منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية > قسم القرآن وعلومه
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


المُشَوّقُ إِلَى القِرَاءَةِ وَطَلَبِ العِلْمِ




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع




المُشَوّقُ إِلَى القِرَاءَةِ وَطَلَبِ العِلْمِ





تألِيفُ
علي بن محمّد العمران


الفصل الأول
في الحثِّ على الازدياد من العلم والتبحُّر فيه


في نزول أوَّل آيةٍ في القرآن، وهي قوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [العلق/ 1] من الدَّلالات ‏والمعاني ما لا يمكن حصرُه، ويُفهم من قوله: (اقْرَأْ) وهو فعل أمر من (قَرَأ) الأمر الجازم الحازم بالقراءة، والحث ‏على تعلمها وتعليمها ، وفي هذه اللفتة غَناء عن كلام كثير في هذا الموضوع.‏
‏* أمر النبي ‏‎" صلى الله عليه وسلم "‎‏ بالزيادة من العلم‏
ثم جاءَ الأمرُ القرآني الآخر، لتأكيد القضيّة وانلحث على طلب المزيد من العلم، فقال الله -تعالى-: ‏‏(وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [طه/ 114].‏
قال ابن القيم -رحمه الله-: ((وكفى بهذا شرفًا للعلم.، أن أمرَ نبيَّه أن يسأله المزيدَ منه))‏ ‏ اهـ.‏
وقال ابن كثير في ((تفسيره))‏ ‏: ((أي: زدني منك علمًا، قال ابنُ عُيينة -رحمه الله-: ولم يزل ‏‎" صلى الله عليه وسلم "‎‏‎‏ في زيادة ‏حتَّى توفَّاه الله -عز وجل-)) اهـ.‏
وقد قيل: ما أمرَ اللهُ رسولَه بطلبِ الزيادة في شيءٍ إلا في العلم ‏.‏
‏* خبر نبيِّ الله موسى ‏‎‎‏ في طلب الزيادة منه‏
والعالم كلما ازداد علمًا. ازداد معرفة بفضل العلم ومنزلته ومكانته، وبمقدار ما فاته منه ويفوت= ‏فتاقَت نفسُه -حينئذٍ- إلى المزيد منه، ولو لقي في ذلك الألاقي.‏
ففي خبر كليم الله موسى ‏‎,‎‏ الذي قصَّه القرآن الكريم في سورة الكهف الآيات (60-82)، وذكره ‏النبيُّ ‏‎‏‎" صلى الله عليه وسلم "‎‏‎‏ لأصحابه كما في الصحيحين))‏ ‏ وفيه أن النبي ‏‎‏‎" صلى الله عليه وسلم "‎‏‎‏ قال: ((بينما موسى في ملأٍ من بني إسرائيل إذ ‏جاءه رجل فقال: هل تعلم أحدًا أعلمَ منك؟ قال موسى: لا. فأوحى الله إلى موسى: بلى، عَبْدنا خَضِر ، ‏فسألَ موسى السَّبيلَ إليه...)) الحديث.‏
قال أبو العبَّاس القرطبي ‏: ((وفيه من الفقه: رِحْلة العالِمِ في طلب الازدياد من العلم، والاستعانة ‏على ذلك بالخادم والصاحِب، واغتنام لقاء الفُضَلاء والعلماء، وإن بَعُدت أقطارُهم، وذلك كان دأب السَّلف ‏الصالح، وبسبب ذلك وصلَ المرتحلون إلى الحظ الراجح، وحصلوا على السَّعي الناحج، فَرَسخت في العلوم لهم ‏أقدامٌ، وصحَّ لهم من الذِّكر والأجر أفضلُ الأقسام)) اهـ.‏
قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري))‏ ‏: ((وموسى -عليه الصلاة والسلام- لم يمنعه بلوغه من السِّيادة ‏المحلّ الأعلى من طلب العلم وركوب البحر لأجله... و[فيه -أي الحديث-]: ركوب البحر في طلب العلم، ‏بل في طلب الاستكثار منه)) اهـ.‏
وذكر الماوردي ‏ عن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- قال: لو كان أحدٌ يكتفي من العلم لاكتفى منه ‏موسى -على نبينا وعليه السلام- لمَّا قال: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) [الكهف/ 66].‏
أقول: فهذه حال الأنبياء، والعلماءُ ورثتهم، ولم يَرِثوا منهم إلا العلم، فطلبوه وحصَّلوه وتعبوا في ‏سبيله، فأخذوا بحظ وافرٍ.‏
‏* شيءٌ من حال الصحابة في الازدياد منه
لقد لحظَ الصحابةُ -رضي الله عنهم- ماكان عليه قدوتهم ‏‎‏‎" صلى الله عليه وسلم "‎‏‎‏ من حِرْصٍ على العلم، فاقتفوا أثره، ‏وضربوا أمثلة نادرة في الحرص عليه والتفاني من أجله.‏
فهذا عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه- كان إذا تلى قولَه تعالى: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) قال: ‏‏((اللهم زِدْني عِلْمًا وإيمانًا ويقينًا))‏ ‏.‏
وقد بلغ -رضي الله عنه- من شِدَّة اجتهاده وطلبه أن قال: ((والله الذي لا إله غيره، ما أُنزلت سورةٌ ‏من كتاب الله إلا أنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آيةٌ من كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن أُنزلت، ولو أعلم أحدًا ‏أعلمَ مني بكتاب الله تبلُغُه الإبل لركبتُ إليه))‏ ‏.‏
وهذا أبو هريرة -رضي الله عنه- حافظ الصحابة يصفه ‏‎" صلى الله عليه وسلم "‎‏‎‏ بالحرص على العلم، فقد عَقَد البخاريُّ في ‏‏((صحيحه))‏ ‏: (بابٌ الحرصُ على الحديث) وذكر فيه حديثَ أبي هريرة -رضي الله عنه- وسؤاله النبي ‏‎‏‎" صلى الله عليه وسلم "‎‏‎‏ ‏عن أسْعد الناس بشفاعته؟ وقوله له: ((لقد ظننتُ يا أبا هريرةَ أن لا يسألني عن هذا الحديثِ أحدٌ أوَّلَ منكَ، ‏لِمَا رأيتُ من حِرْصِكَ على الحديثِ...)).‏
قال البدر العيني في ((عمدة القاري))‏ ‏: ((فيه الحرص على العلموالخير، فإن الحريص يبلغ بحرصه إلى ‏البحث عن الغوامض ودقيق المعاني، لأن الظواهر يستوي الناسُ في السؤال عنها، لاعتراضها أفكارهم، وما ‏لَطُفَ من المعاني لا يسأل عنها إلا الراسخ فيكون ذلك سببًا للفائدة، ويترتب عليها أجرها وأجر من عمل بها ‏إلى يوم القيامة)) اهـ.‏
وهذا جابر بن عبدالله الأنصاري -رضي الله عنهما- يرحل من المدينة النبوية إلى مصر -مَسِيرة شهر ‏على البعير- من أجل سماع حديثٍ واحد، خاف أن يموتَ ولم يَسْمَعْه‏ ‏.‏
وأخرج الدارمي ‏ بسندٍ صحيح عن عبدالله بن بريدة: ((أن رجلاً من أصحاب النبي ‏‎" صلى الله عليه وسلم "‎‏‎‏ رحلَ إلى ‏فَضَالَة بن عُبيد وهو بمصر، فقدمَ عليه، فقال: أما إني لم آتِكَ زائرًا، ولكن سمعتُ أنا وأنتَ حديثًا من رسول ‏الله ‏‎‏‎" صلى الله عليه وسلم "‎‏‎‏ رجوتُ أن يكون عندك منه علم...‏
وعدَّد الحافظ في ((الفتح)): (1/ 210) أمثلة ثم قال: ((وتتبُّع ذلك يكثُر)).‏
وقد ألَّف الخطيبُ كتابه ((الرحلة في طلب الحديث)) فيمن رحل في طلب حديث واحد.‏
‏* شيء مما جاء عن السَّلف
وهكذا كان ذلك الجيل الفريد قدوة لمن بعدهم، في عكوفهم على العلم، وطلبهم للاستزادة منه، ‏فاحتذوا حذوهم، واقتفوا أثرهم، وشواهد ذلك ماثلة:‏
فهؤلاء تلاميذ ابن مسعود -رضي الله عنه- في الكوفة -علقمة والأسود وغيرهم- كانوا إذا سمعوا ‏الحديث والعلم من شيخهم، لم يشف ذلك مافي صدورهم من النهمة، فيرحلون إلى المدينة طَلبًا للعلوِّ وزيادة في ‏التثبت، وإمعانًا في الطلب والتلقي من أفواه العلماء ‏.‏
قال يحيى بن سعيد القطان ‏: ما رأيتُ أحفظَ منه (أي: سفيان الثوري 161) كنتُ إلا سألته عن ‏مسألةٍ أو عن حديثٍ ليس عنده، اشتدَّ عليه.‏
فلم يقف العلماء في طلبهم عند حدٍّ محدود، بل استوعبوا قدر الاستطاعة والطاقة، فضربوا بذلك ‏أعجبَ الأمثلة، وأغربَ السِّيَر.‏
قال الأعمش ‏: كان مجاهد (104) لا يسمع بأُعجوبة إلا ذهب لينظر إليها! ذهب إلى حَضْرَمَوْت ‏ليرى بئر برهوت، وذهب إلى باب وعليه والٍ، فقال له مجاهد: تعرض عَلَيَّ هاروت وماروت...؟.‏
وذكر ابن حَزم ‏ عن يحيى بن مجاهد الزاهد قال: كنتُ آخذ من كلِّ علم طَرفًا، فإن سماع الإنسان ‏قومًا يتحدثون وهو لا يدري ما يقول غُمَّة عظيمة، أو كلامًا هذا معناه.‏
قال أبو محمد (أي ابن حزم): ((ولقد صدق -رحمه الله-)).‏
وهذا الإمام الدارقطني (385) -رحمه الله- وهو من هو تضلُّعًا في علوم الحديث والفقه والقراءات، ‏إلا أنه كان حُفَظَةً للأخبار والنوادر والحكايات.‏
قال الأزهري ‏: كان الدارقطني ذكيًّا، إذا ذكر شيئًا من العلم (أيّ نوع كان) وجد عنده منه ‏نصيب وافِر، لقد حدّثني محمد بن طلحة النعالي أنه حضر مع الدارقطني دعوةً، فجرى ذِكْر الأَكَلَة، فاندفعَ ‏الدارقطني يورد نوادر الأَكَلَة حتى قطع أكثر ليلته بذلك.‏
وقال الإمام محمد بن عبدالباقي الأنصاري (535) عن نفسه ‏: ((حفظتُ القرآن ولي سبع سنين، ‏وما من علمٍ في عالم الله إلا وقد نظرتُ فيه، وحصَّلتُ منه بعضه أو كله)).‏
ولما أُسِر في أيدي الروم قيَّدوه، وجعلوا الغل في عنقه، وأرادوا منه أن ينطق بكلمة الكفر فلم يفعل، ‏وتعلَّم منها الخطَّ الرومي.‏
أقول: وما سيرة ابن حزمٍ (456)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (728)، وابن الوزير (840) عنَّا ببعيد، ‏وما خلفوه من تراثٍ خَيْر حافظ على ذلك وشهيد .‏
وخذ مثالاً للدلالة على سَعَة اطلاع شيخ الإسلام، قال الصفديُّ ‏ -تلميذه-: ((أخبرني المولى علاء ‏الدين عليُّ بن الآمدي -وهو من كبار كُتَّاب الحساب- قال: دخلتُ يومًا إليه أنا والشمس النفيس عامل بيت ‏المال -ولم يكن في وقته أكتبَ منه- فأخذ الشيخ تقي الدين يسأله عن الارتفاع وعما بين الفَذْلكة واستقرار ‏الجملة من الأبواب، وعن الفَذْلكة الثانية وخَصْمها، وعن أعمال الاستحقاق، وعن الخَتْم والتوالي، وما يُطلب ‏من العامل. وهو يجيبُه عن البعض، ويسكت عن البعض، ويسأله عن تعليل ذلك؟ إلى أن أوضح له ذلك وعلَّله، ‏قال: فلمَّا خرجنا من عنده قال لي النفيس: والله تعلَّمت اليومَ منه مالا كنت أتعلمه. انتهى ما ذكره علاءُ ‏الدين)).‏
واستمع إلى هذا الوصف العجيب، الذي يُوْقِفُك على سَعَة اطلاع شيخ الإسلام، ذكر السخاوي في ‏‏((الجواهر والدرر))‏ ‏ عن القاضي شمس الدين بن الديري يقول: ((سمعتُ الشيخَ علاء الدين البسطامي -‏ببيت المقدس- يقول وقد سأله: هل رأيت الشيخ تقيَّ الدين ابن تيميَّة، فقال: نعم. قلتُ: كيف كانت صِفَتُه؟ ‏فقال :‏
هل رأيتَ قُبَّةَ الصَّخرة؟ قلت: نعم. قال: كان كقُبَّة الصخرة مُلأ كتبًا لها لسان ينطق!!)) اهـ.‏
ولا ريبَ أن هذا التنوع المعرفي لم يتَّأتَّ من فراغ وبطاله، ولكنه جُمِع بطول السَّهر، واغتنام العمر، ‏ومنادمة الكتاب والاستِغناء به عن الصّحاب والأحباب.‏
‏* علماء يعرفون علومًا لا يعرفها أهل عصرهم
وإن تَعْجَب فَعَجَبٌ ما وجدته في تراجم بعض العلماء، وما ذُكر من سَعَة اطلاعهم وتنوُّع معارفهم، ‏بل تصريح جماعةٍ منهم بمعرفتهم لعلومٍ لا يعرفها أهلُ عصرهم، بل لا يعرفون أسماءها!! وإليك ما وجدت:‏
‏1- كان ابن الخشَّاب النحوي الحنبلي ت (567) يقول: إني متقنٌ في ثمانية علوم، ما يسألني أحدٌ ‏عن علم منها، ولا أجد لها أهلاً!!‏ ‏.‏
‏2- وكان أبو البقاء السُّبْكي ت (777) يقول: أعرف عشرين علمًا، لم يسألني عنها بالقاهرة ‏أحد ‏!!.‏
‏3- وقال محمد بن أبي بكر بن جَمَاعة ت (819): أعرف خمسة عشر علمًا، لا يعرف علماء ‏عصري أسماءها!!‏ ‏.‏
‏4- ويُروى أن محمد بن أحمد بن عثمان بن عليم المالكي ت (842) قال: أعرف عشرين علمًا ما ‏سُئلْتُ عن مسألةٍ منها!!‏ ‏.‏
‏5- وكان أحمد بُو نافع الفاسي ت (1260) يقول: عندي أربعة وعشرون علمًا، لم يسألني عنها ‏أحدٌ!!‏ ‏.‏
‏6- وفي ترجمة أبي الطيب عبدالمنعم الكندي ت (435)، حكى بعضُهم أَنَّه دخلَ عليه، فوجَدَه ينظر ‏في اثني عشر علمًا، وكان له حظ من الحسابِ والهندسةِ والعلوم القديمةِ ‏.‏
‏7- وانظر ما ذكره الجبرتي المؤرِّخ‏ ‏ عن والده العلامة حسن الجبرتي الكبير ت (1188) من تفنُّنه ‏في علوم الشرع، ثم اعتكافه عشر سنوات (1144- 1154) لدراسة (العلوم التجريبية) من الهندسة ‏والكيمياء والفلك والصنائع الحضارية كلِّها، حتى النِّجارة والخِراطة والحِدادة والسَّمكرة والتجليد والنقش ‏والموازين، حتى صار بيته زاخِرًا بكلِّ أداةٍ في صناعةٍ وكلِّ آلةٍ...‏
فتزوَّد من العلم والْحَق بالرَّكب.‏
قال الماوردي في ((أدب الدنيا والدين))‏ ‏ -وهو يرشد الطالب-: ((ولا يَقْنَع من العلم بما أدرك، ‏لأن القناعة فيه زهدٌ، والزُّهد فيه تركٌ، والتركُ له جهلٌ!.‏
وقد قال بعض الحكماء: عليكَ بالعلمٍ والإكثار منه، فإن قليلَه أشبه شيءٍ بقليل الخير، وكثيره أشبه ‏شيءٍ بكثيره، ولن يعيب الخير إلا القِلَّة، فأمّا كثرتُه فإنها أُمنِية)) اهـ.‏
ومن فوائد الاستمرار في طلبه ودوام التزيد منه ما ذكره ابن الجوزي في ((صيد الخاطر))‏ ‏ قال: ‏‏((أفضل الأشياء التزيّد من العلم، فإنه من اقتصرَ على ما يعلمه فظنَّه كافيًا اسْتَبَدَّ بِرأْيه، وصار تعظيمه لنفسه ‏مانعًا من الاستفادة. والمذاكرة تبيِّن له خطأه...)).‏

