منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


تفسير سورة الذاريات




ساهم بنشر الصفحة
موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع
تفسير سورة الذاريات
{بسم الله الرحمن الرحيم} تقدم الكلام على البسملة، ) والذاريات ذروا * فالحاملات وقرا * فالجاريات يسرا * فالمقسمات أمرا (أقسمالله تعالى بهذه المخلوقات لأنها دالة على عظمته تبارك وتعالى، ولما فيهامن المصالح والمنافع، أما قوله: { والذاريات ذروا } فالذاريات هي الرياحتذر التراب وغير التراب، قال الله تبارك وتعالى: {فأصبح هشيمًا تذروهالرياح } أي: تفرقه في أمكنة متعددة، وأقسم الله بالذاريات لما فيها منالمصالح الكثيرة، ففي تصريفها حكمة بالغة، فمنها الرياح الدافئة، ومنهاالرياح الباردة، على حسب ما تقتضيه حكمة الله - عز وجل - ولأن الرياح تثيرسحاباً فيسقي به الله الأرض؛ ولأنها تسير السفن، ففيما سبق كانت السفنتجري على الرياح، قال الله تعالى: {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريحطيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان } .
{فالحاملات وقرا } المراد بها السحاب، تحمل المياه موقرة، أي: مثقلة محملة،قال الله تبارك وتعالى: {هو الذي يريكم البرق خوفًا وطمعًا وينشىء السحابالثقال } فهي ثقيلة محملة بمياه عظيمة بحار، ولذلكتمطر فتجري الأرض أنهاراً بإذن الله - عز وجل - فالذاريات: الرياح،والحاملات: السحب، والارتباط بينهما ظاهر؛ لأن الرياح هي التي تثير السحابوهي التي تلقح السحاب بالماء، قال الله تعالى: {وأرسلنا الرياح لواقحفأنزلنا من السماء ماءً فأسقيناكموه }
{فالجاريات } هن السفن { يسرا } أي: بسهولة، قال الله تبارك وتعالى: {إنالما طغا الماء حملنـكم في الجارية } أي: في السفينة، هذه السفينة ميسرةبإذن الله عز وجل بما يسره الله تعالى من الرياح الطيبة، وكلما كانت الريحمناسبة كان سيرها أيسر، والآن جاءت السفن النارية التي لا تحتاج إلىالرياح فصارت أيسر وأيسر، تجدها قرى كاملة تمخر عباب الماء وتسير بسهولة،والارتباط بين هذه الثلاثة أن الرياح تحمل الأمطار، وأن السحب تحملالأمطار، فتنزل إلى الأرض، فيكون الرزق للمواشي والآدميين، والجاريات أيالسفن، هي أيضاً تحمل الأرزاق من جهة إلى جهة، فلا يمكن أن تصل الأرزاق منجهة إلى جهة أخرى بينها وبينها بحر إلا عن طريق السفن.
{فالمقسمات أمرا } وهم الملائكة، وجمعهم لأنه يجوز جمع المؤنث باعتبارالجماعات، أي: فالجماعات المقسمات { أمرا } التي تقسم الأمر، أي: شئونالخلق، ويحتمل أن يكون { أمرا } أي: بأمر الله، والمعنى صحيح على كلاالتقديرين، فإن الملائكة عليهم الصلاة والسلام يقسمون ما يريد الله - عزوجل - من أرزاق الخلق وغيرها بأمر الله - عز وجل - هذه أربع جمل:الذاريات، الحاملات، الجاريات، المقسمات،كل هذه مقسم بها، والمقسم عليه: }إنما توعدون لصادق { يعني ما وعدكم الله تعالى فهو وعد صادق، والصادق هوالمطابق للواقع، وذلك لأن الخبر نوعان: نوع يخالف الواقع، وهذا يسمىكذباً، ونوع يطابق الواقع، وهذا يسمى صدقاً، سواء كان المخبر عنه ماضٍ أومستقبلاً، فأقسم الله - عز وجل - بهذه المخلوقات على إنما نوعد صادق.فلابد أن يقع إذا وقع ما نوعد، وهو البعث يوم القيامة يتلوه الجزاء، ولهذاقال: } إنما توعدون لصادق { الدين يعني الجزاء،والدين يطلق أحياناً بمعنى الجزاء، وأحياناً بمعنى العمل، ففي قوله تعالى:{لكم دينكم ولى دين } المراد به العمل، وفي قوله تبارك وتعالى: {مـالك يومالدين } المراد به الجزاء، وهنا}وإن الدين لواقع{ أي الجزاء لابد أن يقع،لأن الله على كل شيء قدير. وقد قال الله تعالى: {يوم تشقق الأَرض عنهمسراعاً ذلك حشر علينا يسير }.
(والسماءذات الحبك) السماء معروفة، ذات: بمعنى صاحبة {الحبك } يعني الطرق، أي:أنها من حسنها كأنها ذات طرق محبوكة متقنة، كما يكون ذلك في جبال الرمل،يضربها الهواء فتكون مضلعة، إذن السماء كذلك {إنكم لفي قول مختلف } {إنكم} الخطاب للكافرين { لفي قول مختلف } يعني يختلف بعضه عن بعض، فبعض الكفارقالوا للرسول عليه الصلاة والسلام: إنه مجنون، وبعضهم قالوا: إنه ساحر،وبعضهم قالوا: إنه كاهن، وبعضهم قالوا: إنه شاعر، وبعضهم قالوا: إنه كذاب،فهم مختلفون في النبي صلى الله عليه وسلم ، واختلاف الأقوال يدل على كذبهاوفسادها، وكلما رأيت قولاً مختلفاً متناقضاً فاعلم أنه باطل وليس بصحيح؛لأن الحق لا يمكن أن يتناقض، فهؤلاء المكذبون للرسول عليه الصلاة والسلاماختلفوا هذا الاختلاف {يؤفك عنه من أفك } بمعنى يصرف {عنه } قيل: إنالضمير يعود على الرسول عليه الصلاة والسلام، أي يصرف عن الرسول صلى اللهعليه وسلم من صرف من الناس، وقيل: إن الضمير يعودعلى القوم، وعلى هذا القول: تكون (عن) بمعنى الباء، أي يؤفك بهذا القول منأفك، يصرف بهذا القول عن الحق من صرف، وهما أي المعنيان متلازمان، والأقربأن الضمير في قوله {عنه } يعود على القوم؛ لأنه أقرب مذكور {يؤفك عنه } أيعن هذا القول أي بسببه {من أفك } أي من صرف عن الحق، وذلك لأن من البيانلسحراً (1) فإذا جاءك رجل بليغ فصيح، وصار يورد عليك الشبهات والشكوك ألستتنخدع بقوله؟ بلى، فهؤلاء المكذبون للرسول عليه الصلاة والسلام عندهمفصاحة وبلاغة وتمويه ودجل، فيصرفون الناس، وقوله {من أفك } هل المراد منقدر الله عليه أن يصرف، أو المراد من أفك؟ أي من صرفه هؤلاء المختلفون.هما متلازمان أيضاً، فإن هؤلاء الذين يضلون الناس لا يمكن أن يضلوهم إلابإذن الله - عز وجل {ومن يضـلل الله فما له من هـاد * ومن يهد الله فما لهمن مضل} فهم الذين يأفكون الناس أي: يصرفونهم فهم السبب، لكن المقدر للصرفهو الله - عز وجل - ولكن اعلم أخي المسلم أنه لا يمكن أن يصرف عن الحق إلامن علم الله منه أنه ليس أهلاً للحق - نسأل الله السلامة - ولهذا قال اللهتعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته } وكذلك الله أعلم حيث يجعل رسالته فيالذين يمتثلونها ويؤمنون بها. ويدل على هذا الذي قلنا قول الله تباركوتعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم } ولكن احذر إذا رأيت ضالاًّ أنتقول: هذا ليس أهلاً للهداية؛ لأن هناك فرقاً بين القول بالعموم، والقولبالتعيين، فالقول بالتعيين حرام؛ لأنك قد ترى شخصاً ضالاًّ وتقول: هذا لايهتدي، وإذا به يهديه الله عز وجل، والعكس بالعكس، ربما ترى شخصاًمستقيماً تقول: هذا لا يمكن أن يضل، فإذا به يضله الله، فإياك أن تشهد علىمعين، لكن حقيقة أنك إذا رأيت ضالاًّ متمرداً مستكبراً عن الحق فإنك بقلبكتستبعد أن الله يهديه، لكن لا تقل: إن الله لا يهديه، ففي سنن أبي داود عنأبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد فيالعبادة، فكان لايزال المجتهد يرى الآخر على الذنب، فيقول: أقصر. فوجدهيوماً على ذنب، فقال له: أقصر. فقال: خلني وربي، أبعثت عليَّ رقيباً؟فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الجنة، فقبض أرواحهما، فاجتمعاعند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالماً، أو كنت على ما فييدي قادراً، وقال للمذنب؟ اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا بهإلى النار». قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياهوأخراه (2) . وفي رواية مسلم: فقال الله تعالى: «من ذا الذي يتألَّى عليَّأن لا أغفر لفلان، إني قد غفرت له، وأحبطت عملك» (3) نسأل الله العافية،لهذا لا تعجب بنفسك، ولا تيأس من رحمة الله فيما يتعلق بك، ولا فيما يتعلقبغيرك، فإن الله تعالى على كل شيء قدير، لكن نعلم على سبيل العموم أنالإنسان إذا لم يكن أهلاً للهداية فإنه لن يهتدي، فإذا رأينا هذا الشخصمنحرفاً مستكبراً معانداً فلا شك أنه يغلب على ظننا أنه ليس أهلاًللهداية، لكن ليس لنا أن ننطق بذلك، ويحرم أن ننطق بذلك، ويخشى أن يقاللنا كما قيل لهذا الرجل: قد غفرت له وأحبطت عملك، وهنا مسألة مهمة وهيالفرق بين التعيين والإطلاق، فنحن مثلاً نشهد لكل مؤمن بأنه في الجنة، لكنإذا رأينا شخصاً مستقيماً، ويصلي ويزكي، ويصوم، ويحج، ويتصدق، ويحسن، ويبروالديه، ويصل رحمه، فلا نشهد بأنه في الجنة؟ لأن التعيين شيء والإجمال شيءآخر، وإذا رأينا رجلاً كافراً ملحداً مسلطاً على المسلمين، يمزق كتاب اللهويدوسه برجليه ويستهزىء بالله ورسوله فلا نقول: هذا من أهل النار، بلنقول: من فعل هذا فهو من أهل النار. بلا تعيين، لأنه من الجائز في آخرلحظة أن يمنّ الله عليه ويهديه، فأنت لا تدري، لذلك يجب التفريق بينالتعيين والإطلاق، أوالتعيين والإجمال، فإذا مات رجل ونحن نعرف أنه ماتعلى النصرانية حسب ما يبدو لنا من حاله، فلا نشهد له بالنار؛ لأنه إن كانمن أهل النار فسيدخل ولو لم نشهد، وإن لم يكن من أهل النار فشهادتنا شهادةبغير علم، فمثل هذه المسائل لا داعي لها، فلو قال قائل: مات رجل من الروس،من الملحدين، مات رجل من الأمريكان من الملحدين منهم، مات رجل من اليهودمن الملحدين، العنه واشهد له بالنار، نقول: لا يمكن، نحن نقول: من مات علىهذا فهو من أهل النار، من مات على هذا لعناه، أما الشخص المعين فلا، ولهذاكان من عقيدة أهل السنة والجماعة قالوا: لا نشهد لأحد بالجنة أو بالنارإلا لمن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكننا نرجو للمحسن ونخاف علىالمسيء، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة.
