بن رواحة الأنصاري رضي الله عنه وتلوم بعض التلوم ثم صصم وقاتل حتى قتل فيقال إن ثابت بن أقرم أخذ الراية وأراد المسلمون أن يؤمروه عليهم فأبى فأخذ الراية خالد بن الوليد رضي الله عنه فانحاز بالمسلمين وتلطف حتى خلص المسلمون من العدو ففتح الله على يديه كما أخبر بذلك كله رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه الذين بالمدينة يومئذ وهو قائم على المنبر فنعى اليهم الأمراء واحدا واحدا وعيناه تذرفان صلى الله عليه وسلم والحديث في الصحيح وجاء الليل فكف الكفار عن القتال ومع كثرة هذا العدو وقلة عدد المسلمين بالنسبة اليهم لهم يقتل من المسلمين خلق كثير على ما ذكره أهل السير فإنهم لم يذكروا فيما سموا الا نحو العشرة وكر المسلمون راجعين ووقى الله شر الكفرة وله الحمد والمنة إلا أن هذه الغزوة كانت إرهاصا لما بعدها من غزو الروم وإرهابا لأعداء الله ورسوله


يتبع







غزوة فتح مكة

نذكر فيه ملخص غزوة فتح مكة التي أكرم الله عز وجل بها رسوله وأقر عينه بها وجعلها علما ظاهرا على إعلاء كلمته وإكمال دينه والاعتناء بنصرته وذلك لما دخلت خزاعة كما قدمنا عام الحديبية في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخلت بنو بكر في عقد قريش وضربت المدة الى عشر سنين أمن الناس بعضهم بعضا ومضى من المدة سنة ومن الثانية نحو تسعة أشهر فلم تكمل حتى غدا نوفل بن معاوية الديلي فيمن أطاعه من بني بكر بن عبد مناة فبيتوا خزاعة على ماء لهم يقال له الوتير فاقتتلوا هناك بذحول كانت لبني بكر على خزاعة من أيام الجاهلية واعانت قريش بني بكر على خزاعة بالسلاح وساعدهم بعضهم بنفسه خفية وفرت خزاعة الى الحرم فاتبعهم بنو بكر إليه فذكر قوم نوفل نوفلا بالحرم وقالوا أتق إلهك فقال لا إله له اليوم والله يا بني بكر إنكم لتسرقون في الحرم أفلا تدركون فيه ثأركم قلت قد أسلم نوفل هذا بعد ذلك عفا الله عنه وحديثه مخرج في الصحيحين رضي الله تعالى عنه وقتلوا من خزاعة رجلا يقال له منبه وتحصنت خزاعة في دور مكة فدخلوا دار بديل بن ورقاء ودار مولى لهم يقال له رافع فانتقض عهد قريش بذلك فخرج عمرو بن سالم الخزاعي وبديل بن ورقاء الخزاعي وقوم من خزاعة حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعلموه بما كان من قريش واستنصروه عليهم فأجابهم صلى الله عليه وسلم وبشرهم بالنصر وأنذرهم أن أبا سفيان سيقدم عليهم مؤكدا العقد وأنه سيرده بغير حاجة فكان كذلك وذلك أن قريشا ندموا على ما كان منهم فبعثوا أبا سفيان ليشد العقد الذي بينهم وبين محمد صلى الله عليه وسلم ويزيد في الأجل فخرج فلما كان بعسفان لقي بديل بن ورقاء وهو راجع من المدينة فكتمه بديل ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب أبو سفيان حتى قدم المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها فذهب ليقعد على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعته وقالت إنك رجل مشرك نجس فقال والله يا بنية لقد أصابك بعدي شر ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليه ما جاء له فلم يجبه صلى الله عليه وسلم بكلمة واحدة ثم ذهب إلى أبي بكر رضي الله عنه فطلب منه أن يكلم رسول الله فأبى عليه ثم جاء الى عمر رضي الله عنه فأغلظ له وقال أنا أفعل ذلك والله لو لم أجد إلا الذر لقاتلتكم به وجاء عليا رضي الله فلم يفعل وطلب من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها أن تأمر ولدها الحسن أن يجير بين الناس فقالت ما بلغ بني ذلك وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار عليه علي رضي الله عنه أن يقوم هو فيجير بين الناس ففعل ورجع الى مكة فأعلمهم بما كان منه ومنهم فقالوا والله ما زاد يعنون عليا أن لعب بك ثم شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاز الى مكة وسأل الله عز وجل أن يعمي على قريش الأخبار فاستجاب له ربه تبارك وتعالى ولذلك لما كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا الى أهل مكة يعلمهم فيه بما هم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من القدوم على قتالهم وبعث به مع امرأة وقد تأول في ذلك مصلحة تعود عليه رحمه الله وقبل ذلك منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه لأنه كان من أهل بدر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا والزبير والمقداد رضي الله عنهم فردوا تلك المرأة من روضه خاخ وأخذوا منها الكتاب وكان هذا من إعلام الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك ومن أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم وخرج صلى الله عليه وسلم لعشر خلون من رمضان في عشرة آلاف مقاتل من المهاجرين والأنصار وقبائل العرب وقد ألفت مزينة وكذا بنو سليم على المشهور رضي الله عنهم جميعهم واستخلف صلى الله عليه وسلم على المدينة ابا رهم كلثوم بن حصين ولقيه عمه العباس بذي الحليفة وقيل بالجحفة فأسلم ورجع معه صلى الله عليه وسلم وبعث ثقله الى المدينة ولما انتهى صلى الله عليه وسلم الى نيق العقاب جاءه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أمية أخو أم سلمة مسلمين فطردهما فشفعت فيهما أن سلمة وابلغته عنهما مارققه عليهما فقبلهما فاسلما اتم إسلام رضي الله عنهما بعد ما كانا أشد الناس عليه صلى الله عليه وسلم وصام صلى الله عليه وسلمحتى بلغ ماء يقال له الكديد بين عسفان وأمج من طريق مكة فأفطر بعد العصر على راحلته ليراه الناس وأرخص للناس في الفطر ثم عزم عليهم في ذلك فانتهى صلى الله عليه وسلم حتى نزل بمر الظهران فبات به واما قريش فعمى الله عليها الخبر إلا أنهم قد خافوا وتوهموا من ذلك فلما كانت تلك الليلة خرج ابن حرب وبديل بن ورقاء وحكيم بن حزام يتجسسون الخبر فلما رأوا النيران أنكروها فقال بديل هي نار خزاعة فقال أبو سفان خزاعة أقل من ذلك وركب العباس بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلتئذ وخرج من الجيش لعله يلقى أحدا فلما سمع أصواتهم عرفهم فقال أبا حنظلة فعرفه ابو سفيان فقال أبو الفضل قال نعم قال ماوراءك قال ويحك هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس واصباح قريش قال فما الحيلة قال والله لئن ظفر بك ليقتلنك ولكن اركب ورائي وأسلم فركب وراءه وانطلق به فمر في الجيش كلما أتى على قوم يقولون هذا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مر بمنزل عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلما رآه قال عدو الله الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد ويركض العباس البغلة ويشتد عمر رضي الله عنه في جريه وكان بطيئا فسبقه العباس فأدخله على رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء عمر في أثره فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضرب عنقه فأجاره العباس مبادرة فتقاول هو وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما فأمره صلى الله عليه وسلم أن يأتيه به غدا فلما أصبح أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليه الاسلام فتلكأ قليلا ثم زجره العباس فاسلم فقال العباس يا رسول الله إن أبا سفيان يحب الشرف فقال صلى الله عليه وسلم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن قال ابن حزم هذا نص في أنها فتحت صلحا لا عنوة قلت هذا أحد أقوال العلماء وهو الجديد من مذهب الشافعي واستدل على ذلك أيضا بأنها لم تخمس ولم تقسم والذين ذهبوا الى أنها فتحت عنوة استدلوا بأنهم قد قتلوا من قريش يومئذ عند الخندمة نحوا من عشرين رجلا واستدلوا بهذا اللفظ أيضا فهو آمن والمسألة يطول تحريرها ها هنا وقد تناظر الشيخان في هذه المسألة أعني تاج الدين الفزاري وأبا زكريا النووي ومسألة قسمة الغنائم والغرض أنه صلى الله عليه وسلم أصبح يومه ذلك سائرا الى مكة وقد أمر صلى الله عليه وسلم العباس أن يوقف أبا