منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


مميز السيرة النبوية (( كاملة ))

مميز فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع
(السيرة النبوية) كامله بدءاً من مولده وحتى وفاته صلى الله عليه وسلم





بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدي ودين الحق ليظهره على الدين كله، فجعلهشاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وجعل فيهأسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا‏.‏ اللهم صلوسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وفجّرلهم ينابيع الرحمة والرضوان تفجيرا‏.
وبعد:-

فسوف أقوم إن شاء الله بعرض السيرة النبوية كامله من مولده وحتى لحوقهبالرفيق الأعلى صلى الله عليه وسلم مستخرج تلك الأحداث والروايات من كتبالسيرة ‏ النبوي


فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
النشاط العسكري بعد صلح الحديبية




* غزوة الغابة أو غزوة ذي قَرَد‏‏ :

هذه الغزوة حركة مطاردة ضد فصيلة من بني فَزَارة قامت بعمل القرصنة في لِقَاحِ رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وهي أول غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الحديبية، وقبلخيبر‏.‏ ذكر البخاري في ترجمة باب أنها كانت قبل خيبر بثلاث، وروي ذلكمسلم مسنداً من حديث سلمة ابن الأكوع‏.‏ وذكر الجمهور من أهل المغازي أنهاكانت قبل الحديبية، وما في الصحيح أصح مما ذكره أهل المغازي‏.‏

وخلاصة الروايات عن سلمة بن الأكوع بطل هذه الغزوة أنه قال‏:‏ بعث رسولالله صلى الله عليه وسلم بظهره مع غلامه رَبَاح، وأنا معه بفرس أبي طلحة،فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على الظهر، فاستاقه أجمع،وقتل راعيه، فقلت‏:‏ يا رباح، خذ هذا الفرس فأبلغه أبا طلحة، وأخبر رسولالله صلى الله عليه وسلم، ثم قمت على أكَمَة، واستتقبلت المدينة، فناديتثلاثاً‏:‏ يا صباحاه، ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل وأرتجز،أقول‏:‏

‏[‏خُذْها‏]‏ أنا ابنُ الأكْوَع ** واليومُ يومُ الرُّضّع

فو الله ما زلت أرميهم وأعقر بهم، فإذا رجع إلى فارس جلست في أصل الشجر،ثم رميته فتعفرت به، حتى إذا دخلوا في تضايق الجبل علوته، فجعلت أرديهمبالحجارة، فما زلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله تعالى من بعير من ظهر رسولالله صلى الله عليه وسلم إلا خلفته وراء ظهري، وخلوا بيني وبينه، ثماتبعتهم أرميهم، حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة، وثلاثين رمحاً يستخفون،ولا يطرحون شيئاً إلا جعلت عليه آراماً من الحجارة، يعرفها رسول الله صلىالله عليه وسلم وأصحابه‏.‏ حتى أتوا متضايقاً من ثَنِيَّةٍ، فجلسوايتغدون، وجلست على رأس قَرْن، فصعد إلى منهم أربعة في الجبل، قلت‏:‏ هلتعرفونني‏؟‏ أنا سلمة بن الأكوع، لا أطلب رجلاً منكم إلا أدركته، ولايطلبني فيدركني، فرجعوا‏.‏ فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله صلىالله عليه وسلم يتخللون الشجر، فإذا أولهم أخرم، وعلى أثره أبو قتادة،وعلى أثره المقداد بن الأسود، فالتقي عبد الرحمن وأخرم، فعقر بعبد الرحمنفرسه، وطعنه عبد الرحمن فقتله، وتحول على فرسه، ولحق أبو قتادة بعبدالرحمن فطعنه فقتله، وولي القوم مدبرين، فتبعتهم أعدو على رجلي، حتىيعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له‏:‏ ذو قَرَد، ليشربوا منه،وهم عطاش، فأجليتهم عنه، فما ذاقوا قطرة منه، ولحقني رسول الله صلى اللهعليه وسلم والخيل عشاء، فقلت‏:‏ يا رسول الله، إن القوم عطاش، فلو بعثتنيفي مائة رجل استنقذت ما عندهم من السَّرْح، وأخذت بأعناق القوم، فقال‏:‏‏(‏يا بن الأكوع‏.‏ ملكت فأسجح‏)‏، ثم قال‏:‏ ‏(‏إنهم ليقرون الآن فيغطفان‏)‏‏.‏

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏خير فرساننا اليوم أبو قتادة،وخير رجالتنا سلمة‏)‏‏.‏ وأعطاني سهمين، سهم الراجل وسهم الفارس، وأردفنيوراءه على العَضْبَاء راجعين إلى المدينة‏.‏

استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة في هذه الغزوة ابن أم مكتوم، وعقد اللواء للمقداد بن عمرو‏.‏


* غزوة خيبر ووادي القُري (‏في المحرم سنة 7 ه‏)‏ :

كانت خيبر مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على بعد ثمانين ميلا من المدينة في جهة الشمال، وهي الآن قرية في مناخها بعض الوخامة‏.‏

* سبب الغزوة‏ :

ولما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقوي أجنحة الأحزاب الثلاثة،وهو قريش، وأمن منه تماماً بعد صلح الحديبية أراد أن يحاسب الجناحينالباقيين اليهود وقبائل نجد حتى يتم الأمن والسلام، ويسود الهدوء فيالمنطقة، ويفرغ المسلمون من الصراع الدامي المتواصل إلى تبليغ رسالة اللهوالدعوة إليه‏.‏

ولما كانت خيبر هي وكرة الدس والتآمر ومركز الاستفزازات العسكرية، ومعدنالتحرشات وإثارة الحروب، كانت هي الجديرة بالتفات المسلمين أولا‏.‏

أما كون خيبر بهذه الصفة، فلا ننسي أن أهل خيبر هم الذين حزبوا الأحزاب ضدالمسلمين، وأثاروا بني قريظة على الغدر والخيانة، ثم أخذوا في الاتصالاتبالمنافقين الطابور الخامس في المجتمع الإسلامي وبغطفان وأعراب الباديةالجناح الثالث من الأحزاب وكانوا هم أنفسهم يتهيأون للقتال، فألقواالمسلمين بإجراءاتهم هذه في محن متوصلة، حتى وضعوا خطة لاغتيال النبي صلىالله عليه وسلم، وإزاء ذلك اضطر المسلمون إلى بعوث متواصلة، وإلى الفتكبرأس هؤلاء المتآمرين، مثل سلام بن أبي الحُقَيْق، وأسِير بن زارم، ولكنالواجب على المسلمين إزاء هؤلاء اليهود كان أكبر من ذلك، وإنما أبطأوا فيالقيام بهذا الواجب ؛ لأن قوة أكبر وأقوي وألد وأعند منهم وهي قريش كانتمجابهة للمسلمين، فلما انتهت هذه المجابهة صفا الجو لمحاسبة هؤلاءالمجرمين، واقترب لهم يوم الحساب‏.‏

* الخروج إلى خيبر‏ :

قال ابن إسحاق‏:‏ أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين رجع منالحديبية ذا الحجة وبعض المحرم، ثم خرج في بقية المحرم إلى خيبر‏.‏

قال المفسرون‏:‏ إن خيبر كانت وعدا وعدها الله تعالى بقوله‏:‏‏{‏وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَلَكُمْ هَذِهِ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 20‏]‏ يعني صلح الحديبية، وبالمغانم الكثيرةخيبر‏.‏

* عدد الجيش الإسلامي‏‏ :

ولما كان المنافقون وضعفاء الإيمان تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليهوسلم في غزوة الحديبية أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم فيهمقائلاً‏:‏ ‏{‏سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَىمَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنيُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَاللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَايَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 15‏]‏‏.‏

فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج إلى خيبر أعلن ألا يخرجمعه إلا راغب في الجهاد، فلم يخرج إلا أصحاب الشجرة وهم ألف وأربعمائة‏.‏

واستعمل على المدينة سِبَاع بن عُرْفُطَةَ الغفاري، وقال ابن إسحاق‏:‏ نُمَيْلَة بن عبد الله الليثي، والأول أصح عند المحققين‏.‏

وبعد خروجه صلى الله عليه وسلم قدم أبو هريرة المدينة مسلماً، فوافي سباعبن عرفطة في صلاة الصبح، فلما فرغ من صلاته أتي سباعا فزوده، حتى قدم علىرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلم المسلمين فأشركوه وأصحابه فيسهمانهم‏.‏

* اتصال المنافقين باليهود‏‏ :

وقد قام المنافقون يعملون لليهود، فقد أرسل رأس المنافقين عبد الله بن أبيإلى يهود خيبر‏:‏ إن محمداً قصد قصدكم، وتوجه إليكم، فخذوا حذركم، ولاتخافوا منه فإن عددكم وعدتكم كثيرة، وقوم محمد شرذمة قليلون، عزّل، لاسلاح معهم إلا قليل، فلما علم ذلك أهل خيبر، أرسلوا كنانة بن أبي الحقيقوهَوْذَة بن قيس إلى غطفان يستمدونهم ؛ لأنهم كانوا حلفاء يهود خيبر،ومظاهرين لهم على المسلمين، وشرطوا لهم نصف ثمار خيبر إن هم غلبواالمسلمين‏.‏


* الطريق إلى خيبر‏ :

وسلك رسول صلى الله عليه وسلم في اتجاهه نحو خيبر جبل عصر بالكسر، وقيل‏:‏بالتحريك ثم على الصهباء، ثم نزل على واد يقال له‏:‏ الرجيع، وكان بينهوبين غطفان مسيرة يوم وليلة، فتهيأت غطفان وتوجهوا إلى خيبر، لإمداداليهود، فلما كانوا ببعض الطريق سمعوا من خلفهم حساً ولغطاً، فظنوا أنالمسلمين أغاروا على أهاليهم وأموالهم فرجعوا، وخلوا بين رسول الله صلىالله عليه وسلم وبين خيبر‏.‏

ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الدليلين اللذين كانا يسلكان بالجيشوكان اسم أحدهما‏:‏ حُسَيْل ليدلاه على الطريق الأحسن، حتى يدخل خيبر منجهة الشمال أي جهة الشام فيحول بين اليهود وبين طريق فرارهم إلى الشام،كما يحول بينهم وبين غطفان‏.‏

قال أحدهما‏:‏ أنا أدلك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل حتى انتهيإلى مفرق الطرق المتعددة وقال‏:‏ يا رسول الله، هذه طرق يمكن الوصول من كلمنها إلى المقصد، فأمر أن يسمها له واحداً واحداً‏.‏ قال‏:‏ اسم واحد منهاحزن، فأبي النبي صلى الله عليه وسلم من سلوكه، قال‏:‏ اسم الآخر شاش،فامتنع منه أيضاً، وقال‏:‏ اسم الآخر حاطب، فامتنع منه أيضاً، قال حسيل‏:‏فما بقي إلا واحد‏.‏ قال عمر‏:‏ ما اسمه‏؟‏ قال‏:‏ مَرْحَب، فاختار النبيصلى الله عليه وسلم سلوكه‏.‏


* بعض ما وقع في الطريق‏ :

1 عن سلمة بن الأكوع قال‏:‏ خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبرفسرنا ليلاً، فقال رجل من القوم لعامر‏:‏ يا عامر، ألا تسمعنا منهنيهاتك‏؟‏ وكان عامر رجلاً شاعراً فنزل يحدو بالقوم، يقول‏:‏

اللهم لولا أنت ما اهتدينا ** ولا تَصدَّقْنا ولا صَلَّينا

فاغفر فِدَاءً لك ما اقْتَفَيْنا ** وَثبِّت الأقدام إن لاقينا

وألْقِينْ سكينة علينا ** إنا إذا صِيحَ بنا أبينا

وبالصياح عَوَّلُوا علينا **

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من هذا السائق‏)‏ قالوا‏:‏ عامربن الأكوع، قال‏:‏ ‏(‏يرحمه الله‏)‏‏:‏ قال رجل من القوم‏:‏ وجبت يا نبيالله، لولا أمتعتنا به‏.‏

وكانوا يعرفون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستغفر لإنسان يخصه إلا استشهد ، وقد وقع ذلك في حرب خيبر‏.‏

2 وبالصهباء من أدني خيبر صلي النبي صلى الله عليه وسلم العصر، ثم دعابالأزواد، فلم يؤت إلا بالسَّوِيق، فأمر به فثري، فأكل وأكل الناس، ثم قامإلى المغرب، فمضمض، ومضمض الناس، ثم صلي ولم يتوضأ ، ثم صلي العشاء‏.‏

3 ولما دنا من خيبر وأشرف عليها قال‏:‏ ‏(‏قفوا‏)‏، فوقف الجيش، فقال‏:‏‏(‏اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، وربالشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية،وخير أهلها، وخير ما فيها، ونعوذ بك من شر هذه القرية، وشر أهلها، وشر مافيها، أقدموا، بسم الله‏)‏‏.