{قتلالخراصون } {قتل } كثير من المفسرين يفسرها بلعن، واللعن هوالطرد والإبعادعن رحمة الله، ولكن الصحيح أنها بمعنى أهلك، لأنه لا داعي أن نصرفها عنظاهرها، وظاهرها صحيح مستقيم، فمعنى {قتل }: أهلك، و{الخراصون} جمع خراص،وهو الذي يتكلم بالظن والتخمين والارتياب والشك، لأنه منغمر في الجهلوالسهو والغفلة، ولهذا وصفهم بقوله: {الذين هم في غمرة سـاهون }أي في غمرة من الجهل، قد أحاط بهم الجهل من كل جانب، {سـاهون }: غافلون،لا يحاولون أن يقبلوا على ما أنزل الله على رسله - عليهم الصلاة والسلام -ومن جهلهم أنهم {يسئلون أيان يوم الدين }، سؤال استبعاد وإنكار، لو كانوايسألون سؤال استعلام واستخبار، لعذروا، كما قال جبريل للنبي صلى الله عليهوسلم : «أخبرني عن الساعة»، استفهاماً واستخباراً، قال النبي صلى اللهعليه وعلى آله وسلم: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» (4) لكن أولئكالخراصون يسألون: { أيان يوم الدين } يعني متى هو؟ استبعاداً، ولهذا قالالله عنهم في سورة (ق): {بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكـافرون هـذاشيء عجيب * أءذامتنا وكنا تراباً ذلك رجع بعيد } يعني أنرجع بعد أن كناتراباً، هذا رجع بعيد، فهم يسألون عن القيامة لا سؤال استفهام واستخبارليستيقنوا، ولكنْ سؤال استبعاد وإنكار، قال الله تعالى: {يوم هم على الناريفتنون } هذا الجواب يعني يوم القيامة: {يوم هم على النار يفتنون }وعلى هذا فيوم هنا ظرف خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: يوم القيامة يوم همعلى النار يفتنون، ومعنى: {على النار يفتنون } أي: يعرضون عليها فيحترقونبها، لأن الفتنة بمعنى الاحتراق، ولكنها عديت بعلى، لأنها ضمنت معنىالعرض، أي: يعرضون على النار فيحترقون بها، هذا هو يوم الدين {ذوقوافتنتكم هـذا الذي كنتم به تستعجلون } ذوقوا هذه جملة مقول لقول محذوف،والتقدير: يقال لهم: ذوقوا فتنتكم، وهذا أمر إهانة وإذلال، أي ذوقوااحتراقكم في النار التي كنتم تنكرونها { هـذا الذي كنتم به تستعجلون }لأنهم يقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، فيستعجلون بالقيامة استبعاداًلها، كما قال الله تعالى: {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوامشفقون منها ويعلمون أنها الحق } فيقال لهؤلاء: { ذوقوا فتنتكم هـذا الذيكنتم به تستعجلون } ويقال لهم: {أفسحر هـذا أم أنتم لا تبصرون هـذا أمأنتم لا تبصرون اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ماكنتم تعملون } يفتنون على النار فيحترقون بها، ويقال: {ذوقوا فتنتكم } هذاتوبيخ وإهانة وإذلال يكون به: العذاب القلبي، فيجمع لهم بين العذاب البدنيوبين العذاب القلبي، فتجده يكون في أشد ما يكون من الحسرة، يتحسرونيقولون: {ياليتنا نرد ولا نكذب بآيـات ربنا ونكون من المؤمنين }، ولما كانالقرآن الكريم مثاني، تثنى فيه المعاني الشرعية والخبرية، إذا ذكر الشيءذكر ضده، لما ذكر عذاب هؤلاء المكذبين الخراصين قال: {إن المتقين في جنـاتوعيون } المتقون هم الذين اتقوا الله، والتقوى ترد في القرآن الكريم علىوجوه متعددة: بالوصف تارة، وبالفعل تارة، وبالأمر تارة، وتارة تكون مضافةإلى الله، وتارة تكون مضافة إلى العقوبة وغير ذلك، مما يدل على أن التقوىشأنها عظيم في الإسلام، وليست التقوى قولاً يقال باللسان، بل هي قول يتبعهفعل وتطبيق، فإن سألتم ما هي التقوى؟ قلنا: التقوى كلمتان: فعل ما أمرالله به، وترك ما نهى الله عنه، علم وبرهان واحتساب وخوف، تفعل ما أمرالله به، لأنك تعلم أن الله أمر به، تفعل ما أمر الله به لأنك تحتسبثوابه، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، تترك ما نهىالله عنه؛ لأنك تعلم أن الله نهى عنه. تترك ما نهى الله عنه خوفاً من عقابالله، لأنك موقن بالعذاب، هذه هي التقوى، يقول الله عز وجل عن المتقين:{في جنات وعيون } أي: مستقرون في جنات وعيون، والجنات جمع جنة، ويمر فيالقرآن (جنة) مفرداً و(جنات) جمعاً، فهل هي جنات متعددة أو هي جنة واحدة؟هي جنات متعددة، لكن ذكرت بلفظ المفرد من باب ذكر الجنس، وإلا فهي جنات،وفي آخر سورة الرحمن، ذكر الله أربع جنات، قال: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} ثم قال: {ومن دونهما جنتان } وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «جنتان منذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما» (5) إذن فالجناتمتعددة وجمعت باعتبار أنواعها وأصنافها، وقد جاءت في القرآن مفردة، مثلقوله: {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون }. وجاءت أيضاً مجموعةفهي مفردة باعتبار الجنس، ومجموعة باعتبار النوع، و(عيون): جمع عين، وهيالأنهار الجارية، وقد ذكر الله تعالى أنها أربعة أنواع: {أنهار من ماء غيرآسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار منعسل مصفى }
{آخذينمآ ءاتـهم ربهم }. قوله: {آخذين }: حال من الضمير المستتر بالخبر، أي: حالكونهم آخذين ما آتاهم ربهم، أي: ما أعطاهم من النعيم، وهذه الآية كالآيةالتي في سورة الطور {فـكهين بمآ آتـهم ربهم }، ثم بيَّن السبب الذي وصلوابه إلى هذا، فقال: {إنهم كانوا قبل ذلك محسنين } يعني في الدنيا محسنين،أي: قائمين بطاعة الله على الوجه الذي يرضاه الله - عز وجل - وقد ثبت عنالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «الإحسان أن تعبد الله كأنكتراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (6) هذا الإحسان في العبادة، أماالإحسان في معاملة الخلق، فإنَّ أجمع ما يقال فيه ما قاله النبي عليهالصلاة والسلام: «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهويؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه» (7) هذاهو الإحسان إلى الناس، أن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، من حسنالخلق، وطلاقة الوجه، وكف الأذى، وبذل الندى إلى غير ذلك مما هو معروف،فهؤلاء محسنون في عبادة الله، ومحسنون إلى عباد الله، ثم ذكر نوعاً من هذاالإحسان فقال: {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون }. (ما) هنا قيل: إنهازائدة في اللفظ، لكنها زائدة في المعنى، وأن التقدير: كانوا قليلاًيهجعون، أي لا ينامون إلا قليلاً: وماذا يصنعون في هذه اليقظة؟ يصنعون ماذكره الله تعالى في سورة المزمل: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثىالليل ونصفه وثلثه وطآئفة من الذين معك }. فهم ليسوا يسهرون على اللهوواللغو، أو يستيقظون على مثله، ولكنهم يقل نومهم للتفرغ لطاعة الله عزوجل: {وبالأَسحـار هم يستغفرون }. الأسحار: جمع سحر، وهو آخر الليل، { هميستغفرون }، يعني يسألون الله المغفرة، وهذا من حسن عملهم وعدم إعجابهمبأنفسهم، وكونهم يشعرون بأنهم وإن اجتهدوا فهم مقصرون، فيستغفرون الله بعدفعل الطاعة جبراً لما حصل فيها من خلل، ويشرع في نهاية العبادات أن يستغفرالإنسان ربه مما قد يكون فيها من خلل، فبعد الصلاة يستغفر الإنسان ربهثلاثاً، وبعد الحج قال الله تعالى: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناسواستغفروا الله إن الله غفور رحيم } فهم يسألون المغفرة بعد تهجدهموقيامهم وسهرهم في طاعة الله، خوفاً من أن يكون هناك تقصير، وهذا مما يدلعلى معرفتهم بأنفسهم، وأنهم يرون أنفسهم مقصرين، خلافاً لما يفعله بعضالناس الآن إذا تعبد لله تعالى بأدنى عبادة شمخ بنفسه وأدل على الله تعالىبها، وظن أنه من عباد الله الصالحين، صحيح أن الإنسان ينبغي أن يرجو ربهإذا أنعم الله عليه بطاعة أن يقبلها، لكن كونه يرى أنه قد أتم كل شيء.فهذا يخشى أن يحبط عمله وهو لا يشعر. {وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم }في أموالهم كلها سواء الأموال الزكوية، أو غير الزكوية فيها حق للسائلوالمحروم، إذا أتاهم سائل أعطوه، وإذا رأوا محروماً أي ممنوعاً من الرزق،وهو الفقير أعطوه، فمالهم قد أعدوه لما يرضي الله - عز وجل - من السائلينوالمحرومين وغير ذلك من الإنفاق المشروع، فهم يقومون بطاعة الله تهجد فيالليل واستغفار وبذل للمال، لكن من غير إسراف ولا مخيلة.
{وفي الأَرض آيات للموقنين }لم يبين الله هذه الآيات بل جاءت منكرة، ليشمل كل آية في الأرض، سواء كانتالآيات فيما يحدث فيها من الحوادث، أو كانت في نفس طبيعة الأرض وتركيبالأرض، فإن فيها آيات عظيمة من حيث التركيب، كما قال الله - عز وجل -:{وفي الأَرض قطع متجـاورات } فتجد الحجر الواحد يشتمل على عدة معادن وهوحجر واحد، وترى أحياناً في {الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألونها وغرابيب سود} وتجد فيها الأرض اللينة الرخوة، والأرض الصلبة إلى غير ذلك مما يعرفهعلماء الجيولوجيا من الآيات العظيمة، وفيها آيات من جهة الحوادث التي تحدثفيها من الزلازل والبراكين وغيرها، وفيها آيات أيضاً من جهة طبيعة الجو منحر وبرد، ورياح عاصفة، ورياح باردة، ورياح دافئة، وغير ذلك مما إذا تأملهالإنسان عرف به قدرة الله عز وجل من جهة، وعرف حكمته ورحمته أيضاً من جهةأخرى، لأن آيات الله سبحانه وتعالى يتبصر بها الإنسان من حيث القدرةوالعظمة، ومن حيث الحكمة والرحمة، لأن كل شيء تجده مناسباً لمكانه وزمانه،وكل شيء تجده من آثار رحمة الله - تبارك وتعالى - فكلمة (آيات) نكرة عامةلكل ما يحدث في الأرض من آيات، ولكل ما فيها من طبيعتها وتركيبها وغير ذلك{ آيات للموقنين } أي لمن أيقن بوجود الله عز وجل وعظمته وجلاله، أما منشك - والعياذ بالله - فإنه لن ينتفع بهذه الآيات، بل قد تكون هذه الآياتضرراً عليه، فإن الآيات الكونية، أو الشرعية قد تكون خيراً للإنسان، وقدتكون شرًّا، قال الله تبارك وتعالى: {وإذا مآ أنزلت سورة } يعني من القرآن{فمنهم من يقول أيكم زادته هـذه إيمـاناً فأما الذين آمنوا فزادتهمإيمـاناً وهم يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسًا إلىرجسهم وماتوا وهم كافرون} كذلك الآيات الكونية من الناس من ينتفع بهاويستدل بها على ما فيها من آيات الله - عز وجل - ومن الناس من يكون بالعكسيؤدي ما يجده في الآيات إلى الإلحاد - والعياذ بالله - ولهذا قال: {وفيالأَرض آيات للموقنين } يعني لا لكل إنسان بلللموقن، أما الشاك والمتردد والكافر فإنه لن ينتفع بهذه الآيات، {وفيأنفسكم }. أيضاً في أنفسكم آيات {أفلا تبصرون }وآيات هنا محذوفة، ولهذا نقول في الإعراب: في أنفسكم، جار ومجرور، خبرلمبتدأ محذوف والتقدير: وفي أنفسكم آيات. والحكمة - والله أعلم - ونحن فيعلمنا القاصر نظن أن الله حذف هذه الآيات لأنها أمس بالإنسان من الأرضوأدخل بالإنسان من الأرض، لأنها هي في نفسه، في أنفسكم آيات: ليس في تركيبالجسم فحسب، وليس فيما أودعه الله تعالى من القوة فحسب، بل حتى في تقلباتالأحوال، فالإنسان تجده يتقلب من سرور إلى حزن، ومن غم إلى فرح، تقلباتعجيبة عظيمة، حتى إن الإنسان في لحظة يجد نفسه متغيراً، وأحياناً يجد نفسهمتغيراً بدون سبب، يكون منشرح الصدر واسع البال مسروراً، وإذا به يغتمبدون سبب، وأحياناً بالعكس، هذا بالنسبة للأحوال النفسية، كذلك أيضاًبالنسبة للأحوال الإيمانية، وهي أعظم وأخطر، تجد الإنسان في بعض الأحيانيكون عنده من اليقين ما كأنه يشاهد أمور الغيب مشاهدة حسية، كأنما يرى كلما أخبر به الله من علوم الغيب، وفي بعض الأحيان يقل هذا اليقين، لأسبابقد تكون معلومة، وقد تكون غير معلومة، لكن من الأسباب المعلومة قلةالطاعة، فإن قلة الطاعة من أسباب ضعف اليقين، فإذا قلت طاعة الإنسان ضعفيقينه، قال الله تعالى: {فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعضذنوبهم } ومنها: اللهو، والغفلة، ولهذا قال الصحابة - رضي الله عنهم -لرسول الله - عليه الصلاة والسلام - إنا إذا كنا عندك وذكرت الجنة والنارفكأنما نراها رأي العين، فإذا ذهبنا إلى أهلنا عافسنا الأزواج والأولادوالضيعات نسينا (8). وهكذا الإنسان كلما لهى قل يقينه وقل إيمانه، ومن ثمنهى الشرع عن اللعب واللهو الباطل، الذي يزداد به الإنسان بعداً من اللهوبعداً عن طاعة الله وعن التفكير في آيات الله.