سفيان عند خطم الجبل لينظر الى جنود الإسلام اذا مرت عليه وقد جعل صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه على المقدمة وخالد بن الوليد رضي الله عنه على الميمنة والزبير بن العوام رضي الله عنه على الميسرة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في القلب وكان أعطى الراية سعد بن عبادة رضي الله عنه فبلغه أنه قال لأبي سفيان حين مر عليه يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة والحرمة هي الكعبة فلما شكا أبوسفيان ذلك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بل هذا يوم تعظم فيه الكعبة فأمر بأخذ الراية من سعد فتعطى عليا وقيل الزبير وهو الصحيح وأمر صلى الله عليه وسلم الزبير أن يدخل من كداء من أعلى مكة وأن تنصب رايته بالحجون وأمر خالدا أن يدخل من كدى من أسفل مكة وأمرهم بقتال من قاتلهم وكان عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو قد جمعوا جمعا بالخندمة فمر بهم خالد بن الوليد فقاتلهم فقتل من المسلمين ثلاثة وهم كرز بن جابر من بني محارب بن فهر وحبيش بن خالد بن ربيعة بن أصرم الخزاعي وسلمة بن الميلاء الجهني رضي الله عنهم وقتل من المشركين ثلاثة عشر رجلا وفر بقيتهم ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وهو راكب على ناقته وعلى رأسه المغفر ورأسه يكاد يمس مقدمة الرحل من تواضعه لربه عز وجل وقد أمن صلى الله عليه وسلم الناس إلا عبد العزى ابن خطل وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وعكرمة بن أبي جهل ومقيس بن صبابة والحويرث بن نقيد وقينتين لابن خطل وهما فرتنا وصاحبتها وسارة مولاة لبني عبد المطلب فإنه صلى الله عليه وسلم أهدر دماءهم وأمر بقتلهم حيث وجدوا حتى ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة فقتل ابن خطل وهو متعلق بالأستار ومقيس بن صبابة والحويرث بن نقيذ وإحدى القينتين وآمن الباقون ونزل صلى الله عليه وسلم مكة واغتسل في بيت أم هانئ وصلى ثماني ركعات يسلم من كل ركعتين فقيل إنها صلاة الضحى وقيل صلاة الفتح قال السهيلي وقد صلاها سعد بن أبي وقاص في إيوان كسرى إلا أنه صلى ثماني ركعات بتسليم واحد وليس كما قال بل يسلم من كل ركعتين كما رواه أبو داود وخرج صلي الله عليه وسلم الى بيت فطاف به طواف قدوم ولم يسع ولم يكن معتمرا ودعا بالمفتاح فدخل البيت وأمر بإلقاء الصور ومحوها منه وأذن بلال يومئذ على ظهر الكعبة ثم رد صلى الله عليه وسلم المفتاح الى عثمان بن طلحة بن أبي طلحة وأقرهم على السدانة وكان الفتح لعشر بقين من رمضان واستمر صلى الله عليه وسلم مفطرا بقية الشهر يصلي ركعتين ويأمر أهل مكة أن يتموا كما رواه النسائي بإسناد حسن عن عمران بن حصين رضي الله عنه وخطب صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح فبين حرمة مكة وأنها لم تحل لأحد قبله ولا تحل لأحد بعده وقد أحلت له ساعة من نهار وهي غير ساعته تلك حرام وبعث صلى الله عليه وسلم السرايا الى من حول مكة من أحياء العرب يدعونهم الى الاسلام وكان في جملة تلك البعوث بعث خالد الى بني جذيمة الذين قتلهم خالد حين دعاهم الى الاسلام فقالوا صبأنا ولم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فوداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ من صنيع خالد بهم وكان أيضا في بلك البعوث بعث خالد أيضا الى العزى وكان بيتا تعظمه قريش وكنانة وجميع مضر فدمرها رضس الله عنه من إمام وشجاع وكان عكرنة بن أبي جهل قد هرب الى اليمن فلحقه امرأته وهي مسلمة وهي أم حكيم بنت الحارث بن هشام فردته بأمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وحسن إسلامه وكذا صفوان بن أمية كان قد فر الى اليمن فتبعه صاحبه في الجاهلية عمير بن وهب بأمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فرده وسيره صلى الله عليه وسلم أربعة أشهر فلم تمض حتى أسلم وحسن إسلامه رضي الله عنه