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
*الجيش الإسلامي إلى أسوار خيبر‏‏ :

وبات المسلمون الليلة الأخيرة التي بدأ في صباحها القتال قريبًا من خيبر،ولا تشعر بهم اليهود، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتي قومًا بليللم يقربهم حتى يصبح، فلما أصبح صلي الفجر بغَلَس، وركب المسلمون، فخرج أهلخيبر بمساحيهم ومكاتلهم، ولا يشعرون، بل خرجوا لأرضهم، فلما رأوا الجيشقالوا‏:‏ محمد، والله محمد والخَمِيس ، ثم رجعوا هاربين إلى مدينتهم، فقالالنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الله أكبر، خربت خيبر، الله أكبر، خربتخيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين‏)‏‏
.‏


* حصون خيبر‏‏ :

وكانت خيبر منقسمة إلى شطرين، شطر فيها خمسة حصون‏:‏

1 حصن ناعم‏.‏ 2 حصن الصَّعْب بن معاذ‏.‏

3 حصن قلعة الزبير‏.‏ 4 حصن أبي‏.‏

5 حصن النِّزَار‏.‏

والحصون الثلاثة الأولي منها كانت تقع في منطقة يقال لها‏:‏ ‏(‏النطاة‏)‏ وأما الحصنان الآخران فيقعان في منطقة تسمي بالشَّقِّ‏.‏

أما الشطر الثاني، ويعرف بالكتيبة، ففيه ثلاثة حصون فقط‏:‏

1 حصن القَمُوص ‏[‏وكان حصن بني أبي الحقيق من بني النضير‏]‏‏.‏

2 حصن الوَطِيح‏.‏

3 حصن السُّلالم‏.‏

وفي خيبر حصون وقلاع غير هذه الثمانية، إلا أنها كانت صغيرة، لا تبلغ إلى درجة هذه القلاع في مناعتها وقوتها‏.‏

والقتال المرير إنما دار في الشطر الأول منها، أما الشطر الثاني فحصونها الثلاثة مع كثرة المحاربين فيها سلمت دونما قتال‏.‏

* معسكر الجيش الإسلامي‏‏ :

وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اختار لمعسكره منزلاً، فأتاهحُبَاب بن المنذر، فقال‏:‏ يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل أنزلكه الله،أم هو الرأي في الحرب‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏بل هو الرأي‏)‏ فقال‏:‏ يا رسول الله،إن هذا المنزل قريب جدًا من حصن نَطَاة، وجميع مقاتلي خيبر فيها، وهميدرون أحوالنا، ونحن لا ندري أحوالهم، وسهامهم تصل إلينا، وسهامنا لا تصلإليهم، ولا نأمن من بياتهم، وأيضًا هذا بين النخلات، ومكان غائر، وأرضوخيمة، لو أمرت بمكان خال عن هذه المفاسد نتخذه معسكرًا، قال صلى اللهعليه وسلم‏:‏ ‏(‏الرأي ما أشرت‏)‏، ثم تحول إلى مكان آخر‏.‏

* التهيؤ للقتال وبشارة الفتح‏‏ :

ولما كانت ليلة الدخول وقيل‏:‏ بل بعد عدة محاولات ومحاربات قال النبي صلىالله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لأعطين الراية غدًا رجلاً يحب الله ورسوله ويحبهالله ورسوله، ‏[‏يفتح الله على يديه ‏]‏‏)‏ فلما أصبح الناس غدوا على رسولالله صلى الله عليه وسلم، كلهم يرجو أن يعطاها، فقال‏:‏ ‏(‏أين علي بن أبيطالب‏؟‏‏)‏ فقالوا‏:‏ يا رسول الله، هو يشتكي عينيه، قال‏:‏ ‏(‏فأرسلواإليه‏)‏، فأتي به فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه، ودعا له،فبرئ، كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال‏:‏ يا رسول الله، أقاتلهمحتى يكونوا مثلنا، قال‏:‏ ‏(‏انفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهمإلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله، لأن يهديالله بك رجلا واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم‏)‏‏.‏

* بدء المعركة وفتح حصن ناعم‏‏ :

أما اليهود فإنهم لما رأوا الجيش وفروا إلى مدينتهم تحصنوا في حصونهم، وكان من الطبيعي أن يستعدوا للقتال‏.‏

وأول حصن هاجمه المسلمون من حصونهم الثمانية هو حصن ناعم‏.‏

وكان خط الدفاع الأول لليهود لمكانه الاستراتيجي، وكان هذا الحصن هو حصن مرحب البطل اليهودي الذي كان يعد بالألف‏.‏

خرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالمسلمين إلى هذا الحصن، ودعا اليهودإلى الإسلام، فرفضوا هذه الدعوة، وبرزوا إلى المسلمين ومعهم ملكهم مرحب،فلما خرج إلى ميدان القتال دعا إلى المبارزة، قال سلمة بن الأكوع‏:‏ فلماأتينا خيبر خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه يقول‏:‏

قد عَلِمتْ خيبر أني مَرْحَب ** شَاكِي السلاح بطل مُجَرَّب

إذا الحروب أقبلتْ تَلَهَّب **

فبرز له عمي عامر فقال‏:‏

قد علمت خيبر أني عامر ** شاكي السلاح بطل مُغَامِر

فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عمي عامر، وذهب عامر يسفل له، وكانسيفه قصيرًا، فتناول به ساق اليهودي ليضربه، فيرجع ذُبَاب سيفه فأصاب عينركبته فمات منه، وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن له لأجرينوجمع بين إصبعيه إنه لجَاهِدٌ مُجَاهِد، قَلَّ عربي مَشَي بهامِثْلَه‏)‏‏.‏

ويبدو أن مرحبًا دعا بعد ذلك إلى البراز مرة أخري وجعل يرتجز بقوله‏:‏

قد علمت خيبر أني مرحب‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، فبرز له على بن أبي طالب‏.‏ قال سلمة ابن الأكوع‏:‏ فقال علي‏:‏

أنا الذي سمتني أمي حَيْدَرَهْ ** كلَيْثِ غابات كَرِيه المَنْظَرَهْ

أُوفِيهم بالصَّاع كَيْل السَّنْدَرَهْ **

فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه‏.‏

ولما دنا علي رضي الله عنه من حصونهم اطلع يهودي من رأس الحصن، وقال‏:‏ منأنت‏؟‏ فقال‏:‏ أنا علي بن أبي طالب، فقال اليهودي‏:‏ علوتم وما أنزل علىموسى‏.‏

ثم خرج ياسر أخو مرحب، وهو يقول‏:‏ من يبارز‏؟‏ فبرز إليه الزبير، فقالتصفية أمه‏:‏ يا رسول الله، يقتل ابني، قال‏:‏ ‏(‏بل ابنك يقتله‏)‏، فقتلهالزبير‏.‏

ودار القتال المرير حول حصن ناعم، قتل فيه عدة سراة من اليهود، انهارتلأجله مقاومة اليهود، وعجزوا عن صد هجوم المسلمين، ويؤخذ من المصادر أنهذا القتال دام أيامًا لاقي المسلمون فيها مقاومة شديدة، إلا أن اليهوديئسوا من مقاومة المسلمين، فتسللوا من هذا الحصن إلى حصن الصَّعْب، واقتحمالمسلمون حصن ناعم‏.‏

* فتح حصن الصعب بن معاذ‏‏ :

وكان حصن الصعب الحصن الثاني من حيث القوة والمناعة بعد حصن ناعم، قامالمسلمون بالهجوم عليه تحت قيادة الحباب بن المنذر الأنصاري، ففرضوا عليهالحصار ثلاثة أيام، وفي اليوم الثالث، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلملفتح هذا الحصن دعوة خاصة‏.‏

روي ابن إسحاق أن بني سهم من أسلم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم،فقالوا‏:‏ لقد جهدنا، وما بأيدينا من شيء، فقال‏:‏ ‏(‏اللهم إنك قد عرفتحالهم، وأن ليست بهم قوة، وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه، فافتح عليهم أعظمحصونها عنهم غَنَاء، وأكثرها طعامًا ووَدَكًا‏)‏‏.‏ فغدا الناس ففتح اللهعز وجل حصن الصعب بن معاذ، وما بخيبر حصن كان أكثر طعامًا وودكًا منه‏.‏

ولما ندب النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بعد دعائه لمهاجمة هذا الحصنكان بنو أسلم هم المقاديم في المهاجمة، ودار البراز والقتال أمام الحصن،ثم فتح الحصن في ذلك اليوم قبل أن تغرب الشمس، ووجد فيه المسلمون بعضالمنجنيقات والدبابات‏.‏

ولأجل هذه المجاعة الشديدة التي ورد ذكرها في رواية ابن إسحاق، كان رجالمن الجيش قد ذبحوا الحمير، ونصبوا القدور على النيران، فلما علم رسول اللهصلى الله عليه وسلم بذلك نهي عن لحوم الحمر الإنسية‏.‏

* فتح قلعة الزبير‏ :

وبعد فتح حصن ناعم والصعب تحول اليهود من كل حصون النَّطَاة إلى قلعةالزبير، وهو حصن منيع في رأس قُلَّةٍ ، لا تقدر عليه الخيل والرجاللصعوبته وامتناعه، ففرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحصار، وأقاممحاصرًا ثلاثة أيام، فجاء رجل من اليهود، وقال‏:‏ يا أبا القاسم، إنك لوأقمت شهرًا ما بالوا، إن لهم شرابًا وعيونًا تحت الأرض، يخرجون بالليلويشربون منها، ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك، فإن قطعت مشربهم عليهمأصحروا لك‏.‏ فقطع ماءهم عليهم، فخرجوا فقاتلوا أشد القتال، قتل فيه نفرمن المسلمين، وأصيب نحو العشرة من اليهود، وافتتحه رسول الله صلى اللهعليه وسلم‏.‏

* فتح قلعة أبي‏ :

وبعد فتح قلعة الزبير انتقل اليهود إلى قلعة أبي وتحصنوا فيه، وفرضالمسلمون عليهم الحصار، وقام بطلان من اليهود واحد بعد الآخر بطلبالمبارزة، وقد قتلهما أبطال المسلمين، وكان الذي قتل المبارز الثاني هوالبطل المشهور أبو دُجَانة سِمَاك بن خَرَشَة الأنصاري صاحب العصابةالحمراء‏.‏ وقد أسرع أبو دجانة بعد قتله إلى اقتحام القلعة، واقتحم معهالجيش الإسلامي، وجري قتال مرير ساعة داخل الحصن، ثم تسلل اليهود منالقلعة، وتحولوا إلى حصن النزار آخر حصن في الشطر الأول‏.‏

* فتح حصن النَّزَار‏ :

كان هذا الحصن أمنع حصون هذا الشطر، وكان اليهود على شبه اليقين بأنالمسلمين لا يستطيعون اقتحام هذه القلعة، وإن بذلوا قصاري جهدهم في هذاالسبيل، ولذلك أقاموا في هذه القلعة مع الذراري والنساء، بينما كانوا قدأخلوا منها القلاع الأربعة السابقة‏.‏

وفرض المسلمون على هذا الحصن أشد الحصار، وصاروا يضغطون عليهم بعنف، ولكونالحصن يقع على جبل مرتفع منيع لم يكونوا يجدون سبيلا للاقتحام فيه‏.‏ أمااليهود فلم يجترئوا للخروج من الحصن، وللاشتباك مع قوات المسلمين، ولكنهمقاوموا المسلمين مقاومة عنيدة برشق النبال، وبإلقاء الحجارة‏.‏

وعندما استعصى حصن النزار على قوات المسلمين، أمر النبي صلى الله عليهوسلم بنصب آلات المنجنيق، ويبدو أن المسلمين قذفوا به القذائف، فأوقعواالخلل في جدران الحصن، واقتحموه، ودار قتال مرير في داخل الحصن انهزمأمامه اليهود هزيمة منكرة، وذلك لأنهم لم يتمكنوا من التسلل من هذا الحصنكما تسللوا من الحصون الأخري، بل فروا من هذا الحصن تاركين للمسلميننساءهم وذراريهم‏.‏

وبعد فتح هذا الحصن المنيع تم فتح الشطر الأول من خيبر، وهي ناحيةالنَّطَاة والشَّقِّ، وكانت في هذه الناحية حصون صغيرة أخري إلا أن اليهودبمجرد فتح هذا الحصن المنيع أخلوا هذه الحصون، وهربوا إلى الشطر الثاني منبلدة خيبر‏.

*فتح الشطر الثاني من خيبر‏ :

ولما أتم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح ناحية النطاة والشق، تحول إلىأهل الكتيبة التي بها حصن القَمُوص‏:‏ حصن بني أبي الحُقَيْق من بنيالنضير، وحصن الوَطِيح والسُّلالم، وجاءهم كل فَلِّ كان انهزم من النطاةوالشق، وتحصن هؤلاء أشد التحصن‏.‏

واختلف أهل المغازي هل جري هناك قتال في أي حصن من حصونها الثلاثة أملا‏؟‏ فسياق ابن إسحاق صريح في جريان القتال لفتح حصن القموص، بل يؤخذ منسياقه أن هذا الحصن تم فتحه بالقتال فقط من غير أن يجري هناك مفاوضةللاستسلام‏.‏

أما الواقدي، فيصرح تمام التصريح أن قلاع هذا الشطر الثلاث إنما أخذت بعدالمفاوضة، ويمكن أن تكون المفاوضة قد جرت لاستلام حصن القموص بعد إدارةالقتال، وأما الحصنان الآخران فقد سلما إلى المسلمين دونما قتال‏.‏

ومهما كان، فلما أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه الناحيةالكتيبة فرض على أهلها أشد الحصار، ودام الحصار أربعة عشر يومًا، واليهودلا يخرجون من حصونهم، حتى همّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينصب عليهمالمنجنيق، فلما أيقنوا بالهلكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلمالصلح‏.‏

* المفاوضة‏‏ :

وأرسل ابن أبي الحُقَيْق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنزلفأكلمك‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم‏)‏، فنزل، وصالح على حقن دماء مَنْ في حصونهم منالمقاتلة، وترك الذرية لهم، ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم، ويخلون بينرسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ما كان لهم من مال وأرض، وعلى الصفراءوالبيضاء أي الذهب والفضة والكُرَاع والْحَلْقَة إلا ثوبًا على ظهر إنسان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏وبرئت منكم ذمة الله وذمةرسوله إن كتمتموني شيئا‏)‏، فصالحوه على ذلك ، وبعد هذه المصالحة تم تسليمالحصون إلى المسلمين، وبذلك تم فتح خيبر‏.‏

* قتل ابني أبي الحقيق لنقض العهد‏‏ :

وعلى رغم هذه المعاهدة غيب ابنا أبي الحقيق مالا كثيرا، غيبا مَسْكًا فيهمال وحُلُي لحيي بن أخطب، كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بكِنَانة الربيع،وكان عنده كنز بني النضير، فسأله عنه، فجحد أن يكون يعرف مكانه، فأتي رجلمن اليهود فقال‏:‏ إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة، فقال رسولالله صلى الله عليه وسلم لكنانة‏:‏ ‏(‏أرأيت إن وجدناه عندك أأقتلك‏؟‏‏)‏قال‏:‏ نعم، فأمر بالخربة، فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله عما بقي،فأبي أن يؤديه‏.‏ فدفعه إلى الزبير، وقال‏:‏ عذبه حتى نستأصل ما عنده،فكان الزبير يقدح بزند في صدره حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه رسول الله صلىالله عليه وسلم إلى محمد بن مسلمة، فضرب عنقه بمحمود بن مسلمة وكان محمودقتل تحت جدار حصن ناعم، ألقي عليه الرحي، وهو يستظل بالجدار فمات ‏.‏

وذكر ابن القيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل ابني أبي الحقيق، وكان الذي اعترف عليهما بإخفاء المال هو ابن عم كنانة‏.‏

وسبي رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي بن أخطب، وكانت تحت كنانة بن أبي الحقيق، وكانت عروسًا حديثة عهد بالدخول‏.‏

* قسمة الغنائم‏‏ :

وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجلي اليهود من خيبر، فقالوا‏:‏ يامحمد، دعنا نكون في هذه الأرض، نصلحها، ونقوم عليها، فنحن أعلم بها منكم،ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها،وكانوا لا يفرغون حتى يقوموا عليها، فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كلزرع، ومن كل ثمر، ما بدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم، وكانعبد الله بن رواحة يخرصه عليهم‏.‏

وقسم أرض خيبر على ستة وثلاثين سهمًا، جمع كل سهم مائة سهم، فكانت ثلاثةآلاف وستمائة سهم، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين النصف منذلك وهو ألف وثمانمائة سهم، لرسول الله صلى الله عليه وسلم سهم كسهم أحدالمسلمين، وعزل النصف الآخر، وهو ألف وثمانمائة سهم، لنوائبه وما يتنزل بهمن أمور المسلمين، وإنما قسمت على ألف وثمانمائة سهم لأنها كانت طعمة منالله لأهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب، وكانوا ألفا وأربعمائة، وكانمعهم مائتا فرس، لكل فرس سهمان، فقسمت على ألف وثمانمائة سهم، فصار للفارسثلاثة أسهم، وللراجل سهم واحد‏.‏

ويدل على كثرة مغانم خيبر ما رواه البخاري عن ابن عمر قال‏:‏ ما شبعنا حتىفتحنا خيبر، وما رواه عن عائشة قالت‏:‏ لما فتحت خيبر قلنا‏:‏ الآن نشبعمن التمر ، ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ردالمهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم إياها من النخيل حين صارلهم بخيبر مال ونخيل‏.