الاستزادة من العلم... حتى في ساعة الاحتضار
ساعة الاحتضار لا يمكن لأحدٍ أن يصفَ حقيقتها أو يصلَ إلى كُنْهها، لكن الكلُّ يعلم أنها ساعة ‏رهيبة ولحظةً مُذهِلة، إنها ساعة الانتقال والتحول من الدنيا إلى الآخرة، من الحياة إلى الموت، هل هناك ساعة ‏في الدنيا أرهب من هذه؟! هل هناك ساعة في الدنيا أشد حرجًا وأكثر شغلاً منها؟! كلا.‏
فما بالك بأناسٍ في هذه (الساعة وفي هذه اللحظة) يتذاكرون العلم، ويقيدون الفوائد، ويحرصون على ذلك ‏كلِّه، كأقوى ما يكونون صِحَّةً، وكأشدِّ ما يكونون نَشَاطًا!! نعم هذا مما حفظه لنا التاريخ وسطرته الكتب، ‏فثبت وصحَّ ليبقى عِبْرة وعِظة لِلخالِفِ، وحاديًا يتعلل به الطالب.‏
وسرُّ قدرتهم على ذلك، شِدَّة النَّهَمة، وسموّ الهمة.‏
قال العلامة ابن الجوزي ‏:‏
لي همةٌ في العِلْم ما إن مثلُها‏
خُلِقت من العِلْق العظيمِ إلى المُنَى وهي التي جَنَتِ النُّحُوْلُ هي التي
دُعِيت إلى نَيْل الكمالِ فَلبَّتِ
وهذا مصداق خبر النبيِّ ‏‎‎‏: ((مَنْهُومانِ لا يَشْبَعَانِ، طالبُ عِلْمٍ وطالبُ دُنْيا))‏ ‏.‏
ولما سُئِل الإمام أحمد: إلى متى تطلب العلم؟ قال: من المحبرة إلى المقبرة.‏
فإليك ما وجدنا من خبرهم في ذلك:‏
‏* خبر أبي يوسف القاضي (182)‏
ذكر القرشي في ((الجواهر المُضِيَّة))‏ ، والمولى تقي الدين التميمي في ((الطبقات السنية))‏ ‏ في ‏ترجمة إبراهيم بن الجراح التميمي مولاهم -تلميذ أبي يوسف وآخر من روى عنه- قال: ((أتيته أعوده، ‏فوجدته مغمًى عليه، فلما أفاق قال لي: يا إبراهيم! أيُّهما أفضل في رمي الجمار، أن يَرْميَها الرجلُ راجلاً أو ‏راكبًا؟
فقلت: راكبًا. فقال: أخطأتَ!.‏
قلتُ: ماشيًا. قال: أخطأتَ!.‏
قلت: قل فيها -يرضى الله عنك-.‏
قال: أما ما يوقف عنده للدعاء، فالأفضل أن يرميه راجلاً، وأما ما كان لا يوقف عنده، فالأفضل أن ‏يرميه راكبًا ‏.‏
ثم قمت من عنده، فما بلغتُ بابَ داره حتى سمعتُ الصُّرَاخَ عليه، وإذا هو قد مات -رحمه الله تعالى-‏‏)).‏
‏* خبر أبي زُرْعة الرازي (266)‏
قال ابنُ أبي حاتم في ((تقدمة الجرح والتعديل))‏ ‏: سمعتُ أبي يقول: مات أبو زُرعة مطعونًا مبطونًا ‏يعرق جبينُه في النزع، فقلت لمحمد بن مسلم (ابن وَارَة): ما تحفظ في تلقين الموتى: لا إله إلا الله؟ فقال محمد ‏بن مسلم: يروى عن معاذ بن جبل.‏
فمن قبلِ أن يَسْتتم رفع أبو زرعة رأسه وهو في النزع، فقال: روى عبدالحميد بن جعفر، عن صالح بن ‏أبي عريب، عن كثير بن مرَّة، عن معاذ عن النبي ‏‎‏‎" صلى الله عليه وسلم "‎‏‎‏: ((من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخلَ الجنة)).‏
فصار البيت ضجَّة ببكاءِ من حضرَ.‏
‏* خبر أبي حاتم الرازي (277)‏
قال ابنه عبدالرحمن في ((تقدمة الجرح والتعديل))‏ ‏: حضرتُ أبي -رحمه الله- وكان في النزع وأنا ‏لا أعلم، فسألته عن عُقبة بن عبدالغافر، يروي عن النبي ‏‎‎، له صحبة؟ فقال برأسه: لا، فلم أقنع منه، فقلتُ: ‏فهمتَ عني؟ له صحبة؟ قال: هو تابعي.‏
قلت (ابن أبي حاتم): فكان سيد عمله معرفة الحديث، وناقِلَة الأخبار، فكان في عمره يُقتَبَس منه ‏ذلك، فأراد الله أن يُظهر عند وفاته ما كان عليه في حياته)) اهـ.‏
‏* خبر ابن جرير الطبري (310)‏
قال المعافى النَّهْرَواني في ((الجليس الصالح))‏ ‏: ((وحكى لي بعض بني الفرات، عن رجلٍ منهم أو من ‏غيرهم: أنه كان بحضرة أبي جعفر الطبري -رحمه الله- قبل موته، وتوفي بعد ساعة أو أقلّ منها، فذُكِرَ له هذا ‏الدعاء ، عن جعفر بن محمد -عليهما السلام- فاستدعى محبرة وصحيفةً فكتبها، فقيل له: أفي هذه الحال؟! ‏فقال: ينبغي للإنسان أن لا يدع اقتباس العلمِ حتى يموت)) اهـ.‏
‏* خبر ابن سعدون (352)‏
ذكر القاضي عِياض في ((ترتيب المدارك))‏ ‏ في ترجمة أبي بكر محمد بن وسيم بن سعدون الطُّليطلي ‏أنه كان رأسًا في كلِّ فن، مُتقدِّمًا فيه... قال: ((ودَخَل عليه -وهو في النزع- بعضُ أصحابه، فناداه، فلم ‏يُجِبْه، فقال الآخر: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) [سبأ/ 54].‏
فقال له أبو بكر حين ذلك: نزلت في الكفار، وفيها: (إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ)‏ ‏.‏
‏* خبر مسرَّة الحضرمي (373)‏
وذكر عياضٌ في ((المدارك))‏ ‏ -أيضًا- في ترجمة مسرَّة بن مسلم الحَضْرمي ت (373) -وكان من ‏أهل العلم والزهد التام- أنه لما احْتُضِرَ ابتدأ القرآن، فانتهى في (سورة طه) إلى قوله تعالى: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ ‏لِتَرْضَى) [طه/ 84]، ففاضت نفسه.‏
‏* خبر البَيْرُوني ‏ الفَلَكِي (440)‏
ذكر ياقوت في ((إرشاد الأريب))‏ ‏ في ترجمة أبي الريحان محمد ابن أحمد الخُوَارَزْمي ما كان عليه من ‏حرصٍ في تحصيل العلوم، وتصنيف الكتب، ثم ذلك له الفقيه الوَلْوَالجيّ قال: دخلتُ على أبي الرّيحان وهنو ‏يجود بنفسه، وقد حَشْرج نفسُه، وضاقَ به صدرُه، فقال لي في تلك الحالة: كيف قلت لي يومًا حساب ‏الجدَّات الفاسِدَة ؟ فقلت له -إشفاقًا عليه-: أفي هذه الحالةِ؟! قال لي: يا هذا! أُوَدِّعُ الدنيا وأنا عالم بهذه ‏المسألة ألا يكون خيرًا من أن أُخلِّيها وأنا جاهلٌ بها. فأعدتُ ذلك عليه وحَفِظَ... وخرجتُ من عِنْده، وأنا في ‏الطريق، فسمعتُ الصُّرَاخ)) اهـ.‏
‏* خبر ابن روزْبَه (633)‏
وفي ترجمة المُسْنِد أحمد بن عبدالله بن معطي الجزائري ت (666) في ((ذيل التقييد))‏ ‏ للفاسي أنه ‏سَمعَ ((صحيح البخاري)) عَلَى علِيِّ بن أبي بكر بن رُوْزبة في أربعة عشر مجلسًا، وأنه قال لهم يوم الخَتْم: ‏اجتهدوا في إكمال هذا الكتاب، فإنه -والله- ما بقي غيركم يسمعه عليَّ، وتوفي في الليلة المتصلةِ بذلك اليوم.‏
‏* خبر ابن مالك صاحب الألفية (672)‏
وفي كتاب ((الفَلاَكة والمفلوكون))‏ ‏ للدَّلَجي في ترجمة الإمام أبي عبدالله جمال الدين محمد بن ‏عبدالله بن مالك النحوي العلامة، قال: ((كان كثير الإشْغَال ‏ والاشتغال، حتى أنه حفظ في اليوم الذي مات ‏فيه خمسة شواهد!!)).‏
‏* خبر الصفي الهندي (715)‏
ذكر الذهبي في ((معجم شيوخه))‏ ‏ في ترجمته أنه روى له حديثين قال: ((ليسا هما عندي، قرأتهما ‏عليه ونَفَسُه يُحشرج في الصدر، فتوفي يومئذٍ عفا الله عنا وعنه آمين)) اهـ.‏
‏* خبر الحجَّار (730)‏
وهذا المعمّر الأعجوبة، شهاب الدين أبو العبَّاس أحمد بن أبي طالب الحجَّار، مُسْند الدنيا ‏ ت ‏‏(730)، فقد ذكر الفاسيُّ أن الطلاب قد قرءوا عليه في يومِ موته، وله مئة سنة وعشر سنين تقريبًا!!‏
أقول: فاتعظ بهذه الهِمم العَلِيَّة، وابْكِ على تقصيرك ودُنُوِّ هِمَّتك، واستدرك ما فرط من أمرك بالجدِّ ‏والعمل، ومداومة الدرس والنظر، فمن سار على الدرب وصل، وعند الصباح يَحْمَد القوم السُرَى.‏
وقريب من هذا ما جاء في سِيَر بعض العلماء، فهم مع شدة تطلُّبهم للعلم من بادِىء أمرهم حتى أوفوا ‏فيه إلى الغاية، فاستكثروا ما شاءوا، ومع تقدُّم أعمارِهم ودنوِّ آجالهم هم مع ذلك= يَجِدون من الرغبة في ‏العلم، والشغف به، أكثر مما يجده الشَّاب اليافِع المُمْتلىء قُوَّةً ونشاطًا!!.‏
‏* خبر ابن عقيل الحنبلي (513)‏
ففي ترجمة ‏ أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي ت (513) -رحمه الله- أنه قال: ((إني لأجد من حِرْصي ‏على العلم، وأنا في عَشْرِ الثماني ن أشدّ مما كنت أجده وأنا ابنُ عشرين سنة)).‏
‏* خبر ابن الجوزي (597)‏
وهذا العلامة المتفنِّن، صاحب التصانيف، أبو الفرج ابن الجوزي (567) يقرأ في آخر عمره وهو في ‏‏(الثمانين) القراءات العشر على ابن الباقلاني، مع ابنه يوسف ‏.‏
قال الذهبي -معلِّقًا-: ((فانظر إلى هذه الهمة العالية!)) اهـ.‏
‏* خبر مرتضى الزبيدي (1205)‏
قال العلامة عبدالحي الكَتَّاني في ((فهرس الفهارس والأثبات))‏ ‏ في ترجمة العلامة اللغوي المحدِّث ‏محمد مرتضَى الزَّبيدي: ((ومع كثرة شيوخ المترجَم كثرةً مَهُوْلَةً بالنسبة إلى مشايخه ومُعاصِريه= كان غير ‏مُكْتَفٍ بما عنده، بل دائم التطلّب والأخذ، ومكاتبة من بالآفاق، حتى أني رأيتُ بخطِّه في كناشة ابن عبدالسلام ‏الناصري استدعاءً كتبَه لمن يلقاه ابنُ عبدالسلام المذكور (وذكر نصَّه، وفيه: استجازة كل من يلقاه من الشيوخ ‏والعلماء بتاريخ 1197).‏
قال (الكتاني): وإن تعجب فاعجب لهذه الهمة، والحِرص من هذا الحافظ العظيم الشأن، وعدم شَبَعه، ‏وكثرة نَهَمِه، فإنه عاش بعدما كتب هذا الاستدعاء نحو الثمان سنوات.‏
وهذا نظيرُ ما وجدته من كَتْب اسم الحافظ ابن الأبّار (658) في استدعاءٍ مؤرَّخ بقريب من سنةِ ‏وفاته! ومنهومان لا يشبعان: طالب علمٍ وطالب دنيا)). انتهى كلام الكتاني.‏
أقول: ولئن عدَّ الذهبيُّ والكتانيُّ ما وقع لهؤلاء العلماء من النهمة الشديدة، والحرص العظيم، والهِمَّة ‏العالية= فَلَعَمْري إن طلبه، والحرص عليه، والمذاكرة به في ساعة الاحتضار، ووقتِ النزْعِ لأعظم دلالة من ذلك ‏وأوضح.‏
فلله تلك الهمم والعزائم!!‏

الفصل الثاني
حِرْص العلماء وشغفهم بالكتب، قراءةً وتحصيلاً


لقد أبدأ العلماء وأعادوا في بيان قيمة كتب العلم، وعظيم أثرها، وجلالة موقعها، ولهم في ذلك ‏عبارات مشهورة نثرًا وشعرًا، نجد كثيرًا منها في مقدمة كتاب ((الحيوان))‏ ‏ للجاحظ، وفي ثنايا كتبه، وفي ‏‏((تقييد العلم))، و((الجامع...)) للخطيب، و((جامع بيان العلم وفضله)) لابن عبدالبر، وفي مطاوي كتب ‏‏((أدب الطلب)) وكتب ((التراجم والسير)) ومقدِّمات المصنفات التي تتحدث عن (خزائن الكتب)‏ ‏ فلا ‏نُعيد ما قالوه، فهو مبتذلٌ في مظانِّه، إلا أني لم أشأْ إخلاء هذا الكتاب من لُمَعٍ منه (وهو مَظِنَّة ذلك)، فاخترتُ ‏بضع كلماتٍ أُراهِا من أحسنِ ما قيل:‏
قال الجاحظ (255) في ((الحيوان))‏ ‏: ((من لم تكن نفقته التي تخرج في الكتب ألذّ عنده من إنفاق ‏عُشَّاق القِيان، والمُسْتهترين ‏ بالبنيان، لم يبلغ في العلم مبلغًا رضيًّا، وليس ينتفع بانفاقه حتى يُؤْثر اتخاذ الكتب ‏إيثار الأعرابيِّ فرسَه باللبن على عِياله، وحتى يُؤمِّل في العلم ما يؤمِّل الأعرابيُّ في فرسِه)).‏
وذكر الإمام أبو محمد بن حزم (456) في ((رسالة مراتب العلوم))‏ ‏ دَعَائِمَ العلم، فعدَّ منها ‏‏((الاستكثارُ من الكتب، فلن يخلوَ كتابٌ من فائدة ‏ وزيادة علمٍ يجدَها فيه إذا احتاجَ إليه، ولا سبيل إلى ‏حفظ المرء لجميع علمِه الذي يختصّ به، فإذ لا سبيل إلى ذلك، فالكتب نِعْم الخِزانة له إذا طُلِب.‏
ولولا الكتب لضاعت العلوم ولم توجَد، وهذا خطأٌ ممن ذمَّ الاكثار منها، ولو أُخِذَ برأيه، لتَلِفَت ‏العلوم، ولجاذبهم الجهَّال فيها، وادَّعوا ما شاءوا!! فلولا شهادة الكتب لاستوت دعوى العالم والجاهل)) اهـ.‏
وعُذِلَ بعضُ العلماء في كثرة شراء الكتب، فقال ‏:‏
وقائلةٍ أنفقتَ في الكُتْبِ ما حَوَت
لعلِّي أرى فيها كتابًا يَدُلُّني يمينُك من مالٍ فقلتُ: دعيني
لأخْذِ كتابي آمِنًا بيميني
وفي كلِّ ما سيأتي من الأخبار والقصص لسانٌ ناطق، وبيانٌ مُشرق، لقيمة الكتب ومكانتها في نفوس ‏هؤلاءِ العلماء، وهي بذلك غنيَّة عن أيِّ تعليق.‏
‏* ولع ابن دُرَيْد (321) بالعلم والكتب
قال أبو نصر الميكالي ‏: تذاكرنا المنتزهات يومًا وابن دُرَيْد حاضر، فقال بعضُهم: أنزه الأماكن ‏غُوطة دمشق. وقال آخرون: بل نهر الأُبلَّة. وقال آخرون: بل سُغْد سمرقند. وقال بعضُهم: نهروان بغداد. وقال ‏بعضُهم: شِعب بوَّان. وقال بعضُهم: نوبهار بلخ.‏
فقال(أي ابن دريد): هذه منتزهات العيون فأين أنتم عن متنزهات القلوب؟ قلنا: وما هي يا أبا بكر؟ ‏قال: ((عيون الأخبار)) للقتبي، و((الزهرة)) لابن داود، و((قلق المشتاق)) لابن أبي طاهر. ثم أنشأ يقول:‏
ومَن تكُ نزهتَهُ قينةٌ
فنزهتُنا واستراحَتُنا وكأسٌ تحثُّ وكأس تُصَبْ
تلاقي العيون ودَرْس الكتبْ
‏* ولع شيخ الإسلام ابن تيمية (728) بالمطالعة، وشغفه بالبحث
قال الحافظ ابن عبدالهادي (744) -تلميذه- في ((مختصر طبقات علماء الحديث))‏ ‏ -وذكر طرفًا من ‏صفاته-: ((لا تكاد نفسُه تشبع من العلم، ولا تروى من المطالعة، ولا تملُّ من الاشتغال، ولا تكلُّ من البحث، ‏وقَلَّ أن يدخل في علمٍ من العلوم في بابٍ من أبوابه إلا ويُفتح له من ذلك الباب أبواب، ويستدرك أشياء في ‏ذلك العلم على حُذَّاق أهله)).‏
وقال الشيخ محمد خليل الهراس ‏: ((كان لابن تيمية بصر نافذ ونفس طُلَعَة لا تكاد تشبع من العلم، ‏ولا تكل من البحث، ولا تروى من المطالعة، مع التوفر على ذلك وقطع النفس له وصرف الهمة نحوه، حتى إنه ‏لم ينقطع عن البحث والتأليف طيلة حياته في الشام أو في مصر، في السجن أو في البيت، بل إنه كان يتوجَّع ألمًا ‏وحسرة حينما أخرجوا الكتب والأوراق من عنده في أُخْرَيات أيامه...)) اهـ.‏
‏* قراءة شيخ الإسلام وهو مريض