أيضاًفي النفس آيات في نفوس الناس: فمن الناس من تجده هيناً ليناً طليق الوجهمسروراً، كل من رآه سر بوجهه، وكل من جلس إليه زال عنه الغم والهم، ومنالناس من هو بالعكس قطوب، عبوس، بمجرد ما تراه لو كنت مسروراً لأتاك الحزنوالسوء، فهذا أيضاً من آيات النفس وهي كثيرة جداً، ومن أراد المزيد من هذاوالاطلاع على قدرة الله تعالى فيما في أنفسنا من الآيات فعليه بمطالعةكلام ابن القيم - رحمه الله - في كتاب (مفتاح دار السعادة) يجد العجبالعجاب، وكذلك أيضاً كتابه الصغير وهو كبير في المعنى وهو (التبيان فيأقسام القرآن). ذكر من ذلك العجب العجاب {أفلا تبصرون }، الاستفهام هناللتوبيخ والإنكار، كأنما يقول الله - عز وجل - أبصروا في أنفسكم تبصَّرواوتأملوا وتفكروا، فإذا لم تعرفوا هذه الآيات فأنتم لا تبصرون، فيكونالاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار ألا نتبصر، وهي دعوة من الله - عز وجل -لعباده أن يتبصروا في الآيات، فإذا لم تتبصر في الآيات فاعلم أنك محروم،قال الله تعالى: {وما تغنى الآيـات والنذر عن قوم لا يؤمنون}. إذن إذا لمتنتفع بالآيات فاعلم أنك محروم، وأن إيمانك ناقص {وما تغنى الآيـات والنذرعن قوم لا يؤمنون }. فعليك يا أخي أن تتفكر في آيات الله الكونية، وما فيهذا الكون العظيم من آيات الله الدالة على عظمته وسلطانه ورحمته وحكمته،وكذلك في آيات الله الشرعية، ومن فتح الله عليه في الآيات الشرعية ينتفعبها أكثر مما ينتفع بالآيات الكونية، إذا تأمل ما أخبر الله به عن نفسه منالأسماء والصفات، والأفعال والأحكام، ازداد إيماناً بالله - عز وجل - وعرفبذلك الحكمة والرحمة، وإذا تأمل فيما أخبر الله به عن اليوم الآخر، ومايكون فيه من ثواب وعقاب، وجزاء وحساب ازداد إيماناً بالله، وكلما تأملالإنسان في آيات الله الشرعية ازداد إيماناً، فبعض الناس الموفقين يكونازدياد إيمانه بالآيات الشرعية أكثر من ازدياد إيمانه بالآيات الكونية،أما الإنسان الذي يفتح الله عليه في هذا وهذا فيا حبذا.
{وفيالسماء رزقكم وما توعدون } ذهب كثير من العلماء أن المراد بالرزق هناالمطر، لأن الله تعالى قال: {هو الذي يريكم آيـاته وينزل لكم من السماءرزقاً وما يتذكر إلا من ينيب }. وسمي المطر رزقاً؛ لأنه سبب للرزق، فإذاأنزل الله المطر أخرجت الأرض الماء والمرعى، متاعاً لنا ولأنعامنا، وهذارزق، كم من ناس يكون رزقهم على ما ينزل من المطر من الزروع والحشيشوالمياه وغيرها، بل إن الله تعالى قال: {أفرءيتم الماء الذي تشربون أءنتمأنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون} هل أحد يستطيع أن ينزل من المزن ماءً؟لا يمكن، وهل أحد يستطيع أن يخلق في المزن ماءً؟ لا يمكن، وإنما الله عزوجل هو الذي يتولى ذلك، هذا هو مادة الرزق، لولا الماء لهلكت، وتأمل قولهتعالى: {أءنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجاًفلولا تشكرون}. لم يقل: لو نشاء لم ننزله، مع أنه لو شاء لم ينزله، لكنقال: {لو نشاء جعلناه أجاجاً } يعني لو نشاء أنزلناه لكن جعلناه أجاجاًمالحاً، لا يمكن أن يشرب، وحسرة الإنسان على ماء بين يديه ولكن لا يستطيعهولا يستسيغه أشد من حسرته على ماء مفقود، لأن ماءً موجوداً لا تنتفع بهولا تستطيع شربه أشد حسرة من ماء مفقود، ولهذا ذكرنا الله هذه الحال،أرأيتك الآن لو أن هذا المطر العذب الزلال اللذيذ صار أجاجاً مالحاً، ماذاتكون الحال؟ تكون صعبة جداً، ولهذا قال: {لو نشاء جعلنـاه أجاجاً فلولاتشكرون }. {وفي السماء رزقكم } إذن الرزق هو المطر كما في الآية الكريمة{وينزل لكم من السماء رزقاً } ويمكن أن نقول: إن الرزق الذي في السماء أعممن ذلك، فقد يقال: إن في السماء رزقاً من المطر، وما كتبه الله لنا فياللوح المحفوظ من المصالح والمنافع الجسدية من أموال وبنين وغير ذلك،فيكون هذا القول أشمل وأعم، واعلم أنه ينبغي أن يراعي المستدل بالقرآنوالسنة قاعدة مفيدة، وهي إذا فسرنا النص القرآني أو النبوي بمعنى أخصوفسرناه بمعنى أعم، فنأخذ بالأعم، لأن الأعم يدخل فيه الأخص ولا عكس، إلاإذا دل دليل على أنه خاص، فهذا يتبع فيه الدليل، لكن عندما لا يدل الدليل،فخذ بالأعم، لأن الأعم يدخل فيه الأخص ولا عكس، فهنا إذا قلنا: المرادبالرزق ما هو أعم من المطر، فالجواب صحيح، فيدخل فيه المطر وغيره، وقوله:{وما توعدون } يعني وفيه الذي توعدون، والذي نوعد الجنة، فالجنة في السماءوليست في الأرض، ولهذا قال الله تعالى في قصة آدم: {قلنا اهبطوا منها }.والهبوط يكون من أعلى إلى أسفل، فالجنة في السماء، وقد أخبر النبي صلىالله عليه وسلم أن الجنة درجات، وأن أعلاها الفردوس، وأنه أعلاها وأوسطهاأيضاً، وهو إشارة إلى أن الجنات مثل القبة أعلاها هو وسطها، قال: «منهتفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن» (9) إذن هي أعلى شيء، - نسأل الله أنيجعلنا من ساكنيها إنه على كل شيء قدير -، فالذي نوعد هو الجنة، فالرزق فيالسماء، والجنة التي نوعدها في الآخرة في السماء، إذا نحن أهل الأرضمحتاجون إلى السماء في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ففي السماء رزقنا فيالدنيا، وفيها ما نوعد في الآخرة وهو الجنة، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.
{فوربالسماء والأَرض إنه لحق مثل مآ أنكم تنطقون } الفاء عاطفة، والواو للقسم،ورب السماء والأرض هو الله - عز وجل - أقسم بنفسه تبارك وتعالى بمقتضىربوبيته للسماء والأرض، أن ما يوعدون حق؛ لأنه قال: {وفي السماء رزقكم وماتوعدون } {فورب السماء والأَرض } أي: ما توعدون. ويحتمل أن يكون الضميرعائداً للقرآن، ويحتمل أيضاً أنه عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ،والمعاني الثلاثة كلها متلازمة، وقوله: {إنه لحق } أي: ثابت، لأن الحقوالباطل متقابلان، فالباطل هو الزائل الضائع سداً، والحق هو الثابت الذيفيه الفائدة، وفيه الخير والصلاح، وقوله: {مثل مآ أنكم تنطقون } يعني كماأن الإنسان يتيقن نطقه، فإن هذا القرآن حق، ومعلوم أن كل واحد منا لا ينكرنطقه، وإذا نطق تيقن أنه نطق، إذن هذا القرآن كلام الله - عز وجل - حقمثلما أن نطقنا حق.
{هلأتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين } الخطاب ليس للنبي صلى الله عليه وسلمفحسب، بل له، ولكل من يتأتى خطابه ويصح توجيه الخطاب إليه، كأنه قال: هلأتاك أيها المخاطب { حديث ضيف إبراهيم المكرمين } والاستفهام هنا للتشويق،كأنه يشوقك إلى أن تسمع هذا الحديث، ونظيره في التشويق قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجـارة تنجيكم من عذاب أليم }. ليس المرادبهذا الاستفهام أنه يستفهم، لكنه أراد أن يشوق المخاطبين إلى ذلك، ويكونالاستفهام للتهديد والإنذار والتخويف في مثل قوله تعالى: {هل أتاك حديثالغـاشية * وجوه يومئذ خـاشعة }
فإذا قال قائل: أي شيء يدلنا على أن الاستفهام للتشويق، أو للتهديد، أو للاستخبار أو ما أشبه ذلك؟
نقول:الذي يدلنا على هذا السياق وقرائن الأحوال، والعاقل يفهم هذا وهذا، {هلأتاك حديث } أي: خبر {ضيف إبراهيم }، ضيف هنا مفرد، لكنه يستوي فيهالجماعة والواحد، وهم جماعة ملائكة كرام عليهم الصلاة والسلام، {ضيفإبراهيم } يعني الذين نزلوا ضيوفاً عنده، وإبراهيم هو الخليل عليه الصلاةوالسلام، وهو أبو العرب، وأبو بني إسرائيل كما قال تعالى: {ملة أبيكمإبراهيم هو سمـاكم المسلمين من قبل }. وهو الذي أمرنا الله تعالى أن نتبعملته، قال الله تعالى: {ثم أوحينآ إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا وماكان من المشركين }. ولهذا ادعت اليهود أن إبراهيم يهودي، والنصارى ادعواأنه نصراني، ولكن الله تعالى كذبهم في ذلك، فقال: {ما كان إبراهيم يهودياولا نصرانيا ولكن كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين }. يقول الله -عز وجل -: {إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً } يحتمل أن {إذ دخلوا } متعلقبقوله (المكرمين) يعني الذين أكرمهم حين دخولهم عليه، ويحتمل أنها مفعوللفعل محذوف، والتقدير: اذكر إذ دخلوا على إبراهيم {فقالوا سلاماً قال سلامقوم منكرون } (قالوا سلاماً)، أي: نسلم سلاماً، وعليه فسلاماً مصدر عاملهمحذوف، والتقدير: نسلم، {قال سلام } مبتدأ خبره محذوف، والتقدير: عليكمسلام، وعلى هذا فيكون التسليم هنا ابتداؤه بالجملة الفعلية، وجوابهبالجملة الاسمية، والجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار، ولهذا قالالعلماء - رحمهم الله -: إن رد إبراهيم عليه الصلاة والسلام أكمل من تسليمالملائكة، لأن تسليم الملائكة جاء بالصيغة الفعلية، ورد إبراهيم جاءبالصيغة الاسمية، {قوم منكرون }، قوم خبر مبتدأمحذوف، والتقدير: أنتم قوم، وإنما قال إنهم قوم؛ لأنهم بصورة البشر،وقوله: {منكرون } أي: غير معروفين، كما قال تعالى: {فلما رأى أيديهم لاتصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفةً }. فـي هـذه الآية شاهد لحذف المبتدأ،وحذف الخبر، والشاهد لحذف الخبر (سلام)، لأن التقدير: عليكم سلام. والشاهدلحذف المبتدأ (قوم)، لأن التقدير: أنتم قوم. {فراغ إلى أهله } راغ: انسلبخفية وسرعة، وذلك من حسن ضيافته. لم يقل: انتظروا آتي لكم بالطعام. ولميقم متباطئاً كأنما يدفع دفعاً، وإنما قام بسرعة منسلاً، لئلا يقوموا إذارأوه ذهب إلى أهله، فكأنه أخفى الأمر عنهم {أهله } يعني أهل بيته {فجاءبعجل سمين } وفي آية أخرى: {بعجل حنيذ } أي مشوي، واللحم إذا شوي يكونأطعم وألذ، لأن طعمه يبقى فيه لا يمتزج بالماء، بخلاف ما إذا طبخ يمتزجبعضه بالماء، فتقل لذته، لكن إذا كان مشوياً صار أطيب وأحسن، { فجاء بعجلسمين }يعني أنه عليه الصلاة والسلام لا يتخيرللضيوف البهائم العجفاء الهزيلة، وإنما يتخير لهم البهائم السمينة، لأنهاألذ وأطيب وأنفع، واختيار العجل إما أن يكون من عادته عليه الصلاة والسلامأن يكرم الناس بهذا، أو أنه يكرم الضيوف بحسب ما تقتضيه الحال، فإذا كانواكثيرين أتى بالعجل، وإذا كانوا أقل أتى بالغنم، وما أشبه ذلك حسب عادةالكرماء {فقربه إليهم قال ألا تأكلون } أي لم يجعله بعيداً، ويقول: قومواإلى طعامكم، بل خدمهم حتى جعله بين أيديهم، وقربه إليهم قال: { ألا تأكلون} ولم يقل: كلوا. إنما عرضه عليهم عرضاً، لأن هذا أبلغ في الإكرام، والعرضأخف وألطف من الأمر، إذ إنه لو قال: كلوا. كان يحتمل أنه أراد أن يستعليعليهم ويوجه الأمر إليهم، لكن قال: ألا تأكلون؟ والفرق بين العبارتين فيالرق، فقوله: {ألا تأكلون } أرق وأرفق.
مسألة:هل نقول: إن السنة والأفضل أن الإنسان إذا دعا ضيوفاً، أو أتاه ضيوف أنيقرب إليهم الطعام في مجلس الجلوس أو نقول: هذا يختلف باختلاف الأحوال؟
الثانيهو الأظهر، لأن عموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن باللهواليوم الآخر، فليكرم ضيفه» (10) يدل على أنك تكرمهم بما جرت العادةبإكرامهم به، وعندنا الآن إذا دعوت أصحابك وأصدقاءك وهم قلة فلا يعدونتقديم الطعام في مكان جلوسهم إهانة، لأنهم إخوانكم وأصدقاؤكم، لكن لو نزلبك ضيف أو دعوت ضيفاً ليس بينك وبينه صلة تامة فإنه في عرف الناس الآن ليسمن إكرامه أن تقدم الطعام في محل الجلوس، اللهم إلا لضرورة، إذا لم يكنعندك مكان، والآن الإكرام أن تجعل الطعام في مكانه، ثم إذا أراد أن يأكلوايقول: تفضلوا، ألا تتفضلوا، أو ما أشبه ذلك من الكلمات المتداولة، فالمهمأن قوله تبارك وتعالى عن إبراهيم: {فقربه إليهم قال ألا تأكلون } ينبغي أنيجعل هذا حسب عادة الناس، إذا كان من الإكرام أن تأتي بالطعام إلى محلجلوسهم فأت به، وإذا كان من الإكرام أن تجعله في محل آخر فافعل، دليل ذلكقوله صلى الله عليه وسلم : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» .