* قدوم جعفر بن أبي طالب والأشعريين‏‏ :

وفي هذه الغزوة قدم عليه ابن عمه جعفر بن أبي طالب وأصحابه، ومعهم الأشعريون أبو موسى وأصحابه‏.‏

قال أبو موسي‏:‏ بلغنا مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن،فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي في بضع وخمسين رجلاً من قومي، ركبناسفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفرًا وأصحابهعنده، فقال‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا وأمرنا بالإقامة،فأقيموا معنا، فأقمنا معه حتى قدمنا فوافقنا رسول الله صلى الله عليه وسلمحين فتح خيبر، فأسهم لنا، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر شيئا إلا لمن شهدمعه، إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، قسم لهم معهم‏.‏

ولما قدم جعفر على النبي صلى الله عليه وسلم تلقاه وقَبَّلَ ما بين عينيهوقال‏:‏ ‏(‏والله ما أدري بأيهما أفرح‏؟‏ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر‏)‏‏.‏

وكان قدوم هؤلاء على أثر بعث الرسول صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي عمروبن أمية الضمري يطلب توجيههم إليه، فأرسلهم النجاشي على مركبين، وكانواستة عشر رجلاً، معهم من بقي من نسائهم وأولادهم، وبقيتهم جاءوا إلىالمدينة قبل ذلك‏.‏


* الزواج بصفية‏‏ :

ذكرنا أن صفية جعلت في السبايا حين قتل زوجها كِنَانة بن أبي الحقيقلغدره، ولما جمع السبي جاء دحية بن خليفة الxxxي، فقال‏:‏ يا نبي الله،أعطني جارية من السبي، فقال‏:‏ اذهب فخذ جارية، فأخذ صفية بنت حيي، فجاءرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا نبي الله، أعطيت دحية صفيةبنت حيي سيدة قريظة وبني النضير، لا تصلح إلا لك، قال‏:‏ ‏(‏ادعوهبها‏)‏‏.‏ فجاء بها، فلما نظر إليها النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏‏(‏خذ جارية من السبي غيرها‏)‏، وعرض عليها النبي صلى الله عليه وسلمالإسلام فأسلمت، فأعتقها وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، حتى إذا كان بسدالصهباء راجعًا إلى المدينة حلت، فجهزتها له أم سليم، فأهدتها له منالليل، فأصبح عروسًا بها، وأولم عليها بحيس من التمر والسمن والسَّوِيق،وأقام عليها ثلاثة أيام في الطريق يبني بها‏.‏

ورأى بوجهها خضرة، فقال‏:‏ ‏(‏ما هذا‏؟‏‏)‏ قالت‏:‏ يا رسول الله، رأيتقبل قدومك علينا كأن القمر زال من مكانه، وسقط في حجري، ولا والله ما أذكرمن شأنك شيئا، فقصصتها على زوجي، فلطم وجهي‏.‏ فقال‏:‏ تمنين هذا الملكالذي بالمدينة‏.‏

* أمر الشاة المسمومة‏ :

ولما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد فتحها أهدت له زينببنت الحارث، امرأة سَلاَّم بن مِشْكَم، شاة مَصْلِيَّةً، وقد سألت أي عضوأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ فقيل لها‏:‏ الذراع، فأكثرت فيهامن السم، ثم سمت سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يدي رسول اللهصلى الله عليه وسلم تناول الذراع، فَلاَكَ منها مضغة فلم يسغها، ولفظها،ثم قال‏:‏ ‏(‏إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم‏)‏، ثم دعا بها فاعترفت،فقال‏:‏ ‏(‏ما حملك على ذلك‏؟‏‏)‏ قالت‏:‏ قلت‏:‏ إن كان ملكًا استرحتمنه، وإن كان نبيًا فسيخبر، فتجاوز عنها‏.‏

وكان معه بِشْر بن البراء بن مَعْرُور، أخذ منها أكلة فأساغها، فمات منها‏.‏

واختلفت الروايات في التجاوز عن المرأة وقتلها، وجمعوا بأنه تجاوز عنها أولا، فلما مات بشر قتلها قصاصا‏.‏

* قتلى الفريقين في معارك خيبر‏ :

وجملة من استشهد من المسلمين في معارك خيبر ستة عشر رجلاً، أربعة من قريشوواحد من أشْجَع، وواحد من أسْلَم، وواحد من أهل خيبر والباقون منالأنصار‏.‏

ويقال‏:‏ إن شهداء المسلمين في هذه المعارك 81 رجلاً‏.‏

وذكر العلامة المنصورفوري 91 رجلاً، ثم قال‏:‏ إني وجدت بعد التفحص 32اسما، واحد منها في الطبري فقط، وواحد عند الواقدي فقط، وواحد مات لأجلأكل الشاة المسمومة، وواحد اختلفوا هل قتل في بدر أو خيبر، والصحيح أنهقتل في بدر‏.‏

أما قتلي اليهود فعددهم ثلاثة وتسعون قتيلاً‏.‏


* فَدَك‏‏ :

ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، بعث مُحَيِّصَة بن مسعودإلى يهود فَدَك، ليدعوهم إلى الإسلام، فأبطأوا عليه، فلما فتح الله خيبرقذف الرعب في قلوبهم، فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصالحونهعلى النصف من فدك بمثل ما عامل عليه أهل خيبر، فقبل ذلك منهم، فكانت فدكلرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة؛ لأنه لم يُوجِف عليه المسلمون بخيلولا ركاب‏.

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
وادي القُرَي‏ :

ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر، انصرف إلى وادي القري، وكان بها جماعة من اليهود، وانضاف إليهم جماعة من العرب‏.‏

فلما نزلوا استقبلتهم يهود بالرمي، وهم على تعبئة، فقتل مِدْعَم عَبْدٌلرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الناس‏:‏ هنيئا له الجنة، فقال النبيصلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏كلا، والذي نفسي بيده، إن الشَّمْلَة التي أخذهايوم خيبر من المغانم، لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه نارًا‏)‏، فلما سمعبذلك الناس جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشِرَاك أو شراكين، فقالالنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏شراك من نار أو شراكان من نار‏)‏‏.‏

ثم عَبَّأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للقتال، وصَفَّهم، ودفعلواءه إلى سعد بن عبادة، وراية إلى الحُبَاب بن المنذر، وراية إلى سهل بنحُنَيْف، وراية إلى عباد بن بشر، ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا، وبرز رجلمنهم، فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله، ثم برز آخر فقتله، ثم برز آخرفبرز إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقتله، حتى قتل منهم أحد عشررجلاً، كلما قتل منهم رجل دعا من بقي إلى الإسلام‏.‏

وكانت الصلاة تحضر هذا اليوم، فيصلي بأصحابه، ثم يعود، فيدعوهم إلىالإسلام وإلى الله ورسوله، فقاتلهم حتى أمسوا، وغدا عليهم فلم ترتفع الشمسقيد رمح حتى أعطوا ما بأيديهم، وفتحها عنوة، وغَنَّمَهُ اللهُ أموالهم،وأصابوا أثاثا ومتاعًا كثيرًا‏.‏

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي القري أربعة أيام‏.‏ وقسم علىأصحابه ما أصاب بها، وترك الأرض والنخل بأيدي اليهود، وعاملهم عليها كماعامل أهل خيبر‏.‏

* تَيْمَاء‏‏ :

ولما بلغ يهود تيماء خبر استسلام أهل خيبر ثم فَدَك ووادي القُرَي، لميبدوا أي مقاومة ضد المسلمين، بل بعثوا من تلقاء أنفسهم يعرضون الصلح،فقبل ذلك منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقاموا بأموالهم‏.‏ وكتبلهم بذلك كتابا وهاك نصه‏:‏ هذا كتاب محمد رسول الله لبني عاديا، أن لهمالذمة، وعليهم الجزية، ولا عداء ولا جلاء، الليل مد، والنهار شد، وكتبخالد بن سعيد‏.‏

* العودة إلى المدينة‏ :

ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في العودة إلى المدينة، وفي الطريقأشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير‏:‏ ‏(‏الله أكبر، الله أكبر،لا إله إلا الله‏)‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أربعوا علىأنفسكم، إنكم لا تدعون أصَمَّ ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا‏)‏‏.‏

وفي مرجعه ذلك سار النبي صلى الله عليه وسلم ليلة، ثم نام في آخر الليلببعض الطريق، وقال لبلال‏:‏ ‏(‏اكلأ لنا الليل‏)‏، فغلبت بلالاً عيناه،وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ أحد، حتى ضربتهم الشمس، وأول من استيقظبعد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج من ذلك الوادي، وتقدم، ثمصلي الفجر بالناس، وقيل‏:‏ إن هذه القصة في غير هذا السفر‏.‏

وبعد النظر في تفصيل معارك خيبر، يبدو أن رجوع النبي صلى الله عليه وسلم كان في أواخر صفر أو في ربيع الأول سنة 7 ه‏.‏

* سرية أبَان بن سعيد‏ :

كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف أكثر من كل قائد عسكري أن إخلاءالمدينة تماما بعد انقضاء الأشهر الحرم ليس من الحزم قطعًا، بينما الأعرابضاربة حولها، تطلب غرة المسلمين للقيام بالنهب والسلب وأعمال القرصنة ؛ولذلك أرسل سرية إلى نجد لإرهاب الأعراب تحت قيادة أبان بن سعيد، بينماكان هو إلى خيبر، وقد رجع أبان بن سعيد بعد قضاء ما كان واجبًا عليه،فوافي النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر، وقد افتتحها‏.‏

والأغلب أن هذه السرية كانت في صفر سنة 7ه، وقد ورد ذكرها في البخاري‏.‏ قال ابن حجر‏:‏ لم أعرف حال هذه السرية‏.‏


* بقية السرايا والغزوات في السنة السابعة :

* غزوة ذات الرِّقَاع‏ :

ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من كسر جناحين قويين من أجنحةالأحزاب الثلاثة تفرغ تمامًا للالتفات إلى الجناح الثالث، أي إلى الأعرابالقساة الضاربين في فيافي نجد، والذين ما زالوا يقومون بأعمال النهبوالسلب بين آونة وأخري‏.‏

ولما كان هؤلاء البدو لا تجمعهم بلدة أو مدينة، ولم يكونوا يقطنون الحصونوالقلاع، كانت الصعوبة في فرض السيطرة عليهم وإخماد نار شرهم تمامًا تزدادبكثير عما كانت بالنسبة إلى أهل مكة وخيبر ؛ ولذلك لم تكن تجدي فيهم إلاحملات التأديب والإرهاب، وقام المسلمون بمثل هذه الحملات مرة بعد أخري‏.‏

ولفرض الشوكة أو لاجتماع البدو الذين كانوا يتحشدون للإغارة على أطرافالمدينة قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بحملة تأديبية عرفت بغزوة ذاتالرقاع‏.‏

وعامة أهل المغازي يذكرون هذه الغزوة في السنة الرابعة، ولكن حضور أبيموسي الأشعري وأبي هريرة رضي الله عنهما في هذه الغزوة يدل على وقوعها بعدخيبر، والأغلب أنها وقعت في شهر ربيع الأول سنة 7 ه‏.‏

وملخص ما ذكره أهل السير حول هذه الغزوة‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلمسمع باجتماع بني أنمار أو بني ثعلبة وبني مُحَارِب من غطفان، فأسرعبالخروج إليهم في أربعمائة أو سبعمائة من أصحابه، واستعمل على المدينة أباذر أو عثمان بن عفان رضي الله عنهما، وسار فتوغل في بلادهم حتى وصل إلىموضع يقال له‏:‏ نخل، على بعد يومين من المدينة، ولقي جمعاً من غطفان،فتقاربوا وأخاف بعضهم بعضاً ولم يكن بينهم قتال، إلا أنه صلي بهم يومئذصلاة الخوف‏.‏وفي رواية البخاري‏:‏ وأقيمت الصلاة فصلي بطائفة ركعتين، ثمتأخروا، وصلي بالطائفة الأخري ركعتين، وكان للنبي صلى الله عليه وسلمأربع، وللقوم ركعتان‏.‏

وفي البخاري عن أبي موسي الأشعري رضي الله عنهم قال‏:‏ خرجنا مع رسول اللهصلى الله عليه وسلم ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا، ونقبتقدماي، وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت ذات الرقاع، لماكنا نعصب الخرق على أرجلنا‏.‏

وفيه عن جابر‏:‏ كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع، فإذا أتيناعلى شجرة ظليلة تركناها للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزل رسول الله صلىالله عليه وسلم فتفرق الناس في العضاة، يستظلون بالشجر، ونزل رسول اللهصلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلق بها سيفه‏.‏ قال جابر‏:‏ فنمنا نومة،فجاء رجل من المشركين‏:‏ فاخترط سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم،فقال‏:‏ أتخافني‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏لا‏)‏، قال‏:‏ فمن يمنعك مني‏؟‏ قال‏:‏‏(‏الله‏)‏‏.‏ قال جابر‏:‏ فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا،فجئنا، فإذا عنده أعرابي جالس‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏‏(‏إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صَلْتًا‏.‏ فقاللي‏:‏ من يمنعك مني‏؟‏ قلت‏:‏ الله، فها هو ذا جالس‏)‏، ثم لم يعاتبه رسولالله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وفي رواية أبي عوانة‏:‏ فسقط السيف من يده،فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ ‏(‏من يمنعك مني‏؟‏‏)‏قال‏:‏ كن خير آخذ، قال‏:‏ ‏(‏تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسولالله‏؟‏‏)‏ قال الأعرابي‏:‏ أعاهدك على ألا أقاتلك، ولا أكون مع قوميقاتلونك، قال‏:‏ فخلي سبيله، فجاء إلى قومه، فقال‏:‏ جئتكم من عند خيرالناس‏.‏

وفي رواية البخاري‏:‏ قال مسدد عن أبي عوانة عن أبي بشر‏:‏ اسم الرجلغَوْرَث ابن الحارث‏.‏قال ابن حجر‏:‏ ووقع عند الواقدي في سبب هذهالقصة‏:‏ أن اسم الأعرابي دُعْثُور، وأنه أسلم، لكن ظاهر كلامه أنهماقصتان في غزوتين‏.‏ والله أعلم‏.‏

وفي مرجعهم من هذه الغزوة سبوا امرأة من المشركين، فنذر زوجها ألا يرجعحتى يهريق دماً في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فجاء ليلاً، وقد أرصدرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين رَبِيئة للمسلمين من العدو، وهما عبادبن بشر وعمار بن ياسر، فضرب عباداً، وهو قائم يصلي، بسهم فنزعه، ولم يبطلصلاته، حتى رشقه بثلاثة أسهم، فلم ينصرف منها حتى سلم، فأيقظ صاحبه،فقال‏:‏ سبحان الله‏!‏ هلا نبهتني، فقال‏:‏ إني كنت في سورة فكرهت أنأقطعها‏.‏