قال الإمام ابن القيم في ((روضة المحبِّين))‏ ‏: وحدَّثني شيخنا -يعني ابنَ تيمية- قال: ابتدأني مرضٌ، ‏فقال لي الطبيب: إن مُطالعتك وكلامك في العلم يزيد المرض، فقلت له: لا أصبر على ذلك، وأنا أحاكمك إلى ‏علمك، أليست النفس إذا فرحت وسُرَّت وقَوِيت الطبيعةُ فدفعت المرضَ؟ فقال: بلى، فقلت له: فإن نفسي ‏تُسرُّ بالعلم فتقوى به الطبيعةُ فأجدُ راحةً، فقال: هذا خارجٌ عن علاجنا...)) اهـ.‏
وقال ابنُ القيم أيضًا: ((وأعرف من أصابه مرض من صداعٍ وحُمَّى وكان الكتاب عند رأسه، فإذا ‏وجد إفاقةً قرأ فيه، فإذا غُلِبَ وضعَه، فدخل عليه الطبيبُ يومًا وهو كذلك فقال: إن هذا لا يحلُّ لك فإنك ‏تُعين على نفسك وتكون سببًا لِفَوْت مطلوبك)) اهـ.‏
‏* قراءة ابن الجوزي (597) (20 ألف) مجلدًا وهو بَعْدُ في الطلب
قال ابن الجوزي عن نفسِه في ((صيد الخاطر))‏ ‏:-أثناء حديثه عن المطالعة والاكثار منها-: ((وإني ‏أُخبر عن حالي: ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتابًا لم أره، فكأني وقعتُ على كنز. ولقد نظرتُ في ‏ثَبَتِ الكتب الموقوفة في المدرسة النِّظَامية، فإذا به يحتوي على نحو ستة آلاف مجلَّد، وفي ثبت كتب أبي حنيفة، ‏وكتب الحُمَيدي، وكتب شيخنا عبدالوهاب بن ناصر، وكتب أبي محمد بن الخشَّاب -وكانت أحمالاً- وغير ‏ذلك من كلِّ كتاب أقدر عليه.‏
ولو قلت: إني طالعتُ عشرين ألف مجلد كان أكثر، وأنا بعدُ في الطَّلب)) اهـ.‏
ثمَّ ذَكَر ما استفاده من المطالعة.‏
وهذا ابنُ الجوزي -أيضًا- يوصي العالمَ وطالبَ العلم بقوله‏ ‏: ((ليكن لك مكان في بيتك تخلو فيه، ‏وتحادث سطور كتبك، وتجري في حلبات فكرك)) اهـ.‏
‏* حرص ابن عقيل (513) على الوقت وشغله بالمطالعة والعلم
ذكر ابن رجب الحنبلي في ((الذيل على طبقات الحنابلة))‏ ‏ في ترجمة ابنِ عقيل الحنبلي، عن ابنِ ‏الجوزي أنه قال عنه: ((كان دائم التشاغُل بالعلم، حتى إني رأيتُ بخَطِّه: إني لا يحلّ لي أن أُضيع ساعةً من ‏عمري، حتى إذا تعطَّل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مُطالعة، أعملتُ فِكري في حالة راحتى وأنا ‏مُسْتَطرِحٌ، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره. وإني لأجد من حِرصي على العلم وأنا في عَشْر الثمانين أشدّ ‏مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة)) اهـ.‏
ونقلَ ابنُ رجب من ((الفنون)) لابن عقيل أنه قال عن نفسِه: ((أنا أقصر بغاية جهدي أوقات أكلي، ‏حتى أختار سفَّ الكعك وتحسيه بالماء على الخبز، لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ، توفّرًا على مطالعةٍ، أو ‏تسطير فائدة لم أدركها فيه)) اهـ.‏
‏* إذا لم اشتغل بالعلم، ماذا أصنع؟‍!.‏
ذكر الإمام المقريزيّ في ((المقفَّى الكبير))‏ ‏ العلامةَ ابنَ صدقة الحموي (599) أنه كان كثيرَ ‏الاشتغال بالعلم دائم التحصيل له. وذكر عن الحافظ المنذري أنه قال: ((دخلتُ عليه يومًا وهو في سَرَبٍ تحت ‏الأرض، لأجل شدَّة الحر، وهو شتغل. فقلتُ له: في هذا المكان؟ وعلى هذه الحال؟!.‏
فقال: إذا لم أشتغل بالعلم، ماذا أصنع؟
قال المنذري: إنه وُجِدَ في تَرِكَته محابر ثلاث، أحدها تَسَعُ عَشَرة أرطال، والأخرى تسعة، والثالثة ‏ثمانية)).‏
‏* كتبه أحب إليه من وزنها ذهبًا
وفي ترجمة الحافظ أبي طاهر بن أبي الصَّقر (476) في ((المنتظم))‏ ‏ لابن الجوزي أنه قال عنه: ‏‏((كان من الجوَّالين في الآفاق، والمكثرين من شيوخ الأمصار، وكان يقول: هذه كتبي أحب إليّ من وزنها ‏ذهبًا)) اهـ.‏
ونقد أُصِيْبَ ببعضها كما ذكر الذهبي في ((تاريخ الإسلام))‏ ، أعظمَ اللهُ أجرَه في مصيبته بها.‏
‏* أُعجوبة في حفظ الوقت والتوفُّر على المطالعة
قال الحافظ السخاوي في ((الضوء اللامع))‏ ‏ في ترجمة أحمد بن سليمان بن نَصْر الله البُلْقاسي ثم ‏القاهري الشافعي المتوفى سنة (852) في ريعان شبابه ‏: ((وكان إمامًا علاَّمة قوي الحافظةِ حسنَ الفاهمة، ‏مُشاركًا في فنونٍ، طلْقَ اللسان، محبًّا في العلم والمذاكرة والمباحثة،
غير مُنفك عن التحصيل، بحيث إنه كان يُطالع في مشيه، ويُقرىء القراءات في حال أكله خوفًا من ضياع وقته ‏في غيره، أُعجوبة في هذا المعنى، لا أعلمُ في وقته من يُوازيه فيه، طارحًا للتكلُّف، كثير التواضع مع الفقراء، ‏سهمًا ‏ على غيرهم، سريع القراءة جدًّا)) اهـ.‏
‏* أعرفه أكثر من (50) سنة إمَّا يُطالع أو يكتب
قال السخاوي في ((الضوء اللامع))‏ ‏ في ترجمة محمد بن أحمد ابن محمد العُمَري الصَّغَاني ت ‏‏(854): ((كان إمامًا علاَّمةً متقدمًا في الفقه والأصْلَين والعربية مشاركًا في فنونٍ، حسن التقييد، عظيم الرغبة ‏في المطالعة والانتقاء، بحيث بلغني عن أبي الخير بن عبدالقوي أنه قال: أعرفه أزْيَد من خمسين سنة، وما دخلتُ ‏إليه قطُّ إلا ووجدته يُطالع أو يكتب)) اهـ.‏
‏* كان لا ينفكُ من القراءة حتى وهو في الحمام
قال ابن القيم -رحمه الله- في ((روضة المحبين))‏ ‏ -وهو يتكلم عن عِشْق العلم-: ((وحدثني أخو ‏شيخنا (يعني أحمد ابن تيمية) عبدُالرحمن ابن تيمية، عن أبيه (عبدالحليم) قال: كان الجَدُّ (أبو البركات) إذا ‏دخل الخلاء يقول لي: اقرأْ في هذا الكتاب وارْفَعْ صوتكم حتى اسمعُ)) اهـ.‏
أقول: وهذا سندٌ كالشمس، رحم الله الجميع.‏
‏* كان لا يَمَلُّ من المطالعة مع مزيد السَّهَر
قال السخاوي في ((الضوء اللامع))‏ ‏ في ترجمة أحمد بن علي ابن إبراهيم الهيتي الشافعي ت ‏‏(853): ((برع في الفقه وكثُرَ استحضارُه له، بل وللكثير من ((شرح مسلم)) للنووي، لإدمان نظره فيه... ‏وكان لا يملّ من المطالعة والاشتغال، مع الخير والدين والتواضع، والجد المَحْض، والتقلُّل الزائد، والاقتدار على ‏مَزِيْد السَّهر)) اهـ.‏
‏* كان لا يُسافر إلا وأحمال الكتب معه يقرأ وينظر
‎●‎‏ قال السخاوي في ((الضوء اللامع))‏ ‏ في ترجمته الإمام اللغوي محمد بن يعقوب الفيروزآبادي ت ‏‏(817) أنه اقتنى كتبًا نفيسَة (حتى سمعَه بعضهم يقول): ((اشتريتُ بخمسين ألف مثقالٍ ذهبًا كتبًا، وكان لا ‏يُسافر إلا وصحبته منها عدة أحمال، ويُخرج أكثَرَها في كل منزلةٍ فينظر فيها ثم يعيدها إذا ارتحل)) اهـ.‏
‎●‎‏ ومثله السيد صلاح بن أحمد المؤيدي اليماني ت (1048)، قال عنه الشوكاني في ((البدر ‏الطالع))‏ ‏: ((كان من عجائب الدهر وغرائبه، فإن مجموع عمره تسع وعشرون سنة، وقد فاز من كل فنٍّ ‏بنصيبٍ وافر... وصنَّف في هذا العصر القصير التصانيف المفيدة والفوائد الفريدة العديدة -وذكر عددًا منها ثم ‏قال-: وإذا سافر أول ما تُضْرَب خيمةُ الكتب، وإذا ضُرِبت دخلَ إليها، ونَشَرَ الكتبَ، والخدمُ يصلحون الخِيَم ‏الأُخرى، ولا يزال ليله جميعه ينظر في العلم، ويُحرر ويُقرِّر مع سلامة ذوقه...)) اهـ.‏
‏* لا يوجد إلا وعنده كتاب ينظر فيه، وقلم يُصْلح به
قال الجَنَدِي السكسكي في ((السلوك في طبقات العلماء والملوك))‏ ‏ في ترجمة أبي الخير بن منصور ‏الشماخي السعدي ت (680) -بعد ثنائه عليه: ((ولم يكن له في آخر عمره نظير بجودة العلم، وضبط ‏الكتب، بحيثُ لا يوجد لكتبه نظير في الضبط.‏
أخبرني جماعةٌ ممن أدركه أنه كان لا يوجد إلا وعنده كتابٌ ينظر فيه، ومحبرة وأقلام يصلح بهما ما ‏وجَدَ في الكتاب...‏
‏(مات سنة 680)، بعدَ أن جَمَعت خزانتُه من الكتب ما لم تجمعه خزانة غيره ممن هو نظير له...)) ‏اهـ.‏
‏* ملازمة الكتب حضرًا وسفرًا، وحملها على ظهورهم في رحلاتهم
وفي هذا الباب عجائب وغرائب، فرحم الله تلك الأجساد، وأنزلها منازل الرِّضوان، كِفاء ما عملوا، ‏وجزاء ما صبروا.‏
‎●‎‏ ذكر الذهبي في ((تذكرة الحفّاظ))‏ ‏ عن ابن طاهر المقدسي أنه قال: بُلْتُ الدمَ في طلب الحديث ‏مرتين، مرَّةً ببغداد، ومرة بمكة. كنتُ أمشي حفيًا في الحرِّ فلحقني ذلك، وما ركبتُ دابَّة قط في طلب الحدث، ‏وكنت أحمل كتبي على ظهري، وما سألتُ في حال الطلبِ أحدًا، كنتُ أعِيشُ على ما يأتي)) اهـ.‏
‎●‎‏ وذكر الذهبي -أيضًا- في ((التذكرة))‏ ‏ عن الدغولي أنه قال: ((أربعُ مجلَّداتٍ لا تُفارقني سفرًا ‏وحضرًا، كتاب المُزَني، وكتاب العَيْن، والتاريخ للبخاري، وكليلة ودِمْنة))‏ ‏.‏
‎●‎‏ وفي ترجمة الإمام الحافظ الحسن بن أحمد الهَمَذاني في ((الذيل على طبقات الحنابلة))‏ ‏ عن ‏تلميذه الحافظ عبدالقادر الرُّهاوي أنه قال عنه: ((وكان عفيفًا من حبِّ المال، مهينًا له، باع جميعَ ما ورثه -‏وكان من أبناء التُّجار- فأنفقَه في طلب العلمِ، حتى سافر إلى بغداد وأصبهان مرَّات ماشيًا يحمل كتبه على ‏ظهره)) اهـ.‏
ولما استقرَّ في بلده -بعد عودته من رحلته- عملَ دارًا للكتب وخزانةً وقفَ جميعَ كتبه فيها، وكان قد ‏حصَّل الأصولَ الكثيرة، والكتبَ الكِبار الحِسَان بالخطوط المعتبرة.‏
‎●‎‏ وفي ((المرقبَة العُلْيا))‏ ‏ لأبي الحسن المالقي في ترجمة القاضي أحمد بن يزيد -الأموي مِن وَلَد ‏بَقِيّ بن مخلد القرطبي ت (625): أنه ألَّف كتابًا في الآيات المتشابهات، قيل: إنه من أحسن شيءٍ في بابه، ‏وكان لا يُفارقه في سَفَر ولا في حَضَر.‏
‎●‎‏ وذكر الحافظ الذهبي في ((سِيَر أعلامٍ النُّبلاء))‏ ‏ في ترجمة القاضي الرَّامَهُرْمُزي لمَّا ذكر كتابه: ‏‏((المحدِّث الفاصل)) قال: ((في علوم الحديث، وما أحسنه من كتاب ‏! قيل: إنَّ السِّلَفِي كان لا يكادُ ‏يُفارق كُمَّه -يعني في بعضِ عمره-)) اهـ.‏
‎●‎‏ وفي ((سِيَر النبلاءِ))‏ ‏ -أيضًا-: ((قال الحافظ يحيى بن عبدالوهاب (ابن منده): كنتُ مع عمي ‏عبيدالله في طريق نَيْسابور، فلما بلغنا بِئر مَجَنَّة، قال عمِّي: كنت ها هنا مرَّةً، فعرضَ لي شيخ جمَّال، فقال: ‏كنتُ قافلاً من خراسان مع أبي، فلمَّا وصلنا إلى ها هنا، إذا نحن بأربعين وِقْرًا من الأحمال، فظننا أنها منسوج ‏الثياب، وإذا خيمة صغيرة فيها شيخ، فإذا هو والدك، فسأله بعضُنا عن تلك الأحمال؟ فقال: هذا متاعٌ قلَّ من ‏يرغبُ فيه في هذا الزمان، هذا حديث رسول الله ‏‎" صلى الله عليه وسلم "‎‏‎‏)) اهـ.‏
‎●‎‏ وفي ((طبقات الحنابلة))‏ ‏ لابن أبي يَعْلى، و((تذكرة الحفاظ))‏ ‏ للذهبي في ترجمة إسحاق ‏بن منصور الكَوْسَج (251): ((عن حسان ابن محمد قال: سمعتُ مشايخَنَا يذكرون: أن إسحاق بن منصور ‏بلغه أن أحمد بن حنبل رجع عن تلك المسائل التي علَّقها عنه. قال: فجمعَ إسحاق بن منصور تلك المسائل في ‏جِرابٍ، وحملها على ظهره، وخرج راجلاً إلى بغداد وهي على ظهره. وعرض خُطوطَ أحمد عليه في كلِّ ‏مسألةٍ استفتاه فيها، فأقرَّ له بها ثانيًا. وأُعْجِب أحمدُ بذلك من شأنه)) اهـ.‏
‎●‎‏ وذكر ياقوت في ((معجم الأدباء))‏ ، والقِفطي في ((إنباه الرواة))‏ ‏ وعنه ابن خلكان في ‏‏((الوفيات))‏ ‏ في ترجمة اللغوي ابن الخطيب التِّبْرِيْزي (502) أنه حصلت له نسخة لكتاب الأزهري ‏‏(تهذيب اللغة) في عدة مجلدات لِطَاف، وأراد أخذها عن عالمٍ باللغة، فدُلَّ علي أبي العلاء المعرِّي، فجعلها في ‏مِخْلاةٍ، وحملها على كتفه من تِبْريز إلى المعرَّة -ولم يكن له ما يستأجر به مركوبًا- فنَفَذَ العرقُ من ظهره ‏إليها.‏
وقيل: إنها ببعض الوقوف البغداذية وأن الجاهل بخبرها إذا رآها يظن أنها غريقة، وليس الذي بها إلا ‏عَرَق يحيى بن علي -رحمه الله-.‏
‏* من استغنى بمجالسة كتبه عن مخالطة الناس
‎●‎‏ ابن المبارك‏
ذكر الذهبي في ((السير))‏ ‏: ((عن نُعيم بن حماد قال: كان ابن المبارك يُكثر الجلوسَ في بيته، فقيل ‏له: ألا تستوحِش؟ فقال: كيف أستوحِشُ وأنا مع النبي ‏‎" صلى الله عليه وسلم "‎‏‎‏ وأصحابه؟‍!(( اهـ.‏
وأسند الخطيب في ((تقييد العلم))‏ ‏ عن ابن المبارك قوله: من أحبَّ أن يستفيد، فلينظر في كتبه.‏
‎●‎‏ الذُّهْلي‏
وفي ((تاريخ بغداد))‏ ‏: ((أن يحيى بن (محمد بن يحيى) الذُّهْلي قال: دخلتُ على أبي في الصيف ‏الصائف وقتَ القائلة، وهو في بيت كتبه، وبين يديه السِّراج، وهو يُصنِّف، فقلتُ: يا أبةِ! هذا وقتُ الصلاة، ‏ودُخانُ هذا السِّراج بالنهار، فلو نفَّسْت عن نفسك. قال: يا بُنيَّ تقولُ لي هذا وأنا مع رسول الله ‏‎‏‎" صلى الله عليه وسلم "‎‏‎‏ وأصحابه ‏والتابعين))؟!.‏
‎●‎‏ ابن الأعرابي‏
ساق ابن عبدالبر بسنده في ((جامع بيان العلم وفضله))‏ ‏ أن أحمد بن محمد بن شجاع بعثَ غلامًا ‏من غِلْمانه إلى أبي عبدالله بن الأعرابي -صاحب الغريب- يسأله المجيءَ إليه، فعاد إليه الغلام، فقال: قد سألته ‏ذلك، فقال لي: عندي قوم من الأعراب، فإذا قضَيتُ أَرَبي منهم أتيتُ، قال الغلام: وما رأيتُ عنده أحدًا، إلا ‏أن بين يديه كتبًا ينظر فيها، فينظر في هذا مرَّة وفي هذا مرة، ثم ما شعرنا حتى جاء، فقال له أبو أيوب: يا أبا ‏عبدالله! سبحان الله العظيم، تخلَّفت عنَّا وحَرَمْتنا الأُنسَ بك، ولقد قال لي الغلامُ: إنه ما رأى عندك أحدًا، ‏وقلتَ: أنا مع قومٍ من الأعراب، فإذا قضيتُ أَرَبي معهم أتيتُ، فقال ابنُ الأعرابي:‏
لنا جُلَساءٌ ما نَمَلُّ حديثَهم
يُفيدوننا من علمهم علمَ ما مضى
بِلا فتنةٍ تُخشى ولا سوء عِشْرةٍ
فإن قلتَ: أمواتٌ فلا أنتَ كاذِبٌ ألِبَّاءُ مأمونون غَيْبًا ومَشْهدا
وعقلاً وتأديبًا ورأيًا مُسَدَّدا
ولا يُتَّقَى منهم لسانًا ولا يدا
وإن قلتَ: أحياءٌ فلستَ مُفنَّدا