فصل غزوة حنين

ولما بلغ فتح مكة هوازن جمعهم مالك بن عوف النصري فاجتمع إليه ثقيف وقومه بنو نصر بين معاوية وبنو جشم وبنو سعد بن بكر وبشر من بني هلال ابن عامر وقد استصحبوا معهم أنعامهم ونساءهم لئلا يفروا فلما تحقق ذلك دريد بن الصمة شيخ بني جشم وكانوا قد حملوه في هودج لكبره تيمنا برأيه أنكر ذلك على مالك بن عوف النصري وهجنه وقال إنها إن كانت لك لم ينفعك ذلك وإن كانت عليك فإن المنهزم لا يرده شئ وحرضهم على إلا يقاتلوا إلا فقي بلادهم فإبوا عله ذلك واتبعوا رأي مالك بن عوف فقال دريد هذا يوم لم أشهده ولم يغب عني وبعث صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي فاستعلم له خبر القوم وقصدهم فتهيأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للقائهم واستعار من صفوان بن امسة أدراعا قيل مائة وقيل أربعمائة واقترض منه جملة من المال وسار اليهم في القشرة آلاف الذين كانوا معه في الفتح وألفين من طلقاء مكة وشهد معه صفوان بن أمية حنينا وهو مشرك وذلك في شوال من هذه السنة واستخلف على مكة عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس وله نحو عشرين سنة ومر صلى الله عليه وسلم في مسيره ذلك على شجرة يعظمها المشركون يقال لها ذات أنواط فقال بعض جهال الأعراب اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة لتركبن سنن من قبلكم ثم نهض صلى الله عليه وسلم موافيا حنينا وهو واد حدور من أدوية تهامة وقد كمنت لهم هوازن فيه وذلك في عماية الصبح فحملوا على المسلمين حملة رجل واحد فولى المسلمون لا يلوي أحد على أحد فذلك قوله تعالى ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين وذلك أن بعضهم قال لن نغلب اليوم من قلة وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفر ومعه من الصحابة أبو بكر وعمر وعلي وعمه العباس وابناه الفضل وقثم وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وابنه جعفر وآخرون وهو صلى الله عليه وسلم يومئذ راكب بغلته التي أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي وهو يركضها الى وجه العدو والعباس آخذ بحكمتها يكفها عن التقدم وهو صلى الله عليه وسلم ينوه باسمه يقول أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ثم أمر العباس وكان جهير الصوب أن ينادي يا معشر الأنصار يا معشر أصحاب الشجرة يا معشر أصحاب السمرة فلما سمعه المسلمون وهم فارون كروا وأجابوه لبيك لبيك وجعل الرجل إذا لم يستطع أن يثني بعيره لكثرة المنهزمين نزل عن بعيره وأخذ درعه فلبسها وأخذ سيفه وترسه ويرجع راجلا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا اجتمع حوله عصابة منهم نحو المائة استقبلوا هوازن فاجتلدوا هم وإياهم واشتدت الحرب وألقى الله في قلوب هوازن الرعب حين رجعوا فلم يملكوا أنفسهم ورماهم صلى الله عليه وسلم بقبصة حصى بيده فلم يبق منهم أحد إلا ناله منها وفسر قوله تعالى وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى بذلك وعندي في ذلك نظر لأن الآية نزلت في قصة بدر كم تقدم وتفر هوازن بين يدي المسلمين ويتبعونهم يقتلون ويأسرون فلم يرجع آخر الصحابة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا والأسارى بين يديه وحاز صلى الله عليه وسلم أموالهم وعيالهم وانحازت طوائف من هوازن الى أوطاس فبعث صلى الله عليه وسلم اليهم أبا عامر الأشعري واسمه عبيد ومعه ابن أخيه أبو موسى الأشعري حامل راية المسلمين في جماعة من المسلمين فقتلوا منهم خلقا وقتل أمير المسلمين أبو عامر رماه رجل فأصاب ركبته وكان منها حتفه فقتل أبو موسى قاتله وقيل بل اسلم قاتله بعد ذلك وكان أحد إخوة عشرة قتل أبو عامر التسعة قبله فالله أعلم ولما أخبر أبوموسى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك استغفر صلى الله عليه وسلم لأبي عامر وكان أبو عامر رابع أربعة استشهدوا يوم حنين والثاني أيمن بن أم أيمن والثالث يزيد بن زمعة بن الاسود والرابع سراقة بن الحارث بن عدي من بني العجلان من الأنصار رضي الله عنهم وأما المشركون فقتل منهم خلق كثير وفي هذه الغزوة قال صلى الله عليه وسلم من قتل فله سلبه في قصة أبي قتادة رضي الله عنه