{فأوجسمنهم خيفةً } أي: أحس بنفسه بخيفة منهم، وسبب تلك الخيفة أنه عليه الصلاةوالسلام لما قدَّم إليهم الطعام لم يأكلوا منه {فأوجس منهم خيفةً } لأنالعادة أن الضيف يأكل مما قدم له المضيف، لكن هؤلاء الملائكة، لم يأكلوا؛لأن الملائكة صمد أي ليس لهم أجواف، كما جاء ذلك مأثوراً عن السلف، ولهذالا يحتاجون إلى أكل ولا إلى شرب، فأوجس منهم خيفة {قالوا لا تخف } طمأنوه،قالوا: لا تخف لما رأوا على وجهه من علامة الإنكار والخوف، وكل إنسان يعرفحال قلب المرء المواجه له، هل هو في سرور؟ هل هو في انشراح؟ هل هو خائف؟هل هو مطمئن؟ لأن هذا أمر معلوم بالفطرة، ولا يحتاج إلى كبير فراسة{وبشروه بغلام عليم } البشارة هي الإخبار بما يسر، أي أخبروه بما يسره وهوالغلام العليم، وكان إبراهيم عليه الصلاة والسلام قد بلغ من الكبر عتيًّاقبل أن يولد له، فبشروه بهذا الغلام، وبشروه بأنه عليم أي سيكون عالماً؛لأن الله تعالى جعله من الأنبياء، والأنبياء هم أعلم الخلق بالله - عز وجل- وأسمائه وصفاته وأحكامه وأفعاله، وهذا الغلام العليم غير الغلام الحليم،لأن في القرآن أن إبراهيم بُشر بغلام عليم في آيتين من كتاب الله، وبشربغلام حليم في آية واحدة، وهما غلامان، أما الغلام الحليم فإنه إسماعيلأبو العرب، وأما الغلام العليم فإنه إسحاق أبو بني إسرائيل، ولذلك تجدقصتهما مختلفة، ولقد أبعد عن الصواب، من قال: إن الغلام الحليم هو الغلامالعليم، بل ونص صريح في سورة الصافات أنهما غلامان مختلفان، فإن اللهتعالى لما ذكر قصة الذبيح في سورة الصافات قال بعدها: {وبشرناه بإسحاقنبياً من الصـالحين } فكيف يبشر بمن أمر بذبحه، وكان عنده وبلغ معه السعي،كل هذا مما يدل على أن الغلام الحليم غير الغلام العليم، بشروه بغلامعليم، وهذه بشارة بثلاثة أشياء: أولاً بأنه سيأتيه مولود يصل إلى أن يكونغلاماً، ثانياً: أن هذا المولود ذكر لا أنثى لقوله (غلام)، ثالثاً: أنهعليم أي ذو علم، وكل هذه البشارات عظيمة، كل واحدة تكفي أن تكون بشارة{فأقبلت امرأته في صرة } امرأته هذه: سارة أم إسحاق، أقبلت لما سمعتالبشرى {في صرة } في صيحة سرور، لأنها جاءتها هذه البشرى بعد أن تقدمت بهاالسن، تصيح وكأنها والله أعلم تقول: غلام غلام، {فصكت وجهها } أي ضربتهبيدها كالمتعجبة، كما يصنع الناس إلى اليوم إذا أتاهم خبر نادى: اللهأكبر. وضرب على وجهه {وقالت عجوز عقيم } عجوز خبر مبتدأ محذوف، والتقدير:أنا عجوز عقيم، فكأنها تعجبت أن تحصل لها البشرى بهذا الغلام العليم، بعدأن تقدمت بها السن وعقمت من الولد، ولكنهم بينوا لها السبب الوحيد الذي بهوجد هذا الولد، فقالوا: {كذلك قال ربك } أي مثلما قلنا وبشرنا به، قالالله - عز وجل - وانظر إلى قوله: {قال ربك } حيث أضاف الربوبية هنا إلىهذه المرأة العجوز العقيم الكبيرة، إشارة إلى أن هذا من عناية الله بها،لأن إضافة الربوبية إلى الشخص المعين تكون ربوبية خاصة، والربوبية العامةلكل أحد، والله رب كل شيء، والخاصة ليست لأحد إلا لمن كان خاصًّا بالله،قال الله عز وجل: {قالوا آمنا برب العـالمين * رب موسى وهـارون} الربوبيةالعامة {برب العـالمين }، والربوبية الخاصة {رب موسى وهـارون }، هنا قالوالها: {قال ربك } من باب الربوبية الخاصة التي تقتضي عناية خاصة { قالواكذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم } إن شئت فقل: (الحكيم) خبر إن و(هو)ضمير فصل لا محل له من الإعراب، وإن شئت فقل: (هو) مبتدأ و(الحكيم) خبرهو، والجملة خبر إن، وهنا قدَّم الحكيم على العليم؛ لأن المقام يقتضي هناتقديم الحكمة على العلم، والحكمة هنا في شيئين: أولاً: تأخير الولادةبالنسبة لهذه المرأة، إن الله لم يؤخر ولادتها إلى أن تبلغ العجز إلالحكمة، ثانياً: كونها ولدت بعد أن أيست واعتقدت أنها عقيم، فهاهنا حكمتان:حكمة سابقة، وحكمة لاحقة، ومن ثم قدَّم اسم الحكيم على اسم العليم،والقرآن إذا جمع الله فيه بين هذين الاسمين الكريمين: العليم والحكيم يقدمغالباً العليم، لكن هنا قدَّم الحكيم؛ لأن المقام يقتضي ذلك { إنه هوالحكيم العليم } وأكثر الناس يظنون أن معنى (الحكيم) أنه المتصف بالحكمة،والحكمة هي وضع الشيء في مواضعه، ولكن الواقع أن الحكيم له معنيان: حكيممن الحكمة، وحكيم من الحكم، فالله - عز وجل - حكيم من الحكمة، لأن اللهتعالى هو الحكم بين العباد، والحاكم في العباد هو حاكم فيهم، وهو الحكمبينهم، وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم {ومن أحسن من الله حكماً لقوميوقنون }. {أليس الله بأحكم الحـاكمين }. وهذااستفهام للتقرير، يعني أن الله تعالى أحكم الحاكمين، وكلاهما في محلهالمناسب، ففي سورة المائدة ذكر الله {ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولـئكهم الكـافرون }. {الظالمون}. {الفاسقون}، وتتابعت الآيات حتى قال: {أفحكمالجـاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون }. فكأن المقام مقاممفاضلة بين الأحكام فبين أن حكم الله أحسن الأحكام، لكن في سورة التينالمقام مقام سلطة وقوة، والله أحكم الحاكمين يعني أن حكمه نافذ وسلطتهتامة، ولا أحد يعارض حكمه أبداً مهما قويت شوكته، وانظر إلى قول اللهتعالى عن عاد {من أشد منا قوةً }. يعني لا أحد أشد منا قوة، فقال اللهتعالى: {أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم }. وعذبهم بألطفالأشياء عذبهم بالريح، الهواء اللطيف الذي لا تحس بملمسه، وإن كان قوياًبأن يدفع كل شيء، وهو أقوى من الماء كما هو معروف، وهذا الهواء اللطيفأهلك به هؤلاء القوم الذين يقولون: من أشد منا قوة، أهلكهم به، فالحاصل أنالله أحكم الحاكمين حكمه نافذ صادر عن قوة وسلطان، ثم إن أحكم الحاكمينتضمن أيضاً حسن الحكم، فصار حكم الله - عز وجل - يتضمن أنه الحاكم فيالعباد، وأنه الحاكم بين العباد، وأن حكمه أحسن الأحكام، وأنه تعالى أحكمالحاكمين، والحكمة البالغة لله ولا شيء من الأفعال القائمة بالوجود أحكممن حكمة الله، وإذا آمنت بهذا أيها المؤمن سهل عليك أمور كثيرة تشكل علىكثير من الناس، منها بعض الأحكام الشرعية لا يدرك الناس، أو أكثرهم، أوبعضهم حكمتها، فهل نقول: إذا لم يدرك الحكمة إنه لا حكمة لها، أو نقول: إنلها حكمة، لكن عقولنا قاصرة، نقول: لها حكمة ولكن عقولنا قاصرة، وإذا آمناهذا الإيمان اطمأننا إلى كثير من الأمور الشرعية التي تخفى علينا حكمتها،فنحن لا ندرك الحكمة في كون الصلوات الخمس خمساً، أو أنها سبع عشرة ركعة،وأشياء كثيرة من الأمور الشرعية لا يدرك الإنسان حكمتها، لكن إذا آمنت أنالله حكيم آمنت بأنه لابد لهذا الشيء من حكمة تقتضيه، كذلك في الأمورالقدرية قد يرسل الله سبحانه وتعالى عذاباً يشمل الصالح والطالح، وقد يرسلالله عذاباً على قوم لا تتوقع أن يصيبهم العذاب، فهل تقول: ما الحكمة؟ أوتقول: إن الله عز وجل لابد أن يكون تقديره لهذا عن حكمة؟ ولذلك أقول: إنالواجب علينا فيما أمر الله به من الشرائع، وفيما قضاه من الأقدار أننستسلم غاية التسليم، وأن لا نعترض قال الله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنونحتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلمواتسليماً }. أقسم الله - عز وجل - أنه لا يمكن لأحد أن يؤمن إلا بهذهالشروط الثلاثة، هي: أن يحكموك فيما شجر بينهم، والثاني: ألا يجدوا فيأنفسهم حرجاً، يعني لا تضيق صدورهم بحكم الله، الثالث: أن يسلموا تسليماً،وأكد هذا المصدر تسليماً يعني تسليماً تامًّا، فلا يتهاون الإنسان ويتباطأفي تنفيذ حكم الله، فإذا وجدت من نفسك عيباً يتعلق بهذه الأمور الثلاثةفصحح إيمانك، فإذا رأيت أنك تود أن يكون التحاكم إلى غير الله ورسوله فصححالإيمان، وإذا رأيت من قبلك أنك لا تريد إلا حكم الله ورسوله لكن يضيقصدرك بحكم الله ورسوله تحدث نفسك أنك لا يمكن تتحاكم إلى غير الله ورسولهلكن يضيق صدرك فأنت ناقص الإيمان، وإذا كنت لا يضيق صدرك ولا تريد التحاكملغير الله ورسوله وأنت منشرح الصدر لحكم الله ورسوله، لكن تتباطأ وتتهاونفأنت ناقص الإيمان، اقرأ قول الله تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصـارهم كما لميؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون }. لما لم يؤمنوا به أول مرةولم يقبلوه من أول مرة صارت - والعياذ بالله - قلوبهم متقلبة، وتركهم اللهفي طغيانهم يعمهون، ولهذا يجب عليك أيها المؤمن أن تبادر بانقياد تام لحكمالله تعالى القدري.
وأتكلمعلى آداب السلام، حيث إن الملائكة قالوا: (سلاماً)، فقال إبراهيم: (سلام)،ذكرنا فيما سبق أن رد إبراهيم عليه الصلاة والسلام أحسن من ابتداءالملائكة؛ لأن رد إبراهيم عليه السلام جملة اسمية تفيد الثبوت والاستمرار،بخلاف سلام الملائكة عليهم السلام، واعلم أن رد التحية واجب، لقول اللهتبارك وتعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ردوهآ }. فقال: {إذاحييتم} ولم يذكر من يحيينا، فيشمل أي إنسان يحيينا، فإننا نحيه ونرد عليهأحسن من تحيته، أو مثلها كما قال: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أوردوهآ }. فبدأ بالأحسن، لأنه هو الأفضل، أو ردوها، أي: ردوا مثلها، ويشملهذا ما إذا سلم علينا أحد من اليهود، أو النصارى، أو البوذيين، أو غيرهم،فنرد عليهم، لكننا لا نبدأ اليهود والنصارى بالسلام، لنهي النبي صلى اللهعليه وعلى آله وسلم عن ذلك (11) ، ثم إن السلام المشروع هو: السلام عليكم،وأما أهلاً وسهلاً، ومرحباً، وكيف حالك وما أشبهها، فهذا ليس بمشروع،المشروع أن تبدأ أولاً بالسلام، ولهذا في حديث المعراج حين كان النبي صلىالله عليه وسلم يمر بالأنبياء فيسلم عليهم، قال: فرد عليه السلام، وقال:مرحباً بالنبي الصالح (12) ، فابدأ أولاً بقولك السلام عليكم، والجوابيكون مثل ذلك أو أحسن، يكون: عليكم السلام، أو وعليكم السلام، أو عليكمالسلام ورحمة الله، أو عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، كل هذا منالمشروع، ونرى كثيراً من الناس إذا سُلِّم عليه يقول: أهلاً وسهلاً، أويقول: مرحباً بأبي فلان، وهذا لا يجزىء، فلو قال: أهلاً وسهلاً، مدى الدهرفإنه لا يجزىء؛ لأن الله يقول: {فحيوا بأحسن منهآ أو ردوهآ }، ومعلوم أنالذي يقول: السلام عليك، يدعو لك بالسلام من كل نقص ومن كل آفة، ومن كلمرض في القلب والبدن، ولا يكفي أن تقول مرحباً وأهلاً، بل لابد أن تقول:عليك السلام، أو وعليكم السلام، وإن زدت ورحمة الله وبركاته كان أحسن.