‎●‎‏ وقيل لرجلٍ: من يُؤنِسُكَ؟ فضربَ بيده إلى كتبه، وقال: هذه، فقيل: مِن الناسِ؟ فقال: الذين فيها ‏.‏
خليلي كتابي لا يَعاف وصاليا
كتابي عَشيقي حين لم يبقَ مَعْشَق
كتابي جليسي لا أخاف ملاله
كتابي بحر لا يغيض عطاؤه
كتابي دليلٌ لي على خير غايةٍ وإن قلَّ لي مالٌ وولَّى جماليا
أُغازله لو كان يدري غزاليا
محدّث صدقٍ لا يخاف ملاليا
يُفيض عليَّ المال إن غاض ماليا‏
فمن ثَمَّ إدلالي ومنه دلاليا
قيل: إن هذه الأبيات -وغيرها- كانت على باب خزانة الإمام أبي بكر القفَّال‏ ‏.‏
‎●‎‏ المعافى النهرواني‏
وقال الإمام المعافَى بن زكريا النهرواني الجَرِيْري -نِسْبةً إلى مذهب ابن جرير الطبري- ت (390) في ‏كتابه: ((الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي))‏ ‏: ((وقد كان بعض من كان له في الدنيا صِيْتٌ ‏ومكانة عاتبني على ملازمة المنزل، وإغبابي زيارتَه، وإقلالي ما عوَّدته من الإلمام به وغِشيان حضرته، فقال لي: ‏أما تستوحش الوِحْدَة؟ ونحو هذا من المقالة.‏
فقلتُ له: أنا في منزلي إذا خلوتُ من جليسٍ يقصد مجالستي، ويؤثر مساجلتي، في أحسن أُنسٍ وأجملِه، ‏وأعلاه وأنبلِه، لأنني أنظر في آثار الملائكة والأنبياء، والأئمة والعلماء، وخواصّ الأعلام الحكماء، وإلى غيرهم ‏من الخلفاء والوزراء، والملوك والعظماء، والفلاسفة والأدباء، والكُتَّاب والبلغاء، والرُّجَّاز والشعراء، وكأنني ‏مُجَالِسٌ لهم، ومستأنسٌ بهم، وغير ناءٍ عن محاضرتهم، لوقوفي على أنبائهم، ونظري فيما انتهى إليَّ من حِكَمهم ‏وآرائهم)) اهـ.‏
‏* ما تزوَّج، لم يشتغل إلا بالعبادة والمطالعة
قال الذهبي في ((سير النبلاء))‏ ‏ في ترجمة عيسى بن أحمد اليونيني ت (654): ((لم يشتغل إلا ‏بالعبادة والمطالعة، وما تزوج ، بل عَقَد على عجوزٍ تخدمه)) اهـ.‏
‏* إما أن ينسخ، أو يُدَرِّس، أو يقرأ
وفي ((تبيين كذب المفتري))‏ ‏ لابن عساكر أنه قال في ترجمة الفقيه سُلَيْم بن أيوب الرازي: ‏‏((حُدِّثتُ عنه أنه كان يحاسِب نفسَه على الأنفاس، لا يدع وقتًا يمضي عليه بغير فائدة، إما ينسخ أو يُدَرس أو ‏يقرأ... ولقد حدثني عنه شيخُنا أبو الفراج الإسفراييني أنه نزل يومًا إلى داره ورجع، فقال: قد قرأتُ جزءًا في ‏طريقي)).‏
وقال: إنه كان يُحرِّك شفتيه إلى أن يَقُطَّ القلم.‏
‏* لا لذة له في غير جَمْع الكتب وتحصيلها
جاء في ((سِيَر النبلاء))‏ ‏ في ترجمة المستنصر بالله أبي العاص الحكم بن عبدالرحمن الأُموي، ‏صاحب الأندلس أنه ((كان جَيِّد السيرة، وافر الفضيلة... ذا غرامٍ بالمطالعة وتحصيل الكتب النفيسة الكثيرة ‏حقّها وباطلها، بحيثُ إنها قاربت نحوًا من مئتي ألفِ سِفر...‏
وكان باذلاً للذهب في استجلاب الكتب، ويُعطي من يتَّجِرُ فيها ما شاء، حتَّى ضاقت بها خزائِنُه، لا ‏لذَّة له في غير ذلك.‏
وكان الحَكَمُ موثَّقًا في نقلِه، قلَّ أن تجد له كتابًا إلا وله فيه نظرٌ وفائدة، ويكتب اسمَ مؤلفه ونَسبَه ‏ومولِدَه، ويُغرب ويُفيد)) اهـ.‏
‏*الاشتغال عن النوافل باتمامِ مطالعة كتاب
وفي ترجمة الإمام تقي الدين ابن دقيق العيد ت (702) من كتاب ((الطالع السعيد))‏ ‏ للأُدفوي ‏أنه لما وصل إليه كتاب ((الشرح الكبير))‏ ‏ للإمام الرافعي -وكان اشتراه بألف درهم- اشتغلَ بمطالعته، ‏وصار يقتصر من الصلوات على الفرائض فقط ‏.‏
‏* الانكباب على النظر والقراءة حتى في المجالس الخاصَّة
قال ابنُ القاضي المِكْناسي في ((دُرَّةِ الحِجال))‏ ‏ في ترجمة محمد ابن عليِّ بن سليمان السَّطِّي ت ‏‏(749): ((وكان مُقبلاً على ما يَعْنيه، مُكِبًّا على النظر والقراءةِ والتقييد، لا تراه أبدًا إلا على هذه الأحوال ‏حتى في المجلس السلطاني...)) اهـ.‏
ونحوه عن أبي العباس اللغوي المعروف بثَعْلَب ت (291)، فقد جاء في كتاب: ((الحث على طلب ‏العلم والاجتهاد في جَمْعه))‏ ‏ لأبي هلالٍ العَسْكري قال: ((وحَكيَ عن ثعلب أنه كان لا يُفارقه كتابٌ ‏يَدْرُسه، فإذا دعاه رجل إلى دعوةٍ، شَرَطَ عليه أن يوسعَ له مقدارَ مِسْوَرَةٍ يضعُ فيها كتابًا ويقرأ)).‏
‏* ثلاثة لا يُعْلم أكثر منهم محبة في القراءة
ذكر ياقوت الحموي في ((إرشاد الأريب))‏ ‏ في ترجمة الجاحظ قال: ((وحدَّث أبو هِفَّان قال: لم ‏أر قط ولا سمعتُ مَنْ أحبَّ الكتبَ والعلومَ أكثر من الجاحظ، فإنهن لم يقع بيده كتابٌ قطُّ إلا استوفى قراءتَه ‏كائنًا ما كان، حتى إنّه كان يكْتري دكاكين الورَّاقين ويبيتُ فيها للنظر.‏
والفتح بن خاقان، فإنه كان يحضر لمجالسة المتوكِّل، فإذا أراد القِيام لحاجةٍ أخرجَ كتابًا من كُمه أو ‏خفِّه وقرأه في مجلس المتوكل إلى حِين عَوْده إليه حتى في الخلاء.‏
وإسماعيل بن إسحاق القاضي، فإني ما دخلتُ إليه إلا رأيتُه يَنظر في كتابٍ، أو يُقلب كتبًا أو ‏ينقضها)) اهـ.‏
‏* في المقبرة أو مع الكتاب
قال الجاحظ في كتاب ((الحيوان))‏ ‏: ((قال ابنُ داحة: كان عبدُالله ابن عبدالعزيز بن عبدالله بن ‏عمر بن الخطاب، لا يجالِسُ الناسَ، وينزلُ مقبُرَة من المقابر، وكان لا يكاد يُرى إلا وفي يده كتابٌ يقرؤه، ‏فسُئل عن ذلك، وعن نزوله المقبُرَة؟ فقال:‏
لم أرَ أوْعظ من قَبْر، ولا أمنعَ من كتابٍ، ولا أسلَمَ مِن الوَحْدة. فقيل له: قد جاء في الوَحْدة ما جاء! ‏فقال: ما أفْسَدَها للجاهل وأصلحها للعاقل!‏
‏* مجلسة بين كتبه أفخم وأنبل من مجلسه بين حاشيته
قال الجاحظ في ((الحيوان))‏ ‏: ((ولقد دخلتُ على إسحاق بن سليمان في إمْرَته، فرأيتُ ‏السِّماطَين ‏ والرجال مُثُولاً كأنّ على رءوسهم الطير، ورأيتُ فِرشته وبِزَّته، ثم دخلتُ عليه وهو معزول، ‏وإذا هو في بيت كتبِه، وحواليه الأسفاط والرُّقوق، والقماطِر والدفاتر والمساطر والمحابِر، فما رأيته قط أفخمَ ‏ولا أنبلَ، ولا أهيبَ ولا أجزلَ منه في ذلك اليوم، لأنه جمعَ مع المهابَةِ المحبَّةَ، ومع الفخامةِ الحلاوةَ، ومع السُّودَدِ ‏الحِكمةَ)) اهـ.‏
‏* أربعون عامًا لا ينام إلا والكتاب على صدره
قال الجاحظ في ((الحيوان))‏ ‏: ((سمعتُ الحسن اللؤلؤي ‏ يقول: غَبَرَتْ أربعين عامًا ما قِلْتُ ‏ولا بِتُّ ولا اتكأتُ إلا والكتابُ موضوعٌ على صدري)).‏
‏* إذا غلبَه النومُ أمسكَ كتابًا ليطرده
‏((قال ابن الجَهْم ‏: إذا غشيني النُّعاس في غير وقت نومٍ -وبئس الشيءُ النومُ الفاضِلُ عن الحاجة- ‏قال: فإذا اعتراني ذلك تناولتُ كتابًا من كتب الحِكَم، فأجدُ اهتزازي للفوائد، والأريحية التي تعتريني عند الظَّفَر ‏ببعض الحاجة، والذي يَغْشى قلبي من سرور الاستبانة وعزّ التبيين ‏ أشدَّ إيقاظًا من نهيق الحمير وهَدَّة ‏الهَدْمِ)).‏
أقول: فهذا غايةٌ في الشَّغَفِ والتعلُّقِ بالكتابِ والعلم! فإذا غَلَبه النُّعاس طردَه باستجلاب الكتب ‏والنظر فيها، فيهتزُّ لفوائدها، ويَطْرَبُ لحِكَمها.‏
فأين هذا من (طُلابٍ!) يستجلبون النومَ بالنظر في الكتب؟! فاختلاف الحالين وتبايُن النتيجتين تَبَعٌ ‏لاختلاف مكانة العلم والكتب عند الفريقين ‏!!.‏
‏* ضَعُفَ بصرُه من كثرة المطالعة
وفي ترجمة الحافظ عبدالغني المقدسي صاحب ((الكمال))‏ ‏ ت (600) من كتاب ((ذيل ‏الروضتين))‏ ‏ لأبي شامة المقدسي قال: ((وكان قد ضعف بصره من كثرة المطالعة والبكاء، وكان أوحدَ ‏زمانه في علم الحديث)) اهـ.‏
‏* همته في المطالعة والقراءة
قال السخاوي في ((الجواهر والدرر))‏ ‏ عن شيخه ابنِ حجر: ((إنما كانت همته المطالعة والقراءة ‏والسَّماع والعبادة والتصنيف والإفادة، بحيث لم يكن يُخْلي لحظةً من أوقاته عن شيءٍ من ذلك، حتى في حال ‏أكْلِه وتوجُّهه وهو سالك، كما حكى لي ذلك بعض رُفْقَته الذين كانوا معه في رحلته، وإذا أراد الله أمرًا هيَّأ ‏أسبابَهُ ‏.‏
وقد سمعته -رحمه الله- يقول غيرَ مرَّة: إنني لأتعجَّب ممن يجلس خاليًا عن الاشتغال!!)) اهـ.‏
أقول: رحم الله القائل -وهو أبو بكر الشهرزوري-:‏
هِمَّتي دُوْنها السُّها والزُّبانا
فأنا مُتْعَبٌ مُعَنًّى إلى أن قد عَلَت جهدها فما يتدَانَى
تتفانى الأيامُ أو أَتَفانَى
‏* مع الكتب حتى في الجنَّة
ذكر ابنُ رجب في ((ذيل الطبقات))‏ ‏ عن ابنِ الجوزي أنه قال عن الإمام أبي العلاء الهَمَذَاني ‏الحافظ ت (569): ((بلغني أنه رُئيَ في المنام في مدينةٍ جميع جدرانها من الكتب، وحوله كتب لا تُحَدّ وهو ‏مُشْتَغل بمطالعتها. فقيل له: ما هذه الكتب؟! قال: سألتُ الله أن يُشغلني بما كنتُ أشتغل به في الدنيا، ‏فأعطاني)).‏
ومما يدلك على عظيم شَغَفه بالكتب، وبذله في تحصيلها كلَّ نفيس حتى داره التي يسكنها!! ما في ‏كتاب ابن رجب عن الإمام طلحة العَلْثي قال: ((بِيْعت كتبُ ابنِ الجواليقي في بغداد، فحضرها الحافظُ أبو ‏العلاْ الهَمَذَاني، فنادَوا على قطعةٍ منها: ستين دينارًا، فاشتراها الحافظ أبو العلاء بستين دينارًا، والإنظار من يوم ‏الخميس إلى يوم الخميس.‏
فخرج الحافظ، واستقبل طريقَ هَمَذَان، فوصل، فنادى على دارٍ له، فبلغت ستين دينارًا. فقال: بيعوا. ‏قالوا: تبلغ أكثر من ذلك. قال: بيعوا. فباعوا الدار بستين دينارًا فقَبَضَها، ثم رجع إلى بغداد. فدخلها يوم ‏الخميس، فوفَّى ثمنَ الكتب، ولم يشعر أحدٌ بحالِهِ إلا بعد مُدَّة)) اهـ.‏
ومما يُؤثر -أيضًا- في بيع العلماء بيوتهم من أجل شراء الكتب، ما ذكره ابن رجبٍ -أيضًا- في ((ذيل ‏الطبقات))‏ ‏ في ترجمة العلامة النحوي عبدالله بن أحمد المعروف بابن الخشَّاب ت (567) عن ابنِ النجار ‏قال:‏
إنه لم يَمُت أحدٌ من أهل العلم وأصحاب الحديث، إلا وكان يشتري كتبه كلَّها، فحصلت أُصول ‏المشايخ عنده.‏
وذَكَرَ عنه: أنه اشترى يومًا كتبًا بخمس مئة دينارٍ ولم يكن عنده شيءٌ، فاستمهلهم ثلاثة أيامٍ، ثم ‏مضى ونادى على داره، فبلغت خمس مئة دينار، فَنَقَد صاحبَها وباعه بخمس مئة دينار، ووفَّى ثمن الكتب، ‏وبقيت له (لصاحب الكتب) الدار ‏.‏
‏* الكتب أشد من ثلاث ضرائر
أخرج الخطيبُ في ((الجامع لأخلاق الراوي والسامع))‏ ‏ عن الزُّبير ابن أبي بكر بكَّارٍ قال: قالت ‏ابنة أختي لأهلنا: خالي خيرُ رجلٍ لأهله، لا يتخذ ضرَّةً ولا يشتري جارية. قال: تقولُ المرأةُ (أي زوجته): والله ‏لَهَذه الكتب أشدُّ عليَّ من ثلاثِ ضرائر!!)) اهـ.‏
‏* حتى أحلام اليقظة في الكتب
ذكر السَّمهودي في ((جواهر العِقْدَين في فضل الشرَفَيْن))‏ ‏ عن شيخه أبي زكريا المُنَاوي (871) ‏قال: أخبرني شيخُنا الشيخ وليُّ الدين (يعني أبا زُرْعة بن الحافظ زين الدين العِراقي) مذاكرةً: أنه ركبَ مع ‏شخصٍ من المكاريَّة من طائفة الريافة، قال: فقلتُ في نفسي -وقد خاضت في الأمل-: لو كان لي أربعُ ‏زوجاتٍ في أربع مساكن، وفي كلِّ مسكنٍ من الكتب التي احتاجها نظير ما في بقيَّة المساكن...))‏ ‏ اهـ.‏
‏* لا تمضي عليه ساعة إلا في اشتغالٍ بالعلم
نقل ابن رجب في ((ذيل الطبقات))‏ ‏ في ترجمة العلامة أبي البقاء عبدالله بن الحسين العُكْبَري ت ‏‏(616) عن ابن النجار قولَه: ((قرأتُ عليه كثيرًا من مصنَّفاته، وصحبته مدَّة طويلة... وكان مُحِبًّا للاشتغال ‏والإشغال ، ليلاً ونهارًا، ما يمضي عليه ساعة إلا وواحد يقرأ عليه، أو مُطَالع له، حتى ذكر لي أنه بالليل ‏تقرأ له زوجته في كتب الأدب وغيرها)).‏
‏*التحسُّر على الكتب وجعلها بمنزلة الولد
وذكر ابن رجب في ((الذيل))‏ ‏ في ترجمة عبدالصمد بن أحمد ابن أبي الجَيْش البغدادي العلامة ‏المتفنِّن ت (676) أنه صنَّف خُطبًا انفرد بِفنِّها وأُسلوبها وما فيها من الصَّنْعة والفصاحة، وجمع منها شيئًا ‏كثيرًا، ذهبَ في واقعة بغداد ‏ مع كتبٍ له أُخرى بخطِّه وأُصوله، حتى كان يقول: ((في قلبي حَسْرتان: ‏ولدي وكُتُبي)) (وكانا قد فُقِدا جميعًا في واقعة بغداد).‏
‏* لا يمشي إلا وفي يده كتاب
وكان كثير من مشاهير العلماء لا يمشي إلا وفي يده كتب أو أجزاء يُطالعها، وذلك لمزيد شغفهم ‏بالقراءة والاطلاع، وعظيم حرصهم على أوقاتهم من الضياع.‏
‎●‎‏ قال الذهبي في ((السير))‏ ‏: ((قال ابنُ الآبنوسي: كان الحافظ الخطيب يمشي وفي يده جُزْءٌ ‏يُطالعه)).‏
‎●‎‏ وفي ((تذكرة الحفاظ))‏ ‏ للذهبي في ترجمة أبي داود السجستاني صاحب ((السنن)): ((قال ابنُ ‏دَاسَة: كان لأبي داود كُمٌّ واسع وكمٌّ ضيِّق، فقيل له في ذلك؟ فقال: الواسع للكتب، والآخر لا يُحتاج إليه)).‏
‎●‎‏ وفي ترجمة العلامة النحوي أحمد بن يحيى المعروف بثَعْلَب ت (291) من كتاب ((وفيات ‏الأعيان))‏ ‏ لابن خَلِّكان قال: ((كان سببَ وفاته: أنه خرج من الجامع يوم الجمعة بعد العصر، وكان قد ‏لحقه صَمَمٌ لا يسمع إلا بعد تعب، وكان في يده كتاب ينظر فيه في الطريق، فصدمَتْه فرسٌ، فألقَتْهُ في هُوَّةٍ، ‏فأُخرج منها وهو كالمختلط، فحُمِل إلى منزله على تلك الحال وهو يتأوَّه مِن رأسه، فمات ثاني يومٍ)) اهـ.‏
‎●‎‏ وذكر العسكري في ((الحث على طلب العلم))‏ ‏: أن أبا بكرٍ الخياط -العلامة النحوي محمد ‏بن أحمد البغدادي ت (320)- كان يَدْرُسُ جميعَ أوقاته، حتى في الطريق، وكان ربَّما سقَط في جُرْف أو ‏خبطته دابَّة)).‏
‎●‎‏ وتقدم معنا خبر الإمام سُلَيم الرازي ‏.‏
‎●‎‏ وكان كثير من العلماء يُقرأ عليه الكتاب وهو يمشي في الطريق صِيانة للوقت، وحبًّا في الإفادة، ‏كما هو الحال في ترجمة الحافظ أبي نعيم الأصبهاني صاحب ((الحلية)) ت (430) كما في ((تذكرة ‏الحفاظ))‏ ‏.‏
‎●‎‏ وكذلك في ترجمة الإمام علم الدين السخاوي المقرىء (643) كما في ترجمة من كتاب ((طبقات ‏القراء الكبار))‏ ‏.‏
أقول: وممن شهدناه على هذه الحال في القراءة عليه واستفتائه وهو يمشي شيخنا وشيخ مشايخنا العلامة ‏عبدالعزيز بن باز (1420) -رحمه الله تعالى- فقد كان ذلك ديدنه وهِجِّيْراه، بنفسٍ منشرحة ووجهٍ طَلِق، ‏فجزاه الله عن العلم وأهله خيرًا.‏
‏* استوفى مكتبته قراءة، وفيها (700) مجلد
ففي ترجمة أبي بكر بن أحمد تقي الدين ابن قاضي شُهبة ‏ من ((الضوء اللامع))‏ ‏ قال: ‏‏((وكتب بخطه الكثير، بحيث لو قال القائل: إنه كتب مئتي مجلد لم يتجاوز، وخطه فائق دقيق.‏
وبِيْع في تركته نحو سبع مئة مجلد، كاد أن يستوفيها مطالعة)) اهـ.‏
‏* يقطع الليل جميعه في القراءة على السِّراج
‎●‎‏ ذكر القاضي عياض في ((ترتيب المدارك))‏ ‏ في ترجمة الإمام الفقيه أبي محمد عبدالله بن إسحاق ‏المعروف بابن التَّبَّان ت (371) أنه قال عن نَفْسِه: كنت أول ابتدائي أدرس الليل كلَّه، فكانت أُمي تنهاني عن ‏القراءة بالليل، فكنت آخذ المصباح وأجعله تحت الجفنة وأتعمَّد النوم، فإذا رَقَدَتْ أخرجتُ المصباحَ وأقبلتُ ‏على الدرس.‏
قال القاضي: وكان كثير الدرس، ذكر أنه دَرَسَ كتابًا ألفَ مَرَّةٍ)) اهـ.‏
‎●‎‏ وذكر الوزير القِفْطي في ((إنباه الرواة))‏ ‏ في ترجمة أبي القاسم ابن أبي منصور النحوي الحلبي ‏المعروف بابن الحَبْرَاني ت (628) -وكان الوزير قد صَحِبَه وجالسَه_: ((أنه كان شديد الاجتهاد في طلب ‏الفوائد من صفحات الصُّحف، فلازمَ المطالعةَ ليلاً ونهارًا، وتلَزَّم الحفظَ لبعض ما يمرّ به في أثناء ذلك.‏
قال: ولقد حكى لي الشريف أبو هاشم بن أبي حامد... صديقي -رحمه الله- قال: أخبرني جارٌ له، ‏قال: رأيتُ ابن الحَبْراني النحوي في زمن الصيف، يقوم في الليل الأخير في سطحه، وَيَقِدُ سراجًا في موضعٍ خالٍ ‏من الهواء، ويقعد للمطالعة وقتًا طويلاً دائمًا في كلِّ ليلة، لا يشغله الحرُّ ولا القَرُّ عن المطالعةِ والاستفادة)) ‏اهـ.‏
‏* الشغف بجميع الكتب ومعرفته بها
ذكر الحافظ ابن حجر في ((الدرر الكامنة))‏ ‏ في ترجمة شافع بن علي الكناني ت (730): ((أنه ‏كان يُحب جمع الكتب، حتى أنه لما مات ترك نحو العشرين ‏ خزانة ملأى من الكتب النفيسة.‏
وكان من شدَّة حُبِّه للكتب، إذا لمس الكتابَ يقول: ((هذا الكتاب الفلاني، ملكتُه في الوقت الفلاني، ‏وإذا طُلِبَ منه أيّ مجلَّد كان، قام إلى الخزانة فتناوله كأنه كما وضعه فيها)). اهـ.‏
‏* التأَلُّم والحَسْرة على بيع الكتب
‎●‎‏ قال ابن خلكان في ترجمة الشريف المرتضى أبي القاسم علي بن الطاهر ت (436) في كتابه: ‏‏((وفيات الأعيان))‏ ‏: ((حكى الخطيب أبو زكريا يحيى بن علي التِّبْريزي اللغوي، أن أبا الحسن علي بن ‏أحمد ابن علي بن سلَّك الفالي الأديب، كانت له نسخة بكتاب ((الجمهرة)) لابن دُرَيْد في غاية الجَوْدَة، فدعته ‏الحاجة إلى بيعها فباعها، واشتراها الشريف المرتضى أبو القاسم -المذكور- بستين دينارًا، وتصفَّحها فوجدَ بها ‏أبياتًا بخط بائعها أبي الحسن الفالي، وهي:‏
أنِسْتُ بها عِشرينَ حولاً وَبِعْتُها
وما كان ظَنِّي أَنَّني سأَبيعها
ولكن لضعفٍ وافتقارٍ وصِبْيَةٍ
فقلتُ ولم أَمْلك سوابق عَبْرةٍ
‏((وقد تُخرجُ الحاجاتُ يا أمَّ مالكٍ‏ لقد طالَ وَجْدي بعدَها وحنيني
ولو خلَّدتني في السجون ديوني
صِغارٍ عليهم تَسْتَهِلُّ شُؤوني
مقالة مكويِّ الفؤادِ حَزِينِ:‏
كرائمَ من ربٍّ بهنَّ ضنينِ)) اهـ
‎●‎‏ وذكر السخاوي في ((الضوء))‏ ‏ في ترجمة إبراهيم بن علي بن أحمد جمال الدين القَلْقَشندي ‏القاهري أنه باع كتبَهُ أو جلَّها، قال: وقَاسَى مالا يُعَبَّر عنه، وتألَّمنا له في ذلك!.‏
‏* صور من العصر الحديث *‏
بعد هذا التطواف في رحاب العلماء في قرون غابرة وأقطارٍ متباعدة، كأنِّي بقائل يقول: تلك أمة قد ‏خلت، وجيل قد ذهب، فهل لك في أمثلة قريبة ونماذج حيَّة؟
فنقول: نعم، وما أكثرها!‏
‏* فهذا الشيخ العلامة جمال الدين القاسمي الدمشقي (1332) يقول عن نفسِه وهو يتكلم على علوّ ‏الهِمَّة في كتابه ((الفضل المبين))‏ ‏: ((وقد اتفق لي بحمده تعالى قراءة ((صحيح مسلم)) بتمامه روايةً في ‏أربعين يومًا، وقراءة ((سنن ابن ماجه)) كذلك في واحدٍ وعشرين يومًا، وقراءة ((الموطَّأ)) كذلك في تسعة ‏عشر يومًا، وقراءة ((تهذيب التهذيب))‏ ‏ مع تصحيح سهو القلم فيه وتَحْشيته في نحو عشرة أيام.‏
فدع عنك أيُّها اللائم الكسلَ، واحرص على عزيز وقتك بدرس العلم وإحسان العمل)) اهـ.‏
وذكر فيه ‏ -أيضًا- أنه قرأ ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر (571)، وقد طبع هذا التاريخ الآن ‏في سبعين مجلَّدًا ‏.‏
‏* وهذا الشيخ محمد بدر الدين الحسني (1354) العلامة المحدِّث (حفظ الصحيحين غيبًا بأسانيدهما، ‏ونحو ((20 ألف)) بيت من المتون العلمية)‏ ، كان شديد التشاغل بالعلم والعكوف على طلبه والانقطاع ‏إليه، حتى بلغ من ذلك شيئًا عظيمًا، قال الشيخ علي الطنطاوي ‏ -رحمه الله- ((بل كان يجلس في الليل ‏ليقرأ، فإذا غلبه النُّعاس اتكأ برأسه على وسائد أُعِدت له، فأغفى ساعتين أو ثلاثًا من الليل متقطعات، ومن ‏النهار ساعة)).‏
وقال: ((كان يقرأ دائمًا لا يشغله عن القراءة إلا أن يكون نائمًا أو في صلاة أو درس، أو في طريقه ‏من المسجد إلى البيت، ما فارق الكتب قطُّ، ولا استعان على النظر بنظارة، وقد مات حديد البصر صحيحه، ‏وما أحبَّ في الدنيا غير الكتب... فكان يشتري الكتابَ يسمعُ به ولو كان مطبوعًا في أقصى الهند، ويشتري ‏المخطوط ولو بوزنه ذهبًا، ولا يدع كتابًا حتى يقرأه، أو يتصفحه تصفّح المتثبِّت...)).‏
‏* ومثالٌ حيٌّ كان بين أظهرنا لشهور مضت هو العلاَّمة الأديب البليغ صاحب القلم الأنيق والعبارة ‏الرشيقة ‏ الشيخ علي الطنطاوي (1420) -رحمه الله تعالى- له مقال في ((الذكريات))‏ ‏ عنوانه ‏‏((شغلي الدائم المطالعة)) ذكر فيه ولعه الدائم بالمطالعة من صغره وهو في المدرسة الابتدائية بدون إرشاد مُرْشِد ‏ولا تعليم مُعَلِّم ثم قال: ((فأنا اليوم، وأنا بالأمس، كما كنت في الصغر، أمضي يومي أكثره في الدار أقرأ، ‏وربما مرّ عليَّ يوم أقرأ فيه ثلاثمئة صفحة، ومعدَّل قراءتي مئة صفحة من سنة (1340) إلى هذه السنة ‏‏(1402).‏
اثنان وستون سنة. احسبوا كم يومًا فيها، واضربوها بمئة، تعرفوا كم صفحة قرأت. أقرأ في كل ‏موضوع، حتى في الموضوعات العلمية...)).‏
وله في ((الذكريات))‏ ‏ -أيضًا- حديث عن قراءته ومقدارها، مع اشتغاله بالقضاء في دمشق (كل ‏يوم ثلاثون قضية) مع الإشراف على مجالس التحكيم، والعمل رئيسًا لثلاثة مجالس، الأوقاف، والأيتام، والمجلس ‏الأعلى للكليَّات الشرعية، مع إلقاء دروس في الكلية، والثانوية للبنين والبنات، وكان إلى جانب ذلك خطيب ‏جمعة، ومحاضرًا في النوادي، وله أحاديث في الإذاعة، وكتابة يومية في إحدى الجرائد. كان يصنع هذا كله!!.‏
ومع ذلك كان يقرأ كل يوم يومٍ مئتين أو ثلاثمئة صفحة، قال: ((وأنا مستمر على ذلك من يوم ‏تعلمت القراءة، وأنا صغير، أي: من نحو سبعين سنة إلا قليلاً، أصرف فضل وقتي كله في القراءة)).‏
ولو ذهبتُ استقصي أخبارَ علماء هذا القرن المنصرم لجاء كتابًا برأْسِه!! لكن حسبي هنا ما ذكرت، ‏وكفى به عبرةً لمعْتَبِر، ومن أراد التوسُّع فليراجع تراجم أهل هذا القرن وهي كثيرة ‏.‏