يتبع




غزوة الطائف

وأما رئيس هوزان وهو مالك بن عوف النصري فإنه حين انهزم جيشه دخل مع ثقيف حصن الطائف ورجع صلى الله عليه وسلم من حنين فلم يدخل مكة حتى أتى الطائف فحاصرهم فقيل بضع وعشرون ليلة وقيل بضع عشرة ليلة قال ابن حزم وهو الصحيح لا شك قلت ما أدري من اين صحح هذا بل كأنه أخذه من قوله صلى الله عليه وسلم لهوزان حين أتوه مسلمين بعد ذلك لقد كنت أستأنيت بكم عشرين ليلة وفي الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال فحاصرناهم أربعين يوما يعني ثقيفا فاستعصوا وتمنعوا وقتلوا جماعة من المسلمين بالنبل وغيره وقد خرب صلى الله علي وسلم كثيرا من أموالهم الظاهرة وقطع أعنابهم ولم ينل كبير شيء فرجع عنهم فأتى الجعرانة فأتاه وفد هوزان هنالك مسلمين وذلك قبل أن يقسم الغنائم فخيرهم صلى الله عليه وسلم بين ذراريهم وبين أموالهم فاختاروا الذرية فقال صلى الله عليه وسلم أما ما كان لي ولبني المطلب فهو لكم قال المهاجرون والأنصار وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم وامتنع الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وقومهما حتى أرضاهما وعوضهما صلى الله عليه وسلم وأراد العباس بن مرداس السلمي أن يفعل كفعلهما فلم توافقه بنو سليم بل طيبوا ما كان لهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فردت الذرية على هوزان وكانوا ستة آلاف فيهم الشيماء ينت الحارث بن عبد العزى من بني سعد ابن بكر بن هوزان وهي أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة فأكرمها وأعطاها ورجعت إلى بلاد مختارة لذلك وقيل كانت هوزان متوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم برضاعتهم إياه ثم قسم صلى الله عليه وسلم بقيته على المسلمين وتألف جماعة من سادات قريش وغيرهم فجعل يعطي الرجل المائة بعير والخمسين ونحو ذلك وفي صحيح مسلم عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى يومئذ صفوان بن أمية ثلاثمائة من الإبل وعتب بعض الأنصار فبلغه فخطبهم وحدهم وامتن عليهم بما أكرمهم الله من الإيمان به وبما أغناهم الله به بعد فقرهم وألف بينهم بعد العدواة التامة فرضوا وطابت أنفسهم رضي الله عنهم وأرضاهم وطعن ذو الخويصرة التميمي واسمه حرقوص فيما قيل على النبي صلى الله عليه وسلم في قسمته وصفح عنه صلى الله عليه وسلم وحلم بعد ما قال له بعض الأمراء ألا نضرب عنقه فقال لا ثم قال إنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لم قتلهم واستعمل صلى الله عليه وسلم مالك بن عوف النصري على من أسلم من قومه وكان قد أسلم وحسن إسلامه وامتدح رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصيدة ذكها ابن إسحاق واعتمر صلى الله عليه وسلم من الجعرانة ودخل مكة فلما قضى عمرته ارتحل إلى المدينة وأقام للناس الحج عامئذ عتاب بن أسيد رضي الله عنه فكان أول من حج بالناس من أمراء المسلمين


غزوة تبوك

وتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء والذرية ومن عذره الله من الرجال ممن لا يجد ظهرا يركبه أو نفقة تكفيه فمنهم البكاؤون وكانوا سبعة سالم بن عمير وعلبة بن زيد وأبو ليلى عبدالرحمن بن كعب وعمرو بن الحمام وعبدالله بن المغفل المزني وهرمي بن عبدالله وعرباض بن سارية الفزاري رضي الله عنهم وتخلف منافقون كفرا وعنادا وكانوا نحو الثمانين رجلا وتخلف عصاة مثل مرارة بن الربيع وكعب بن مالك وهلال بن أمية ثم تاب الله عليهم بعد قدومه صلى الله عليه وسلم بخمسين ليلة فسار صلى الله عليه وسلم فمر في طريقه بالحجر فأمرهم أن لا يدخلوا عليهم بيوتهم إلا أن يكونوا بكاين وأن لا يشربوا إلا من بئر الناقة وما كانوا عجنوا به من غيره فليطعموه للإبل وجازها صلى الله عليه وسلم مقنعا فبلغ صلى الله عليه وسلم تبوك وفيها عين تبض بشيء من ماء قليل فكثرت ببركته مع ما شوهد من بركة دعائه في هذه الغزوة من تكثير الطعام الذي كان حاصل الجيش جميعه منه مقدار العنز الباركة فدعا الله عز وجل فأكلوا منه وملؤ وكل وعاء كان في ذلك الجيش وكذا لما عطشوا دعا الله تعالى فجاءت سحابة فأمطرت فشربوا حتى رووا واحتملوا ثم وجدوها لم تجاوز الجيش ومن آيات أخر كثيرة احتاجوا إليها في ذلك الوقت ولما انتهى إلى هناك لم يلق غزوا ورأى أن دخولهم إلى أرض الشام بهذه السنة يشق عليهم فعزم على الرجوع وصالح صلى الله عليه وسلم يحنة بن رؤبة صاحب أيلة وبعث خالدا إلى أكيدر دومة فجيء به فصالحه أيضا ورده ثم رجع صلى الله عليه وسلم وبعد رجوعه أمر بهدم مسجد الضرار وكان قد أخرج من دار خدام بن خالد وهدمه بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم أخو بني سالم أحد رجال بدر وآخر معه اختلف فيه وهو المسجد الذي نهى الله رسوله أن يقوم فيه أبدا وكان رجوعه من هذه الغزاة في رمضان من سنة تسع وأنزل فيها عامة سورة التوبة وعاتب الله عز وجل من تخلف عنه صلى الله عليه وسلم فقال عز وجل ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه الآية التي تليها ثم قال وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون فبان لك من هذا واتضح ما اختلف فيه وهو أن الطائفة النافرة هم الذين يتفقهون في الدين بصحبتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة وإذا رجعوا أنذروا قومهم ليحذروا مما تجدد بعدهم في الدين والله سبحانه وتعالى أعلم فصل ولما أنزل الله عز وجل على رسوله قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب إلى الجهاد وأعلمهم بغزو الروم وذلك في رجب من سنة تسع وكان لا يريد غزوة إلا ورى بغيرها إلا غزوته هذه فإنه صرح لهم بها ليتأهبوا لشدة عدوهم وكثرته وذلك حين طابت الثمار وكان ذلك في سنة مجدبة فتأهب المسلمون لذلك وأنفق عثمان بن عفان رضي الله عنه على هذا الجيش وهو جيش العسرة مالا جزيلا فقيل ألف دينار وقال بعضهم إنه حمل على ألف بعير ومائة فرس وجهزها أتم جهاز حتى لم يفقدوا عقالا ولا خطاما رضي الله عنه ونهض صلى الله عليه وسلم في نحو من ثلاثين ألفا واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة وقيل سباع بن عرفطة وقيل علي بن أبي طالب رضي الله عنه والصحيح أن عليا كان خليفة له على النساء والذرية ولهذا لما آذاه المنافقون فقالوا تركه على النساء والذرية لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكا إليه ذلك فقال ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي وقد خرج معه عبد الله بن أبي رأس النفاق ثم رجع من اثناء الطريق