كان لهذه الغزوة أثر في قذف الرعب في قلوب الأعراب القساة، وإذا نظرنا إلىتفاصيل السرايا بعدالغزوة نري أن هذه القبائل من غطفان لم تجترئ أن ترفعرأسها بعد هذه الغزوة، بل استكانت شيئاً فشيئاً حتى استسلمت، بل وأسلمت،حتى نري عدة قبائل من هذه الأعراب تقوم مع المسلمين في فتح مكة، وتغزوحُنَيْناً، وتأخذ من غنائمها، ويبعث إليها المصدقون فتعطي صدقاتها بعدالرجوع من غزوة الفتح، فبهذا تم كسر الأجنحة الثلاثة التي كانت ممثلة فيالأحزاب، وساد المنطقة الأمن والسلام، واستطاع المسلمون بعد ذلك أن يسدوابسهولة كل خلل وثلمة حدثت في بعض المناطق من بعض القبائل، بل بعد هذهالغزوة بدأت التمهيدات لفتوح البلدان والممالك الكبيرة ؛ لأن الظروف فيداخل البلاد كانت قد تطورت لصالح الإسلام والمسلمين‏.‏

وبعد الرجوع من هذه الغزوة أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شوال سنة 7 ه‏.‏


* وبعث في خلال ذلك عدة سرايا‏.‏ وهاك بعض تفصيلها‏:‏

1 سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني المُلَوَّح بُقدَيْد، في صفر أوربيع الأول سنة 7 ه‏.‏ كان بنو الملوح قد قتلوا أصحاب بشير بن سُوَيْد،فبعثت هذه السرية لأخذ الثأر، فشنوا الغارة في الليل فقتلوا من قتلوا،وساقوا النعم، وطاردهم جيش كبير من العدو، حتى إذا قرب من المسلمين نزلمطر، فجاء سيل عظيم حال بين الفريقين‏.‏ ونجح المسلمون في بقيةالانسحاب‏.‏

2 سرية حِسْمَي، في جمادي الثانية سنة 7 ه، وقد مضي ذكرها في مكاتبة الملوك‏.‏

3 سرية عمر بن الخطاب إلى تُرَبَة، في شعبان سنة 7 ه، ومعه ثلاثونرجلاً‏.‏ كانوا يسيرون الليل ويستخفون في النهار، وأتي الخبر إلى هوازنفهربوا، وجاء عمر إلى محالهم فلم يلق أحداً، فانصرف راجعاً إلى المدينة‏.‏

4 سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى بني مرة بناحية فَدَك، في شعبان سنة 7هفي ثلاثين رجلاً‏.‏ خرج إليهم واستاق الشاء والنعم، ثم رجع فأدركه الطلبعند الليل، فرموهم بالنبل حتى فني نبل بشير وأصحابه، فقتلوا جميعاً إلابشير، فإنه ارْتُثَّ إلى فدك، فأقام عند يهود حتى برأت جراحه، فرجع إلىالمدينة‏.‏

5 سرية غالب بن عبد الله الليثي، في رمضان سنة 7 ه إلى بني عُوَال وبنيعبد ابن ثعلبة بالمَيْفَعَة، وقيل إلى الحُرَقَات من جُهَيْنَة، في مائةوثلاثين رجلاً، فهجموا عليهم جميعاً، وقتلوا من أشرف لهم، واستاقوا نعماوشاء، وفي هذه السرية قتل أسامةُ بن زيد نَهِيكَ بن مِرْدَاس بعد أنقال‏:‏ لا إله إلا الله، فلما قدموا وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، كبرعليه وقال‏:‏ ‏(‏أقتلته بعد ما قال‏:‏ لا إله إلا الله‏؟‏‏)‏ فقال‏:‏ إنماقالها متعوذاً قال‏:‏ ‏(‏فهلا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أمكاذب‏؟‏‏)‏‏.‏

6 سرية عبد الله بن رواحة إلى خيبر، في شوال سنة 7 ه في ثلاثين راكبًا‏.‏وذلك أن أسِير أو بشير بن زارم كان يجمع غطفان لغزو المسلمين، فأخرجواأسيرًا في ثلاثين من أصحابه، وأطمعوه أن الرسول صلى الله عليه وسلميستعمله على خيبر، فلما كانوا بقَرْقَرَة نِيَار وقع بين الفريقين سوء ظنأفضي إلى قتل أسير وأصحابه الثلاثين‏.‏ ذكر الواقدي هذه السرية في شوالسنة ست قبل خيبر بأشهر‏.‏

7 سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى يمن وجَبار ‏[‏بالفتح، أرض لغطفان،وقيل‏:‏ لفَزَارَة وعُذْرَة‏]‏، في شوال سنة 7 ه في ثلاثمائة من المسلمين،للقاء جمع كبير تجمعوا للإغارة على أطراف المدينة، فساروا الليل وكمنواالنهار، فلما بلغهم مسير بشير هربوا، وأصاب بشير نعما كثيرة، وأسر رجلين،فقدم بهما المدينة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلما‏.‏

8 سرية أبي حَدْرَد الأسلمي إلى الغابة، ذكرها ابن القيم في سرايا السنةالسابعة قبل عمرة القضاء، وملخصها‏:‏ أن رجلا من جُشَم بن معاوية أقبل فيعدد كبير إلى الغابة، يريد أن يجمع قيسًا على محاربة المسلمين‏.‏ فبعثرسول الله صلى الله عليه وسلم أبا حدرد مع رجلين ليأتوا منه بخبر وعلم،فوصلوا إلى القوم مع غروب الشمس، فكمن أبو حدرد في ناحية، وصاحباه فيناحية أخري، وأبطأ على القوم راعيهم حتى ذهبت فحمة العشاء، فقام رئيسالقوم وحده، فلما مر بأبي حدرد رماه بسهم في فؤاده فسقط ولم يتكلم، فاحتزأبو حدرد رأسه، وشد في ناحية العسكر، وكبر، وكبر صاحباه وشدا، فما كان منالقوم إلا الفرار، واستاق المسلمون الثلاثة الكثير من الإبل والغنم‏.‏

*عمرة القضاء :

قال الحاكم‏:‏ تواترت الأخبار أنه صلى الله عليه وسلم لما هَلَّ ذو القعدةأمر أصحابه أن يعتمروا قضاء عمرتهم، وألا يتخلف منهم أحد شهد الحديبية،فخرجوا إلا من استشهد، وخرج معه آخرون معتمرين، فكانت عدتهم ألفين سويالنساء والصبيان‏.‏ ا ه‏.‏

واستخلف على المدينة عُوَيف بن الأضْبَط الدِّيلي، أو أبا رُهْم الغفاري،وساق ستين بدنة، وجعل عليها ناجية بن جُنْدُب الأسلمي، وأحرم للعمرة من ذيالحُلَيْفَة، ولبي، ولبي المسلمون معه، وخرج مستعداً بالسلاح والمقاتلة،خشية أن يقع من قريش غدر، فلما بلغ يَأجُج وضع الأداة كلها‏:‏ الحَجَفوالمِجَانّ والنَّبْل والرِّماح، وخلف عليها أوس بن خَوْلِي الأنصاري فيمائتي رجل، ودخل بسلاح الراكب‏:‏ السيوف في القُرُب‏.‏

وكان رسول اللهصلى الله عليه وسلم عند الدخول راكباً على ناقته القَصْواء،والمسلمون متوشحون السيوف، محدقون برسول الله صلى الله عليه وسلم يلبون‏.‏

وخرج المشركون إلى جبل قُعَيْقِعَان الجبل الذي في شمال الكعبة ليرواالمسلمين، وقد قالوا فيما بينهم‏:‏ إنه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمي يثرب،فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأنيمشوا ما بين الركنين‏.‏ ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلاالإبقاء عليهم، وإنما أمرهم بذلك ليري المشركين قوته كما أمرهم بالاضطباع،أي أن يكشفوا المناكب اليمني، ويضعوا طرفي الرداء على اليسري‏.‏

ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة من الثنية التي تطلعه على الحَجُونوقد صف المشركون ينظرون إليه فلم يزل يلبي حتى استلم الركن بمِحْجَنِه، ثمطاف، وطاف المسلمون، وعبد الله بن رواحة بين يدي رسول الله صلى الله عليهوسلم يرتجز متوشحاً بالسيف‏:‏

وفي حديث أنس فقال عمر‏:‏ يا ابن رواحة، بين يدي رسول الله صلى الله عليهوسلم، وفي حرم الله تقول الشعر‏؟‏ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏‏(‏خَلِّ عنه يا عمر، فلهو أسرع فيهم من نضح النبل‏)‏‏.‏

ورَمَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ثلاثة أشواط، فلما رآهمالمشركون قالوا‏:‏ هؤلاء الذين زعمتم أن الحمي قد وهنتهم، هؤلاء أجلد منكذا وكذا‏.‏

ولما فرغ من الطواف سعي بين الصفا والمروة، فلما فرغ من السعي، وقد وقفالهدي عند المروة، قال‏:‏ ‏(‏هذا المنحر، وكل فجاج مكة منحر‏)‏، فنحر عندالمروة، وحلق هناك، وكذلك فعل المسلمون، ثم بعث ناساً إلى يَأْجُج،ليقيموا على السلاح، ويأتي الآخرون فيقضون نسكهم ففعلوا‏.‏

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثاً، فلما أصبح من اليومالرابع أتوا علياً فقالوا‏:‏ قل لصاحبك‏:‏ اخرج عنا فقد مضي الأجل، فخرجالنبي صلى الله عليه وسلم، ونزل بسَرِف فأقام بها‏.‏

ولما أراد الخروج من مكة تبعتهم ابنة حمزة، تنادى، يا عم يا عم، فتناولهاعلي، واختصم فيها على وجعفر وزيد، فقضي النبي صلى الله عليه وسلم لجعفر ؛لأن خالتها كانت تحته‏.‏

وفي هذه العمرة تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بميمونة بنت الحارثالعامرية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الدخول في مكة بعث جعفربن أبي طالب بين يديه إلى ميمونة، فجعلت أمرها إلى العباس، وكانت أختها أمالفضل تحته، فزوجها إياه، فلما خرج من مكة خلف أبا رافع ليحمل ميمونة إليهحين يمشي، فبني بها بسرف‏.‏

وسميت هذه العمرة بعمرة القضاء ؛ إما لأنها كانت قضاء عن عمرةالحُدَيْبِيَة، أو لأنها وقعت حسب المقاضاة أي المصالحة التي وقعت فيالحديبية، والوجه الثاني رجحه المحققون، وهذه العمرة تسمي بأربعة أسماء‏:‏القضاء، والقَضِيَّة، والقصاص، والصُّلح‏.‏

وقد أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الرجوع من هذه العمرة عدة سرايا، وهي كما يلي‏:‏

1 سرية ابن أبي العوجاء، في ذي الحجة سنة 7 ه في خمسين رجلاً‏.‏ بعثه رسولالله صلى الله عليه وسلم إلى بني سُلَيْم ؛ ليدعوهم إلى الإسلام،فقالوا‏:‏ لا حاجة لنا إلى ما دعوتنا، ثم قاتلوا قتالاً شديداً‏.‏ جرح فيهأبو العوجاء، وأسر رجلان من العدو‏.‏

2 سرية غالب بن عبد الله إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفَدَك، في صفر سنة 8ه‏.‏ بعث في مائتي رجل، فأصابوا من العدو نعما، وقتلوا منهم قتلي‏.‏

3 سرية ذات أطلح في ربيع الأول سنة 8 ه‏.‏ كانت بنو قُضَاعَة قد حشدتجموعاً كبيرة للإغارة على المسلمين، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليهوسلم كعب بن عمير الأنصاري في خمسة عشر رجلاً، فلقوا العدو، فدعوهم إلىالإسلام، فلم يستجيبوا لهم، وأرشقوهم بالنبل حتى استشهد كلهم إلا رجلواحد، فقد ارْتُثَّ من بين القتلي‏.‏

4 سرية ذات عِرْق إلى بني هوازن، في ربيع الأول سنة 8 ه‏.‏ كانت بنو هوازنقد أمدت الأعداء مرة بعد أخري فأرسل إليها شُجَاع بن وهب الأسدي في خمسةوعشرين رجلاً، فاستاقوا نَعَما من العدو، ولم يلقوا كيداً‏.

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
معركة مؤتة



وهذه المعركة أكبر لقاء مُثْخِن، وأعظم حرب دامية خاضها المسلمون في حياةرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي مقدمة وتمهيد لفتوح بلدان النصاري،وقعت في جمادي الأولي سنة 8 ه، وفق أغسطس أو سبتمبر سنة 926 م‏.‏

ومؤتة ‏(‏بالضم فالسكون‏)‏ هي قرية بأدني بلقاء الشام، بينها وبين بيت المقدس مرحلتان‏.‏

* سبب المعركة‏ :

وسبب هذه المعركة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الحارث بن عميرالأزدي بكتابه إلى عظيم بُصْرَي‏.‏ فعرض له شُرَحْبِيل بن عمرو الغسانيوكان عاملاً على البلقاء من أرض الشام من قبل قيصر فأوثقه رباطاً، ثمقدمه، فضرب عنقه‏.‏

وكان قتل السفراء والرسل من أشنع الجرائم، يساوي بل يزيد على إعلان حالةالحرب، فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نقلت إليهالأخبار، فجهز إليهم جيشاً قوامه ثلاثة آلاف مقاتل ، وهو أكبر جيش إسلاميلم يجتمع قبل ذلك إلا في غزوة الأحزاب‏.‏

* أمراء الجيش ووصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم‏ :

أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا البعث زيد بن حارثة، وقال‏:‏‏(‏إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة‏)‏ ، وعقد لهم لواءأبيض، ودفعه إلى زيد بن حارثة‏.‏

وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير، وأن يدعوا مَنْ هناك إلى الإسلام،فإن أجابوا وإلا استعانوا بالله عليهم، وقاتلوهم، وقال لهم‏:‏ ‏(‏اغزوابسم الله، في سبيل الله، مَنْ كفر بالله، لا تغدروا، ولا تغلوا، ولاتقتلوا وليداً ولا امرأة، ولا كبيراً فانياً، ولا منعزلاً بصومعة، ولاتقطعوا نخلاً ولا شجرة، ولا تهدموا بناء‏)
‏‏.‏


* توديع الجيش الإسلامي وبكاء عبد الله بن رواحة‏‏ :

ولما تهيأ الجيش الإسلامي للخروج حضر الناس، وودعوا أمراء رسول الله صلىالله عليه وسلم، وسلموا عليهم، وحينئذ بكي أحد أمراء الجيش عبد الله بنرواحة فقالوا‏:‏ ما يبكيك‏؟‏ فقال‏:‏ أما والله ما بي حب الدنيا، ولاصبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتابالله يذكر فيها النار‏:‏‏{‏وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىرَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏71‏]‏، فلست أدري كيف ليبالصدور بعد الورود‏؟‏ فقال المسلمون‏:‏ صحبكم الله بالسلامة، ودفع عنكم،وردكم إلينا صالحين غانمين، فقال عبد الله بن رواحة‏:‏