الفصل الثالث
في قراءة المطوَّلات في مجالسَ معدودات


كان من عادة العلماء عَقْد مجالس لقراءة المطوَّلات على اختلاف الفنون (خاصة كتب الحديث ‏المسندة)، فكان الناسُ يأخذونها عن مؤلِّفيها أو عمن اتصلت بهم روايتها، بالسَّماع لجميعها تارة، أو بسماع ‏شيءٍ منها، والإجازة بباقيها، أو بالإجازة لجميعها، وتناقصَ عقدُ تلك المجالسِ وإسماعِ المطوَّلات طردًا مع تأخُّر ‏الزمن (لعوامل كثيرة) وانْحَسَرَت نوعية الكتب المقروءة في كتب الحديث، خاصَّة المشهورة منها، أو لكتب ‏بعض مشاهير المؤلِّفين.‏
وهذه المجالس قد تطُوْل وقد تَقْصُر بحسب الغرض من القراءة وتفرُّغ الشيخ، واستعداد الطالب، ‏وموضوع الكتاب ‏.‏
ولا شك أن قراءة هذه المطوَّلات في مجالسَ معدودة يتطلَّب عددًا من الصفات في الشيخ والطالب، من ‏الخبرة بالكتاب المقروء، وشدة التيَقُّظ، وفصالحة اللسان، وسرعة القراءة، وقبل ذلك وبعده = الرغبة الأكيدة، ‏والهمة العالية، والصبر الجميل. فمن تحلّى بذلك كلِّه، لانَ له الحديدُ وسَهُل عليه الصعبُ، ((فإن العزيمةَ والمحبةَ ‏تُذْهِبُ المشقةَ، وتُطِيبُ السيرَ))‏ ‏.‏
وهذا سَرْد ما وقفنا عليه من ذلك:‏
‏* الخطيب البغدادي (463) *‏
‏- قراءة صحيح البخاري في ثلاثة مجالس.‏
قال الخطيب في ((تاريخ بغداد))‏ ‏ في ترجمة إسماعيل بن أحمد ابن عبدالله الضرير الحِيْري ت ‏‏(430) أنه خاطبه ((في قراءة كتاب ((الصحيح)) -وكان سَمِعَه من الكُشْمِيْهَني ‏ عن الفَرَبْزي‏ ‏ -‏فأجابني إلى ذلك، فقرأتُ جميعَه عليه في ثلاثة مجالس، اثنان منها في ليلتين، كنتُ ابتدىء بالقراءة وقتَ صلاةِ ‏المغرب، وأقطعها عند صلاة الفجر.‏
وقبل أن أقرأ المجلس الثالث عَبَر الشيخُ إلى الجانب الشرقي مع القافلة ونزلَ الجزيرةَ بسوقِ يحيى، ‏فمضيتُ إليه مع طائفةٍ من أصحابنا -كانوا حضروا قراءتي عليه في الليلتين الماضيتين- وقرأتُ عليه في الجزيرة ‏من ضَحْوَةِ النهار إلى المغرب، ثم من المغرب إلى وقتِ طلوع الفجر، ففرغتُ من الكتاب، ورحلَ ‏ الشيخُ ‏في صبيحة تلك الليلة مع القافلة)) اهـ.‏
أقول: فلله تلك الهمم ما أسمقها وأعلاها‍! فهل سمعت بمثل هذه الهمم والعزائم؟‍! فاليومُ الثالث جميعُه ‏في القراءة ( من ضحوةِ إلى المغرب، ومن المغرب إلى الفجر)، فبمثل هذه الهمة بلغ الخطيب إلى ما بلغ، حتى ‏دُعي بـ ((حافظ المشرق))، وصار بمثل هذه الهمة عمدة المحدثين ومعوّلهم، بل صاروا عِيالاً على كتبه كما ‏قال ابنُ نقطة ‏.‏
‏- ما قيل حول هذه القصة.‏
قال الحافظ الذهبي في ((السِّير))‏ ‏-معلِّقًا-: ((قلت: هذه والله القراءةُ التي لم يُسْمَع قطُّ بأسْرَعَ ‏منها)).‏
وقال -أيضًا- في ((تاريخ الإسلام))‏ ‏: ((وهذا شيءٌ لا أعلمُ أحدًا في زماننا يَسْتَطيعُه)).‏
وفي ((الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر))‏ ‏ للسخاوي، أنه سأل شيخه -أي ابن ‏حجر- ((هل وقعَ لكم استيفاءُ يومٍ في القراءة؟ (يعني: مثل ما وقع للخطيب) فقال: لا، ولكن قراءتي ‏‏((الصحيح)) في عشرة مجالس لو كانت متواليةً لنقصت عن هذه الأيام، ولكن أين الثريَّا من الثرى، فإنّ ‏الخطيب -رحمه الله- قراءته في غايةٍ من الصِّحة والجَوْدة والإفادة وإبلاغ السَّامعين)) اهـ.‏
وسيأتي استيفاء ما وقع للحافظ ابن حجر من ذلك، وهو عجيب!.‏
‏- قراءة ((صحيح البخاري)) في خمسة أيام.‏
قال الذهبي في ((تذكرة الحفاظ))‏ ‏ نقلاً عن أبي سعدٍ السمعاني: ((كان الخطيب -حجَّة حسن ‏الخط، كثير الضبط، فصيحًا، خُتِمَ به الحفَّاظ، وقرأ بمكة على كريمة ‏ ((الصحيحَ)) في خمسة أيامٍ)) اهـ.‏
‏* عبدالله بن سعيد بن لُبَّاج الأموي (436) *‏
‏- إقراء مسلم في أسبوع.‏
جاور ابنُ لُبَّاج بمكةَ سنين طويلة، واختصَّ بصحبة أبي ذر عَبْد ابن أحمد الهروي -راوي الصحيح- ‏وأكثر عنه، ثم رجعَ إلى الأندلس، قال ابن بَشْكُوَال في ((الصِّلَة))‏ ‏: ((ولحق بقرطبة... سنة ثلاثٍ وثلاثين ‏وأربع مئة، فقرىء عليه ((مسندُ مسلم بن الحجاج الصحيحُ)) في نحو جُمعة، بجامع قرطبة في موعِدَين طويلَيْن ‏حَفِيلَين، كل يوم موعد غدوة، وموعد عَشيَّة)) اهـ.‏
‏* المؤْتَمن السَّاجي (507) *‏
‏- قراءة ((المحدِّث الفاصل)) في مجلس.‏
قال الذهبي في ((السير))‏ ‏: ((قال السِّلَفيّ: كان المؤتمنُ لا تُمَلُّ قراءتُه، قرأ لنا على ابن الطيوري ‏كتابَ ((الفاصل))‏ ‏ للرَّامَهرمزي في مجلسٍ.‏
‏* طلحة بن مظفَّر العَلْثي ‏ الحنبلي (593) *‏
‏- قراءة ((صحيح مسلم)) في ثلاثة مجالس.‏
جاء في ترجمته في ((الذيل على طبقات الحنابلة))‏ ‏ و((طبقات المفسرين))‏ ‏: أنه قرأ -‏‏((صحيحَ مسلم)) في ثلاثةِ مجالس.‏
وكان طلحةُ بن مظفَّر عالمًا متفنِّنًا في علومٍ كثيرة زاهدًا وَرِعًا، وصَفَه الحافظ المنذري بحُسْن القراءة ‏وفصاحتها، فمن ذلك أنه كان يقرأ كتاب ((الجمهرة)) لابن دُرَيْد على ابن القصَّار، فمِنْ سرعة قراءته ‏وفصاحتها قال ابنُ القصَّار: هذا طلحةُ يحفظ هذا الكتاب؟! قالوا: لا.‏
‏* العِزُّ بن عبدالسلام (660) *‏
‏- قراءة ((نِهاية المَطْلَب))‏ ‏ في ثلاثة أيام.‏
قال ابن فَهْد في ((لحظ الألحاظ))‏ ‏: ((قال شيخنا الحافظُ برهانُ الدين (أي: الحلبي 841): ‏وحُكيَ لي أن الشيخ عز الدين بن عبدالسلام كان يخرج إلى المسجد يوم الأربعاء ومعه ((نهاية إمام الحرمين))، ‏فيمكث بالمسجد يوم الأربعاء ويوم الخميس ويوم الجمعة إلى قُبيل الصلاة، فينظر في هذا الوقت ((النهايةَ)).‏
فاسْتَبْعَد هذا بعضُ العلماء، ((فقال الشيخ سِراج الدين البُلقيني: ولا استبعد، لأن الشيخ عز الدين لا ‏يُشْكِل عليه منها شيءٌ، ولا يحتاج إلى أن يتأمَّل منها إلا شيئًا قليلاً، أو ما هذا معناه...)) اهـ.‏
‏* ابن الأبَّار (658) *‏
‏- قراءة ((مسلم)) في ستة أيام.‏
ذكر الذهبي في ((سير أعلام النبلاء))‏ ‏ في ترجمة المحدِّث المعمَّر أبي محمد عبدالله بن محمد الحَجْري ‏الأندلسي ت (591) أن الحافظ أبا عبدالله بن الأبَّار ‏ ت (658) قرأ عليه ((صحيحَ مسلم)) في ستة ‏أيام.‏
‏* شيخ الإسلام ابن تيميَّة (728) *‏
‏- قراءة ((الغَيْلانيات))‏ ‏ في مجلسٍ واحد.‏
قال تلميذه الحافظ ابن عبدالهادي (744) في ((مختصر طبقات علماء الحديث ‏ -وهو يُعدِّد ‏مسموعات ومقروءات شيخه-: ((وقرأ بنفسه الكثير، ولازم السماع مُدَّةَ سِنين، وقرأ ((الغَيْلانيات)) في ‏مجلسٍ)) اهـ.‏
وقد وصف ابنُ عبدالهادي شيخَ الإسلام ابن تيميَّة بصفاتٍ تدل على ما بلغه هذا الإمام من محبة العلم ‏والانكباب على تحصيله فقال:‏
‏((لا تكادُ نفسُه تشبَعُ من العِلم، ولا تَرْوى من المطالعة، ولا تَمَلُّ من الاشْتِغال، ولا تكلُّ من ‏البحث)) اهـ.‏
وتقدم شيءٌ من خبره، رحم الله الجميع رحمة واسعة وأسكنهم فسيح جنَّاته.‏
‏* الحافظ المِزِّي (742) *‏
‏- وهذا الحافظ أبو الحجاج المِزي يقرأ ((المعجم الكبير)) للطبراني بحضور الحافظ البرزالي في ستين ‏مجلسًا ‏.‏
‏* الحافظ شمس الدين الذهبي (748) *‏
‏- قراءة ((سيرة ابن هشام)) في (6) أيام.‏
ذكر الإمام الذهبي عن نفسه ‏: أنه قرأ ((سيرة ابن هشام)) على أبي المعالي الأبَرْقوهي ‏ في ستةِ ‏أيامٍ فقط.‏
‏* سراج الدين ابن الملقِّن (804) *‏
‏- قراءة المجلدين في الأحكام في يومٍ واحد.‏
وفي ((لحظ الألحاظ)) بعد -حكاية العزّ ابن عبدالسلام المتقدمة- قال البرهان الحلبي: فذكرتُ هذه ‏الحِكاية لشيخنا سراج الدين ابنُ الملقِّن، فقال لي عقيب ذلك: أنا نظرتُ مجلَّدين من ((الأحكام))‏ ‏ ‏للمحبِّ الطبري في يومٍ واحدٍ)) اهـ.‏
‏* سراج الدين البُلْقيني (805) *‏
‏- قراءة المجلد من كتب الفقه في يومٍ.‏
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه ((المجْمَع المؤسِّس))‏ ‏ نقلاً عن البرهان الحلبي أنه قال: ‏سمعتُه يقول -أي: البُلقيني- ربما طالعتُ المجلَّد كاملاً في اليوم الواحد من كتب الفقه.‏
‏* الحافظ زين الدين العِراقي (806) *‏
‏- قراءة ((مسلم)) في ستةِ مجالس.‏
قال الحافظ تقي الدين الفاسي في ((ذيل التقييد))‏ ‏: ((وسمع -أي العراقي- ((صحيحَ مسلم)) ‏بقراءته ‏ في سِتة مجالس على محمد بن إسماعيل بن الخبَّاز بدمشق)).‏
ونحوه في ((لحظ الألحاظ))‏ ‏ لابن فهد، وزاد: ((في ستة مجالس متوالية، قرأ في آخر مجلسٍ منها أكثر من ‏ثلث الكتاب، وذلك بحضور الحافظ زين الدين ابن رَجَب ، وهو معارض بنسخته)) اهـ.‏
وابنُ الخبَّاز (756) هذا قال الحافظ ابن حجر في ((الدرر الكامنة))‏ ‏ نقلاً عن العِراقي قال: إنه ‏كان مُسْنِد الآفاق في زمانه، وتفرَّد برواية مسلم بالسماع المتصل... وكان صبورًا على السَّماع، يتكسَّب ‏بالنسج، قال: فكنَّا نقرأ عليه وهو يعمل في منزله من بُكرةٍ إلى العصر.‏
‏- قراءة ((المسند)) في ثلاثين مجلسًا.‏
جاءَ -أيضًا- في ((ذيل التقييد))‏ ‏ أن الحافظ العراقي قرأ ((مسند الإمام أحمد)) على ابن الخبَّاز -‏المتقدِّم- في ثلاثين مِيْعَادًا.‏
‏* مجد الدين الفيروزآبادي (817) *‏
‏- قراءة ((مسلم)) في أربعة عشر مجلسًا.‏
قال السخاوي في ((الضوء اللامع))‏ ‏ في ترجمة مجد الدين: ((وقرأ ((مسلمًا)) على البياني بالمسجد ‏الأقصى في أربعة عشر مجلسًا)).‏
‏- قراءة ((مسلم)) في ثلاثة أيام.‏
ذكر السخاوي في ((الضوء اللامع))‏ ، و((الجواهر والدرر))‏ ، والمَقَّري في ((أزهار ‏الرياض))‏ ‏ أن الفيروزآبادي قرأ ((صحيح مسلم)) بدمشق بين بابَي النَّصْر والفَرَج، تُجَاه نَعْل ‏ النبي ‏‎" صلى الله عليه وسلم "‎‏‎‏ على شيخه ناصر الدين أبي عبدالله محمد بن جَهْبَل‏ ، في ثلاثة أيامٍ، وقال ذاكرًا ذاك مُفْتخرًا به:‏
قرأتُ بحمدِ اللهِ ((جامعَ مسلمِ))‏
على ناصرِ الدين الإمامِ ابنِ جَهْبَلِ
وتمَّ بتوفيقِ الإلهِ بفضْلِهِ بجوفِ دمشقَ الشامِ جوفَ الإسلامِ
بحضرةِ حُفَّاظٍ مشاهيرَ أعلامِ
قراءةَ ضبطٍ في ثلاثةِ أيَّامِ
وقال المَقَّري عن هذه القراءة السَّريعة مع الضبط: (([إنها] من أغرب ما منحَ الله تعالى المجدَ مؤلف ‏‏((القاموس))!... فسُبحانَ المانح الذي يؤتي فضله من يشاء!)).‏
واعتبر السخاوي أن ما وقع لشيخه الحافظِ ابن حجر من قراءة ((صحيح مسلم)) في أربعة أيام سوى ‏مجلس الختم أَجَلّ مما وقع للفيروزآبادي. وسيأتي استيفاء ذلك عند الكلام على الحافظ ابن حجر ومقروءاته.‏
‏* الحافظ ابن حَجَر العسقلاني (852) *‏
وما وقع للحافظ -رحمه الله- من ذلك عجيب! وهو يدلّ على همة عاليه، وجَلَد غير معهود، وتفرُّغ ‏تام، يحف ذلك تيسير إلهي، وتوفيق ربَّاني.‏
وقد وصف تقيُّ الدين الفاسي -صاحبُ ابنِ حجر ورفيقه- قراءَتَه بأنها سريعة‏ ، وكذا وصفها ‏السخاوي بالسرعة والحُسْن ، وشبَّهها بقراءة الخطيب.‏
‏- قراءة ((المسند)) في ثلاثةٍ وخمسين مجلسًا.‏
قال الحافظ في كتابه: ((المَجْمَع المؤسِّس للمُعْجم المُفَهْرِس))‏ ‏ في ترجمة شيخه عبدِالله بن عمر بن ‏علي الهندي أبيَ المعالي ت (807): ((وكان صبورًا على إسماع الحديث، لا يمل ولا ينعس ولا ‏يتضجَّر ‏... قرأت عليه ((مُسْند أحمد)) جميعه بزياداته ‏... وكَمُلت قراءتي عليه للمسند كله في ثلاثةٍ ‏وخمسين مجلسًا)) اهـ.‏
وقال في ((إنباء الغمر))‏ ‏: ((قرأتُ عليه ((مسند أحمد)) في مدةٍ يسيرة في مجالسَ طوال، وكان لا ‏يضجر... وفي الجملة، لم يكن في شيوخ الرواية من شيوخنا أحسن أداءً ولا أصْغَى للحديث منه)) اهـ.‏
‏- قراءة ((البخاري)) في عشرة مجالس.‏
قال السخاوي في ((الجواهر والدرر))‏ ‏: ((ومن الكتب الكِبار التي قرأها في مدةٍ لطيفة: ((صحيح ‏البخاري))، حدَّثَ به الجماعةَ من لفظه بالخانِقاه البيبرسية في عشرة مجالس، كل مجلسٍ منها أربع ساعات)) ‏اهـ.‏
وذلك بعد سنة (820).‏
ثم سأل السخاويُّ شيخَه: هل وقع له استيفاء يومٍ كاملٍ في القراءة، كما وقع للخطيب؟ فقال: لا، ‏ولكن قراءتي ((الصحيح)) في عشرة مجالس، لو كانت متوالية لنَقَصت عن هذه الأيام، ولكن أين الثُّريا من ‏الثَّرى؟! فإن الخطيبَ -رحمه الله- قراءته في غاية من الصحة والجودة والإفادة وإبلاغ السامعين. انتهى كلام ‏الحافظ.‏
قال السخاوي: إنما استدركَ -رحمه الله- جَرْيًا على عادتنا في التأدُّب وتواضُعًا، وإلا فقراءته -أيضًا- ‏كانت كذلك، وهكذا كان دأبه: هضْم نفسِه على جاري عادة أهل العلمِ والدين ‏.‏
‏- قراءة ((مسلم)) في خمسة مجالس.‏
قال الحافظ في ((المجمع المؤسِّس))‏ ‏ في ترجمة محمد بن محمد ابن عبداللطيف بن الكُوَيْك ت ‏‏(821): ((وقرأتُ عليه ((صحيح مسلم)) في خمسة مجالس)) اهـ.‏
وقال في ((إنباء الغمر))‏ ‏: ((وقرأتُ عليه كثيرًا من المرويَّات بالإجازة والسماع، من ذلك ((صحيح ‏مسلم)) في أربعة مجالس سِوى مجلس الخَتْم)) اهـ.‏
وفَصَّل السخاوي صِفة القراءة ووقتها فقال ‏: وقرأ ((صحيح مسلم))... في أربعة مجالس سِوى ‏مجلس الخَتْم ، وذلك في نحو يومَيْن وشيء، فإنه كان الجلوس من بُكْرة النهار إلى الظهر...))، وكان سنة ‏‏(813).‏
وعلى هذا الحِسَاب اعتبر السخاوي أن ما وقع لشيخه ابن حجر أجلّ مما وقع للفيروزآبادي من قراءة ‏‏((صحيح مسلم)) في ثلاثة أيام على ابن جَهْبَل ‏.‏
‏- قراءة ((السنن الكبرى)) للنسائي في عشرة مجالس.‏
قال السخاوي في ((الجواهر))‏ ‏: ((وكذا قرأ كتاب النسائي الكبير على الشَّرَف (ابن الكُوَيك) المذكور في ‏عشرة مجالس، كلُّ مجلسٍ منها نحو أربع ساعات، وسمعه بقراءته الفضلاء والأئمة... وانتهى في يومِ عاشوراء ‏سنة أربع عشرة وثمان مئة)) اهـ.‏
‏- قراءة ((السنن)) لابن ماجه في أربعة مجالس.‏
قال السخاوي في ((الجوهر))‏ ‏ -أيضًا-: (([و] قد قرأ ((السنن)) لابن ماجه في أربعة مجالس)) ‏اهـ.‏
‏- قراءة ((المعجم الصغير)) للطبراني في مجلس واحد.‏
قال الحافظ في ((المجمع المؤسِّس))‏ ‏ في ترجمة عمر بن محمد ابن أحمد البالِسِي ثم الصالحي ت ‏‏(803): ((قرأتُ عليه الكثير... فمما قرأتُ عليه ((المعجم الصغير)) للطبراني، قرأته عليه في مجلسٍ واحدٍ بين ‏الظهر والعصر)) اهـ.‏
وعدَّ السخاويُّ ‏ وابنُ فهدٍ هذه القراءة أسرعَ شيءٍ وقع للحافظ ابنِ حجر، ذلك أن هذا الكتاب ‏يشتمل على نحوٍ من ألف وخمس مئة حديث، لأنه -أي الطبراني- خرَّج فيه عن ألف شيخٍ، عن كل شيخٍ ‏حديثًا أو حديثين ‏.‏
وكانت هذه القراءة في رحلته الشامية.‏
‏- قراءة ألف جزءٍ حديثي، وكتابة (10) مجلدات في مئة يوم.‏
قال البرهان البِقاعي في ((عنوان الزمان في تراجم الشيوخ والأقران))‏ ‏ ((سمعتُ شيخَنا صاحبَ ‏الترجمة (أي: الحافظ ابن حجر) غيرَ مرَّة يقول: إنه أقام في دمشق إذ ذاك (أي: في رحلته الشامية)‏ ‏ مئة ‏يوم، فسمعَ بها نحو ألفَ جزءٍ ‏ حديثي، لو جُلِّدت لكانت تقارب مئة مجلد، وكتب فيها عشر مجلدات، ‏منها: [أطراف]‏ ‏ المختارة)).‏
قلت (البقاعي): هذا مع قضاءِ أشغاله، والتنقُّل في أحواله. وكتابةٍ بيِّنة وتطبيق ‏ ما طبقه من ‏الأجزاء، وهذه كرامة لا شكَّ فيها، فالله تعالى ينفعنا به آمين)) اهـ.‏
وذكر السخاوي في ((الجواهر والدرر))‏ ‏ خبرَ هذه الرِّحلة، وما وقعَ له فيها من قراءةٍ للكتب في ‏أقصرِ مدَّة، ثم قال: ((فمن هذه الكتب ما يكون مجلَّدةً ضخمة، ومنها ما يكون مجلَّدة لطيفة، فتكون نحو ‏الثلاثين مجلدًا ضخمة، تكون نحو أربع مئة وخمسين جزءًا حديثيَّة، خارجًا عن الأجزاء الحديثية، وهي تزيد على ‏هذا القَدْر.‏
هذا وقد علَّق -رضي الله عنه- في غضون هذه المدة بخطه، من الأجزاء الحديثية، والفوائد النثرية، ‏والسماعات التي يُلحقها في تصانيفه، ونحوها: ثمان مجلدات فأكثر، وأطراف كتاب ((المختارة)) للحافظ ضياء ‏الدين محمد بن عبدالواحد المقدسي في مجلد ضخمٍ، لو لم يكن له عَمَلٌ في طول هذه المدَّة إلا هي، لكانت ‏كافية في جلالته)) اهـ.‏
‏* الحافظ الدِّيَمِي (908) *‏
‏- قراءة ((البخاري)) في أربعة أيّام.‏
قال السخاويُّ في ((الضوء اللامع))‏ ‏ في ترجمة عثمان بن محمد أبي عَمْرو الدِّيَمِيّ الشافعي ت ‏‏(908) لما عدّد مقروءاته في رحلته المدنيَّة: ((وقرأ وهو هناك ((الصحيح))‏ ‏ بتمامِه في الروضة الشريفة في ‏أربعة أيامٍ)) اهـ.‏
‏* العلاَّمة القَسْطَلاَّني (923) *‏
‏- قراءة ((البخاري)) في خمسة مجالس.‏
قال السخاوي في ((الضوء اللامع))‏ ‏ في ترجمة أحمد بن محمد بن أبي بكر القسطلاني صاحب: ‏‏((إرشاد الساري)) ت (923) عند تَعْداد مقروءاته: ((وقرأ ((الصحيح)) بتمامه في خمسةِ مجالس على ‏النَّشاوي)) اهـ.‏
‏* إبراهيم البِقاعي الحنبلي (935) *‏
‏- قراءة ((البخاري)) في ستة أيام و((مسلم)) في خمسة.‏
ذكر النجم الغَزِّي في ((الكواكب السائرة في أعيان المئة العاشرة))‏ ‏ في ترجمة إبراهيم البقاعي أنه ‏قرأ على والده (البدر الغزي) البخاريَّ كلاملاً في ستة أيام، سنة (930)، و((صحيح مسلم)) كاملاً في سنة ‏إحدى وثلاثين في خمسة أيامٍ متفرِّقة -في عشرين يومًا-.‏
‏* وفي ترجمة الشيخ ابن باز المسمَّاة بـ ((الإنجاز)) أن أحد الطلبة قرأ على الشيخ ((سنن النسائي)) في ‏سبعة وعشرين مجلسًا.‏
‏* * *‏
إلى هنا وأقول: لعلِّي قد أطلتُ فأمْلَلْتُ، وما زال في الوِفَاظ الكثيرُ والكثيرُ، لكن فيما تقدم كفاية لمن ‏ألقى السمع وهو شهيد، والإكثار لا ينفع العيون العُمي ولا الآذان الصُّمّ ولا القلوب الغُلْف!!.‏
لكن لابدَّ لي هنا من الإشارة إلى كتابين اثنين ‏ فيهما خَبَرُ ما لم أذكره هنا مما وقع للعلماء من ‏ذلك.‏
الأول: كتاب ((فِهْرِس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات)) للعلامة ‏عبدالحي بن عبدالكبير الكتاني ت (1382): (2/ 1043- 1049) فقد ذكر من تلك الأخبار عددًا صالحًا ‏‏(منه ما ذكرته ومنه ما لم أذكره) ثم قال في خاتمة بحثه:‏
‏((وجامع هذه الشَّذْرة محمد عبدالحي الكتاني، قرأ ((صحيح البخاري)) تدريسًا بعنزة القرويين وغرها ‏قراءةَ تحقيق وتدقيق في نحو خمسين مجلسًا، لم يدع شاذَّةً ولا فاذَّةً تتعلَّق بأبوابه ومحل الشاهد منها إلا أتى ‏عليها، مع غير ذلك من اللطائف المستجادة، ولعلَّه أغرب وأعجب من كلِّ ما سبق!! والله خالق القُوَى ‏والقدر!)) اهـ.‏
الثاني: كتاب ((ذيل التقييد لرواة السنن والمسانيد)) للحافظ تقي الدين الفاسي ت (832) وهذه ‏مواضعها: (1/ 156، 221، 225، 308)، (2/ 68، 73، 134، 226، 269)، (3/ 48، 69، ‏‏182، 244، 283، 329).‏