ثانياً:من السنة أن يسلم الصغير على الكبير؛ لأن حق الكبير على الصغير أعظم من حقالصغير على الكبير، فيبدأ الصغير بالسلام على الكبير، ولكن إذا قدر أنالصغير لم يسلم فهل يدع الكبير السلام، لأن الحق له، أو يسلم لئلا تفوتالسنة؟
والجواب:يسلم لئلا تفوت السنة، فكون الإنسان يقول: أنا صاحب الحق، لماذا لم يسلمعليَّ، هذا خطأ، صحيح أنك صاحب الحق وأن المشروع أن يسلم هو عليك، لكن إذالم يفعل فسلم أنت.
ثالثاً:يسلم الماشي على القاعد (13) ، ولو كان القاعد أصغر، فإذا مر شخص بإنسانقاعد فليسلم عليه، ولو كان أصغر منه سنًّا، أو قدراً، وقد كان من هديالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه يسلم على الصبيان إذا مر بهم (14)، وفي ذلك فوائد عظيمة منها: التواضع، أن الإنسان يضع نفسه إذا سلم على منهو دونه، ومنها الرحمة؛ لأن سلامك على الصغار نوع من الرحمة، وقد أخبرالنبي عليه الصلاة والسلام أن الراحمين يرحمهم الله (15) - عز وجل -،ومنها تعويد هؤلاء الصبيان على السلام، يعني أن الصبي يعرف شعار المسلمينأن يسلم بعضهم على بعض، فيأخذ من هذا أدباً وخلقاً ينتفع به في شبابه وبعدهرمه.
رابعاً:يسلم القليل على الكثير كالصغير مع الكبير، فإذا تقابل جماعة خمسة وستةفيسلم الخمسة على الستة، لأن الستة فيهم زيادة، فهذه الزيادة لها حقالزائد، فيسلم القليل على الكثير، وإذا لم يفعلوا فليسلم الكثير علىالقليل، لئلا تفوت السنة بينهم.
خامساً:يسلم الراكب على الماشي، فإذا تقابل رجلان أحدهما يمشي، والثاني راكب فيسيارته أو على بعيره فيسلم الراكب على الماشي، لأن الراكب له علو فيسلمعلى الماشي، لأن السنة جاءت بهذا (16) ، كذلك الصاعد على النازل، فلو أناثنين التقيا في درجة سلم فإن الصاعد هو الذي يسلم على النازل، وإذا لمتأت السنة ممن عليه أن يبدأ بها فليبدأ بها الثاني، قال النبي صلى اللهعليه وسلم : «لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذاويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» (17) قال: خيرهما، فدل ذلك على أنمن بدأ غيره بالسلام فهو خير، وهو كذلك لأنك إذا سلمت حصلت عشر حسنات، ثمإذا رد صاحبك حصل عشر حسنات، والسبب الذي جعله يحصل عشر حسنات هو البادي،لولا أنه سلم ما رد، فتكون أنت متسبباً لهذا الذي عمل عملاً صالحاً فلكأجره، ولهذا قال العلماء: ابتداء السلام سنة، ورده واجب، ثم أوردوا علىهذا إشكالاً فقالوا: ابتداء السلام أفضل من رده، فكيف تكون السنة أفضل منالواجب؟ والقاعدة الشرعية أن الواجب أفضل، كما قال الله تعالى في الحديثالقدسي: «ما تقرَّب إليَّ بشيء أحبّ إليَّ مما افترضت عليه» (18) أجابواعن ذلك قالوا هذا الإشكال جوابه: أن هذا الواجب كان مبنيًّا على السنة،فصارت السنة التي بني عليها الواجب، لمن أتى بها ثواب أجره الخاص وثوابأجر الراد.
سادساً:ينبغي أن يكون بصوت مسموع، فبعض الناس يلاقيك ويسلم لكن تشك: هل سلم أولا؟ لأنه لم يرفع صوته، وهذا غلط، ارفع الصوت على وجه يدل على أنك فرحبهذا الأخ الذي قابلك أو الذي سلمت عليه لا بصوت مزعج ولا بخافت لا يسمع،وعلى العكس من ذلك، بعض الناس يسلم بصوت مزعج، والدين وسط بين الغاليوالجافي، فنقول: سلم سلاماً مسموعاً يسمعه أخوك ويكون بأدب واحترام.
سابعاً:من آداب السلام أيضاً: أن يكون المسلم منبسط الوجه منشرح الصدر، فإن منالمعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق (19) ، فإن طلاقة الوجه وانشراح الصدروالابتسامة في وجه أخيك لا شك أنها من الأمور المطلوبة لما فيها من إدخالالسرور على إخوانك، وإدخال السرور على إخوانك من الأمور المستحبة التيتُؤجر عليها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : «كل معروف صدقة» (20) .
ثامناً:رد السلام المحمول إن كان الحامل له شخصاً وقال: فلان يسلم عليك. فقل:عليك وعليه السلام، وإن شئت فقل: عليه السلام، أي على الذي حمله، أما إذاكان محمولاً بكتابة يعني إنسان كتب لك كتاباً، وقال: السلام عليكم ورحمةالله وبركاته. فإن كنت تريد أن تجيبه بكتاب فرد عليه بجوابك، مثلاً: كتبإليك إنسان كتاباً وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تكتب إليه:وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، قرأت كتابك وفهمت ما فيه، والجواب كذاوكذا، وأكثر الناس الآن لا يهتمون بهذا، تجده يكتب الجواب ويقول فيابتدائه: السلام عليكم ورحمة الله. هذا طيب، لكن الذي سلم عليك يريدجواباً فقل: جواب - يعني -: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وصلنيكتابك أو قرأت كتابك، وفهمت ما فيه، وهذا الجواب، وتجيبه بما سألك، وإذاكان لا يحتاج إلى جواب مثل أن يكون الشخص كتب إليك كتاباً يخبرك بخبر لايحتاج إلى جواب، فهنا إذا قرأت الكتاب فقل: عليك السلام ورحمة اللهوبركاته، لا أقول وجوباً، لأن صاحبك لن يسمع، لكن على سبيل الاستحباب، رجلدعا لك بظهر الغيب فادع له أنت بظهر الغيب.
{قالفما خطبكم أيها المرسلون } القائل: ما خطبكم هو إبراهيم عليه الصلاةوالسلام، أي ما شأنكم أيهاالمرسلون وهم الملائكة {قالوا إنآ أرسلنآ إلىقوم مجرمين * لنرسل عليهم حجارةً من طين} يعني أرسلنا الله - عز وجل -،لأنه من المعلوم أنه لا يرسل أحداً من الملائكة إلا خالقهم سبحانه وتعالى{ إلى قوم مجرمين } أي: ذوي جرم عظيم ألا وهو اللواط - والعياذ بالله -،فإنهم كانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء، فيأتون ما لم يخلق لهم،ويدعون ما خلق لهم، كما قال لهم نبيهم لوط عليه الصلاة والسلام: {وتذرونما خلق لكم ربكم من أزواجكم }، وهذه الفاحشة فاحشة نكراء، لا يقرها عقل،ولا فطرة، ولا دين، ولهذا كانت عقوبتها القتل للفاعل والمفعول به، إذاكانا بالغين عاقلين، سواء كان محصنين أم غير محصنين، بخلاف الزنى، فالزنىأهون عقوبة، لأن الزنى من لم يكن محصناً فعقوبته أن يجلد مائة جلدة ويغربعن البلد سنة كاملة، وإن كان محصناً وهو الذي قد تزوج وجامع: فعقوبته أنيرجم بالحجارة حتى يموت، أما هذا فعقوبته القتل بكل حال، كما جاء فيالحديث: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» (21)ووقعت هذه الفاحشة في عهد أبي بكر - رضي الله عنه - فأمر أن يحرق كل منالفاعل والمفعول به، لأن الإحراق أعظم عقوبة يعاقب بها بنو آدم، وكذلك جاءعن بعض الخلفاء أنهم أمروا بإحراق اللوطي، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله -: أجمع الصحابة - رضي الله عنهم - على قتل اللوطي فاعلاً كانأو مفعولاً به، لكنهم اختلفوا: كيف يقتل؟ منهم من قال: يحرق، ومنهم منقال: يرمى بالحجارة حتى يموت كالزاني المحصن، ومنهم من قال: يلقى من أعلىشاهق في البلد، يعني في مكان مرتفع، أعلى ما يكون في البلد، ثم يتبعبالحجارة حتى يموت، فالمهم أنهم متفقون على قتله، ولا شك أن قتله هوالحكمة، لأن هذه الفاحشة متى دبت في الرجال صار الرجال كالنساء، وبدأ الذلوالعار والخزي على وجه المفعول به، لا ينساه حتى يموت، ثم استغنى الرجالبالرجال وبقيت النساء، لأن هذه الفاحشة - والعياذ بالله - إذا ابتلي بهاالإنسان لا يلتفت إلى غيرها، لأنها مرض، فتاك ساري، فإذا أعدم هؤلاء وهمفي الحقيقة جرثومة فاسدة مفسدة للإنسان، كان ذلك عين المصلحة، ثم اللواط -والعياذ بالله - لا يمكن التحرز منه، لأنه بين ذكرين لا يمكن لأي إنسانيجد ذكرين يمشيان في السوق أن ينكر عليهما اجتماعهما، ولكن الزنى إذا رأيترجلاً مع امرأة تستنكره أو تتهمه وتتكلم معه، لذلك كانت عقوبة الإعدام فيحق اللوطي أوفق ما يكون للحكمة وللرحمة، فهي رحمة بالفاعلين، يعني باللائطوالملوط به، حتى لا يبقيا في حياتهما يكتسبان الإثم وتزداد العقوبةعليهما، ورحمة بالمجتمع فتكون عقوبتهما نكالاً حتى لا يفسد المجتمع، لهذاقالت الملائكة لإبراهيم: {إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين} وجرمهم - والعياذبالله - ما سبقوا عليه، كما قال لهم نبيهم {ما سبقكم بها من أحد منالعـالمين }. {لنرسل عليهم حجارةً من طين * مسومةً عند ربك للمسرفين}حجارة من طين، لكنه ليس الطين الذي يتفتت بل الصلب العظيم الذي إذا أصابتهذه الحجارة أحداً من الناس وضربته على رأسه خرجت من دبره، لا يردها عظمولا لحم، لقوتها وشدتها وصلابتها - والعياذ بالله - {مسومةً عند ربك } أي:معلمة عند الله، يعني عليها علامة، لأن كل شيء عند الله بمقدار، لا تظن أنالأمور التي يقدرها الله - عز وجل - تأتي هكذا صدفة، بل هي بمقدار، حتىتباعد ما بين النجوم، وتفاوت ما بينها من الكبر والإضاءة بمقدار، لم يجىءهكذا فلتة أو جاء صدفة، كل شيء عند الله بمقدار ولابد، فهذه الحجارة معلمةعند الله، وهل هي معلمة بمعنى أن هذه مكتوب عليها مثلاً حجارة عقوبة؟ أومسومة بالنسبة لمن تقع عليه؟ الجواب: الثاني، لأن هذا أدق، هذه الحجارةلفلان، هذه الحجارة لفلان، مسومة عند ربك {للمسرفين } أي: للمتجاوزينحدودهم، ولا شك أن اللواط مجاوزة للحد والإسراف - والعياذ بالله - قالالله تعالى: {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين} أخرجناهم أي: أمرناهمأمراً قدرياً فخرجوا، قال الله تعالى للوط: {فأسر بأهلك بقطع من الليل ولايلتفت منكم أحد إلا امرأتك }. فأخرج الله من كان فيها من المؤمنين، وهملوط وأهله إلا امرأته، ولهذا {فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين } بيتواحد، قرية كاملة يدعوهم نبيهم إلى توحيد الله وإلى ترك هذه الفاحشة مااتبعه أحد حتى أهل بيته لم يخلصوا، فيهم من لم يؤمن بلوط، فانتبه يا أخيالداعية، لا تجزع إذا دعوت فلم يستجب لك من المائة إلا عشرة، فالرسل عليهمالصلاة والسلام يبقون في أممهم دهوراً كثيرة ولا يتبعهم إلا القليل، ولوطعليه الصلاة والسلام لم يتبعه من القرية أحد، وتخلف عن دعوته من تخلف،ولهذا قال: { فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} وهنا يتساءل الإنسان فينفسه: كيف قال: { فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها غيربيت من المسلمين}، هل المسلمون هنا بمعنى المؤمنين في الآية التي قبلها؟ذهب بعض العلماء إلى ذلك، وقالوا: إن في هذا دليلاً على أن الإيمانوالإسلام شيء واحد، وذهب الآخرون إلى الفرق، وقالوا: أما المؤمنون فقدنجوا، وأما البيت فهو بيت إسلام، لأن المظهر في هذا البيت - بيت لوط - أنهبيت إسلامي، حتى امرأته لم تتظاهر بالكفر، تظاهرت بأنها مسلمة، ولهذا قالالله تعالى في سورة التحريم: {ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأت نوحوامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما } ليس المعنىخانتاهما بالفاحشة، بل خانتاهما بالكفر، لكنه كفر مستور، وهو خيانة من جنسالنفاق، ولهذا يقال للمجتمع الذي فيه المنافقون: إنه مجتمع مسلم، وإن كانفيه المنافقون، لأن المظهر مظهر إسلام، إذن نقول: { فما وجدنا فيها غيربيت من المسلمين} إنما قال: من المسلمين، لأن امرأته ليست مؤمنة، ولكنهامسلمة.