قدوم وفد ثقيف

وقدم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان هذه السنة فأسلموا وكان سبب ذلك أن عروة بن مسعود سيدهم كان قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من حنين والطائف وقبل وصوله إلى المدينة فأسلم وحسن إسلامه واستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرجوع إلى قومه ليدعوهم إلى الله عز وجل فأذن له وهو يخشى عليه فلما رجع إليهم ودعاهم إلى الإسلام رموه بالنبل فقتلوه ثم إنهم ندموا ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعثوا وفدهم إليه في رمضان كما قدمنا وكانوا ستة فأول من بصر بهم المغيرة بن شعبة الثقفي وكان يرعى فترك ذلك وأقبل بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمهم في الطريق كيف يسلمون عليه وسبق أبو بكر الصديق رضي الله عنه المغيرة وبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومهم فأنزلهم عليه الصلاة والسلام في المسجد وضرب لهم فيه قبة وكان السفير بينهم وبينه خالد سعيد بن العاص وكان الطعام يأتيهم من عند النبي صلى الله عليه وسلم فلا يأكلونه حتى يأكل خالد قبلهم فأسلموا واشترطوا أن تبقى عندهم طاغيتهم اللات وأن لا تهدم فلم يجبهم صلى الله عليه وسلم إلى ذلك وسألوا أن يخفف عنهم بعض الصلوات فلم يجبهم إلى ذلك فسألوا أن لا يهدموا بأيديهم طاغيتهم فأجابهم إليه وبعث معهم أبا سفيان صخر بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدمها فهدماها وعظم ذلك على نساء ثقيف واعتقدوا أن يصيبهم منها سوء وقد سخر بهم المغيرة بن شعبة حين هدمها فخر صريعا وذلك بتواطؤ منه ومن أبي سفيان ليوهم أن ذلك منها ثم قام يبكتهم ويقرعهم رضي الله عنه فأسلموا وحسن إسلامهم وجعل صلى الله عليه وسلم إمامهم أحد الستة الذين قدموا عليه وهو عثمان بن أبي العاص وكان أحدثهم سنا لما رأى من حرصه على قراءة القرآن وتعلمه الفرائض وأمره أن يتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا وأن يقتدي بأضعفهم


حجة الصديق وتواتر الوفود وبعث الرسل

وبعث صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه أميرا على الحج هذه السنة وأردفه عليارضي الله عنه بسورة براءة وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان وينبذ إليهم عهودهم الا من كان ذا عهد مقدر فعهده الى مدته وتواترت الوفود هذه السنة وما بعدها على رسول الله صلى الله عليه وسلم مذعنة بالاسلام وداخلين في دين الله أفواجا كما قال الله تعالى إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا وبعث صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل الى اليمن ومعه أبوموسى الأشعري رضي الله عنهما وبعث الرسل الى ملوك الأقطار يدعوهم الى الاسلام وانتشرت الدعوة وعلت الكلمة وجاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا


يتبع






حجة الوداع

نذكر فيه ملخص حجة الوداع وكيفيتها بعون الله ومنه وحسن توفيقه وهدايته فنقول وبالله التوفيق صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة من سنة عشر بالمدنية ثم خرج منها بمن معه من المسلمين من أهل المدينة ومن تجمع من الأعراب فصلى العصر بذي الحليفة ركعتين وبات بها وأتاه آت من ربه عز وجل في ذلك الموضع وهو وادي العقيق يأمره عن ربه عز وجل أن يقول في حجته هذه حجة في عمرة ومعنى هذا أن الله أمره أن يقرن الحج مع العمرة فاصبح صلى الله عليه وسلم فأخبر الناس بذلك فطاف على نسائه يومئذ بغسل واحد وهن تسع وقيل إحدى عشرة ثم اغتسل وصلى في المسجد ركعتين وأهل بحجة وعمرة معا هذا الذي رواه بلفظه ومعناه عنه صلى الله عليه وسلم ستة عشر صحابيا منهم خادمة أنس بن مالك رضي الله عنه وقد رواه عنه صلى الله عليه وسلم ستة عشر تابعيا وهو صريح لا يحتمل التأويل إلا أن يكون بعيدا وما عدا ذلك مما جاء من الأحاديث الموهمة التمتع أو ما يدل على الإفراد فلها محل غير هذا تذكر فيه والقرآن في الحج عند أبي حنيفة هو الأفضل وروي فيه عن الإمام أحمد بن حنبل قول وعن الإمام أبي عبدالله الشافعي وقد نصره جماعة من محققي اصحابه وهو الذي يسهل به الجمع بين الأحاديث كلها وبين العلماء من أوجه والله أعلم وساق صلى الله عليه وسلم الهدي من ذي الحليفة وأمر من كان معه هدي أن يهل كما أهل صلى الله عليه وسلم وسار صلى الله عليه وسلم والناس بين يديه وخلفه وعن يمينه وشماله أمما لا يحصون كثرة كلهم قدم ليأتم به صلى الله عليه وسلم فلما قدم صلى الله عليه وسلم مكة طاف للقدوم ثم سعى بين الصفا والمروة وأمر الذين لم يسوقوا هديا أن يفسخوا حجهم الى عمرة ويتحللوا حلالا تاما ثم يهلوا بالحج وقت خروجهم الى منى ثم قال لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة فذلك هذا أنه لم يكن متمتعا قطعا خلافا لزاعمي ذلك من أصحاب الإمام احمد وغيرهم وقدم علي رضي الله عنه من اليمن فقال صلى الله عليه وسلم بم أهللت قال بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إني سقت الهدي وقرنت روى هذا اللفظ أبو داود وغيره من الأئمة بإسناد صحيح فهذا صريح في القرآن وقدم علي رضي الله عنه من اليمن هديا وأشركه صلى الله عليه وسلم في هديه أيضا وكان حاصلها مائة بدنة ثم خرج صلى الله عليه وسلم الى منى فبات بها وكانت ليلة الجمعة التاسع من ذي الحجة ثم أصبح فسار الى عرفة وخطب تحت سمرة خطبة عظيمة شهدها من أصحابه نحو من أربعين ألفا رضي الله عنهم أجمعين وجمع بين الظهر والعصر ثم وقف بعرفة ثم بات بالمزدلفة وجمع بين المغرب والعشاء ليلتئذ ثم أصبح فصلى الفجر في أول وقتها ثم سار قبل طلوع الشمس الى منى فرمى جمرة العقبة ونحر وحلق ثم افاض فطاف بالبيت طواف الفرض وهو طواف الزيارة واختلف اين صلى الظهر يومئذ وقد أشكل ذلك على كثير من الحفاظ ثم حل من كل شيء حرم منه صلى الله عليه وسلم وخطب ثاني يوم النحر خطبة عظيمة أيضا ووصى وحذر وأشهدهم على أنفسهم أنه بلغ الرسالة فنحن نشهد أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا دائما الى يوم الدين ثم أقبل صلى الله عليه وسلم منصرفا الى المدينة وقد أكمل الله له دينه