لكنني أسأل الرحمن مغفرة ** وضربة ذات فرع تقذف الزبدا

أو طعنة بيدي حران مجهزة ** بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا

حتى يقال إذا مروا على جدثي ** أرشده الله من غاز وقد رشدا

ثم خرج القوم، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مشيعاً لهم حتى بلغ ثنية الوداع، فوقف وودّعهم‏.‏



* تحرك الجيش الإسلامي، ومباغتته حالة رهيبة‏‏ :

وتحرك الجيش الإسلامي في اتجاه الشمال حتى نزل مَعَان، من أرض الشام، ممايلي الحجاز الشمإلى، وحينئذ نقلت إليهم الاستخبارات بأن هرقل نازل بمآب منأرض البلقاء في مائة ألف من الروم، وانضم إليهم من لَخْم وجُذَاموبَلْقَيْن وبَهْرَاء وبَلِي مائة ألف‏.‏


* المجلس الاستشاري بمَعَان‏ :

لم يكن المسلمون أدخلوا في حسابهم لقاء مثل هذا الجيش العرمرم الذي بوغتوابه في هذه الأرض البعيدة وهل يهجم جيش صغير، قوامه ثلاثة آلاف مقاتل فحسب،على جيش كبير عرمرم مثل البحر الخضم، قوامه مائتا ألف مقاتل‏؟‏ حارالمسلمون، وأقاموا في مَعَان ليلتين يفكرون في أمرهم، وينظرون ويتشاورون،ثم قالوا‏:‏ نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنخبره بعدد عدونا،فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له‏.‏

ولكن عبد الله بن رواحة عارض هذا الرأي، وشجع الناس، قائلاً‏:‏ يا قوم،والله إن التي تكرهون لَلَّتِي خرجتم تطلبون‏:‏ الشهادة، وما نقاتل الناسبعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به،فانطلقوا، فإنما هي إحدي الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة‏.‏ وأخيراً استقرالرأي على ما دعا إليه عبد الله بن رواحة‏
.‏


* الجيش الإسلامي يتحرك نحو العدو‏‏ :

وحينئذ بعد أن قضي الجيش الإسلامي ليلتين في معان، تحركوا إلى أرض العدو،حتى لقيتهم جموع هرقل بقرية من قرى البلقاء يقال لها‏:‏ ‏[‏َشَارِف‏]‏ ثمدنا العدو، وانحاز المسلمون إلى مؤتة، فعسكروا هناك، وتعبأوا للقتال،فجعلوا على ميمنتهم قُطْبَة بن قتادة العُذْرِي، وعلى الميسرة عبادة بنمالك الأنصاري‏.

* بداية القتال، وتناوب القواد‏ :

وهناك في مؤتة التقي الفريقان، وبدأ القتال المرير، ثلاثة آلاف رجليواجهون هجمات مائتي ألف مقاتل‏.‏ معركة عجيبة تشاهدها الدنيا بالدهشةوالحيرة، ولكن إذا هبت ريح الإيمان جاءت بالعجائب‏.‏

أخذ الراية زيد بن حارثة حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يقاتلبضراوة بالغة، وبسالة لا يوجد لها نظير إلا في أمثاله من أبطال الإسلام،فلم يزل يقاتل ويقاتل حتى شاط في رماح القوم، وخر صريعاً‏.‏

وحينئذ أخذ الراية جعفر بن أبي طالب، وطفق يقاتل قتالاً منقطع النظير، حتىإذا أرهقه القتال اقتحم عن فرسه الشقراء فعقرها، ثم قاتل حتى قطعت يمينه،فأخذ الراية بشماله، ولم يزل بها حتى قطعت شماله، فاحتضنها بعضديه، فلميزل رافعاً إياها حتى قتل‏.‏ يقال‏:‏ إن رومياً ضربه ضربةً قطعته نصفين،وأثابه الله بجناحيه جناحين في الجنة، يطير بهما حيث يشاء ؛ ولذلك سميبجعفر الطيار، وبجعفر ذي الجناحين‏.‏

روى البخاري عن نافع؛ أن ابن عمر أخبره‏:‏ أنه وقف على جعفر يؤمئذ وهوقتيل، فعددت به خمسين بين طعنة وضربة، ليس منها شيء في دبره، يعني ظهره‏.‏

وفي رواية أخري قال ابن عمر‏:‏ كنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بنأبي طالب فوجدناه في القتلي، ووجدنا ما في جسده بضعاً وتسعين من طعنةورمية‏.‏ وفي رواية العمري عن نافع زيادة‏:‏ ‏[‏فوجدنا ذلك فيما أقبل منجسده‏]‏‏.‏

ولما قتل جعفر بعد أن قاتل بمثل هذه الضراوة والبسالة، أخذ الراية عبدالله بن رواحة، وتقدم بها، وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه، ويتردد بعضالتردد، حتى حاد حيدة ثم قال‏:‏

ثم نزل، فأتاه ابن عم له بعَرْق من لحم فقال‏:‏ شد بهذا صلبك، فإنك قدلقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده فانتهس منه نَهْسَة، ثم ألقاه منيده، ثم أخذ سيفه فتقدم، فقاتل حتى قتل‏.‏

* الراية إلى سيف من سيوف الله‏‏ :

وحينئذ تقدم رجل من بني عَجْلان اسمه ثابت بن أقرم فأخذ الراية وقال‏:‏ يامعشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم، قالوا‏:‏ أنت‏.‏ قال‏:‏ ما أنابفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية قاتل قتالاًمريراً، فقد روي البخاري عن خالد بن الوليد قال‏:‏ لقد انقطعت في يدي يوممؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية‏.‏ وفي لفظ آخر‏:‏ لقددق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، وصبرت في يدي صفيحة لي يمانية‏.‏

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مؤتة مخبراً بالوحي، قبل أنيأتي إلى الناس الخبر من ساحة القتال‏:‏ ‏(‏أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذجعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب وعيناه تذرفان حتى أخذ الراية سيف منسيوف الله، حتى فتح الله عليهم‏)‏‏.‏

* نهاية المعركة‏ :

ومع الشجاعة البالغة والبسالة والضراوة المريرتين، كان مستغرباً جداً أنينجح هذا الجيش الصغير في الصمود أما تيارات ذلك البحر الغطمطم من جيوشالروم‏.‏ ففي ذلك الوقت أظهر خالد بن الوليد مهارته ونبوغه في تخليصالمسلمين مما ورطوا أنفسهم فيه‏.‏

واختلفت الروايات كثيراً فيما آل إليه أمر هذه المعركة أخيراً‏.‏ ويظهربعد النظر في جميع الروايات أن خالد بن الوليد نجح في الصمود أمام جيشالرومان طول النهار، في أول يوم من القتال‏.‏ وكان يشعر بمسيس الحاجة إلىمكيدة حربية تلقي الرعب في قلوب الرومان حتى ينجح في الانحياز بالمسلمينمن غير أن يقوم الرومان بحركات المطاردة‏.‏ فقد كان يعرف جيداً أن الإفلاتمن براثنهم صعب جداً لو انكشف المسلمون، وقام الرومان بالمطاردة‏.‏

فلما أصبح اليوم الثاني غير أوضاع الجيش، وعبأه من جديد، فجعل مقدمتهساقه، وميمنته ميسرة، وعلى العكس، فلما رآهم الأعداء أنكروا حالهم،وقالوا‏:‏ جاءهم مدد، فرعبوا، وصار خالد بعد أن تراءي الجيشان، وتناوشاساعة يتأخر بالمسلمين قليلاً قليلاً، مع حفظ نظام جيشه، ولم يتبعهمالرومان ظناً منهم أن المسلمين يخدعونهم، ويحاولون القيام بمكيدة ترمي بهمفي الصحراء‏.‏

وهكذا انحاز العدو إلى بلاده، ولم يفكر في القيام بمطاردة المسلمين ونجح المسلمون في الانحياز سالمين، حتى عادوا إلى المدينة‏.‏

* قتلى الفريقين‏‏ :

واستشهد يومئذ من المسلمين اثنا عشر رجلاً، أما الرومان، فلم يعرف عدد قتلاهم، غير أن تفصيل المعركة يدل على كثرتهم‏.‏

* أثر المعركة‏‏ :

وهذه المعركة وإن لم يحصل المسلمون بها على الثأر، الذي عانوا مرارتهالأجله، لكنها كانت كبيرة الأثر لسمعة المسلمين، إنها ألقت العرب كلها فيالدهشة والحيرة، فقد كانت الرومان أكبر وأعظم قوة على وجه الأرض، وكانتالعرب تظن أن معني جلادها هو القضاء على النفس وطلب الحتف بالظِّلْف، فكانلقاء هذا الجيش الصغير ثلاثة آلاف مقاتل مع ذلك الجيش الضخم العرمرمالكبير مائتا ألف مقاتل ثم الرجوع عن الغزو من غير أن تلحق به خسارةتذكر‏.‏ كان كل ذلك من عجائب الدهر، وكان يؤكد أن المسلمين من طراز آخرغير ما ألفته العرب وعرفته، وأنهم مؤيدون ومنصورون من عند الله، وأنصاحبهم رسول الله حقاً‏.‏ ولذلك نري القبائل اللدودة التي كانت لا تزالتثور على المسلمين جنحت بعد هذه المعركة إلى الإسلام، فأسلمت بنو سُلَيْموأشْجَع وغَطَفَان وذُبْيَان وفَزَارَة وغيرها‏.‏

وكانت هذه المعركة بداية اللقاء الدامي مع الرومان، فكانت توطئة وتمهيداًلفتوح البلدان الرومانية، واحتلال المسلمين الأراضي البعيدة النائية‏

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
*سرية ذات السَّلاسِل‏‏ :

ولما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بموقف القبائل العربية التي تقطنمشارف الشام في معركة مؤتة من اجتماعهم إلى الرومان ضد المسلمين، شعربمسيس الحاجة إلى القيام بحكمة بالغة توقع الفرقة بينها وبين الرومان،وتكون سبباً للائتلاف بينها وبين المسلمين، حتى لا تتحشد مثل هذه الجموعالكبيرة مرة أخري‏.‏

واختار لتنفيذ هذه الخطة عمرو بن العاص ؛ لأن أم أبيه كانت امرأة منبَلِي‏.‏ فبعثه إليهم في جمادي الآخرة سنة 8 ه على إثر معركة مؤتة ؛ليستألفهم، ويقال‏:‏ بل نقلت الاستخبارات أن جمعاً من قُضَاعَة قد تجمعوا،يريدون أن يدنوا من أطراف المدينة، فبعثه إليه، ويمكن أن يكون السبباناجتمعا معاً‏.‏

وعقد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص لواء أبيض، وجعل معهراية سوداء، وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار، ومعهم ثلاثونفرساً، وأمره أن يستعين بمن مر به من بَلِي وعُذْرَةَ وبَلْقَيْنِ‏.‏ فسارالليل وَكمَنَ النهار، فلما قرب من القوم بلغه أن لهم جمعاً كثيراً، فبعثرافع بن مَكِيثٍ الجُهَنِي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده، فبعثإليه أبا عبيدة بن الجراح في مائتين، وعقد له لواء، وبعث له سراةالمهاجرين والأنصار فيهم أبو بكر وعمر وأمره أن يلحق بعمرو، وأن يكوناجميعاً ولا يختلفا‏.‏ فلما لحق به أراد أبو عبيدة أن يؤم الناس، فقالعمرو‏:‏ إنما قدمت على مددا، وأنا الأمير، فأطاعه أبو عبيدة، فكان عمرويصلي بالناس‏.‏

وسار حتى وطئ بلاد قُضَاعَة، فدوخها حتى أتي أقصي بلادهم، ولقي في آخر ذلك جمعاً، فحمل عليهم المسلمون فهربوا في البلاد وتفرقوا‏.‏

وبعث عوف بن مالك الأشجعي بريداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بقفولهم وسلامتهم، وما كان في غزاتهم‏.‏

وذات السلاسل ‏[‏بضم السين الأولي وفتحها‏:‏ لغتان‏]‏ بقعة وراء واديالقُرَي، بينها وبين المدينة عشرة أيام‏.‏ وذكر ابن إسحاق أن المسلميننزلوا على ماء بأرض جُذَام يقال له‏:‏ السلسل، فسمي ذات السلاسل‏.‏


* سرية أبي قتادة إلى خضرة‏ :

كانت هذه السرية في شعبان سنة 8 ه ؛ وذلك لأن بني غَطَفَان كانوا يتحشدونفي خَضِرَة وهي أرض مُحَارِب بنَجْد فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليهوسلم أبا قتادة في خمسة عشر رجلاً، فقتل منهم، وسَبَي وغنم، وكانت غيبتهخمس عشرة ليلة‏.


غزوة فتح مكة



قال ابن القيم‏:‏ هو الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجندهوحزبه الأمين، واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدي للعالمين، من أيديالكفار والمشركين، وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء، وضربت أطنابعِزِّه على مناكب الجوزاء، ودخل الناس به في دين الله أفواجاً، وأشرق بهوجه الأرض ضياء وابتهاجاً ا‏.‏ ه‏.‏

* سبب الغزوة‏‏ :

قدمنا في وقعة الحديبية أن بنداً من بنود هذه المعاهدة يفيد أن من أحب أنيدخل في عقد محمد صلى الله عليه وسلم وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل فيعقد قريش وعهدهم دخل فيه، وأن القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين تعتبرجزءاً من ذلك الفريق، فأي عدوان تتعرض له أي من تلك القبائل يعتبر عدواناًعلى ذلك الفريق‏.‏

وحسب هذا البند دخلت خُزَاعَة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخلتبنو بكر في عهد قريش، وصارت كل من القبيلتين في أمن من الأخري، وقد كانتبين القبيلتين عداوة وتوترات في الجاهلية، فلما جاء الإسلام، ووقعت هذهالهدنة، وأمن كل فريق من الآخر اغتنمها بنو بكر، وأرادوا أن يصيبوا منخزاعة الثأر القديم، فخرج نَوْفَل بن معاوية الدِّيلي في جماعة من بني بكرفي شهر شعبان سنة 8 ه، فأغاروا على خزاعة ليلاً، وهم على ماء يقال له‏:‏‏[‏الوَتِير‏]‏ فأصابوا منهم رجالاً، وتناوشوا واقتتلوا، وأعانت قريش بنيبكر بالسلاح، وقاتل معهم رجال من قريش مستغلين ظلمة الليل، حتى حازواخزاعة إلى الحرم، فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر‏:‏ يا نوفل، إنا قد دخلناالحرم، إلهك إلهك، فقال كلمة عظيمة‏:‏ لا إله اليوم يا بني بكر، أصيبواثأركم‏.‏ فلعمري إنكم لتَسرِقُون في الحرم، أفلا تصيبون ثأركم فيه‏؟‏

ولما دخلت خزاعة مكة لجأوا إلى دار بُدَيْل بن وَرْقَاء الخزاعي، وإلى دار مولي لهم يقال له‏:‏ رافع‏.‏

وأسرع عمرو بن سالم الخزاعي، فخرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليهوسلم المدينة، فوقف عليه، وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس فقال‏:‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏نصرت يا عمرو بن سالم‏)‏، ثمعرضت له سحابة من السماء، فقال‏:‏ ‏(‏إن هذه السحابة لتستهل بنصر بنيكعب‏)‏‏.‏

ثم خرج بُدَيْل بن وَرْقَاء الخزاعي في نفر من خُزَاعَة، حتى قدموا علىرسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأخبروه بمن أصيب منهم، وبمظاهرةقريش بني بكر عليهم، ثم رجعوا إلى مكة‏.