الفصل الرابع
في تَكْرار قراءة الكتاب الواحد المرات الكثيرة


تحدثنا في ما مضى عن شغف العلماء بالكتب، وملازمتهم لقراءتها وإقرائها ليلهم مع نهارهم، في حلهم ‏وترحالهم، وهذه صورة أخرى من صور الشغف والتعلُّق بالكتب، وهي الانكباب والعكوف على قراءة كتبٍ ‏بعينها، فما إن ينتهي من استيفاء الكتاب قراءةً، حتى يبدأ فيه من جديد، فيقرؤه مرَّةً بعد مرَّة، فهو كالحالِّ ‏المُرْتَحِل.‏
وغَنِيٌّ عن الذكر كم هو ثقيل على النفس أن يُعيدَ المرءُ كتابًا قرأه مرة واحدة! فكيف بقراءته ‏مرَّات!!.‏
ولذلك كان من وصايا الشيوخ ‏: أنك إذا قرَأت كتابًا فلا تفكر في العودة إليه مرةً أُخرى، لأن ‏هذه الشعور سيؤدِّي بك إلى التفريط في فوائد كثيرة، أملاً في استيفائها في القراءة الثانية.‏
وعلى كل حال، فالمسألة تعوُّد، فمن تعوَّدَ قراءةَ الكتاب الواحد مراتٍ، فَبِها، ومن لا، فليستوف ‏غرضَه من الكتاب في أول مرة، مع أن مُعَاودة مطالعة الكتاب الواحد مرَّات -خاصة مع تباعد وقت القراءة- ‏يُوْقفك على مسائل وفوائد لم تكن لتقف عليها في أوِّل قراءتك، وذلك لتوسع مداركك وزيادة فهمك، وهذا ‏أمر مجرَّب، وسيأتيك خبر المزني مع ((الرسالة)) للشافعي.‏
وقد قيل ‏: إن قراءة كتابٍ واحدٍ ثلاث مرات أنفع من قراءة ثلاثة كتب في الموضوع نفسه.‏
فهذا ذكر ما وقع لنا خبره من العلماء الذين عكفوا على قراءة كتبٍ معيَّنة وأُولعوا بها، حتى استظهرها ‏بعضهم أو كاد، فمع ذلك أصبحت سميرهم وهجِّيراهم لا يُفارقون قراءتها.‏
‏* قراءة ((الرسالة)) للشافعي (50) سنة.‏
ذكر ابنُ السُّبكي في ((طبقات الشافعية الكبرى))‏ ‏ في ترجمة الربيع ابن سليمان المزني صاحب ‏الشافعي (264) قال: (( قال الأنماطي: قال المُزَني: أنا انظر في كتاب ((الرسالة)) منذ خمسين سنة، ما أعلم ‏أني نظرتُ فيه مرَّةً إلا وأنا أستفيد شيئًا لم أكن عرفته )) اهـ.‏
‏* قراءة البخاري (700) مرة.‏
جاء في ترجمة الإمام غالب بن عبدالرحمن بن غالب بن تمام ابن عَطيَّة المحاربي ت (518) من كتاب ‏‏((الغُنية))‏ ‏ للقاضي عياض، و((الصلة))‏ ‏ لابن بشكُوال قال: ((قرأتُ بخط بعض أصحابنا أنه سمع أبا ‏بكر بن عطية يذكر أنه كرَّر ((صحيح البخاري)) سبع مئة مرَّة)) اهـ.‏
‏* قراءة البخاري (150) مرَّة.‏
وفي ((إنباء الغمر))‏ ‏ في ترجمة سليمان بن إبراهيم بن عمر نفيس الدين العلوي اليمني ت (825) ‏قال: ((فذكر لي أنه مَرَّ على ((صحيح البخاري)) مئة وخمسين مرة ما بين قراءة وسماعٍ وإسماعٍ ومُقابلة...)) ‏اهـ.‏
وجاء في ((فهرس الفهارس))‏ ‏ نقلاً عن ((طبقات الخواص)) للشرجي أنه أتى على الصحيح ‏‏(380) مرة، قراءة وإقراء وإسماعًا.‏
وجاء في ((البدر الطالع))‏ ‏ أنه قرأ البخاري أكثر من خمسين مرة. فالظاهر أن الشوكاني لم يعد ‏السماع والإسماع والمقابلة.‏
‏* قرأ البخاري أكثر من (40) مرة.‏
وفي ترجمة أحمد بن عثمان بن محمد بن الكُلُوتاتي ت (835) من ((المجمع المؤسِّس))‏ ‏ قال: ((ثم ‏حُبِّبَ إليه طلب الحديث، فابتدأ في القراءة من سنة تسع وسبعين (وسبع مئة) وهلُمَّ جرَّا ما فَتَرَ ولاوَنَا، فلعله ‏قرأ ((البخاري)) أكثر من أربعين مرَّة)).‏
‏* قرأ البخاريَّ أكثر من (100) مرة.‏
وفي ترجمة أبي بكر بن محمد بن عبدالله بن مقبل القاهري الحنفي المعروف بالتَّاجر ت (805) من ‏‏((الضوء اللامع))‏ ‏: ((قال البرهان الحلبي -تلميذه-: أنه أخبره أنه قرأ ((صحيح البخاري)) إلى سنة ثمانين ‏‏-أي وسبع مئة- خمسًا وتسعين مرة، وقرأه بعد ذلك مرارًا كثيرًا)) اهـ.‏
‏* قرأ البخاري على 30 شيخًا.‏
ففي ((دُرَّة الحجال))‏ ‏ لابن القاضي المكناسي، في ترجمة عثمان ابن محمد بن عثمان التوزْرَي ت ‏‏(713) أنه قرأ البخاري على أزيد من ثلاثين رجلاً من أصحاب البوصيري.‏
‏* قرأ البخاري على شيخ واحد أكثر من (20) مرة.‏
وفي ((إنباء الغمر))‏ ‏ في ترجمة أسعد بن محمد بن محمود الشيرازي ت (803) أنه قرأ ((صحيح ‏البخاري)) على شمس الدين الكرماني أكثر من عشرين مرَّة.‏
‏* قرأ البخاري أكثر من (60)، ومسلم أكثر من (20).‏
وفي ترجمة البرهان الحلبي ت (840) من ((الضوء اللامع))‏ ‏: أنه قرأ البخاريَّ أكثر من ستين ‏مرة، ومسلمًا نحو العشرين، سوى قراءته لهما في الطلب، أو قراءتهما من غيره عليه.‏
‏* قرأ ((البخاري)) أكثر من (50) مرة.‏
قال الكتاني في ((فهرس الفهارس))‏ ‏: ((وجدت في ثَبَت الشهاب أحمد بن قاسم البوني: رأيتُ ‏خطَّ الفيروزآبادي في آخر جزءٍ من صحيح الإمام البخاري قال: إنه قرأ صحيح البخاري أزيدَ من خمسين ‏مرَّة)) اهـ.‏
‏* قرأ ((المهذب)) أكثر من (40) مرة.‏
ذكر عمر بن سَمُرة الجعدي في ((طبقات فقهاء اليمن))‏ ‏ في ترجمة الإمام الفقيه يحيى بن أبي الخير ‏العِمْراني ت (558) أنه قال عن نفسِه: ((إنه لم يُعلِّق ((الزوائد على المهذب)) إلا بعد أن حفظه غيبًا على ‏الإمام عبدالله بن أحمد الهَمْداني، ثم أعاده في أُحاظه (قرية باليمن)، ثم طالعه بعد ذلك كلِّه قبل التصنيف أربعين ‏مرة أو أكثر.‏
وكان -رحمه الله- يُطالع الجزءَ من تجزئة أحدٍ وأربعين من ((المهذَّب)) في اليوم والليلة أربع عشرة ‏مرة، لكلِّ فصلٍ منه)) اهـ.‏
‏* قراءة معجم الأُدباء (8) مرات.‏
قال الشيخ العلامة عبدالعزيز الميمني الراجكوتي ت (1398) عن نفسه: ((قرأتُ ((معجم الأدباء)) ‏‏-لياقوت- على الأقل سبع أو ثمان مرَّات، وأُفضِّله على كتاب ((وَفَيات الأعيان))‏ ‏ اهـ.‏
‏* قرأ ((التوضيح)) (70) مرة، و((شرح ابن المُصَنِّف)) أكثر من (30) مرة.‏
وفي ((الضوء اللامع))‏ ‏ في ترجمة إبراهيم بن حجَّاج بن محرز ابن مالك أبو إسحاق الأبناسي ت ‏‏(836) قال السخاوي: ((وحُكي أنه قرأ ((التوضيح))‏ ‏ أكثر من سبعين مرة، وابن المصنِّف‏ ‏ ما ‏ينيف على الثلاثين)).‏
‏* قرأ ((المدوَّنة)) (1000) مرة.‏
تقدَّم ‏ خبرُ ابن التبَّان، وكيف جلده وصبره على القراءة والطلب، وقول القاضي عياض: ((وكان ‏كثير الدرس، ذكر أنه دَرَسَ كتابًا ألف مرة)) -يعني: المدوَّنة-.‏
‏* كان يدرس الكتاب ألف مرة.‏
ذكر أبو العَرَب التميمي في ((طبقات علماء إفريقية وتونس))‏ ‏ في ترجمة عباس بن الوليد الفارسي ‏ت (218) أنه وُجد في آخر بعض كتبه: دَرَسْتُه ألفَ مرة.‏
‏* قراءة عددٍ من الكتب مرات عديدة.‏
ذكر القاضي عياض في ((ترتيب المدارك))‏ ‏ في ترجمة الإمام أبي بكر الأبهري ت (375) أنه قال ‏عن نفسِه: ((قرأتُ مختصر ابن عبدالحكم خمس مئة مرة، والأسدية خمسًا وسبعين مرة، والموطأ خمسًا وأربعين ‏مرة، ومختصر البرقي سبعين مرة، والمبسوط ثلاثين مرة)) اهـ.‏
‏* قراءة البخاري والكشاف مرات كثيرة.‏
قال المُحِبِّي في ((خلاصة الأثر))‏ ‏ في ترجمة العلاَّمة علي بن عبدالواحد بن محمد الأنصاري أبو ‏الحسن السِّجِلْماسِي الجزائري ت (1057) أنه ((بلغ الغاية القُصوى في الرواية والمحفوظات وكثرة القراءة، ‏وحكى بعض تلامذته أنه قرأ ((الستة)) على مشايخه دراية، وقرأ ((البخاري)) سبع عشرة مرَّة بالدرس، قراءة ‏بحثٍ وتدقيق، ومرَّ على ((الكشَّاف)) من أوَّله إلى آخره ثلاثين مرة، منها قراءة ومنها مُطالعة)) اهـ.‏
وكان بعضهم من شدة ملازمتهم للكتاب يكاد أن يستظهره ويهذه عن ظهر قلب.‏
ففي ترجمة عبدالله بن محمد بن فَرْحون اليَعْمَري ت (769) أنه قال عن نفسه: ((لازمتُ تفسيرَ ابنِ ‏عطية حتى كدت أحفظه))‏ ‏.‏
وفي ترجمة أبي القاسم بن علي بن مسعود الشاطبي أنه كاد يحفظ ((صحيح البخاري)) من كثرة ‏التكرار له في كل رمضان ‏.‏
ومن ذلك- أيضًا- ما ذكره السخاوي في ((الضوء))‏ ‏ في ترجمة عثمان بن عبدالله أبي عَمرو ‏المَقْسي ت (877) ((أنه أكثر من ملازمة المرور على الكتب الأربعة: ((التنبيه)) و((المنهاج)) و((البهجة)) ‏وأصلها، قراءةً وإقراءً، حتى صارت له بها مَلكة قوية)).‏
وفي ترجمة أحمد بن عمر الناشري اليماني ‏: أنه اشتهر بمعرفة كتاب ((الوسيط))‏ ‏ حتى كان ‏يعرفُ أين مكان المسألة فيه، وفي أيِّ صفحةٍ هي، بعد أن أُصِيْبَ بالعَمَى.‏
‏* * *‏

الفصل الخامس
في تدريس الكتاب الواحد المرات الكثيرة


كثيرًا ما ينتخب العالم كتابًا أو كتبًا في فنون العلم، ويُدْمن على قراءتها وإقرائها لطلابه، ويكون هو ‏قبل ذلك قد أخذه عن شيوخه وتمرَّس فيه وخَبَرَه، بحيث لا تخفى عليه جمهور مسائله، وغالب غوامضه ‏ومشكلاته، فيكون هو المرجع وعليه المعوَّل في حلِّ ذلك.‏
بل قد يبلغ الأمر إلى أن يُلَقَّب العالم بذلك الكتاب، كما وقع للشيخ الفقيه جمال الدين أحمد بن محمد ‏الواسطي الأُشْمُومي الشافعي ت (729)، فقد لُقِّب بـ ((الوجيزي)) لحفظه كتاب ((الوجيز))‏ ‏ وعنايته ‏به ، كما لُقِّب الإمام الزركشي (795) بـ ((المنهاجي))‏ ‏ نِسبةً إلى ((منهاج الطالبين)) للإمام ‏النووي، لعنايته به وإتقانه له فهمًا وشرحًا.‏
وقد وقع للعلماء من ذلك شيءٌ كثير، وهو دالٌّ على صَبْرهم في نشر العلم وتعليم الناس، ودالٌّ -‏أيضًا- على أهمية هذه الطريقة (أعني المداومة على كتابٍ بعينه) في ترسيخ العلم، واستحضار مسائل الفنّ، ‏وعدم تشتت الذهن، وهو مع ذلك دائم المطالعة في الفن مضيف إليه ما يحتاجه من تَدْليل وتعقيب وتنكيت ‏وتحقيق .‏
فإلى شيءٍ من ذلك:‏
‏* إقراء ((المهذَّب)) (25) مرة.‏
ففي ترجمة الفقيه كمال الدين عمر بن عبدالرحيم ابن العَجَمي الشافعي ت (642): أنه ألْقَى كتاب ‏‏((المهذب))‏ ‏ للشيرازي في فقه الشافعيةِ خمسًا وعشرين مرَّة ‏.‏
‏* إقراء ((مسلم)) أكثر من 60 مرة.‏
وهذا الإمام الثقة عبدالغافر بن محمد الفارسي ‏ ت (448)، كان ملازمًا لإقراء ((صحيح مسلم) ‏فَقُرىء عليه أكثر من ستين مرَّةً، فقد قرأه عليه الحافظ الحسن بن أحمد السمرقندي نيِّفًا وثلاثين مرة، وقرأه ‏عليه أبو سعد البَحِيري نيِّفًا وعشرين مرَّةً.‏
قال الحافظ الذهبي: ((هذا سِوى ما قرأه عليه المشاهير من الأئمة))‏ ‏ اهـ.‏
‏* أقرأ ((المقْنِع)) (100) مرة.‏
قال الحافظ ابن رجب في ترجمة الإمام الفقيه الزاهد إسماعيل ابن محمد ابن إسماعيل بن الفرَّاء الحرَّاني ثم ‏الدمشقي الحنبلي ت (729): أنه ((كان له خبرة تامة بالمذهب، يُقرىء ((المقنع)) و((الكافي)) ويعرفهما، ‏وكتب بخطه ((المغني)) و((الكافي)) وغيرَهما.‏
ويقال: إنه أقرأ ((المقنع))‏ ‏ مئة مرَّة‏ ‏ اهـ.‏
‏* أقرأ ((الحاوي)) (30) مرة.‏
وفي ترجمة الفقيه محمد بن عبدالقادر بن عمر السّنجاري المعروف بالسكاكيني الشافعي ت (838) ‏من كتاب ((إنباء الغمر))‏ ‏ للحافظ ابن حجر -عصريّه-: أنه كان مشهورًا بِخِبْرةِ كتاب ((الحاوي)) ‏وحُسْن تقريره ، بحيث قيل: إنه أقرأه ثلاثين مرَّة)).‏
‏* تدريس ((العباب))‏ ‏ (800) مرة.‏
ذكر الزبيدي في ((تاج العروس))‏ ‏ أن عبدالقديم ‏ بن عبدالرحمن ابن حسين النُّزيلي اليماني ‏درَّس ((العُباب)) في الفقه ثمان مئة مرَّة.‏
‏* ألقى ((الكشاف)) (8) مرات.‏
وهذا الشيخ العالم الزاهد صالح بن عبدالله بن جعفر بن الصبَّاغ الكوفي الحنفي ت (727) كان فريدًا ‏في علوم التفسير وغيرها، وقد ألقى ((الكشاف)) للزمخشري دروسًا من صدره ثمان مرَّات، مع بحثٍ وتدقيق، ‏وإيرادٍ وتشكيك ‏.‏
‏* إقراء البخاري مرات كثيرة.‏
ذكر السخاوي في ((الضوء اللامع))‏ ‏ في ترجمة الشيخ إبراهيم ابن محمد بن صدِّيق الحريري أنه لما ‏جاور بمكة والمدينة، أقرأ البخاري أربع مرات بالمدينة، وبمكة أزيد من عشرين مرة.‏
‏* إقراء ((المدوَّنة)) كل شهرين مرة.‏
وجاء في ((ترتيب المدارك))‏ ‏ للقاضي عياض في ترجمة يحيى ابن هلال القرطبي ت (367): أنه ‏كان مقصودًا في السماع، دؤوبًا عليه، لم يُرَ في المحدّثين أصبر منه على المواظبة لذلك، كان يجلس كل يومٍ ‏لاستماع ((المدوَّنة)) من الظهر إلى الليل، فيستوعب قراءتها كل شهرين، تمادى على ذلك عمره.‏
‏* درَّس ((التذكرة)) (40) مرة.‏
قال محمد بن محمد بن زَبَارة في ((مُلْحق البدر الطالع))‏ ‏ عن القاضي إدريس بن جابر العَيْزَرِي ‏اليمني: أنه درَّس كتاب ((التذكرة)) زيادة على أربعين مرة.‏
‏* إقراء عددٍ من الكتب مراتٍ عديدة.‏
وجاء في ترجمة العلامة المحدِّث أبي عبدالله محمد التاودي ابن سودة المرِّي الفاسي ت (1209) من ‏كتاب ((فِهْرس الفهارس))‏ ‏ للكتاني أنه:‏
كان مُثابرًا على إقراء ((صحيح البخاري)) حتى جاوزت ختماتُه الأربعين مرة، فلم يكن يدعه، لا ‏سيما في شهر رمضان، يفتتحه في أول يومٍ منه، ويختمه آخره. وله عليه حاشية تسمَّى بـ ((زاد المجد ‏الساري)) نحو أربع مجلدات.‏
وأقرأ ((الألفية)) في النحو نحوًا من ثلاثين مرَّة، وربما أقرأها في الشهر الواحد بَدْءًا وخَتْمًا.‏
وأقرأ ((مختصر خليل)) نحو ثلاثين مرة.‏
أمَّا ((الآجُرُّمِيَّة))، فلم يزل يُقرئها خصوصًا للصِّغار من أعقابه وأبناء أه المودَّة إلى وفاته)) اهـ.‏
‏* إلقاء المختصرات في أقْصَر مُدَّة.‏
وقد كان بعضُ العلماء لمزيد اعتنائهم ببعض الكتب، وممارستهم لها يُلقونها دروسًا في أسرعِ وقتٍ ‏وأقصرِ مُدة، مع مزيد المثابرة والجهد، فمن ذلك:‏
‏* درَّس ((المدوَّنة)) في شهر.‏
ذكر القاضي عِياض في ((المدارك))‏ ‏: في ترجمة أبي إسحاق الجبنياني -أحد الأئمة- ت (369) ‏أنه قال: لقد كنا نجتمع، ولقد ألقينا ((المدوَّنة)) في شهر، ندرس النهار ونُلْقي الليل، فما علمتُ أنا نِمْنا ذلك ‏الشهر.‏
‏* إلقاء ((الحاوي)) مرات في شهر.‏
ففي ترجمة الإمام العلامة المفتي علي بن عبدالله بن أبي الحسن التِّبْريزي الشافعي ت (746) من ‏كتاب: ((أعيان العصر))‏ ‏ عن ابن رافع السَّلاَّمي‏ ‏ أنه (أي: التِّبريزي) أقرأ ((الحاوي)) للماوردي كُلَّه ‏في نِصف شهر.‏
ثم قال الصفديُّ: وسمعتُ غيرَ واحدٍ من المصريين أنه أقرأ ((الحاوي)) من أوَّله إلى آخره في شهرٍ واحدٍ ‏تِسْع ‏ مرَّات.‏
‏* إلقاء ((الحاوي)) في أيامٍ يسيرة.‏
قال الحافظ ابن حَجَر العسقلاني في ((المجمع المؤسِّس))‏ ‏ في ترجمة شيخه سراج الدين عمر بن ‏رسلان البُلْقيني ت (805): ((ذكر لي ولده قاضي القضاة جلال الدين أنه كان يُلْقي ((الحاوي)) دروسًا في ‏أيامٍ يسيرةٍ، من أغربها أنه ألقاه في ثمانية أيامٍ)) اهـ.‏
جاء في ((فهرس الفهارس))‏ ‏ -أيضًا- في ترجمة أبي رأس المُعَسْكري محمد بن أحمد بن عبدالقادر ‏الجزائري ت (1239): أنه كان مُتْقِنًا لجميع العلوم عارفًا بالمذاهب الأربعة، مُحقِّقًا لمذهب مالكٍ غايةً، لا ‏سيما ((مختصر خليل))، فَلَهُ فيه الملَكة التامة، بحيث يُلْقيه على طلَبته في أربعين يومًا، و((الخلاصة)) في عشرة ‏أيامٍ.‏