وفاته صلى الله عليه وسلم

فأقام بها بقية ذي الحجة والمحرم وصفر ثم ابتدأ به صلى الله عليه وسلم وجعه في بيت ميمونة يوم خميس وكان وجعا في رأسه الكريم وكان أكثر ما يعتريه الصداع عليه الصلاة والسلام فجعل مع هذا يدور على نسائه حتى شق عليه فاستأذنهن أن يمرض في بيت عائشة رضي الله عنها فأذن لهن فمكث وجعا أثني عشر يوما وقيل أربعة عشر يوما والصديق رضي الله عنه يصلي بالناس بنصه صلى الله عليه وسلم واستثنائه له من جيش أسامة الذي كان قد جهزه صلى الله عليه وسلم إلى الشام لغزو الروم فلما حصل الوجع تربصوا لينظروا ما يكون من أمره صلى الله عليه وسلم وقد صلى عليه الصلاة والسلام خلف الصديق جالسا وقبض صلى الله عليه وسلم ضحى يوم الإثنين من ربيع الأول فالمشهور أنه الثاني عشر منه وقيل مستهله وقيل ثانية وقيل غير ذلك وقال السهيلي ما زعم أنه لم يسبق إليه من أنه لا يمكن أن تكون وقفته يوم الجمعة ذي الحجة ثم تكون وفاته يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول بعده سواء حسبت الشهور كاملة أم ناقصة أم بعضها كاملا وبعضها ناقصا وقد حصل له جواب صحيح في غاية الصحة ولله الحمد أفردته مع غيره من الأجوبة وهو أن هذا إنما وقع بحسب اختلاف رؤية هلال ذي الحجة في مكة والمدينة فرآه أهل مكة قبل أولئك بيوم وعلى هذا يتم القول المشهور لله الحمد والمنة وكان عمره يوم مات صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين سنة على الصحيح قالوا ولها مات أبو بكر وعمر وعلي وعائشة رضي الله عنهم ذكره أبو زكريا النووي في تهذيبه وصححه وفي بعضه نظر وقيل كان ستين وقيل خمسا وستين وهذه الأقوال الثالثة في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما فاشتدت الرزية بموته صلى الله عليه وسلم وعظم الخطب وجل الأمر وأصيب المسلمون بنبيهم وأنكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذلك وقال إنه لم يمت وإنه سيعود كما عاد موسى لقومه وماج الناس وجاء الصديق المؤيد المنصور رضي الله عنه أولا وآخرا وظاهرا وباطنا فأقام الأود وصدع بالحق وخطب الناس وتلا عليهم وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ويسجزي الله الشاكرين وكأن الناس لم يسمعوها قبل ذلك فما من أحد إلا يتلوها ثم ذهب المسلمون به إلى سقيفة بن ساعدة وقد اجتمعوا على إمرة سعد بن عبادة فصدهم عن ذلك وردهم وأشار عليهم بعمر بن الخطاب أو بأبي عبيدة ابن الجراح فأبيا ذلك والمسلمون وأبى الله ذلك أيضا فبايعه المسلمون رضي الله عنهم هناك ثم جاء فبايعه الناس البيعة العامة على المنبر ثم شرعوا في جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلوه في قميصه وكان الذي تولى ذلك عمه العباس وابنه قثم وعلي بن أبي طالب وأسامة بن زيد وشقران مولياه يصبان الماء وساعد في ذلك أوس ين خولي الأنصاري البدري رضي الله عنهم أجمعين وكفنوه في ثلاثة أثواب قطن سحولية بيض ليس فيها قميص وصلوا عليه أفرادا واحدا واحدا لحديث جاء في ذلك رواه البزار والله أعلم بصحته أنه صلى الله عليه وسلم أمرهم بذلك وقال الشافعي إنما صلوا عليه مرة بعد مرة أفذاذا لعظم قدره ولمنافستهم أن يؤمهم عليه أحد قال الحاكم أبو أحمد فكان أولهم عليه صلاة العباس عمه ثم بنو هاشم ثم المهاجرون ثم الأنصار ثم سائر الناس فلما فرغ الرجال صلى الصبيان ثم النساء ودفن صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء وقيل ليلة الأربعاء سحرا في الموضع الذي توفي فيه من حجرة عائشة لحديث رواه الترمذي عن أبي بكر رضي الله عنه وهذا هو المتواتر تواترا ضروريا معلوما من الدفن الذي هو اليوم داخل مسجد المدينة


شكرا
تم بحمد الله ويا ريت اشوف ردود حلوة




بارك الله فيك على الجهد
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حمززوون مشاهدة المشاركة
بارك الله فيك على الجهد


شكرا لردك الجميل
جزاك الله خير

ولاكن يغلق للتكرار

http://www.nokiagate.com/vb/showthread.php?t=313959