* أبو سفيان يخرج إلى المدينة ليجدد الصلح‏ :

ولا شك أن ما فعلت قريش وحلفاؤها كان غدراً محضاً ونقضاً صريحاً للميثاق،لم يكن له أي مبرر، ولذلك سرعان ما أحست قريش بغدرها، وخافت وشعرت بعواقبهالوخيمة، فعقدت مجلساً استشارياً، وقررت أن تبعث قائدها أبا سفيان ممثلاًلها ليقوم بتجديد الصلح‏.‏

وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بما ستفعله قريش إزاءغدرتهم‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم ليشد العَقْدَ، ويزيد فيالمدة‏)‏‏.‏

وخرج أبو سفيان حسب ما قررته قريش فلقي بديل بن ورقاء بعُسْفَان وهو راجعمن المدينة إلى مكة فقال‏:‏ من أين أقبلت يا بديل‏؟‏ وظن أنه أتي النبيصلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ سرت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذاالوادي‏.‏ قال‏:‏ أو ما جئت محمداً‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏

فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان‏:‏ لئن كان جاء المدينة لقد علف بهاالنوي، فأتي مبرك راحلته، فأخذ من بعرها، ففته، فرأي فيها النوي، فقال‏:‏أحلف بالله لقد جاء بديل محمداً‏.‏

وقدم أبو سفيان المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس علىفراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه، فقال‏:‏ يا بنية، أرغبت بيعن هذا الفراش، أم رغبت به عني‏؟‏ قالت‏:‏ بل هو فراش رسول الله صلى اللهعليه وسلم، وأنت رجل مشرك نجس‏.‏ فقال‏:‏ والله لقد أصابك بعدي شر‏.‏

ثم خرج حتى أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه، فلم يرد عليه شيئاً،ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ما أنا بفاعل‏.‏ ثم أتي عمر بن الخطاب فكلمه، فقال‏:‏ أأنا أشفع لكم إلىرسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ فوالله لو لم أجد إلا الذَّرَّ لجاهدتكمبه، ثم جاء فدخل على على بن أبي طالب، وعنده فاطمة، وحسن، غلام يدب بينيديهما، فقال‏:‏ يا علي، إنك أمس القوم بي رحماً، وإني قد جئت في حاجة،فلا أرجعن كما جئت خائباً، اشفع لي إلى محمد، فقال‏:‏ ويحك يا أبا سفيان،لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه‏.‏فالتفت إلى فاطمة، فقال‏:‏ هل لك أن تأمري ابنك هذا فيجير بين الناس،فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر‏؟‏ قالت‏:‏ والله ما يبلغ ابني ذاك أن يجيربين الناس، وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وحيئذ أظلمت الدنيا أمام عيني أبي سفيان، فقال لعلى بن أبي طالب في هلعوانزعاج ويأس وقنوط‏:‏ يا أبا الحسن، إني أري الأمور قد اشتدت علي،فانصحني، قال‏:‏ والله ما أعلم لك شيئاً يغني عنك‏.‏ ولكنك سيد بني كنانة،فقم فأجر بين الناس، ثم الْحَقْ بأرضك‏.‏ قال‏:‏ أو تري ذلك مغنياً عنيشيئاً‏؟‏ قال‏:‏ لا والله ما أظنه، ولكني لم أجد لك غير ذلك‏.‏ فقام أبوسفيان في المسجد، فقال‏:‏ أيها الناس، إني قد أجرت بين الناس، ثم ركببعيره، وانطلق‏.‏

ولما قدم على قريش، قالوا‏:‏ ما وراءك‏؟‏ قال‏:‏ جئت محمداً فكلمته،فوالله ما رد على شيئاً، ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيراً، ثم جئتعمر بن الخطاب، فوجدته أدني العدو، ثم جئت علياً فوجدته ألين القوم، قدأشار على بشيء صنعته، فوالله ما أدري هل يغني عني شيئاً أم لا‏؟‏ قالوا‏:‏وبم أمرك‏؟‏ قال‏:‏ أمرني أن أجير بين الناس، ففعلت، قالوا‏:‏ فهل أجازذلك محمد‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قالوا‏:‏ ويلك، إن زاد الرجل على أن لعب بك‏.‏قال‏:‏ لا والله ما وجدت غير ذلك‏.‏

* التهيؤ للغزوة ومحاولة الإخفاء‏‏ :

يؤخذ من رواية الطبراني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عائشة قبل أنيأتي إليه خبر نقض الميثاق بثلاثة أيام أن تجهزه، ولا يعلم أحد، فدخلعليها أبو بكر، فقال‏:‏ يابنية، ما هذا الجهاز‏؟‏ قالت‏:‏ والله ماأدري‏.‏ فقال‏:‏ والله ما هذا زمان غزو بني الأصفر، فأين يريد رسولالله‏؟‏ قالت‏:‏ والله لا علم لي، وفي صباح الثالثة جاء عمرو بن سالمالخزاعي في أربعين راكباً، وارتجز‏:‏ يا رب إني ناشد محمداً‏.‏‏.‏‏.‏الأبيات‏ .‏ فعلم الناس بنقض الميثاق، وبعد عمرو جاء بديل، ثم أبو سفيان،وتأكد عند الناس الخبر، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاز،وأعلمهم أنه سائر إلى مكة، وقال‏:‏ ‏(‏اللّهم خذ العيون والأخبار عن قريشحتى نبغتها في بلادها‏)‏‏.‏

وزيادة في الإخفاء والتعمية بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية قوامهاثمانية رجال، تحت قيادة أبي قتادة بن رِبْعِي، إلى بطن إضَم، فيما بين ذيخَشَب وذي المروة، على ثلاثة بُرُد من المدينة، في أول شهر رمضان سنة 8 ه؛ ليظن الظان أنه صلى الله عليه وسلم يتوجه إلى تلك الناحية، ولتذهب بذلكالأخبار، وواصلت هذه السرية سيرها، حتى إذا وصلت حيثما أمرت بلغها أن رسولالله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة، فسارت إليه حتى لحقته‏.‏

وكتب حاطب بن أبي بَلْتَعَة إلى قريش كتاباً يخبرهم بمسير رسول الله صلىالله عليه وسلم إليهم، ثم أعطاه امرأة، وجعل لها جُعْلاً على أن تبلغهقريشاً، فجعلته في قرون رأسها، ثم خرجت به، وأتي رسول الله صلى الله عليهوسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث علياً والمقداد والزبير بنالعوام وأبا مَرْثَد الغَنَوِي فقال‏:‏ ‏(‏انطلقوا حتى تأتوا رَوْضَةَخَاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب إلى قريش‏)‏، فانطلقوا تعادي بهم خيلهم حتىوجدوا المرأة بذلك المكان، فاستنزلوها، وقالوا‏:‏ معك كتاب‏؟‏ فقالت‏:‏ مامعي كتاب، ففتشوا رحلها فلم يجدوا شيئاً‏.‏ فقال لها علي‏:‏ أحلف بالله،ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كذبنا، والله لتخرجن الكتاب أولنجردنك‏.‏ فلما رأت الجد منه قالت‏:‏ أعرض، فأعرض، فحلت قرون رأسها،فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليهم، فأتوا به رسول الله صلى الله عليهوسلم، فإذا فيه‏:‏ ‏(‏من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش‏)‏ يخبرهم بمسير رسولالله صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطباً،فقال‏:‏ ‏(‏ما هذا يا حطب‏؟‏‏)‏ فقال‏:‏ لا تَعْجَلْ على يا رسول الله‏.‏والله إني لمؤمن بالله ورسوله، وما ارتددت ولا بدلت، ولكني كنت امرأمُلْصَقًا في قريش ؛ لست من أنْفَسِهم، ولي فيهم أهل وعشيرة وولد، وليس ليفيهم قرابة يحمونهم، وكان من معك له قرابات يحمونهم، فأحببت إذ فاتني ذلكأن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي‏.‏ فقال عمر بن الخطاب‏:‏ دعني يارسول الله أضرب عنقه، فإنه قد خان الله ورسوله، وقد نافق، فقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنه قد شهد بدراً، وما يدريك يا عمر لعل الله قداطلع على أهل بدر فقال‏:‏ اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم‏)‏، فذَرَفَتْ عيناعمر، وقال‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏

وهكذا أخذ الله العيون، فلم يبلغ إلى قريش أي خبر من أخبار تجهز المسلمين وتهيئهم للزحف والقتال‏.‏

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
*الجيش الإسلامي يتحرك نحو مكة‏‏ :

ولعشر خلون من شهر رمضان المبارك 8 ه، غادر رسول الله صلى الله عليه وسلمالمدينة متجهاً إلى مكة، في عشرة ألاف من الصحابة رضي الله عنهم، واستخلفعلى المدينة أبا رُهْم الغفاري‏.‏

ولما كان بالجُحْفَة أو فوق ذلك لقيه عمه العباس بن عبد المطلب، وكان قدخرج بأهله وعياله مسلماً مهاجراً، ثم لما كان رسول الله صلى الله عليهوسلم بالأبواء لقيه ابن عمه أبو سفيان ابن الحارث وابن عمته عبد الله بنأبي أمية، فأعرض عنهما، لما كان يلقاه منهما من شدة الأذي والهجو، فقالتله أم سلمة‏:‏ لا يكن ابن عمك وابن عمتك أشقي الناس بك‏.‏ وقال على لأبيسفيان بن الحارث‏:‏ ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل وجهه، فقل لهما قال إخوة يوسف ليوسف‏:‏ ‏{‏قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُعَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏91‏]‏، فإنه لا يرضي أنيكون أحد أحسن منه قولاً‏.‏ ففعل ذلك أبو سفيان، فقال له رسول الله صلىالله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُاللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏92‏]‏، فأنشدهأبو سفيان أبياتاً منها‏:‏

فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال‏:‏ ‏(‏أنتَ طَرَّدْتَنِي كل مُطَرَّد‏؟‏‏)‏‏.‏


* الجيش الإسلامي ينزل بمَرِّ الظَّهْرَان‏‏ :

وواصل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيره وهو صائم، والناس صيام، حتى بلغالكُدَيْد وهو ماء بين عُسْفَان وقُدَيْد فأفطر، وأفطر الناس معه‏.‏ ثمواصل سيره حتى نزل بمر الظهران وادي فاطمة نزله عشاء، فأمر الجيش، فأوقدواالنيران، فأوقدت عشرة آلاف نار، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم علىالحرس عمر بن الخطاب رضي الله عنه

* أبو سفيان بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ :

وركب العباس بعد نزول المسلمين بمر الظهران بغلة رسول الله صلى الله عليهوسلم البيضاء، وخرج يلتمس، لعله يجد بعض الحَطَّابة أو أحداً يخبر قريشاًليخرجوا يستأمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يدخلها‏.‏

وكان الله قد عمي الأخبار عن قريش، فهم على وَجَلٍ وترقب، وكان أبو سفيانيخرج يتجسس الأخبار، فكان قد خرج هو وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاءيتجسسون الأخبار‏.‏

قال العباس‏:‏ والله إني لأسير عليها أي على بغلة رسول الله صلى الله عليهوسلم إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء، وهما يتراجعان، وأبو سفيانيقول‏:‏ ما رأيت كالليلة نيراناً قط ولا عسكراً‏.‏ قال‏:‏ يقول بديل‏:‏هذه والله خزاعة، حَمَشَتْها الحرب، فيقول أبو سفيان‏:‏ خزاعة أقل وأذل منأن تكون هذه نيرانها وعسكرها‏.‏

قال العباس‏:‏ فعرفت صوته، فقلت‏:‏ أبا حَنْظَلَة‏؟‏ فعرف صوتي، فقال‏:‏أبا الفضل‏؟‏ قلت‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ مالك‏؟‏ فداك أبي وأمي‏.‏ قلت‏:‏ هذارسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، واصباح قريش والله‏.‏

قال‏:‏ فما الحيلة فداك أبي وأمي‏؟‏، قلت‏:‏ والله لئن ظفر بك ليضربنعنقك، فاركب في عجز هذه البغلة، حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلمفأستأمنه لك، فركب خلفي، ورجع صاحباه‏.‏

قال‏:‏ فجئت به، فكلما مررت به على نار من نيران المسلمين، قالوا‏:‏ منهذا‏؟‏ فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها قالوا‏:‏عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته‏.‏ حتى مررت بنار عمر بنالخطاب فقال‏:‏ من هذا‏؟‏ وقام إلى، فلما رأي أبا سفيان على عجز الدابةقال‏:‏ أبو سفيان، عدو الله‏؟‏ الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد،ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركضتُ البغلة فسبقت،فاقتحمت عن البغلة، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل عليهعمر، فقال‏:‏ يا رسول الله، هذا أبو سفيان فدعني أضرب عنقه، قال‏:‏ قلت‏:‏يا رسول الله، إني قد أجرته، ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمفأخذت برأسه، فقلت‏:‏ والله لا يناجيه الليلة أحد دوني، فلما أكثر عمر فيشأنه قلت‏:‏ مهلاً يا عمر، فوالله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلتمثل هذا، قال‏:‏ مهلاً يا عباس، فوالله لإسلامك كان أحب إلى من إسلامالخطاب، لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب‏.‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذاأصبحت فأتني به‏)‏، فذهبت، فلما أصبحت غدوت به إلى رسول الله صلى اللهعليه وسلم، فلما رآه قال‏:‏ ‏(‏ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنلا إله إلا الله‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك‏؟‏لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغني عني شيئاً بعد‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله‏؟‏‏)‏،قال‏:‏ بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك‏:‏ أما هذه فإن في النفسحتى الآن منها شيء‏.‏ فقال له العباس‏:‏ ويحك أسلم، واشهد أن لا إله إلاالله، وأن محمداً رسول الله، قبل أن تضرب عنقك، فأسلم وشهد شهادة الحق‏.‏

قال العباس‏:‏ يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل لهشيئاً‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليهبابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن‏)‏‏.‏

* الجيش الإسلامي يغادر مر الظهران إلى مكة‏‏ :