الفصل السادس
في نسخ الكتب وما تحمَّلوه في ذلك


عاش أكثر أهل العلم في سالف الدهر وآنِفِه عِيْشةَ الكفاف، فلم يكن همهم جمع المال ولا طلب ‏الدنيا، ورُزقوا من القناعة ما أورثم غِنَى النفسِ، فكان أحدهم غنيًّا من غير مال، عزيزًا من غير حَمِيَّة ولا ‏عَشِيرة، وكانت تلك المعيشة خير مُعِينٍ لهم على الانجماع في طلب العلم وعدم الالتفات إلى غيره، لأنه لا يقبل ‏الشركة.‏
ولما كان حالُهم كذلك = لم يكن لهم ما يستطيعون به اقتناء ما يحتاجون إليه من كتب وأسفار، ولم ‏يكن لديهم ما يمكن به استئجار من ينسخ، فكانوا إما أن يستعيروا الكتب ‏ أو ينسخوها بأنفسهم.‏
هذا عدا ما يكتبونه من تأليفهم الخاصة، كما نسخ الحافظ المزِّي كتابيه الضخمين (تحفة الأشراف، ‏وتهذيب الكمال) بيده أكثر من مرَّة ، وفعل الذهبيُّ الأمرَ نفسِه في أضخم كتبه (تاريخ الإسلام، وسير ‏النبلاء) وغيرها، وهكذا.‏
وربما افتقر العالم فباع نسخته التي بخطه، كما وقع لأبي علي الجياني(‏ ‏)، وللمزي ‏ وغاير ‏واحد.‏
والناظر في تراجمهم وسيرهم يعلم مقدار ما بذلوه من أوقات طويلة، وجهود جبارة، وصبر جميل في ‏نسخ الكتب الكبار، والجوامع الضخمة، التي ينوء بنسخ أقلها اليوم الطالب المُجِدّ، فإلى نماذج منها:‏
قال السَّهْمي في ((تاريخ جرجان))‏ ‏: سمعتُ أبا بكر الإسماعيلي وأبا أحمد بن عدي يقولان: ‏إسماعيل بن زيد (صاحبُ حديثٍ جوَّال) كان يكتب في ليلةٍ سبعين ورقة بخطٍّ دقيق.‏
وذكر ابن رجب في ((الذيل على طبقات الحنابلة))‏ ‏ في ترجمة عبدالوهاب الأنماطي الحافظ عن ‏ابن السمعاني أنه قال عنه: ((جمع الفوائد، وخرَّج التخاريج، لعله ما بقي جزءٌ مرويٌّ إلا وقد حصَّلَ نُسْخَتَه. ‏ونسخ الكتب الكبار مثل: ((الطبقات لابن سعد))، و((تاريخ الخطيب))، وكان متفرِّغًا للتحديث، إما أن يقرأ ‏عليه أو ينسخ شيئًا.‏
وفي ترجمة الحافظ عبدالقادر الرُّهاوي ت (612) من ((الذيل))‏ ‏ أنه: ((كتب بخطه الكثيرَ، من ‏الكتب والأجزاء، وأقام بدمشق بمدرسة ابن الحنبلي مدة، حتى نسخ ((تاريخ ابن عساكر))، وسمعه عليه)) ‏اهـ.‏
وفيه ‏ –أيضًا- في ترجمة أحمد بن عبدالدائم المقدسي ت (668): ((وكان يكتب خطًّا حسنًا، ‏ويكتب سريعًا، فكتب ما لا يوصَف كثرة من الكتب الكبار والأجزاء المنثورة لنفسه وبالأُجرة، حتى كان ‏يكتب في اليوم –إذا تفرَّغ- تسع كراريس أو أكثر، ويكتب –مع اشتغاله بمصالحه- الكراسين والثلاثة.‏
وكتبَ ((الخِرَقي)) في ليلة واحدة، وكتب ((تاريخ الشام)) لابن عساكر مرتين، و((المغني)) للشيخ ‏موفّق الدين مرَّات.‏
وذكر أنه كتب بيده ألْفَي مُجلَّدة، وأنه لازم الكتابة أزيد من خمسين سنة)) اهـ.‏
‏5 ـ وفي ((تذكرة الحفاظ)) ‏ للذهبي في ترجمة أبي عبدالله الحُمَيْدي الأندلسي ت (488): ‏‏((قال يحيى بن البناء: كان الحُميدي من اجتهاده ينسخ بالليل في الحرّ، فكان يجلس في إجَّانة ماءٍ ‏ يتبرَّد ‏به)) اهـ.‏
‏6 ـ وفي ((التذكرة))‏ ‏ –أيضًا- في ترجمة أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي ت (507): ‏وقال السِّلَفي: سمعتُ ابنَ طاهر يقول: كتبتُ ((الصحيحين)) و((سنن أبي داود)) سبع مرات بالأجرة، ‏و((سنن ابن ماجه)) عشر مراتٍ بالرَّي)) اهـ.‏
سبحان الله!! ينسخ هذه الكتب هذا العدد من المرات، ولو كُلِّف أحدنا قراءَتَها بنحو هذا العدد ‏لعجز، فلا قوَّة إلا بالله .‏
‏7 ـ وفي ((التذكرة))‏ ‏ –أيضًا- في ترجمة المؤتمن الساجي ت (507) أنه: ((أقام بهَرَاة نحو ‏عشر سنين، وقرأ الكثير، وكتب ((جامع الترمذي)) ست مرات، وكان فيه صَلَف وقناعة وعِفّة واشتغال بما ‏يعنيه)).‏
‏8 ـ وفي ((ذيل الطبقات))‏ ‏ لابن رجب في ترجمة أبي الفرج ابن الجوزي صاحب التصانيف ت ‏‏(597) أنه: ((كان لا يضيع من زمانه شيئًا، يكتب في اليوم أربع كراريس، ويرتفع له كل سنة من كتابته ما ‏بين خمسين مجلدًا إلى ستين .‏
وقال سِبْطُه ‏: ((إنه سمعه على المنبر في آخر عمره يقول: كتبتُ بإصبعيَّ هاتين ألفي مُجلَّدة)).‏
‏9 ـ وفي ((ترتيب المدارك))‏ ‏ للقاضي عياض، في ترجمة الإمام أبي بكرٍ الأبهري المالكي ت ‏‏(375) عن أبي القاسم الوهراني –أحد تلاميذه وله جزء في ترجمته- قال: ((سمعتُه يقول: كتبت بخطي ‏‏((المبسوط)) و((الأحكام)) لإسماعيل –القاضي المالكي-، وأسْمِعَة ابنِ القاسم وأشهبَ وابنِ وهبٍ، و((موطأ ‏مالك))، و((موطأ ابن وهب))، ومن كتب الفقه والحديث نحو ثلاثة آلاف جزءٍ بِخَطِّي، ولم يكن لي قط ‏شغل إلا العلم)) اهـ.‏
‏10 ـ وفي ((المدارك))‏ ‏ –أيضًا- في ترجمة سعيد بن خلف الله البصري قال: ((وكتب بيده ‏كثيرًا من الدواوين، قلَّما رأيتُ كتابًا مشهورًا في المذهب إلا وقع إليَّ بخطه، وسواءٌ ذلك من كتب التفسير أو ‏غيرها)) اهـ.‏
‏11 ـ وفي ترجمة محمد بن مُكَرَّم –بضم الميم وفتح الكاف وتشديد الرَّاء ثم ميم- المعروف بابن ‏منظور صاحب ((لسان العرب)) أنه: اختصر كتبًا كثيرة، من المطوّلات وغيرها.‏
فاختصر ((تاريخ بغداد))، و((ذيله)) لابن النجار، و((تاريخ دمشق)) لابن عساكر، و((مفردات ابن ‏البيطار))، و((الأغاني)) –ورتبه على الحروف- و((زهر الآداب)) للحُصْري، و((الحيوان)) للجاحظ، ‏و((اليتيمة)) للثعالبي، و((الذخيرة)) لابن بسَّام، و((نشوار المحاضرة)) للتنوخي.‏
وكتب بخطه شيئًا كثيرًا، ترك منه بعد موته خمس مئة مجلَّد.‏
قال ابن فضل الله العمري: إنه لم يزل يكتب ويسهر الليل في الكتابة حتى كان يقضي الليالي الطوال ‏كلها سهرًا، لا يلم فيها بِكَرَى، ولا يطعم عينه فيها بِهَجْعَة. وكان يتخذ إلى جانبه إناءً فيه ماء، فإذا غلبه ‏السَّهَر، وكاد يصرعه الكرى = أخذَ من الماء فَسَكب في عينيه، فَعَمِيَ في آخر عمره.‏
‏12 ـ وفي ((الرد الوافر))‏ ‏ لابن ناصر الدين الدمشقي، لما ذكر محمد بن إبراهيم ابن المهندس ‏قال: ((كتب الكثير ورحل ودأب... ونسخ ((تهذيب الكمال))‏ ‏ تأليف المِزِّي مرتين، ونسخ كتاب ‏‏((الأطراف))‏ ‏ –تحفة الأشراف- للمِزِّي –أيضًا- بخطِّه الواضح الحسن)) اهـ.‏
‏13 ـ ذكر أبو سعد السمعاني في ((التحبير في المعجم الكبير))‏ ‏ –وهو من عجيب ما رآه- في ‏ترجمة أبي عبدالله الحسين بن أحمد البيهقي أنه اتفق أن لحقته عِلَّة، ((فَقُطِعت أصابعه العشر، ولم يبقَ له إلا ‏الكفَّان فحسب، ومع هذا كان يأخذ القلمَ بكفَّيْه ويضع الكاغِدَ على الأرض، ويُمسكه بِرِجْل، ويكتب بكفيه ‏خطًّا حسنًا مقروءًا مبينًا، وربما كان يكتب في كل يومٍ خمس طاقات ‏ من الكاغد، وهذا من عجيب ما ‏رأيته)) اهـ.‏
‏14 ـ وفي ((التحبير))‏ ‏ –أيضًا- في ترجمة أبي محمد الخواري أنه كان فقيهًا مفتيًا، سريع القلم، ‏نسخ بخطه ((المذهب الكبير))‏ ‏ للجويني أكثر من عشرين مرَّة، وكان يكتبه ويبيعه.‏
‏15 ـ وذكر النووي في ((بستان العارفين))‏ ‏ عن شيخه أبي إسحاق إبراهيم بن عيسى المراوي ‏قال: سمعتُ الشيخ عبدالعظيم –المنذري- رحمه الله يقول:‏
كتبتُ بيدي تسعينَ مجلَّدةً، وكتبت ‏ سبع مئة جُزْءٍ، كلُّ ذلك من علوم الحديث، تصنيفٍ وغيرِه، ‏وكتب من مصنفاته وغيرها أشياء كثيرة.‏
قال المراوي: ولم أرَ ولم أسمع أحدًا أكثر اجتهادًا منه في الاشتغال، كان دائم الاشتغال في الليل ‏والنهار.‏
‏16 ـ ذكر الصفدي في ((أعيان العصر))‏ ‏ في ترجمة العلامة شهاب الدين النُّوَيري ت (733) ‏أنه: ((كتب كثيرًا، كتب ((البخاري)) مرّاتٍ، كتبه ثماني مرات، وكان يكتب النسخة ويقابلها، وينقل الطِّباق ‏عليها ويجلدها، ويبيعها بسبع مئة درهم وبألف.‏
وكان يكتب في النهار الطويل ثلاث كراريس، … وجمع تاريخًا كبيرًا ‏ في ثلاثين مجلدة، رأيتُه ‏بخطِّه)) اهـ.‏
‏17 ـ وذكر في ((أعيان العصر))‏ ‏ –أيضًا- في ترجمة أحمد بن محمد بن أبي المواهب ت ‏‏(723) قال: ((قيل: إنه كتب خمس كراريس في يومٍ، وهذا أمر قلَّ أن يُعْهد في قوم)).‏
هذا فيض من غيض، وقليل من كثير، فقد اجتمع عندي أخبارٌ من هذا النمط لو نَثَرْتُها لملأت ‏صفحات وصفحات.‏
ولولا أن يُظنَّ بنا غُلُوّ لَزِدْنا في المقالِ مَن اسْتَزَادا
لكني لا أحب أن أُفوِّت الفائدة على القارىء، فرأيت أن أشير إلى مواضع ذلك في مصادره دون ‏ترتيبٍ.‏
‏((البدر الطالع)): (1/ 106، 357، 420) (2/ 94)، ((ملحق البدر الطالع)): (2/ 83)، ‏‏((السير)): (16/ 248)، (23/ 248)، ((أعيان العصر)): (1/ 48، 169، 170، 415)، ((إشارة ‏التعيين)): (ص/ 43)، ((الجواهر والدرر)): (1/ 107)، ((معرفة القراء الكبار)): (1/ 265)، ((الطبقات ‏السنية)): (3/ 71)، ((المقفى)): (7/ 417)، ((ذيل التقييد)): (1/ 178)، ((التحبير في المعجم ‏الكبير)): (1/ 390، 590)، (2/ 134).‏
‏* * *‏

الفصل السابع
إيقاظات وتنبيهات


الأول: ما هي العلوم التي ينبغي التبحُّر فيها؟
لا شك أن الناس قدرات ومواهب، فينبغي للإنسان أن ينظر بعين البصيرة فيما يمكن أن يحسنه ويُبْدع ‏فيه (وقيمة كل امرىءٍ ما يحسنه)، فيكرَّس فيه جهدَه ويستنفد فيه وُسْعَه، ويكون مع ذلك ذا همة عالية، فإن ‏‏((من شَغَلَ نفسَه بأدنى العلوم وتركَ أعلاها –وهو قادر عليه-، كان كزارع الذُّرَة في الأرض التي يجود فيها ‏البُرُّ، وكغارس الشَّعْراء ‏ حيثُ يزكو النخل والزيتون)).‏
أمَّا ((من مال بطبعه إلى علمٍ ما –وإن كان أدنى من غيره- فلا يشغلها بسواه، فيكون كغارس ‏النارجيل ‏ بالأندلس، وكغارس الزيتون بالهند، وكلُّ ذلك لا يُنجب))، كما قال ابن حزم ‏ –رحمه ‏الله-.‏
لكن السؤال، ما هي أجلّ العلوم؟
أجل العلوم ما قرَّبك من خالقك، وما أعانك على الوصول إلى رضاه، وهذه هي علوم الكتاب ‏والسنة.‏
قال الحافظ ابن رجب –رحمه الله ‏-: ((فالذي يتعيَّن على المسلم الاعتناءُ به والاهتمامُ: أن يبحثَ ‏عمَّا جاء عن الله ورسوله ‏r، ثم يجتهد في فهم ذلك، والوقوف على معانيه، ثم يشتغل بالتصديق بذلك إن كان ‏من الأمور العِلْمية. وإن كان من الأمور العَمَلية، بذلَ وُسْعَه في الاجتهاد في فِعْل ما يستطيعه من الأوامر، ‏واجتناب ما يُنهى عنه، وتكون همته مصروفة بالكُلِّية إلى ذلك، لا إلى غيره.‏
وهكذا كان حالُ أصحاب النبيِّ ‏r‏ والتابعين لهم بإحسان في طلبِ العلم النافع من الكتاب والسنة)) ‏اهـ.‏
وقال الحافظ ابن حجر ‏ –رحمه الله في بيان المراد من العلم المطلوب التزود منه-: (([هو] الذي ‏يفيد معرفةَ ما يجب على المكلَّف من أمر عباداته ومعاملاته، والعلم بالله وصفاته، وما يجب له من القيام بأمره، ‏وتنزيهه عن النقائص، ومدار ذلك على التفسير والحديث والفقه)) اهـ.‏
وعلى هذا النحو تدور عبارات الأئمة في بيان العلم النافع الذي ينبغي التبحُّر فيه، والحرص عليه، ‏والاستكثار منه ، فلا نطيل بنقل نصوصهم .‏
وينبغي أن ننبِّه هنا إلى أن اكتمال الملكة في العلوم السابقة الذكر (علوم المقاصد) مرهونٌ باكتمال ‏الفهم والاستيعاب لعدد من العلوم الآلية المساعدة، كعلوم العربية، وأصول الفقه، والمصطلح...، فبعض تلك ‏العلوم يجب تعلّمه وجوبَ الوسائل، إذ يتوقف فهم كلام الله ورسوله على فهم بعض مسائلها، فهي من ‏قبيل(ما لا يتم الواجب إلا به)، فهذا ما يجب، وأما ما لا يجب، فما لا تأثير له، وما لا ينبني عليه عمل، ولا ‏ريب أنه بمقدار أَخْذ العالمِ من العلوم المساعدة، وتمكنه منها –خاصَّة فيما يتوقَّف فهم الخطاب عليه، وليس من ‏الأبحاث المقررة أو التي هي فَضْلَة-، يكون أقدر على الاجتهاد والاستنباط ، فإن العلوم اخذٌ بعضها برقاب ‏بعضٍ ‏.‏
‏* * *‏

الثاني: الموازنة بين قراءة الكتب والأخذ عن الشيوخ
أَخْذ العلم له طريقان:‏
أحدهما: طريق المشافهة، وهو أخذه عن أهله العلماء به، وهذا هو الأصل الأصيل في تَلَقِّي العلوم، ‏وهذه طريقة السلف، قبل تدوين الكتب وبعدها، وليس هنا مجال الحديث عن هذه الطريقة.‏
الثانية: أخذه عن الكتب والمصنفات، وهي دواوين العلم وخزائنه. وهاهنا يُنبَّه إلى أمور:‏
لابُد من الموازنة والمزاوجة بين أخذ العلم من الكتب وأخذه من العلماء، فإن العلم وإن كان موْدعًا في بطون ‏الكتب، إلا أن مفاتِحَهُ بأيدي الرجال، كما في المقولة المشهورة ‏.‏
فلا أقلَّ من أخذ مختصر في كلِّ علمٍ على عالم به متخصِّص فيه ، فبعد أن يُحَصِّل الطالب قاعدةَ ‏الفن وأصوله ، فَلْيَبْنِ عليه حينئذٍ، مع التدرُّج والترقِّي بالقراءة في مطوَّلاته وشروحه، وليحرص مع ذلك ‏كلِّه على مُسَائلَةِ أهل الفن ومذاكرتهم، فإنه كما قال الإمام النووي ((مذاكرة حَاذِقٍ في الفنِّ ساعةَ أنفع من ‏المطالعة والحفظ ساعاتٍ بل أيَّامًا))‏ ‏.‏
ولا ينبغي للطالب أن يبالغ في مقدار القراءة والأخذ عن الشيوخ ليقيسَ نفسَه بما سلف من العصور، ‏إذ كان الشيخ والطالب في تفرُّغ تَامّ للقراءة والإقراء، مع قطع العلائق والعوائق، وتمام الأهلية من الجهتين، ‏وهذا من نقص العلم وقبضه، إذ قبضه بقبض العلماء، وإلا فالكتب أكثر انتشارًا وتداولاً من ذي قبل.‏
‏2 ـ ينبغي التمعُّن في اختيار المتن الذي يُرَاد حفظه أو درسه، ليكون مناسبًا للطَّالب من أغلب ‏الوجوه على الأقل، حتى لا ينتقل منه إلى غيره، فإن كثرة التنقل في الكتب دليل على ملل الطالب وعدم فلاحه ‏غالبًا.‏
‏3 ـ ليحرص الطالب أشدَّ الحرص على كتب المتقدمين والمحققين من أهل العلم، أما المتقدمين، ‏فواضح، وأمّا المحققين، فلا يخلو كلُّ عصر من قائم لله بحجة من أولئك العلماء المحققين ، أصحاب ‏التصانيف النافعة المحرَّرة، في كل الفنون الإسلامية، وتمتاز هذه الكتب بالتأصيل العلمي، وتدليل المسائل، ‏وتحريرها، والاعتناء بما يَنْبَني عليه عملٌ، والبعد عن المجادلات اللفظية، والمُمَاحكات الكلامية التي لا أثر لها في ‏العلم نفسِه، وهذه بعض الأمثلة من عصور مختلفة ليستدل بها على غيرها:‏
‏(كابن جرير (310)، والخطيب البغدادي (463)، وابن عبدالبر (463)، والبغوي (516)، ‏وابن قدامة (620)، والنووي (676)، وابن دقيق العيد (702)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (728)، وابن ‏القيم (751)، وابن كثير (774)، وابن رجب (795)، والعراقي (806)، والحافظ ابن حجر (852)، ‏وغيرهم ‏.‏
وعليه، فاحذر كتبَ أهل البدع والضلالة في القديم والحديث، قال شيخ الإسلام –رحمه الله- ‏‏((...ولهذا كُرِه لمن لا يكون له نقدٌ وتمييزٌ النظرَ في الكتب التي يَكثُر فيها الكذبُ في الرواية، والضلالة في ‏الآراء ككتب أهل البدع، وكُرِه تلقِّي العلم من القُصَّاص وأمثالهم، الذين يكثر الكذبُ في كلامهم، وإن كانوا ‏يقولونه صِدْقًا كثيرًا))‏ ‏ اهـ.‏
‏* * *‏

الثالث: التعرف على أنواع القراءة
من المفيد أن يتعرَّف الطالبُ على أنواع القراءة، ويُنمِّي قُدُراته ليكتسب المزيد من مهارات القراءة، ‏وفي ذلك بحوثٌ ودراسات كثيرة، ولكن ننبِّه هنا إلى أمور:‏
‏1 ـ لابد أوَّلاً من النظر في نوعية الكتاب المقروء، فليس كلُّ كتابٍ أستطيع أن أُطبِّق عليه قواعد ‏القراءة السريعة، فمثلاً كتب الفقه أو الأصول أو المصطلح لابدّ من قراءتها قراءةً متأنِّيَة، ليتمكن القارىء من ‏استيعابها وفهمها، فالقراءة هنا قراءة دَرْسٍ وفهم.‏
‏2 ـ إذا تمكّن الطالبُ من فنٍّ ما، وأَلَمَّ بجمهور مسائله واصطلاحاته، فلا حرج عليه حينئذٍ في قراءة ‏ما يستجد له من كتب الفن قراءةً سريعة، يلتقط فيها ما يجدّ له من مباحث وفوائد وغير ذلك، فتختلف ‏القراءة من شخصٍ إلى آخر بحسب التمكّن من الفن والمعرفة به، فليست قراءة المتخصِّص في الفقه لكتاب ‏‏((المغني)) مثلاً كقراءة غير المختصّ، وهكذا.‏
‏3 ـ كتب التاريخ والأدب والسير والتراجم والموسوعات الضخمة، وكتب المعارف العامة= هذا ‏الصنف من الكتب هو مادة الجَرْد، وموضوع القراءة السريعة، فيستطيع الطالب المُجِد أن يأتيَ على أكثر هذه ‏الكتب مُطالعةً، ‏ مع تدوين ما يعنّ له من فوائد ونكات ومباحث في غير مظانِّها. في أوراق خاصة (كما ‏سيأتي بعد قليل)، أما من تعانى هذا النوع من القراءة، وأراد تطبيقه على بعض الكتب الدسمة والمراجع الأصيلة ‏المهمة، مثل: ((التمهيد))، و((فتح الباري))، و((تاج العروس))، و((تفسير القرطبي))، و((أضواء البيان))، ‏وغيرها، فلن يخرج بالفائدة التي كان يرجوها، فلهذا النوع من الكتب نوع خاص من القراءة.‏
‏* * *‏