{وتركنافيها آيةً للذين يخافون العذاب الأَليم} تركنا فيها آية أي علامة، فماالعلامة؟ أهي علامة حسية، أم علامة معنوية، أم علامتان معنوية وحسية؟والقاعدة المفيدة في التفسير: (إذا احتملت الآية أكثر من معنى لا مرجحلأحدهما على الآخر ولا منافاة بينهما، وجب حملها على المعنيين جميعاً)فهذه الآية حسية ومعنوية، أما الحسية: فما نشاهد مكان قريتهم التي تسمىبحيرة لوط، فإن هذا كان موضع القرية، كل يمر به ويراه ويشاهده، كما قالتعالى: {وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون} وآية معنوية كلمن قرأ قصتهم في جميع ما وردت فيه من السور الكريمة اعتبر واتعظ وخاف، لكنمن الذي ينتبه لهذه الآيات؟ ومن يتعظ؟ { للذين يخافون العذاب الأَليم} أماالمنكرون الذين قست قلوبهم فإنهم لن ينتفعوا بالآيات، قال الله تعالى:{وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون } نسأل الله أن يجعلنا منالمنتفعين بالآيات.
{وفيموسى إذ أرسلنـاه إلى فرعون بسلطـان مبين } يعني في موسى آيات من آياتالله عز وجل، حين أرسله الله تعالى إلى فرعون، وفرعون علم جنس على كل منحكم مصر وهو كافر، وموسى بن عمران عليه السلام أفضل أنبياء بني إسرائيل،وهو في المرتبة الثالثة من الفضل بالنسبة لأولي العزم الخمسة، فإن أفضلهممحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم نوح، وعيسىعليهم الصلاة والسلام، أرسله الله تعالى { بسلطـان مبين}، أي: بحجة بينةفي نفسها مبينة لغيرها، فالآيات التي جاء بها الأنبياء بينات واضحة لكل ذيعدل وإنصاف، وهي أيضاً مبينة لصدق ما جاءت به الرسل، ولهذا اعلم أنه كلماجاء في القرآن كلمة: (مبين) فهي بمعنى مبين في ذاته، مبين لغيره، إلا مادل السياق أن المراد البين في ذاته، فمن الآيات العظيمة التي جاء بهاموسى، عصا موسى، التي كان يستعملها ويتوكأ عليها عند الحاجة، ويهش بها علىغنمه أوراق الشجر عند رعيها، وله فيها حاجات أخرى، كما قال هو عليه الصلاةوالسلام لما سأله الله {وما تلك بيمينك ياموسى * قال هي عصاى أتوكؤا عليهاوأهش بها على غنمي ولى فيها مأرب أخرى }. فهي آية في كونه إذا وضعها علىالأرض صارت ثعباناً مبيناً، أي: حية عظيمة تخيف من رآها، ولهذا رهب منهاموسى عليه الصلاة والسلام حين ألقاها وولى هارباً، فناداه الله - عز وجل -(لا تخف) ومنها أنه يدخل يده في جيبه فتخرج بيضاء في الحال، بيضاء لكنبدون سوء. أي بدون عيب يعني ليست بيضاء برص، ولكنها بيضاء مخالفة للونجلده في الحال، حقيقة لا تخيلاً، وقال الله تعالى في سورة الإسراء: {ولقدءاتينا موسى تسع آيات بينات } المهم أنه أتى إلى فرعون بسلطان مبين وحجةدامغة بالغة، لكنه - والعياذ بالله - {فتولى بركنه } أي: بقوته وسلطانهوجنده، أعرض عن موسى استكباراً وجحوداً وظلماً وعدواناً، قال الله تعالى:{وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلماً وعلواً }. {وقال سـاحر أو مجنون }يعني أنه اتهم عليه الصلاة والسلام بأنه ساحر، لأنه أتى بآيات تشبه مايصنعه السحرة، عصا من خشب توضع في الأرض وتكون ثعباناً مبيناً، ويد تدخلفي الجيب وتخرج بيضاء في الحال، هذا يشبه السحر، أو {مجنون }، وذلك بكونهيدعي أن الله وحده خالق السموات والأرض وهو الرب وهو الإله، لأنهم كانوالا يعرفون الإله إلا فرعون، فإذا جاء شخص يقول: إن الله هو رب العالمين،وأن فرعون ليس إلهاً ولا ربًّا. فإنهم يرمونه بالجنون، هذا مجنون خرج عمانعهد، قال الله تعالى: {فأخذنـاه وجنوده فنبذنـاهم في اليم وهو مليم} أيطرحناهم فيه، واليم هو البحر، والبحر الذي هلك فيه فرعون هو البحر الأحمر،الذي بين آسيا وأفريقيا، وذلك أن فرعون جمع جنوده وحشدهم وأراد أن يقضيعلى موسى وقومه، فخرج موسى عليه السلام وقومه من مصر متجهين إلى الشرق،ولكن حال بينهم وبين مرادهم البحر، فلما وصلوا إلى البحر كان البحر بينأيديهم، وفرعون وقومه خلفهم، فقال قوم موسى: {إنا لمدركون } يعني هلكنا،لأن فرعون خلفنا والبحر أمامنا فكيف النجاة؟! فقال موسى: {كلا إن معى ربيسيهدين }. وهذه معية خاصة، تقتضي النصر والتأييد، قال: {سيهدين } ولم يقل:سوف يهدين، بل قال: {سيهدين } إشارة إلى قرب هذا الحصر وأنه سيزول قريباً،وهذا هو الذي حصل، فأوحى الله تعالى إليه أن يضرب البحر بعصاه، فضربهفانفلق اثنتي عشرة طريقاً في الحال ويبس في الحال، وصار صالحاً للمشي عليهفي الحال، كما قال عز وجل: {فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً لا تخافدركاً ولا تخشى }. فعبر موسى وقومه من هذه الطرق العظيمة التي كان الماءبينها كالجبال ولما انتهوا خارجين كان فرعون في أثرهم وانتهوا داخلين،فأمر الله - عز وجل - بقدرته وسلطانه البحر أن يعود إلى ما كان عليه،فانطبق على فرعون وقومه فهلكوا عن آخرهم والحمد لله، ولهذا قال: {وهو مليم} أي: فرعون فاعل ما يلام عليه ولا شك أن رده للرسالة الإلهية، وادعائهأنه الرب وقوله: {ما علمت لكم من إلـه غيرى } وما أشبه ذلك من الكلمات لاشك أنها كلمات يلام عليها، لأنه قد تبين له الحق، ولكنه عاند وأبى أنينقاد للحق، كما قال له موسى: {لقد علمت } يعني يا فرعون {مآ أنزل هؤلاءإلا رب السماوات والأَرض بصآئر وإني لأَظنك يفرعون مثبورًا}
ثمقال تعالى: {وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم } يعني وفي عاد آيات{إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم } عاد في جنوب الجزيرة العربية، وكانواقوماً أشداء حتى إنهم قالوا: {من أشد منا قوةً } فقال الله تعالى: {أولميروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوةً }. فأصابهم القحط والجدب،فجعلوا يترقبون المطر، فأرسل الله عليهم الريح العظيمة الشديدة {فلما رأوهعارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هـذا عارض ممطرنا } قال الله تعالى: {بل هوما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم }. فأرسل الله عليهم هذه الريح العقيمالتي ليس لهم فيها ثمرة ولم تحمل ماء: كالمرأة العقيم التي لا تلد، هذهأيضاً ريح عظيمة لا تحمل سحاباً ولا مطراً، هذه الريح العقيم هي الريحالغربية، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: «نصرت بالصبا، وأهلكت عادبالدبور» (22) أي: بالريح الغربية، أرسل الله عليهم هذه الريح العقيم {ماتذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم} كل شيء تأتي إليه تجعله كالرميمهامداً، حتى إنها تأخذ الرجل - والعياذ بالله - إلى فوق ثم ترده إلى الأرض{كأنهم أعجاز نخل خاوية }. {كأنهم أعجاز نخل منقعر }. هلكوا عن آخرهم،تأمل الآية، قوم عاد قوم أقوياء أشداء هلكوا بهذه الريح اللطيفة، التي لاترى لها جسماً، وإنما تحس بها بدون أن ترى شيئاً، ومع ذلك قضت عليهم بأمرالله - عز وجل -، ولهذا قال تعالى: { ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلتهكالرميم } فهذا فيه آيات من آيات الله - عز وجل -، أرسل الله عليهم هذهالريح، فأهلكتهم عن آخرهم.
{وفيثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين} ثمود هم الذين أرسل الله إليهم نبيهصالحاً - عليه الصلاة والسلام -، فوعظهم وذكرهم، وجعل لهم آية وهي الناقةالتي شرفها الله تعالى بإضافتها إلى نفسه الكريمة، حيث قال تبارك وتعالى:{فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقيـها } أي احذروا ناقة الله أن تعبثوافيها، أو أن تنكروها، وهذه الآية (لها شرب) تشرب من البئر التي تسمى بئرالناقة، ولهم شرب يوم معلوم يشربونه، فالناقة تشرب يوماً وهم يشربونيوماً، وهذه الناقة ذكروا أنهم: ما جاء أحد يستقي من هذا البئر في يومهاالتي تشرب منه إلا أخذ بدل شربها شيئاً من لبنها بقدر ما شربت، فاللهأعلم: هل هذا هو الواقع أو يختلف؟ لكن على كل حال هذه الناقة لا شك أنهاناقة ليست كسائر النوق، إذ إنها آية من آيات الله - عز وجل -، لكنهم كذبواوأبوا وتوعدهم عليه الصلاة والسلام أن يتمتعوا في دارهم ثلاثة أيام،ولكنهم مازالوا على كفرهم وإنكارهم، ولهذا قال: {وفي ثمود إذ قيل لهمتمتعوا حتى حين} وديارهم معروفة الآن، موجودة في مكان يسمى الحجر، ويسمىالآن ديار ثمود، وقد مر بها النبي صلى الله عليه وسلم في ذهابه إلى تبوك،لكنه عليه الصلاة والسلام أسرع حين مر بهذه الديار وقنع رأسه، ونهى أمتهأن يدخلوا إلى هذه الأماكن، أماكن المعذبين إلا أن يكونوا باكين، قال:«فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوها أن يصيبكم ما أصابهم» (23) وقوله: «أنيصيبكم ما أصابهم». لا يلزم منه أن يراد به ما أصابهم من العذاب الجسمي قديكون المراد ما أصابهم من العذاب الحسي، وما أصابهم من الإعراض والكفر.
فلو قال قائل: إنه يوجد أناس يذهبون إلى هذه الأماكن وهم غير باكين ولم يصابوا بشيء.
فنقول: الجواب عن هذا من وجهين:
أولاً: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يؤكد أن يصابوا بهذا، ولكن قال: «حذار أن يصيبكم مثل ما أصابهم» (24) .
الوجهالثاني: أن نقول: لا يتعين أن يكون المراد بذلك أن يأخذوا بما أخذ بههؤلاء من العقوبة الحسية الظاهرة، وهي الرجفة والصيحة التي أماتتهم عنآخرهم، فقد يكون المراد مرض القلب، الذي هو الاستكبار والإعراض ورد الحق.
{إذقيل لهم تمتعوا حتى حين }، هذا الحين هو ثلاثة أيام {فعتوا عن أمر ربهم }أي: فأبوا ولم يرجعوا عن غيهم {فأخذتهم الصاعقة } التي صعقتهم، وهي رجفةوصيحة، {وهم ينظرون } أي: ينظر بعضهم إلى بعض يتهاوون ويتساقطون أمواتاً{فما استطـعوا من قيام } أي: ما استطاعوا أن يقوموا {وما كانوا منتصرين }،أي: لم يتمكن بعضهم أن ينصر بعضاً، بل كلهم هلكوا عن آخرهم، وهكذا يفعلالله تعالى بمن كذب أولياءه، وهكذا يفعل الله تعالى بمن كذب رسله عليهمالصلاة والسلام، إلا أن العذاب المستأصل رفع عن هذه الأمة، فإن النبي صلىالله عليه وسلم دعا ربه سبحانه وتعالى ألا يأخذهم بسنة بعامة، أي بعقوبةعامة، لكن ابتلوا بشيء آخر وهو أن يقتل بعضهم بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً(25) ، والأمر كذلك وقع، فإن هذه الأمة لم تصب بعذاب عام كما أصيبت بهالأمم التي قبلها، لكن أصيبت بأن جعل الله بأسهم بينهم منذ زمن الخلفاءالراشدين رضي الله عنهم لما اختلفوا على عثمان وعلي - رضي الله عنهما -وحصلت الفتن تتوالى إلى يومنا هذا، ثم هذه الأمة التي جُعل بأسها بينهاليست هي أمة الإجابة فقط، بل أمة الإجابة وأمة الدعوة، ولهذا نقول: ما حصلمن الفتن والبلاء في الأرض مشارقها ومغاربها من الكفار وغير الكفار فإنماهو نتيجة للمعاصي، وهي عقوبة هذه الأمة أن الله يذيقهم بأس بعض.