و
في هذا الصباح صباح يوم الثلاثاء للسابع عشر من شهر رمضان سنة 8 ه غادررسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران إلى مكة، وأمر العباس أن يحبسأبا سفيان بمضيق الوادي عند خَطْمِ الجبل، حتى تمر به جنود الله فيراها،ففعل، فمرت القبائل على راياتها، كلما مرت به قبيلة قال‏:‏ يا عباس، منهذه‏؟‏ فيقول مثلا سليم، فيقول‏:‏ مإلى ولِسُلَيْم‏؟‏ ثم تمر به القبيلةفيقول‏:‏ يا عباس، من هؤلاء‏؟‏ فيقول‏:‏ مُزَيْنَة، فيقول‏:‏ ما ليولمزينة‏؟‏ حتى نفذت القبائل، ما تمر به قبيلة إلا سأل العباس عنها، فإذاأخبره قال‏:‏ مالي ولبني فلان‏؟‏ حتى مر به رسول الله صلى الله عليه وسلمفي كتيبته الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار، لا يري منهم إلا الحَدَق منالحديد، قال‏:‏ سبحان الله‏!‏ يا عباس، من هؤلاء‏؟‏ قال‏:‏ هذا رسول اللهصلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار، قال‏:‏ ما لأحد بهؤلاء قِبَلٌولا طاقة‏.‏ ثم قال‏:‏ والله يا أبا الفضل، لقد أصبح مُلْكُ ابن أخيكاليوم عظيماً‏.‏ قال العباس‏:‏ يا أبا سفيان، إنها النبوة، قال‏:‏ فنعمإذن‏.‏

وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة، فلما مر بأبي سفيان قال له‏:‏ اليوميوم الملحمة، اليوم تُسْتَحَلُّ الحُرْمَة، اليوم أذل الله قريشاً‏.‏ فلماحاذي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان قال‏:‏ يا رسول الله، ألمتسمع ما قال سعد‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏وما قال‏؟‏‏)‏ فقال‏:‏ قال كذا وكذا‏.‏ فقالعثمان وعبد الرحمن بن عوف‏:‏ يا رسول الله، ما نأمن أن يكون له في قريشصولة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏بل اليوم يوم تُعَظَّم فيهالكعبة، اليوم يوم أعز الله فيه قريشاً‏)‏ ثم أرسل إلى سعد فنزع منهاللواء، ودفعه إلى ابنه قيس، ورأي أن اللواء لم يخرج عن سعد‏.‏ وقيل‏:‏ بلدفعه إلى الزبير‏.‏

* قريش تباغت زحف الجيش الإسلامي‏ :

ولما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان ومضي قال له العباس‏:‏النجاء إلى قومك‏.‏ فأسرع أبو سفيان حتى دخل مكة، وصرخ بأعلى صوته‏:‏ يامعشر قريش، هذا محمد، قد جاءكم فيما لا قبل لكم به‏.‏ فمن دخل دار أبيسفيان فهو آمن‏.‏ فقامت إليه زوجته هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت‏:‏اقتلوا الحَمِيت الدسم الأخمش الساقين، قُبِّحَ من طَلِيعَة قوم‏.‏

قال أبو سفيان‏:‏ ويلكم، لاتغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم بما لاقبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن‏.‏ قالوا‏:‏ قاتلك الله، وماتغني عنا دارك‏؟‏ قال‏:‏ ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهوآمن‏.‏ فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد، ووبشوا أوباشاً لهم، وقالوا‏:‏نقدم هؤلاء، فإن كان لقريش شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا‏.‏فتجمع سفهاء قريش وأخِفَّاؤها مع عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وسهيلبن عمرو بالخَنْدَمَة ليقاتلوا المسلمين‏.‏ وكان فيهم رجل من بني بكرحِمَاس بن قيس كان يعد قبل ذلك سلاحاً، فقالت له امرأته‏:‏ لماذا تعد ماأري‏؟‏ قال‏:‏ لمحمد وأصحابه‏.‏ قالت‏:‏ والله ما يقوم لمحمد وأصحابهشيء‏.‏ قال‏:‏ إني والله لأرجو أن أخدمك بعضهم، ثم قال‏:‏

إن يقبلوا اليوم فمالي عِلَّه ** هذا سلاح كامل وألَّه

وذو غِرَارَيْن سريع السَّلَّة **

فكان هذا الرجل فيمن اجتمعوا في الخندمة‏.‏

*الجيش الإسلامي بذي طُوَى‏‏ :

أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضي حتى انتهي إلى ذي طوي وكان يضعرأسه تواضعاً لله حين رأي ما أكرمه الله به من الفتح، حتى أن شعر لحيتهليكاد يمس واسطة الرحل وهناك وزع جيشه، وكان خالد بن الوليد علىالمُجَنَّبَةِ اليمني وفيها أسْلَمُ وسُلَيْم وغِفَار ومُزَيْنَةوجُهَيْنَة وقبائل من قبائل العرب فأمره أن يدخل مكة من أسفلها، وقال‏:‏‏(‏إن عرض لكم أحد من قريش فاحصدوهم حصداً، حتى توافوني على الصفا‏)‏‏.‏

وكان الزبير بن العوام على المُجَنَّبَةِ اليسري، وكان معه راية رسول اللهصلى الله عليه وسلم، فأمره أن يدخل مكة من أعلاها من كَدَاء وأن يغرزرايته بالحَجُون، ولا يبرح حتى يأتيه‏.‏

وكان أبو عبيدة على الرجالة والحُسَّر وهم الذيم لاسلاح معهم فأمره أنيأخذ بطن الوادي حتى ينصب لمكة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

* الجيش الإسلامي يدخل مكة‏ :

وتحركت كل كتيبة من الجيش الإسلامي على الطريق التي كلفت الدخول منها‏.‏

فأما خالد وأصحابه فلم يلقهم أحد من المشركين إلا أناموه‏.‏ وقتل منأصحابه من المسلمين كُرْز بن جابر الفِهْرِي وخُنَيْس بن خالد بن ربيعة‏.‏كانا قد شذا عن الجيش، فسلكا طريقاً غير طريقه فقتلا جميعاً، وأما سفهاءقريش فلقيهم خالد وأصحابه بالخَنْدَمَة فناوشوهم شيئا من قتال، فأصابوا منالمشركين اثني عشر رجلاً، فانهزم المشركون، وانهزم حِمَاس بن قيس الذي كانيعد السلاح لقتال المسلمين حتى دخل بيته، فقال لامرأته‏:‏ أغلقي علىبابي‏.‏

فقالت‏:‏ وأين ما كنت تقول‏؟‏ فقال‏:‏

وأقبل خالد يجوس مكة حتى وافى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا‏.‏

وأما الزبير فتقدم حتى نصب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحَجُونعند مسجد الفتح، وضرب له هناك قبة، فلم يبرح حتى جاءه رسول الله صلى اللهعليه وسلم‏.‏

* الرسول صلى الله عليه وسلم يدخل المسجد الحرام ويطهره من الأصنام‏ :

ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفهوحوله، حتى دخل المسجد، فأقبل إلى الحجر الأسود، فاستلمه، ثم طاف بالبيت،وفي يده قوس، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها بالقوس،ويقول‏:‏ ‏{‏جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَزَهُوقًا‏}‏‏[‏الإسراء‏:‏81‏]‏، ‏{‏قُلْ جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُالْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏49‏]‏ والأصنام تتساقط علىوجوهها‏.‏

وكان طوافه على راحلته، ولم يكن محرماً يومئذ، فاقتصر على الطواف، فلماأكمله دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، فأمر بها ففتحت فدخلها،فرأي فيها الصور، ورأي فيها صورة إبراهيم، وإسماعيل عليهما السلاميستقسمان بالأزلام، فقال‏:‏ ‏(‏قاتلهم الله، والله ما استقسما بهاقط‏)‏‏.‏ ورأي في الكعبة حمامة من عيدان، فكسرها بيده، وأمر بالصورفمحيت‏.‏

* الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي في الكعبة ثم يخطب أمام قريش‏ :

ثم أغلق عليه الباب، وعلى أسامة وبلال، فاستقبل الجدار الذي يقابل البابحتى إذا كان بينه وبينه ثلاثة أذرع وقف، وجعل عمودين عن يساره، وعموداً عنيمينه، وثلاثة أعمدة وراءه وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ثم صلي هناك‏.‏ثم دار في البيت، وكبر في نواحيه، ووحد الله، ثم فتح الباب، وقريش قد ملأتالمسجد صفوفاً ينتظرون ماذا يصنع‏؟‏ فأخذ بعضادتي الباب وهم تحته، فقال‏:‏

‏(‏لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزابوحده، ألا كل مأثُرَة أو مال أو دم فهو تحت قدمي هاتين، إلا سِدَانَةالبيت وسِقاية الحاج، ألاوقتيل الخطأ شبه العمد السوط والعصا ففيه الديةمغلظة، مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولاد‏.‏

يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناسمن آدم، وآدم من تراب ثم تلا هذه الآية‏:‏ ‏{‏يا أيها الناس إنا خلقناكممن ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكمإن الله عليم خبير‏}‏‏.

لا تثريب عليكم اليوم :

ثم قال‏:‏ ‏(‏يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ خيرًا، أخكريم وابن أخ كريم، قال‏:‏ ‏(‏فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته‏:‏‏{‏لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ‏}‏ اذهبوا فأنتم الطلقاء‏)‏‏.



* مفتاح البيت إلى أهله :

ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فقام إليه علي رضي اللهعنه ومفتاح الكعبة في يده فقال‏:‏ اجمع لنا الحجابة مع السقاية، صلى اللهعليك وفي رواية أن الذي قال ذلك هو العباس فقال رسول الله صلى الله عليهوسلم‏:‏ ‏(‏أين عثمان بن طلحة‏؟‏‏)‏‏.‏ فدعي له، فقال له‏:‏ ‏(‏هاك مفتاحكيا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء‏)‏، وفي رواية ابن سعد في الطبقات أنه قالله حين دفع المفتاح إليه‏:‏ ‏(‏خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلاظالم، يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته، فكلوا مما يصل إليكم من هذاالبيت بالمعروف‏
)‏‏.‏


* بلال يؤذن على الكعبة :

وحانت الصلاة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا أن يصعد فيؤذن علىالكعبة، وأبو سفيان بن حرب، وعتاب بن أسيد، والحارث بن هشام جلوس بفناءالكعبة، فقال عتاب‏:‏ لقد أكرم الله أسيدا ألا يكون سمع هذا، فيسمع منه مايغيظه‏.‏ فقال الحارث‏:‏ أما والله لو أعلم أنه حق لاتبعته‏.‏ فقال أبوسفيان‏:‏ أما والله لا أقول شيئًا، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصباء‏.‏فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم‏:‏ ‏(‏لقد علمت الذيقلتم‏)‏ ثم ذكر ذلك لهم‏.‏

فقال الحارث وعتاب‏:‏ نشهد أنك رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك‏.‏

* صلاة الفتح أو صلاة الشكر
:


ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ دار أم هانئ بنت أبي طالب،فاغتسل وصلى ثماني ركعات في بيتها وكان ضحى فظنها من ظنها صلاة الضحى،وإنما هذه صلاة الفتح، وأجارت أم هانئ حموين لها، فقال رسول الله صلى اللهعليه وسلم‏:‏ ‏(‏قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ‏)‏، وقد كان أخوها علي بنأبي طالب أراد أن يقتلهما، فأغلقت عليهما باب بيتها، وسألت النبي صلى اللهعليه وسلم فقال لها ذلك‏.‏

* إهدار دم رجال من أكابر المجرمين :

وأهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ دماء تسعة نفر من أكابرالمجرمين، وأمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، وهم عبد العزى بن خطل،وعبدالله بن سعد بن أبي سرح، وعكرمة بن أبي جهل، والحارث بن نفيل بن وهب،ومقيس بن صبابة، وهبار بن الأسود، وقينتان كانتا لابن الأخطل، كانت تغنيانبهجو النبي صلى الله عليه وسلم، وسارة مولاة لبعض بني عبد المطلب، وهيالتي وجد معها كتاب حاطب‏.‏

فأما ابن أبي سرح فجاء به عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وشفع فيه،فحقن دمه، وقبل إسلامه بعد أن أمسك عنه رجاء أن يقوم إليه بعض الصحابةفيقتله، وكان قد أسلم قبل ذلك وهاجر، ثم ارتد ورجع إلى مكة‏.‏

وأما عكرمة بن أبي جهل، ففر إلى اليمن، فاستأمنت له امرأته، فأمنه النبي صلى الله عليه وسلم فتبعته، فرجع معها وأسلم وحسن إسلامه‏.‏

وأما ابن خطل فكان متعلقًا بأستار الكعبة، فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره، فقال‏:‏ ‏(‏اقتله‏)‏ فقتله‏.‏

وأما مقيس بن صبابة فقتله نميلة بن عبدالله، وكان مقيس قد أسلم قبل ذلك،ثم عدا على رجل من الأنصار فقتله، ثم ارتد ولحق بالمشركين‏.‏

وأما الحارث فكان شديد الأذى لرسول الله بمكة، فقتله علي‏.‏

وأما هبار بن الأسود فهو الذي كان قد عرض لزينب بنت رسول الله صلى اللهعليه وسلم حين هاجرت، فنخس بها حتى سقطت على صخرة وأسقطت جنينها، ففر هباريوم مكة ثم أسلم وحسن إسلامه‏.‏

وأما القينتان فقتلت إحداهما، واستؤمن للأخرى فأسلمت، كما استؤمن لسارة وأسلمت‏.‏

قال ابن حجر‏:‏ وذكر أبو معشر فيمن أهدر دمه الحارث بن طلاطل الخزاعي،قتله على‏.‏ وذكر الحاكم أيضاً ممن أهدر دمه كعب بن زهير، وقصته مشهورة،وقد جاء بعد ذلك وأسلم ومدح، ووحشي بن حرب، وهند بنت عتبة امرأه أبيسفيان، وقد أسلمت، وأرنب مولاه ابن خطل أيضاً قتلت، وأم سعد قتلت، فيماذكر ابن إسحاق، فكملت العدة ثامنية رجال وست نسوة، ويحتمل أن تكون أرنبوأم سعد القينتان، أختلف في اسمهما أو باعتبار الكنية واللقب‏.‏

* إسلام صفوان بن أمية، وفضالة بن عمير :

لم يكن صفوان ممن أهدر دمه، لكنه بصفته زعيماً كبيراً من زعماء قريش خافعلى نفسه وفر، فاستأمن له عمير بن وهب الجمحي رسول الله صلى الله عليهوسلم فأمنه، وأعطاه عمامته التي دخل بها مكة، فلحقة عمير وهو يريد أن يركبالبحر من جدة إلى اليمن فرده، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏اجعلني بالخيار شهرين‏.‏ قال ‏(‏أنت بالخيار أربعة أشهر‏)‏ ثم أسلم صفوان،وقد كانت امرأته أسلمت قبله، فأقرهما على النكاح الأول‏.‏

وكان فضالة رجلاً جريئا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو فيالطواف؛ ليقتله، فأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بما في نفسه فأسلم‏.‏

* خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم الثاني من الفتح‏:‏

ولما كان الغد من يوم الفتح قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناسخطيباً، فحمد الله، وأثنى عليه، ومجده بما هو أهله، ثم قال‏:‏ ‏(‏أيهاالناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام بحرمة الله إلىيوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دماً،أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلمفقولوا‏:‏ إن الله أذن لرسولة ولم يأذن لكم، وإنما حلت لي ساعة من نهار،وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب‏)‏‏.‏

وفي رواية‏:‏ ‏(‏لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده ولا تلتقط ساقطته إلا منعرفها، ولا يختلى خلاه‏)‏، فقال العباس‏:‏ يا رسول الله، إلا الإذخر، فإنهلقينهم وبيوتهم، فقال‏:‏ ‏(‏إلا الإذخر‏)‏‏.‏

وكانت خزاعة قتلت يومئذ رجلا من بنى ليث بقتيل لهم في الجاهلية، فقال رسولالله صلى الله عليه وسلم بهذا الصدد‏:‏ ‏(‏يا معشر خزاعة، ارفعو أيديكم عنالقتل، فلقد كثر القتل إن نفع، ولقد قتلتم قتيالا لأدينه، فمن قتل بعدمقامي هذا فأهله بخير النظرين، إن شاءوا فدم قاتله، وإن شاءوا فعقله‏)‏‏.‏

وفي رواية‏:‏ فقام رجل من أهل اليمن يقال له‏:‏ شاه فقال‏:‏ اكتب لي يارسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏اكتبو لأبي شاه‏)‏‏.‏

* تخوف الأنصار من بقاء الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة :

ولما تم فتح مكة على الرسول صلى الله عليه وسلم - وهي بلده ووطنه ومولده -قال الأنصار فيما بينهم‏:‏ أترون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ فتحالله عليه أرضه وبلده أن يقيم بها - وهو يدعو على الصفا رافعاً يديه -فلما فرغ من دعائة قال‏:‏ ‏(‏ماذا قلتم‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ لا شيء يا رسولالله، فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏‏(‏معاذ الله، المحيا محياكم، والممات مماتكم‏)‏‏.