الرابع: تقييد الفوائد
إذا انخرط الطالبُ في سِلْك القُرَّاء وانضم إلى ناديهم، فلا بُدَّ له من استثمار قراءته وتوظيفها، ليجنيَ ‏منها ما تمنَّى، ولا يضيع تعبه سدى، ولا طريقة أنفع ولا أنجع لتحقيق ذلك من الكتابة والتقييد. فيقيد الفائدة ‏المستجادة، والنقل العزيز، والتحرير المُدَلَّل، والترتيب المبتكر، وطرائف النقول والحِكَم، ودقائق الاستنباطات، ‏ولطائف الإشارات، والأشباه والنظائر، وغيرها.‏
فكلّ نوع من هذه الفوائد له في عقل الطالب الجاد وقَلْبه مكانه الخاصّ به اللائق بمثله، فمعرفة اقتناص ‏الفوائد شيء، وسرعة اقتناصها والاحتفاظ بها شيء ثانٍ، ثم معرفة توظيفها ووضعها في مكانها اللائق بها شيءٌ ‏ثالث، فإذا أجتمعت هذه الثلاثة استكملَ الطالبُ فوائدَ القراءة وجنى ثمرتَها.‏
قال الإمام النووي ‏ –وهو يرشد الطالب إلى تعليق النفائس والغرائب مما يراه في المطالعة أو ‏يسمعه من شيخه-: ((ولا يحتقرن فائدة يراها أو يسمعها في أيِّ فنٍّ كانت، بل يُبادِر إلى كتابتها، ثم يواظب ‏على مطالعة ما كتبه...)) اهـ.‏
وقال ‏ –أيضًا-: ((ولا يؤخِّر تحصيل فائدة –وإن قَلَّت- إذا تمكَّن منها، وإنْ أمِنَ حصولها بعد ‏ساعة، لأن للتأخيرِ آفاتٌ، ولأنه في الزمن الثاني يُحَصِّل غيرَها)) اهـ.‏
فهذه نصيحة غالية، ولَفْتَةٌ من إمام، فتمسَّك بها تُفْلِح.‏
فكم من عالمٍ أبدى أسَفَه وحَسْرَته على فوائد فاته تقييدُها فشردت، أو اتكل على حافظته فخانته ‏‏(والحفظ خوَّان)، فهذا الإمام ابنُ حجر (حافظ عصره) فاتَه تقييدُ شيءٍ من الفوائد فتأسَّف عليه، قال تلميذه ‏السخاوي في ((الجواهر والدرر))‏ ‏: ((أما التفسير، فكان فيه آيةٌ من آيات الله تعالى، بحيث كان يُظْهِر ‏التأسُّفَ في إهمال تقييد ما يقع له من ذلك مما لا يكون منقولاً... وفي أواخر الأمر صار بعض طلبته يعتني ‏بكتابة ذلك)).‏
وصدق القائل: ((وكم حَسَراتٍ في بطونِ المقابرِ)).‏
وأنت إذا نظت في سِيَر العلماء، وكيف حرصهم على اغتنام الزمان وتقييد الفوائد رأيتَ عجبًا!.‏
‏* فهذا الإمام البخاري –رحمه الله- (جَبَلُ الحِفْظ) يستيقظ مراتٍ كثيرة في الليل ليُقَيِّد الفوائد، قال ‏راويته الفَرَبري: ((كنت مع محمد بن إسماعيل بمنزله ذات ليلةٍ، فأحصيت عليه أنه قام وأسْرَجَ يستذكر أشياءَ ‏يُعلِّقها في ليلةٍ ثمان عشرة مرَّة))‏ ‏.‏
‏* وهذا الإمام الشافعي (204) يحكي عنه صاحبُه الحُمَيْديُّ –لمَّا كانا بمصر- أنه كان يخرج في بعض ‏الليالي فإذا مصباح منزل الشافعي مُسْرج، فيصعد إليه ((فإذا قِرْطاس ودَوَاة، فأقول: مَهْ يا أبا عبدالله! فيقول: ‏تفكّرت في معنى حديث –أو في مسألة- فخِفْت أن يذهب عَلَيَّ، فأمرت بالمصباح وكتبته))‏ ‏.‏
‏* وقد مرَّ معنا خبر أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي، فلا نعيدُه‏ ‏.‏
‏* وذكر ابنُ الأبَّار الحافظُ في ((معجم أصحاب الصدفي))‏ ‏ في ترجمة العلاَّمة أبي القاسم ابن ورد ‏التميمي (540) أنه كان لا يُوْتى بكتابٍ إلا نظر أعلاه وأسفله، فإن وجد فيه فائدة نقلَها في أوراق عنده، ‏حتى جمع من ذلك موضوعًا.‏
‏* وذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة الإمام الزركشي (794) صاحب ((البحر المحيط)) وغيره ‏ ‏أنه كان يتردد إلى سوق الكتب، فإذا حضره أخَذَ يُطَالع في حانوت الكتبي طول نهاره، ومعه ظهور أوراق ‏يُعلِّق فيها ما يعجبه، ثم يرجع فينقله إلى تصانيفه.‏
وقد دوّن كثير من العلماء هذه الفوائد في كتب مفردة، مثل: ((الفنون)) لابن عقيل وهو من أضخم ‏الكتب، و((الفوائد العونية)) للوزير ابن هبيرة، و((صيد الخاطر)) وغيره لابن الجوزي، و((قيد الأوابد)) في ‏‏(400 مجلد) للدعولي، و((عيون الفوائد)) لابن النجار في (6 أسفار)، و((بدائع الفوائد)) و((الفوائد)) لابن ‏القيم، و((التذكرة)) للكندي في (50 مجلدًا)، و((مجمع الفوائد ومنبع الفرائد)) للمقريزي كالتذكرة له في نحو ‏‏(100 مجلد)‏ ‏ وتذكرة السيوطي في أنواع الفنون في 50 مجلدًا، وتذكرة الصفدي في مجلدات كثيرة أكثر ‏من (30) منها أجزاء مخطوطة. وغيرها كثير.‏
ولا يتوهَّمنَّ أحدٌ لاجل ثنائنا وإشادتنا بتقييد العلم وتدوين الفوائد، أنَّا نُقلِّل من أهمية الحفظ ونحط من ‏شأنه، كلاَّ، إذ لا تعارض بينهما بحمد الله تعالى، وهل من ذكرنا خبرهم –قريبًا- في حِرصهم على التقييد... ‏إلا من أكابر الحفَّاظ!!.‏
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.‏
‏* * *‏

فهرس المصادر


‏- أ -‏
‏1 ـ آداب الشافعي ومناقبه، لابن أبي حاتم الرازي، تحقيق عبدالغني عبدالخالق، دار الكتب العلمية.‏
‏2 ـ أدب الدنيا والدين، للماوردي، تحقيق شريف سكر ورفيقه، دار إحياء العلوم.‏
‏3 ـ الأدب المفرد، للبخاري، دار الكتب العلمية.‏
‏4 ـ إرشاد الأريب في معرفة الأديب، لياقوت الحموي، تحقيق مرجليوث، دار إحياء التراث العربي.‏
‏5 ـ أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض، للمقّري، طبع المغرب.‏
‏6 ـ إشارة التعيين في طبقات النحاة واللغويين، لعبدالباقي اليماني، تحقيق عبدالمجيد دياب، مؤسسة الملك ‏فيصل الخيرية.‏
‏7 ـ أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن، للأمين الشنقيطي، مكتبة ابن تيمية.‏
‏8 ـ الأعلام، للزركلي، دار العلم للملايين.‏
‏9 ـ إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم، دار الجيل.‏
‏10 ـ الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ، للسخاوي، تحقيق فرانز روزنثال، مؤسسة الرسالة.‏
‏11 ـ أعيان العصر وأعوان النصر، للصفدي، تحقيق علي أبو زيد ورفاقه، دار الفكر ومركز جمعة ‏الماجد.‏
‏12 ـ إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض، تحقيق يحيى إسماعيل، دار الوفاء.‏
‏13 ـ أنا، للعقاد، المكتبة العصرية.‏
‏14 ـ إنباء الغمر بأبناء العمر، للحافظ ابن حجر، دائرة المعارف العثمانية.‏
‏15 ـ إنباه الرواة على أنباء النحاة، للوزير القِفطي، تحقيق أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي ‏ومؤسسة الكتب الثقافية.‏
‏16 ـ الأنساب، للسمعاني، دار الجنان.‏

‏- ب -‏
‏17 ـ البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، للشوكاني، مكتبة ابن تيمية.‏
‏18 ـ بستان العارفين، للنووي، دار البشائر.‏
‏19 ـ بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، للسيوطي، تحقيق أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية.‏
‏20 ـ البيان والتبيُّن، للجاحظ، تحقيق عبدالسلام هارون، مصورة دار الفكر.‏

‏- ت -‏
‏21 ـ تاج العروس من جواهر القاموس، للزبيدي، مصورة عن طبعة بولاق.‏
‏22 ـ تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، للذهبي، تحقيق عمر عبدالسلام تدمري، دار الكتاب ‏العربي.‏
‏23 ـ تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، دار الكتب العلمية.‏
‏24 ـ تاريج جرجان، للسهمي، تحقيق عبدالرحمن المعلمي، دار الجيل.‏
‏25 ـ تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار، للجبرتي، دار الجيل.‏
‏26 ـ التبرك أنواعه وأحكامه، للجديع، مكتبة الرشد.‏
‏27 ـ تبيين كذب المفتري على أبي الحسن الأشعري، لابن عساكر، دار الكتاب العربي.‏
‏28 ـ التحبير في المعجم الكبير، للسمعاني، تحقيق منيرة ناجي سالم، العراق.‏
‏29 ـ تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف، للمزي، تحقيق عبدالصمد شرف الدين، المكتب الإسلامي والدار ‏القيمة.‏
‏30 ـ تذكرة الحفاظ، للذهبي، تحقيق المعلمي، دار إحياء التراث العربي.‏
‏31 ـ التراتيب الإدارية، لعبدالحي الكتاني، دار الكتاب العربي.‏
‏32 ـ ترتيب المدارك لمعرفة أعلام مذهب مالك، للقاضي عياض، وزارة الأوقاف بالمغرب.‏
‏33 ـ تغريب الألقاب العلمية، لبكر أبو زيد، دار الراية.‏
‏34 ـ تفسير الخازن، للخازن، دار الفكر.‏
‏35 ـ تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، دار المعرفة.‏
‏36 ـ تقييد العلم، للخطيب البغدادي، تحقيق يوسف العش، دار الوعي حلب.‏
‏37 ـ التقييد لرواة السنن والمسانيد، لابن نقطة، مصورة عن الهندية.‏
‏38 ـ التكملة لكتاب الصلة، لابن الأبَّار، دار المعرفة بالمغرب.‏
‏39 ـ التكملة لوَفَيات النقلة، للمنذري، تحقيق بشار عواد، مؤسسة الرسالة.‏
‏40 ـ تهذيب التهذيب، لابن حجر، دائرة المعارف العثمانية.‏
‏41 ـ توثيق النصوص وضبطها، لموفّق بن عبدالقادر، المكتبة المكية.‏
‏42 ـ ابن تيميَّة السَّلفي، لمحمد خليل الهراس، دار الكتب العلمية.‏

‏- جـ -‏
‏43 ـ جامع بيان العلم وفضله، لابن عبدالبر، تحقيق الزُّهيري، دار ابن الجوزي.‏
‏44 ـ جامع العلوم والحكم، لابن رجب الحنبلي، تحقيق شعيب الأرناووط ورفيقه، مؤسسة الرسالة.‏
‏45 ـ الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية، لعلي العمران، ومحمد عزير شمس، دار عالم الفوائد.‏
‏46 ـ الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم، دائرة المعارف العثمانية.‏
‏47 ـ الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي، للنهرواني، تحقيق الخولي وإحسان عباس، عالم ‏الكتب.‏
‏48 ـ جواهر العقدين في فضل الشرفين، للسمهودي، طبع العراق.‏
‏49 ـ الجواهر المضيَّة في طبقات الحنفية، للقرشي، تحقيق الحلو، مؤسسة الرسالة.‏
‏50 ـ الجواهر والدرر في ترجمة الحافظ ابن حجر، للسخاوي، طبعة مصر، وطبعة دار ابن حزم تحقيق ‏إبراهيم باجس.‏

‏- حـ -‏
‏51 ـ الحافظ ابن حجر أمير المؤمنين في الحديث، لعبدالستار الشيخ، دار القلم.‏
‏52 ـ الحث على طلب العلم والاجتهاد في جَمْعه، للعسكري، المكتب الإسلامي. ‏
‏53 ـ حلية طالب العلم، لبكر أبو زيد، دار الراية.‏
‏54 ـ الحيوان، للجاحظ، تحقيق عبدالسلام هارون، البابي الحلبي.‏

‏- خـ -‏
‏55 ـ خزائن الكتب العربية في الخافقين، لفيليب دي طرازي، طبع لبنان.‏
‏56 ـ خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، للمحبي، دار الكتاب الإسلامي.‏

‏- د -‏
‏57 ـ الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة، لابن حجر، تحقيق كرنكو.‏
‏58 ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للسيوطي، دار الكتب العلمية.‏
‏59 ـ درة الحِجَال في غرة أسماء الرجال، للمكناسي، تحقيق محمد الأحمدي أبو النور.‏

‏- ذ -‏
‏60 ـ الذكريات، لعلي الطنطاوي، دار المنارة بجدة.‏
‏61 ـ الذهبي ومنهجه في تاريخ الإسلام، لبشار عواد، مصر.‏
‏62 ـ ذيل تاريخ الإسلام، للذهبي، مخطوط نسخة ليدن.‏
‏63 ـ الذيل التام على دول الإسلام، للسخاوي، تحقيق إسماعيل مروة، دار العروبة الكويت.‏
‏64 ـ ذيل التقييد لرواة السنن والمسانيد، للفاسي، تحقيق محمد صالح المراد، جامعة أم القرى.‏
‏65 ـ ذيل الروضتين في أخبار الدولتين، لأبي شامة المقدسي، دار الجيل.‏
‏66 ـ الذيل على طبقات الحنابلة، لابن رجب، تحقيق الفقي، دار المعرفة.‏

‏- ر -‏
‏67 ـ رجال من التاريخ، لعلي الطنطاوي، دار المنارة جدة.‏
‏68 ـ الرحلة في طلب الحديث، للخطيب البغدادي، تحقيق نور الدين عتر، دمشق.‏
‏69 ـ رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، لمحمود شاكر، دار الخانجي.‏
‏70 ـ رسالة مداواة النفوس، لابن حزم، ضمن رسائل ابن حزم، تحقيق إحسان عباس، المؤسسة العربية.‏
‏71 ـ رسالة مراتب العلوم، لابن حزم، ضمن رسائل ابن حزم، تحقيق إحسان عباس، المؤسسة العربية.‏
‏72 ـ روح المعاني، للآلوسي، دار الفكر.‏
‏73 ـ روضة المحبين، لابن القيم، تحقيق أحمدعبيد، دار الكتب العلمية.‏

‏- ز -‏
‏74 ـ الزهد، للإمام أحمد، دار الكتب العلمية.‏

‏- س -‏
‏75 ـ السلوك في طبقات العلماء والملوك، للجندي، تحقيق محمد الأكوع، مكتبة الإرشاد.‏
‏76 ـ سنن الدارمي، للدارمي، تحقيق الازمرلي، دار الكتاب العربي.‏
‏77 ـ السياق لتاريخ نيسابور، لعبدالغافر الفارسي (مخطوط).‏
‏78 ـ سير أعلام النبلاء، للذهبي، مؤسسة الرسالة.‏
‏79 ـ شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لابن العماد، دار الفكر.‏
‏80 ـ شرح صحيح مسلم، للنووي، المطبعة المصرية.‏
‏81 ـ الشعر والشعراء، لابن قتيبة، دار الكتب العلمية.‏
‏82 ـ شواهد الإعجاز القرآني، لعودة أبو عودة، دار عمار والبيارق.‏

‏- ص -‏
‏83 ـ صحيح البخاري، للبخاري، مع الفتح.‏
‏84 ـ صحيح مسلم، لمسلم، البابي الحلبي.‏
‏85 ـ الصلة، لابن بشكوال، تحقيق الحسيني، دار الخانجي.‏
‏86 ـ صيد الخاطر، لابن الجوزي، طبعة دار الكتاب العربي، وطبعة دار اليقين تحقيق عبدالرحمن البر.‏

‏- ض -‏
‏87 ـ الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، للسخاوي، طبعة القدسي.‏

‏- ط -‏
‏88 ـ الطالع السعيد، للأدفوي، الدار المصرية للتأليف والترجمة.‏
‏89 ـ طبقات الحنابلة، لابن أبي يعلى، تحقيق حامد الفقي، دار المعرفة.‏
‏90 ـ الطبقات السنية في طبقات الحنفية، للتميمي، تحقيق الحلو، دار الرفاعي.‏
‏91 ـ طبقات الشافعية الكبرى، للسبكي، تحقيق الطناحي والحلو، البابي الحلبي.‏
‏92 ـطبقات علماء أفريقية وتونس، لأبي العرب التميمي، تحقيق علي الشابي، ونعيم الجافي، الدار ‏التونسية.‏
‏93 ـ طبقات فقهاء اليمن، للجعدي، تحقيق فؤاد السيد، دار القلم.‏
‏94 ـ طبقات المفسرين، للداوودي، تحقيق علي محمد عمر.‏

‏- ع -‏
‏95 ـ العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، لابن عبدالهادي، تصوير مكتبة المعارف ‏الطائف.‏
‏96 ـ العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، لابن الجوزي، دار الكتب العلمية.‏
‏97 ـ العلم، لأبي خيثمة، تحقيق الألباني، دار الأرقم.‏
‏98 ـ عمدة القاري بشرح صحيح البخاري، للعيني، المنيرية.‏
‏99 ـ عنوان الدراية، للغبريني، تحقيق عادل نويهض، دار الآفاق الجديدة.‏
‏100 ـ عنوان الزمان في تراجم الشيوخ والأقران، للبِقاعي، مخطوط نسخة كوبريلي.‏

‏- غ -‏
‏101 ـ الغنية، للقاضي عياض، تحقيق محمد بن عبدالكريم، الدار العربية للكتاب.‏

‏- ف -‏
‏102 ـ فتح الباري بشرح صحيح البخاري، دار الريان للتراث.‏
‏103 ـ فضل علم السلف على علم الخلف، لابن رجب، تحقيق العجمي، دار البشائر.‏
‏104 ـ الفضل المبين في شرح الأربعين، للقاسمي، تحقيق البيطار، دار النفائس.‏
‏105 ـ الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، للحجوي، دار الكتب العلمية.‏
‏106 ـ الفلاكة والمفلوكون، للدَّلجي، دار الكتب العلمية.‏
‏107 ـ الفنون الصغرى، لأبي عبدالرحمن بن عقيل الظاهري، النادي الأدبي بالطائف.‏
‏108 ـ الفوائد، لابن القيم، مكتبة دار البيان.‏
‏109 ـ فوائد تمام، لتمام الرازي، تحقيق حمدي السلفي، مكتبة الرشد.‏
‏110 ـ الفهرس الشامل للتراث العربي المخطوط، صدر عن جامعة آل البيت بالأردن.‏
‏111 ـ فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات، للكتاني، تحقيق إحسان ‏عباس، دار الغرب.‏

‏- ق -‏
‏112 ـ القبس الحاوي لدرر ضوء السخاوي، للشماعي، تحقيق إسماعيل مروة، دار صادر.‏
‏113 ـ قطف الثمر في رفع أسانيد المصنفات في الفنون والأثر، للفُلاَّني، تحقيق عامر صبري، دار ‏الشروق جدة.‏
‏114 ـ قواعد التحديث، للقاسمي، دار الكتب العلمية.‏

‏- ك -‏
‏115 ـ الكتاب في الحضارة الإسلامية، ليحيى الجبوري، دار الغرب.‏
‏116 ـ الكشاف، للزمخشري، دار المعرفة.‏
‏117 ـ كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، لحاجي خليفة، دار الكتب العلمية.‏
‏118 ـ الكواكب السائرة في أعيان المئة العاشرة، للغزي، دار الكتب العلمية.‏

‏- ل -‏
‏119 ـ لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ، لابن فهد، دار إحياء التراث العربي.‏
‏120 ـ لمحات من تاريخ الكتب والمكتبات، لعبدالستار الحلوجي، دار الثقافة.‏

‏- م -‏
‏121 ـ مجلة المجمع العلمي الهندي، الهند.‏
‏122 ـ مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للهيثمي، مؤسسة المعارف.‏
‏123 ـ المجمع المؤسِّس للمعجم المفهرس، لابن حجر، تحقيق يوسف المرعشلي، دار المعرفة.‏
‏124 ـ المجموع، للنووي، دار الفكر.‏
‏125 ـ محاسن التأويل، للقاسمي، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، دار الفكر.‏
‏126 ـ مختصر طبقات علماء الحديث لابن عبدالهادي، تحقيق إبراهيم الزيبق ورفيقه، مؤسسة الرسالة.‏
‏127 ـ المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل، لابن بدران، تحقيق التركي، مؤسسة الرسالة.‏
‏128 ـ المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل، لبكر أبو زيد، دار العاصمة.‏
‏129 ـ المرقبة العُلْيا فيمن يستحق القضاء والفتيا لأبي الحسن المالقي، المكتب التجاري للطباعة.‏
‏130 ـ مسائل في طلب العلم وأقسامه، للذهبي، ضمن ست رسائل للذهبي، تحقيق جاسم الدوسري، ‏الدار السلفية.‏
‏131 ـ المستدرك على الصحيحين، للحاكم، دائرة المعارف العثمانية.‏
‏132 ـ المسند، للإمام أحمد، المكتب الإسلامي.‏
‏133 ـ مسند الشاميين، للطبراني، تحقيق حمدي السلفي، مؤسسة الرسالة.‏
‏134 ـ مشيخة أبي المواهب الحنبلي، لأبي المواهب، تحقيق محمد مطيع الحافظ، دار الفكر.‏
‏135 ـ المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، لابن حجر، دار الوطن.‏
‏136 ـ معجم أصحاب أبي علي الصدفي، لابن الأبار، دار صادر.‏
‏137 ـ المعجم الأوسط، للطبراني، تحقيق الطحان، مكتبة المعارف الرياض.‏
‏138 ـ معجم البلدان، لياقوت الحموي، دار إحياء التراث.‏
‏139 ـ معجم الشيوخ، للذهبي، تحقيق محمد الهيلة، مكتبة الصديق.‏
‏140 ـ المعجم الكبير، للطبراني، تحقيق حمدي السلفي، العراق.‏
‏141 ـ معرفة القراء الكبار، للذهبي، تحقيق أحمد خان، مؤسسة الملك فيصل الخيرية.‏
‏142 ـ مفتاح دار السعادة، لابن القيم، تحقيق علي عبدالحميد، دار ابن عفان.‏
‏143 ـ المفهم على صحيح مسلم، لأبي العباس القرطبي، دار ابن كثير، والكلم الطيب.‏
‏144 ـ المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة على الألسنة للسخاوي، دار الهجرة بيروت.‏
‏145 ـ المقفى الكبير، للمقريزي، تحقيق اليعلاوي، دار الغرب.‏
‏146 ـ ملء العيبة بما جُمع بطول الغَيْبة، لابن رُشيْد الفهري، تحقيق محمد بالخوجة، دار الغرب.‏
‏147 ـ ملحق البدر الطالع، لمحمد زبارة، مكتبة ابن تيمية.‏
‏148 ـ المنتظم في أخبار الملوك والأمم، لابن الجوزي، دار الكتب العلمية.‏
‏149 ـ منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيع والقدرية، لابن تيمية، تحقيق محمد رشاد سالم، ‏جامعة الإمام.‏
‏150 ـ الموافقات، للشاطبي، تحقيق مشهور حسن سلمان، دار ابن عفان.‏

‏- ن -‏
‏151 ـ نظم العقيان في أعيان الأعيان، للسيوطي، المكتبة العلمية.‏

‏- هـ -‏
‏152 ـ هجر العلم ومعاقله في اليمن، للقاضي إسماعيل الأكوع، دار الفكر.‏

‏- و -‏
‏153 ـ الوافي بالوفيات، للصفدي، نشر جمعية المستشرقين.‏
‏154 ـ الوفيات، لابن رافع السلامي، تحقيق صالح مهدي عباس ورفيقه، مؤسسة الرسالة.‏
‏155 ـ وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لابن خلكان، تحقيق إحسان عباس، دار الفكر.‏
‏* * *‏



يمكنك تحميل الكتاب من المُرفقات لسهولة قرائته , وحجم خط أكبر









بآرك الله فيك اخي
مجهود تشكر عليه

<center>شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .
</center>
ابداع والله ابداع



بارك الله فيك
مجهودك مشكور ولك مني كل الاحترام والتقدير ...
بارك الله فيك