{وقومنوح من قبل إنهم كانوا قوماً فـسقين} يعني اذكر قوم نوح من قبل، وهم أولأمة أرسل إليهم الرسول، ولكنهم كذبوا، ونوح عليه الصلاة والسلام بقي فيهمألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله ويذكرهم ويعظهم، ولكنهم -والعياذ بالله - لم يؤمنوا، ما آمن معهم إلا قليل حتى أنه عليه الصلاةوالسلام يقول: {كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصـابعهم في آذانهم واستغشواثيابهم }، جعلوا أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا ما يقول، واستغشوا ثيابهمأي تغطوا بها لئلا يبصرون، نسأل الله العافية، وهذا غاية ما يكون منالبغضاء لما يقول ولما يفعل، {وأصروا} على باطلهم {واستكبروا استكباراً }فكان آخر ما قال عليه الصلاة والسلام: {رب لا تذر على الأَرض من الكافريندياراً } ودعا ربه أني مغلوب فانتصر، قال الله تعالى: {ففتحنآ أبوب السماءبماء منهمر* وفجرنا الأَرض عيوناً فالتقى الماء على أمر قد قدر} ولهذاوالله أعلم سيكون عليهم نصيب من عذاب المكذبين لأنهم هم أول أمة كذبتالرسل، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة (26)، كما أن من قتل نفساً فإن على ابن آدم الذي قتل أخاه كفلاً ونصيباً منعذاب القاتل إلى يوم القيامة (27) .
ثمقال عز وجل: {والسماء بنينـها بأيد وإنا لموسعون} السماء مفعول لفعل محذوفوالتقدير، وبنينا السماء، وقوله: {بأيد } أي: بقوة، كما قال الله تعالى:{وبنينا فوقكم سبعاً شداداً } فالأيد هنا أي القوة، وليست جمع يد كمايتوهم بعض الناس، ويظنون أن الله تعالى بنى السماء بيديه عز وجل؛ لأنالأيد هنا مصدر آد يئد بمعنى القوة، كما يقال باع يبيع بيعاً، ولهذا لميضف الله هذه الكلمة إلى نفسه الكريمة كما أضافها إلى نفسه الكريمة فيقوله تعالى: {أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ أنعـماً } فمن فسرالأيد بالقوة هنا فإنه لا يقال: إنه من أهل التأويل الذين يحرفون الكلم عنمواضعه، بل هو من التأويل الصحيح، والإنسان إذا تأمل وتفكر في السماواتعرف أنها قوية شديدة عظيمة، وأن قوتها تدل على قوة بانيها - عز وجل -{وإنا لموسعون} أي: لموسعون لأرجائها، لأنها واسعة عظيمة، ولهذا كانتالسماوات أكبر بكثير من الأرض، وهي محيطة بالأرض من كل جانب، وعلى هذافتكون أوسع من الأرض، وليست الأرض بالنسبة للسماء إلا شيئاً يسيراً،{والأَرض فرشناها } أي: فرشنا لأهلها، جعلناها لهم كالفراش يأوون إليهاويتمتعون بها، لم يجعلها الله تعالى صعبة ولا سهلة، بل هي متوسطة لو كانتلينة رخوة ما تمكن أحد من البقاء عليها، ولو كانت صعبة ما تمكن أحد منالانتفاع بها، ولكنها كانت كما وصفها الله - عز وجل -: {هو الذي جعل لكمالأَرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور} .
{فنعمالمـاهدون} أثنى على نفسه تبارك وتعالى بذلك، لأنه أهل للثناء، وقد جعلالله تبارك وتعالى الأرض على مستوى نافع للعباد، ليست بالقاسية التي يعجزالناس عن الانتفاع بها، وليست باللينة التي لا يستقرون عليها، بل هيمناسبة تماماً لهم، على أن فيها اختلافاً في الليونة وفي الصلابة، لكن هذالا يمنع الانتفاع بها.
{ومنكل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون} خلق الله تبارك وتعالى من كل شيء زوجينمتقابلين، حتى تتم الحال وتصلح باجتماع بعضهما إلى بعض، فالحيوان كله منإنسان وغيره يكون من زوجين بين ذكر وأنثى، كما قال الله تعالى: {يا أيهاالناس إنا خلقنـاكم من ذكر وأنثى وجعلنـاكم شعوباً وقبآئل لتعارفوا } إلاأن آدم عليه الصلاة والسلام خلقه الله بيده من غير أم ولا أب، وحواء خلقتمن أب بلا أم، وعيسى ابن مريم خلق من أم بلا أب، ولهذا ينقسم الناس إلىأربعة أقسام: الأول: من خلق بلا أم ولا أب وهو: آدم، والثاني: من خلق منأب بلا أم وهي: حواء، والثالث: من خلق من أم بلا أب وهو: عيسى، والرابع:بقية البشر خلقوا من ذكر وأنثى، فمن كل شيء خلق الله زوجين، اليابسوالرطب، والحرارة والبرودة، واللين والقسوة، وغيره مما إذا تأمله الإنسانعرف بذلك حكمة الله سبحانه وتعالى {لعلكم تذكرون }، أي: بينا ذلك لكم،لأجل أن تذكروا وتتعظوا بآيات الله تبارك وتعالى، فإن الإنسان كلما كانأعلم بآيات الله الكونية أو الشرعية كان أكثر اتعاظاً واعتباراً، ولهذا حثالله على النظر في الآيات الكونية فقال تعالى: {قل انظروا ماذا فيالسمـوات والأَرض وما تغنى الآيـات والنذر عن قوم لا يؤمنون }. وقالتعالى: {أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السمـوات والأَرض وما بينهمآإلا بالحق } ومدح الله تعالى الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض بقوله:{إن في خلق السمـوات والأَرض واختلاف الليل والنهار لأَيـات لأُولىالأَلبـاب * الذين يذكرون الله قيـاماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون فيخلق السموات والأَرض ربنآ ما خلقت هذا بـاطلاً سبحـانك فقنا عذاب النار}.لهذا ينبغي الإنسان أن يتعظ ويتذكر ويتدبر آيات الله سبحانه وتعالىالكونية والشرعية.
{ففرواإلى الله إني لكم منه نذير مبين } هذا كأنه على لسان النبي صلى الله عليهوسلم أي قل لهم {ففروا إلى الله إني لكم منه } أي: من الله،والفرار إلىالله يكون بالقيام بطاعته واجتناب نواهيه، لأنه لا ينقذك من عذاب الله،إلا أن تقوم بطاعة الله، فكأن الإنسان إذا قام بطاعة الله عز وجل كأنه فرمن عدو، أرأيت لو أن وادياً عرماً يهدر، أقبل عليك فإنك لن تقف أمامه، بلتهرب منه وتفر منه، كذلك لو أن حريقاً ملتهباً أقبل إليك فإنك لن تقف بلتفر، كذلك نار جهنم أشد وأعظم وأولى بالفرار منها، ولهذا قال: {ففروا إلىالله }، أي: من عذاب الله { إني لكم منه نذير مبين} أي: منذر { مبين } أي:مظهر لما أنذر به ومبين له، فهو عليه الصلاة والسلام نذير من الله تعالىلعباده، ينذر من خالف أمره بالعذاب، ومع هذا هو صلى الله عليه وسلم بشيرلمن آمن وأطاع بالجنة والسعادة في الدنيا والآخرة، كما قال الله تعالى:{من عمل صـالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياةً طيبةً ولنجزينهمأجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } لكن الله تبارك وتعالى يذكر الإنذار فقط فيمقام التهديد والوعيد، وهذه السورة كلها ذكر للأمم السابقين وما حل بهم منالعقوبة لمخالفتهم أمر الله تبارك وتعالى، {ولا تجعلوا مع الله إلـهاًءاخر }، أي: لا تجعلوا معه معبوداً تعبدونه، والمعبود أنواع وأصناف، فمنالناس من يعبد الشمس، ومنهم من يعبد القمر، ومنهم من يعبد النجوم، ومنهممن يعبد الحيوان، ومنهم من يعبد الشجر، ومنهم من يعبد الحجر، ومنهم منيعبد المال، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «تعس عبدالدينار، تعسعبدالدرهم، تعس عبدالخميصة، تعس عبدالخميلة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط»(28) فبين الرسول عليه الصلاة والسلام أن الذي ليس لهم همٌّ إلا المالفإنه عابد له في الحقيقة، وإن كان لا يركع له ولا يسجد، لكن تعلق قلبه بهواهتمامه به، وكونه يرضى لحصوله، ويسخط لمنعه، لا شك أنه قد استولى علىقلبه استيلاء تامًّا، لكن المعبود تختلف عبادته في الحكم، فإن كان يصرف لهشيء من العبادة، فهذا شرك أكبر، وإن كان لا يصرف له شيء من العبادة، ولكنهيتعلق به القلب تعلقاً كاملاً حتى إنه ليدع الواجبات ويقع في المحرمات منأجل الحصول عليه، فهذه عبادة لا تخرج من الدين لكنها حقًّا عبادة { إنيلكم منه نذير مبين} كرر ذلك لأهمية الموضوع، فنسأل الله تعالى أن يرزقناالاتعاظ والانتفاع بآيات الله تعالى، إنه على كل شيء قدير.
{كذلكمآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا سـاحر أو مجنون } يعني أن الأمرالذي حصل لك يا محمد حصل لمن قبلك، فقوله (كذلك)خبر مبتدأ محذوف،والتقدير: الأمر كذلك، يعني أن أمر الأمم السابقة كأمر هؤلاء الذين كذبوكيا محمد، وفسر {كذلك } بقوله: { مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالواسـاحر أو مجنون} يعني ما أتاهم رسول إلا قالوا كذا، و(من) في قوله (منرسول) زائدة من حيث الإعراب، كقوله تعالى: {أن تقولوا ما جاءنا من بشيرولا نذير } والمعنى ما جاءنا بشير ونذير، لكن تزاد الحروف في بعض الجملللتأكيد، فما أتى الذين من قبلهم من رسول يعني ما أتاهم رسول إلا وصفوهبهذين الوصفين إلا قالوا: ساحر أو مجنون، ساحر باعتبار تأثيره وبيانهوبلاغته، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من البيان لسحراً» (29)أو مجنون يعني أو قالوا مجنون باعتبار تصرفاته، لأن هذا التصرف في نظرهؤلاء المكذبين جنون، نسأل الله العافية، وفي هذا تسلية للرسول عليهالصلاة والسلام، لأن الإنسان إذا علم أن غيره أصابه ما أصابه تسلى بذلك،وهان عليه الأمر، ولهذا قالت الخنساء تماضر وهي ترثي أخاها صخراً:
ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن أسلي النفس عنه بالتأسي
وقددل لذلك قول الله تبارك وتعالى: {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم فيالعذاب مشتركون }. لأن الإنسان إذا شاركه غيره في العذاب هان عليه، لكنيوم القيامة لا ينفع الإنسان أن يشاركه غيره في عقوبته، والمهم أن في هذهالجملة بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام تسلية حتى لا يحزن، فإن ماأصابه قد أصاب غيره، وفيها أيضاً دليل على أن المكذبين للرسل طريقهمواحدة، ولو تباعدت أزمانهم، ولو تباعدت أقطارهم، لأن المجرم أخو المجرم،فالطريقة واحدة، قال الله تعالى: {أتواصوا به } أي بهذا القول {بل هم قومطـاغون } يعني هل هؤلاء المكذبين للرسل الذين اتفقوا على وصف الرسل بأنهمسحرة ومجانين، هل هم تواصوا بذلك؟ يعني هل كل واحد من هؤلاء الأمم كتبوصية إلى الأمم اللاحقة: أن قولوا لأنبيائكم: إنكم سحرة ومجانين؟ الجواب:لا، ولهذا قال: { بل هم قوم طـاغون} وهذا إضراب إبطال يعني لم يحصل تواصٍ،ولكن تواردت الخواطر، لأن الهدف واحد وهو تكذيب الرسل، فاتفقت الكلمة، وفيقوله (طاغون) وصف بأن هؤلاء طغاة معتدون، وهذا من أعظم الطغيان - والعياذبالله - أن يوصف دعاة الحق بأنهم سحرة ومجانين، قال الله تعالى: {فتولعنهم } أي: أعرض عن هؤلاء ولا تهتم بهم {فمآ أنت بملوم } يعني لا أحديلومك لأنك بلَّغت الرسالة، وأدَّيت الأمانة، وصبرت وصابرت، فلقد صبرالنبي صلى الله عليه وسلم ، وصابر على أذى قريش وامتهانهم إياه، ولكنهكانت له العاقبة ولله الحمد، ولهذا قال: {فتول عنهم }، بمعنى أنك لا تتعبنفسك بهم، ولا تهلك نفسك فيهم، فأنت في هذه الحال لا تلام على ذلك، لأنهصلى الله عليه وسلم قام بما يجب عليه، وفي قوله {فتول عنهم فمآ أنت بملوم}أمران:
الأمر الأول: عذر النبي عليه الصلاة والسلام وإقامة العذر له.
والثاني: تهديد هؤلاء المكذبين: فالله تعالى يهددهم بتولي الرسول عنهم، لأنهم لا خير فيهم.
ثمقال: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } أي: ذكر الناس بآيات الله وبأيامه،وشرائعه وما أوجب الله على العباد. وبأيامه: عقابه تبارك وتعالى للمكذبينوإثابته للطائعين، لكن أطلق الله الذكرى وقال: {وذكر } ولم يقل: وذكرالمؤمنين، لكن بين أن الذي ينتفع بالذكرى هم المؤمنون فقال: { فإن الذكرىتنفع المؤمنين } لأن المؤمن إذا ذكر فهو كما وصفه الله عز وجل: { والذينإذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً وعمياناً } بل يقبلونها بكلرحابة صدر وبكل طمأنينة، وفي الآية الدليل على وجوب التذكير على كل حال،وفيها أن الذي ينتفع بالذكرى هم المؤمنون، وأن من لا ينتفع بالذكر فهو ليسبمؤمن: إما فاقد الإيمان، وإما ناقص الإيمان، وهنا فتش عن نفسك: هل أنتإذا ذكرت بآيات الله وخوفت من الله عز وجل هل أنت تتذكر أم يبقى قلبك كماهو قاسياً، إن كانت الأولى فاحمد الله فإنك من المؤمنين، وإن كانت الثانيةفحاسب نفسك، ولا تلومن إلا نفسك، وعليك أن ترجع إلى الله - عز وجل - حتىتنتفع بالذكرى، وفي الآية دليل على أنه كلما كان الإيمان أقوى كانالانتفاع بالذكرى أعظم وأشد، وذلك من قاعدة معروفة عند العلماء، وهي: أنالحكم إذا علق بوصف ازداد بزيادته ونقص بنقصانه.
{وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} أي ما أوجدتهم بعد العدم إلا لهذه الحكمةالعظيمة، وهي عبادة الله تبارك وتعالى، وحده لا شريك له، واللام في قوله{ليعبدون } للتعليل، لكن هذا التعليل تعليل شرعي، أي لأجل أن يعبدون، حيثآمرهم فيمتثلوا أمري، وليست اللام هنا تعليلاً قدرياً، لأنه لو كانتعليلاً قدرياً للزم أن يعبده جميع الجن والإنس، لكن اللام هنا لبيانالحكمة الشرعية في خلق الجن والإنس، والجن عالم غيبي خلقوا من نار، لأنأباهم هو إبليس كما قال الله تعالى: {أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى وهملكم عدو } فسموا جنًّا لأنهم مستترون عن الأعين، حيث إنهم يروننا ولانراهم، هذا هو الأصل أنهم عالم غيبي، لكن قد يظهرون أحياناً، والأصل فيهمأنهم كالإنس منهم المسلمون، ومنهم غير المسلمين، ومنهم الصالحون ومنهم دونذلك، لكن الإنس يفضلونهم بأنهم أحسن منهم من حيث الابتداء، حيث إنهم خلقوامن الطين، من التراب، من صلصال كالفخار، وأما أولئك الجن فخلقوا من النار،كذلك يمتاز الإنس عنهم بأن منهم الرسل والأنبياء، وأما الجن فليس منهمرسل، ولكن منهم نُذر، يبلغونهم الرسالات من الإنس، كما في قول الله تعالى:{وإذ صرفنآ إليك نفراً من الجن يستمعون القرءان فلما حضروه قالوا أنصتوافلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين } فانظر إلى أدبهم في قولهم: أنصتوا ثمبقائهم حتى انتهى المجلس، ثم ذهبوا دعاة لما سمعوا، قالوا: {أنصتوا فلماقضى ولوا إلى قومهم منذرين } {قالوا يقومنآ إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعدموسى } إلى آخر الآية، وأما الإنس فهم بنو آدم البشر، هؤلاء خلقوا لشيءواحد، لعبادة الله، لا لأجل أن ينفعوا الله بطاعتهم، ولا أن يضروهبمعاصيهم، ولا أن يطعموه، ولهذا قال: {مآ أريد منهم من رزق ومآ أريد أنيطعمون} يعني ما أطلب منهم رزقاً أي عطاءً أنتفع به، ولا أن يطعمون فأنتفعبإطعامهم، قال الله تبارك وتعالى: {قل أغير الله أتخذ ولياً فاطر السمواتوالأَرض وهو يطعم ولا يطعم }، فهو سبحانه وتعالى له الجود والغنى والكرموهو غني عما سواه، فالحكمة من خلق الجن والإنس العبادة، فلم يخلقوا لأجلأن يعمروا الأرض ،ولا لأجل أن يأكلوا، ولا لأجل أن يشربوا، ولا أن يتمتعواكما تتمتع الأنعام، وإنما خلقوا لعبادة الله، وخلق لهم ما في الأرض، فنحنمخلوقون للعبادة، وكل ما في الأرض مخلوق لنا، {هو الذي خلق لكم ما فيالأَرض جميعاً } والعجب أن قومنا الآن اشتغلوا فيما خلق لهم عما خلقوا له،وهذا من السفه أن يشتغلوا بشيء خلق لهم، عن شيء خلقوا من أجله. والعبادةتطلق على معنيين:
المعنى الأول: التعبد، يعني فعل العبد، فيقال: تعبد لله عبادة.
والثاني:المتعبد به، وهذا المعنى قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -:إنه (اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرةوالباطنة)، فهي اسم جامع لكل شيء، فالصلاة عبادة، والصدقة عبادة، والصومعبادة، والحج عبادة، والأمر بالمعروف عبادة، والنهي عن المنكر عبادة، وكلما يقرب إلى الله من قول، أو فعل فإنه عبادة. {إن الله هو الرزاق ذو القوةالمتين } هو الرزاق يعني هو صاحب العطاء الذي يعطي، فالرزق بمعنى العطاء،ومنه قوله تعالى: {وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمسـاكينفارزقوهم منه } أي: أعطوهم، وكلمة (الرزاق) أبلغ من كلمة (الرازق)؛ لأن(الرزاق) صيغة مبالغة تدل على كثرة الرزق، وعلى كثرة المرزوق، فرزق اللهتعالى كثير باعتبار كثرة المرزوقين، فكل دابة في الأرض على الله رزقها، منإنسان وحيوان، ومن طائر وزاحف، ومن صغير وكبير، ولا يمكن أن نحصي أنواعالمخلوقات على الأرض، ولو قلت لك أحص العوالم التي في الأرض ما استطعت،فضلاً عن أفرادها، فكل فرد منها فإن الله تعالى متكلف برزقه {وما من دآبةفي الأَرض إلا على الله رزقها } فإذا كان الأمر كذلك صار رزق الله كثيراًباعتبار المرزوق، مَن يحصي المرزوقين؟ لا أحد يحصيهم أبداً، ورزقه كثيرباعتبار الواحد، فكم لله عليك من رزق كثير لا يحصى، رزق الله لك دارٍّعليك ليلاً ونهاراً، رزقك عقلاً، وصحة، ومالاً، وولداً، وأمناً وأشياء لاتحصى، {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها }، ولهذا جاء اسم الرزَّاق بالتشديدالدال على الكثرة، وقوله: {ذو القوة } أي: صاحب القوة التي لا قوة تضادها،كما قال الشاعر الجاهلي:
أين المفر والإله الطالب والأشرم المغلوب ليس الغالب
فقوةالله عز وجل لا يضاهيها قوة، قوته - عز وجل - لا يعتريها ضعف، بخلاف قوةالمخلوق، فقوته تنتهي إلى ضعف، كما قال الله تعالى: {الله الذي خلقكم منضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبةً يخلق ما يشاءوهو العليم القدير } أما الرب عز وجل فقوته لا يلحقها ضعف بأي وجه منالوجوه، ولما قالت عاد: من أشد منا قوة؟ قال الله؟ {أولم يروا أن اللهالذي خلقهم هو أشد منهم قوةً } وصدق الله - عز وجل - وقوله: {المتين} يعنيالشديد، شديد في قوته، شديد في عقابه، شديد في كل ما تقتضي الحكمة الشدةفيه، انظر إلى قول الله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهمامائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليومالأَخر وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين }. هذه شدة، والله - عز وجل -أرحم الراحمين، ومع ذلك ينهانا أن تأخذنا الرأفة، في الزانية والزاني {ولاتأخذكم بهما رأفة }، وهذا دليل على القوة، ومن قوته - عز وجل - أنه خلقالسماوات والأرض في ستة أيام ولم يعِ بخلقهن، ومن قوته وقدرته أنه جل وعلايبعث الناس كنفس واحدة {فإنما هي زجرة واحدة * فإذا هم بالساهرة} والأمثلةعلى هذا كثيرة، فهو جلَّ وعلا له القوة البالغة التي لا يمكن أن تضاهيهاأي قوة.
ثمقال الله تعالى: {فإن للذين ظلموا ذنوباً مثل ذنوب أصحـابهم فلا يستعجلون}أي:الذين ظلموا بالكفر لهم {ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم } والذنوب في الأصلهو الدلو، أو ما يستقى به، وشاهد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : «أريقواعلى بوله ذنوباً من ماء» (30) والمعنى: هؤلاء الظالمون لهم نصيب مثل نصيبمن سبقهم {فإن للذين ظلموا ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم } أي نصيباً من العذابمثل نصيب أصحابهم، وانظر كيف سمى الله تعالى السابقين بأزمان بعيدةأصحاباً لهؤلاء، وذلك لاتفاقهم في التكذيب، ورمي الرسل بما لا يستحقون،فهم أصحاب في الواقع وإن تباعدت الأزمان والأماكن { فلا يستعجلون }، النونهنا مكسورة على أنها نون الوقاية وحذف الضمير: الياء، وأصله فلايستعجلوني، فحذفت الياء تخفيفاً، ولهذا لا يشكل على الإنسان فيقول: كيفكانت النون مع أن (لا) ناهية؟ والجواب أن نقول: هذه النون ليست نونالإعراب، ولكنها نون الوقاية، فالفعل إذاً مجزوم، والنون للوقاية، والياءالتي هي المفعول محذوفة، وفي قوله: {فلا يستعجلون } تهديد واضح أن هؤلاءسيأتيهم العذاب لا محالة، ولكن لا يستعجلون الله - عز وجل - لأن اللهتعالى يملي للظالم ويمهله حتى إذا أخذه لم يفلته، كما جاء في الحديث عنالنبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لميفلته» (31) وتلا قوله تعالى: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظـالمة إنأخذه أليم شديد}.
{فويلللذين كفروا من يومهم الذي يوعدون} ويل: بمعنى الوعيد والعذاب، يعني أنهيتوعدهم - عز وجل - من هذا اليوم الذي يوعدون وهو يوم القيامة؛ لأنهمسيجدون ما أرسل إليهم حقًّا، وسيجدون الذل والعار {يوم تبيض وجوه وتسودوجوه }. {ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً }. فيكونون من بين هذا العالم - نسألالله العافية - على هذا الوجه، ولهذا قال: {فويل للذين كفروا من يومهمالذي يوعدون } وسيكون هذا اليوم يوماً عسيراً عليهم، لأنهم كفرة والعياذبالله.
تم تفسير سورة الذاريات.
--------------------------
(1) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب الخطبة (5146).
(2) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب النهي عن البغي(4901).
(3) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن تقنيط الإنسان من رحمة الله تعالى (2621).
(4) تقدم تخريجه.
(5)أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: {ومن دونهما جنتان} (4878) ومسلم،كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى(180).
(6) تقدم تخريجه.
(7) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الأول فالأول (1844).
(8) أخرجه مسلم، كتاب التوبة، باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة والمراقبة (2750).
(9) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب درجات المجاهدين في سبيل الله (2790).
(10) تقدم تخريجه.
(11)حيث قال: «لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام. فإذا لقيتم أحدهم فيطريق فاضطروه إلى أضيقه». أخرجه مسلم، كتاب السلام، باب النهي عن ابتداءأهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم (رقم 2167).
(12)أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء (349) ومسلم،كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السمواتوفرض الصلوات (163).
(13)أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب يسلم الراكب على الماشي (6232) ومسلم،كتاب السلام، باب يسلم الراكب على الماشي والقليل على الكثير (2160).
(14)أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب التسليم على الصبيان (رقم 6247)ومسلم، كتاب السلام، باب استحباب السلام على الصبيان (رقم 2168).
(15) أخرجه الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة الناس (1924)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(16)أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب يسلم الراكب على الماشي (رقم 6232)ومسلم، كتاب السلام، باب يسلم الراكب على الماشي والقليل على الكثير (رقم2160).
(17) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب الهجرة (6077) ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الهجر فوق ثلاث بلا عذر شرعي (2560).
(18) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع (6502).
(19) أخرجه الإمام أحمد (3/344، 360).
(20) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب كل معروف صدقة (6021).
(21) تقدم ، وهو عند الترمذي (1456).
(22) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق وهي الأحزاب (4105) ومسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب في ريح الصبا والدبور (900).
(23)أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب (433)،ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم(2980) (38).
(24) أخرجه مسلم في الموضع السابق (2980) (39).
(25) أخرجه مسلم، كتاب الفتن، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض (2889).
(26) أخرجه مسلم، كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة (1017).
(27) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته (3335)، ومسلم، كتاب القسامة، باب بيان إثم من سن القتل (1677).
(28) تقدم تخريجه.
(29) تقدم وهو عند البخاري (5146).
(30)أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب صب الماء على البول في المسجد (220)ومسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات... (284) (99).
(31)أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب قوله:{وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى}(4686) ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم (2583

جزاك الله الف خير

جزاك الله خير
ابدعتـ فيمــــــــــا خطتـ اناملاكـ

موضوع فيـ غاية الروعه والجمــــــالـ

الفـ شكـــــــــر على الموضوع الرائــــــــع

والله يعطيـــــــــــــكـ الفـ عـــــا فيــــــــــــــهـ
تقبل مروروي

مشكوووووووور
جــــــــــ الله خيرــــــــــــــــــــــ ــــزاك وجعلها الله في موازين حساناتك

,
يعطيكـ مـآـيون عـآفيه ..’,
ـأختيـآر ذووق وبـآنتظـآر القــآدم..،
أرق التحـآيــآإآ ,,’,
تحيتي|ْ ~

مشكوووووور وجعلها الله فى ميزان حسناتك
رائع
بارك الله فيك
الله يجازيك بألف خير

تسلم الأيادى