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
* أخذ البيعة :

وحين فتح الله مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، تبين لأهلمكة الحق، وعلموا أن لا سبيل إلى النجاح إلا الإسلام، فأذعنوا له،واجتمعوا للبيعة، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا يبايعالناس، وعمر بن الخطاب أسفل منه، يأخذ على الناس فبايعوه على السمعوالطاعة فيما استطاعوا‏.‏

وفي المدارك‏:‏ روى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من بيعة الرجالأخذ في بيعة النساء، وهو على الصفا، وعمر قاعد أسفل منه، يبايعهن بأمره،ويبلغهن عنه، فجاءت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متنكرة، خوفاً من رسولالله صلى الله عليه وسلم أن يعرفها؛ لما صنعت بحمزة، فقال رسول الله صلىالله عليه وسلم ‏(‏أبايعكن على ألا تشركن بالله شيئا‏)‏، فبايع عمر النساءعلى ألا يشركن بالله شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ولاتسرقن‏)‏ فقالت هند‏:‏ إن أبا سفيان رجل شحيح، فإن أنا أصبت من مالههنات‏؟‏ فقال أبو سفيان‏:‏ وما أصبت فهو لك حلال، فضحك رسول الله صلى اللهعليه وسلم وعرفها، فقال‏:‏ ‏(‏وإنك لهند‏؟‏‏)‏ قالت‏:‏ نعم، فاعف عما سلفيا نبي الله، عفا الله عنك‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏ولا يزنين‏)‏‏.‏ فقالت‏:‏ أو تزني الحرة‏؟‏

فقال‏:‏ ‏(‏ولا يقتلن أولادهن‏)‏‏.‏ فقالت‏:‏ ربيناهم صغارا، وقتلناهمكبارا، فأنتم وهم أعلم وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر فضحكعمر حتى استلقى فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا يأتين ببهتان‏)‏ فقالت‏:‏ والله إن البهتان لأمر قبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏ولا يعصينك في معروف‏)‏ فقالت‏:‏ والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك‏.‏

ولما رجعت جعلت تكسر صنمها وتقول‏:‏ كنا منك في غرور‏.‏

وفي الصحيح‏:‏ جاءت هند بنت عتبة فقالت‏:‏ يا رسول الله ما كان على ظهرالأرض من أهل خباء أحب إلي أن يذلوا من أهل خبائك، ثم ما أصبح اليوم علىظهر الأرض أهل خباء أحب إلي أن يغزوا من أهل خبائك‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏وأيضا،والذي نفسي بيده‏)‏ قالت‏:‏ يا رسول ال،له إن أبا سفيان رجل مسيك فهل عليحرج أن أطعم من الذي له عيالنا‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏لا أره إلا بالمعروف‏)‏‏.‏

* إقامته صلى الله عليه وسلم بمكة وعمله فيها :

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة تسعة عشر يومًا يجدد معالمالإسلام، ويرشد الناس إلى الهدى والتقى، وخلال هذه الآيام أمر أبا أسيدالخزاعي، فجدد أنصاب الحرم، وبث سراياه للدعوة إلى الإسلام، ولكسر الأوثانالتي كانت حول مكة، فكسرت كلها، ونادى مناديه بمكة‏:‏ من كان يؤمن باللهواليوم الآخر فلا يدع في بيته صنما إلا كسره‏
.‏


* السرايا والبعوث :

1 ولما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح بعث خالد بن الوليدإلى العزى لخمس ليال بقين من شهر رمضان سنة 8 ه ليهدمها وكانت بنخلة،وكانت لقريش وجميع بني كنانة وهي أعظم أصنامهم‏.‏ وكان سدنتها بني شيبان،فخرج إليها خالد في ثلاثين فارسًا حتى انتهى إليها، فهدمها‏.‏ ولما رجعإليها سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏هل رأيت شيئا‏؟‏‏)‏ قال ‏:‏لا قال‏:‏ ‏(‏فإنك لم تهدمها فارجع إليها فاهدمها‏)‏ فرجع خالد متغيظًا قدجرد سيفه فخرجت إليه امرأة عريانة سوداء ناشرة الرأس فجعل السادن يصيحبها، فضربها خالد فجزلها باثنتين، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليهوسلم فأخبره، فقال‏:‏ ‏(‏نعم، تلك العزى، وقد أيست أن تعبد في بلادكمأبدا‏)‏‏.‏

2 ثم بعث عمرو بن العاص في نفس الشهر إلى سواع ليهدمه وهو صنم لهذيلبرهاط، على قرابة 150 كيلوا مترا شمال شرقي مكة، فلما انتهى إليه عمرو قالله السادن‏:‏ ما تريد‏؟‏ قال‏:‏ أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنأهدمه قال‏:‏ لا تقدر على ذلك قال‏:‏ لم ‏؟‏ قال تمنع قال‏:‏ حتى الآن أنتعلى الباطل‏؟‏ ويحك فهل يسمع أو يبصر‏؟‏ ثم دنا فكسره، وأمر أصحابه فهدموابيت خزانته فلم يجدوا فيه شيئا، ثم قال للسادن‏:‏ كيف رأيت‏؟‏ قال‏:‏أسلمت لله‏.‏

3 وفي الشهر نفسه بعث سعد بن زيد بن الأشهلي في عشرين فارسًا إلى مناةوكانت بالمشلل عند قديد للأوس والخزرج وغسان وغيرهم، فلما انتهى سعد إليهاقال له سادنها‏:‏ ما تريد‏؟‏ قال‏:‏ هدم مناة، قال‏:‏ أنت وذاك، فأقبلإليها سعد، وخرجت امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس، تدعو بالويل، وتضربصدرها، فقال لها السادن‏:‏ مناة دونك بعض عصاتك‏.‏ فضربها سعد فقتلها،وأقبل إلى الصنم فهدمه وكسره، ولم يجدوا في خزانته شيئًا‏.‏

4 ولما رجع خالد بن الوليد من هدم العزى بعثه رسول الله صلى الله عليهوسلم في شوال من نفس السنة 8ه إلى بني جذيمة داعيا إلى الإسلام لا مقاتلافخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار وبني سليم، فانتهىإليهم فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا‏:‏ أسلمنا، فجعلوايقولون‏:‏ صبأنا، صبأنا‏.‏ فجعل خالد يقتلهم ويأسرهم ودفع إلى كل رجل ممنكان معه أسيرًا، فأمر يومًا أن يقتل كل رجل أسيره فأبى ابن عمر وأصحابهحتى قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، فذكروا له، فرفع صلى الله عليهوسلم يديه وقال ‏:‏ ‏(‏اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالدًا‏)‏ مرتين‏.‏

وكانت بنو سليم هم الذين قتلوا أسراهم دون المهاجرين والأنصار وبعث رسولالله صلى الله عليه وسلم عليًا فودى لهم قتلاهم وما ذهب منهم وكان بينخالد وعبد الرحمن بن عوف كلام وشر في ذلك فبلغ النبي صلى الله عليه وسلمفقال‏:‏ ‏(‏مهلا يا خالد، دع عنك أصحابي، فوالله لو كان أحد ذهبا، ثمأنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته‏)‏‏.‏

تلك هي غزوة فتح مكة، وهي المعركة الفاصلة والفتح الأعظم الذي قضى علىكيان الوثنية قضاء باتًا، ولم يترك لبقائها مجالا ولا مبررا في ربوعالجزيرة العربية، فقد كانت عامة القبائل تنتظر ماذا يتمخض عنه العراكوالاصطدام الذي كان دائرًا بين المسلمين والوثنيين وكانت تلك القبائل تعرفجيدا أن الحرم لا يسيطر عليه إلا من كان على الحق وكان قد تأكد لديهم هذاالاعتقاد الجازم أي تأكد قبل نصف القرن حين قصد أصحاب الفيل هذا البيتفأهلكوا وجعلوا كعصف مأكول‏.‏

وكان صلح الحديبية مقدمة وتوطئة بين يدي هذا الفتح العظيم، أمن الناس بهوكلم بعضهم بعضًا، وناظره في الإسلام، وتمكن من اختفى من المسلمين بمكة منإظهار دينه والدعوة إليه والمناظرة عليه، ودخل بسببه كثير في الإسلام، حتىإن عدد الجيش الإسلامي الذي لم يزد في الغزوات السالفة على ثلاث آلاف إذاهو يزخر في هذه الغزوة في عشرة آلاف‏.‏

وهذه الغزوة الفاصلة فتحت أعين الناس وأزالت عنها آخر الستور التي كانتتحول بينها وبين الإسلام وبهذا الفتح سيطر المسلمون على الموقف السياسيوالديني كليهما معا في طول جزيرة العرب وعرضها، فقد انتقلت إليهم الصدارةالدينية والزعامة الدنيوية‏.‏

فالطور الذي كان قد بدأ بعد صلح الحديبية لصالح المسلمين قد تم وكمل بهذاالفتح المبين، وبدأ بعد ذلك طور آخر كان لصالح المسلمين تمامًا، وكان لهمفيه السيطرة على الموقف تمامًا‏.‏ ولم يبق لأقوام العرب إلا أن يفدوا إلىرسول الله صلى الله عليه وسلم فيعتنقوا الإسلام ويحملوا دعوته إلى العالم،وقد تم استعدادهم لذلك في سنتين آتيتين‏.‏

* المرحلة الثالثة :

وهي آخر مرحلة من مراحل حياة الرسول صلى الله عليه وسلم‏.‏ تمثل النتائجالتي أثمرتها دعوته الإسلامية بعد جهاد طويل وعناء ومتاعب وقلاقل وفتنواضطرابات ومعارك وحروب دامية واجهتها طيلة بضعة وعشرين عامًا‏.‏

وكان فتح مكة هو أعظم فتح حصل عليه المسلمون في هذه الأعوام، تغير لأجلهمجرى الأيام، وتحول به جو العرب، فقد كان الفتح حدًا فاصلا بين السابقةعليه وبين ما بعده، فإن قريشًا كانت في نظر العرب حماة الدين وأنصاره،والعرب في ذلك تبع لهم، فخضوع قريش يعتبر القضاء الأخير على الدين الوثنيفي جزيرة العرب‏.‏

ويمكن أن نقسم هذه المرحلة إلى صفحتين‏:‏

1 صفحة المجاهدة والقتال‏.‏

2 صفحة تسابق الشعوب والقبائل إلى اعتناق الإسلام‏.‏

وهاتان الصفحتان متلاصقتان تناوبتا في هذه المرحلة، ووقعت كل واحدة منهماخلال الأخرى إلا أنا اخترنا في الترتيب الوضعي أن نأتي على ذكر كل منالصفحتين متميزة عن الأخرى، ونظرًا إلى صفحة القتال ألصق بما مضى، وأكثرمناسبة من الأخرى قدمناها في الترتيب‏.

غزوة حنين



إن فتح مكة جاء عقب ضربة خاطفة شَدَهَ لها العرب، وبوغتت القبائل المجاورةبالأمر الواقع، الذي لم يكن يمكن لها أن تدفعه، ولذلك لم تمتنع عنالاستسلام إلا بعض القبائل الشرسة القوية المتغطرسة، وفي مقدمتها بطونهوازن وثقيف، واجتمعت إليها نَصْرٌ وجُشَمٌ وسعد بن بكر وناس من بني هلالوكلها من قيس عَيْلان رأت هذه البطون من نفسها عزا وأنَفَةً أن تقابل هذاالانتصار بالخضوع، فاجتمعت إلى مالك ابن عوف النَّصْري، وقررت المسير إلىحرب المسلمين‏.



* مسير العدو ونزوله بأوطاس‏ :

ولما أجمع القائد العام مالك بن عوف المسير إلى حرب المسلمين، ساق معالناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فسار حتى نزل بأوْطَاس وهو واد في دارهَوَازِن بالقرب من حُنَيْن، لكن وادي أوطاس غير وادي حنين، وحنين واد إلىجنب ذي المجَاز، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً من جهة عرفات‏.



* مُجَرِّب الحروب يُغَلِّط رأي القائد :‏‏

ولما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس، وفيهم دُرَيْدُ بن الصِّمَّةِ وهو شيخكبير، ليس فيه إلا رأيه ومعرفته بالحرب وكان شجاعاً مجرباً قال دريد‏:‏بأي واد أنتم‏؟‏ قالوا‏:‏ بأوطاس، قال‏:‏ نعم مَجَالُ الخيل، لا حَزْنٌضَرسٌ ، ولا سَهْلٌ دَهِس، مإلى أسمع رُغَاء البعير، ونُهَاق الحمير،وبُكَاء الصبي، وثُغَاء الشاء‏؟‏ قالوا‏:‏ ساق مالك بن عوف مع الناسنساءهم وأموالهم وأبناءهم، فدعا مالكاً وسأله عما حمله على ذلك، فقال‏:‏أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم، فقال‏:‏ راعي ضأنواللّه، وهل يرد المنهزم شيء‏؟‏ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفهورمحه، وإن كانت عليك فُضِحْتَ في أهلك ومالك، ثم سأل عن بعض البطونوالرؤساء، ثم قال‏:‏ يا مالك، إنك لم تصنع بتقديم بَيْضَة هوازن إلى نحورالخيل شيئاً، ارفعهم إلى ممتنع بلادهم وعلياء قومهم، ثم الْقَ الصُّبَاةعلى متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلكوقد أحرزتَ أهلك ومالك‏.‏

ولكن مالكاً القائد العام رفض هذا الطلب قائلاً‏:‏ واللّه لا أفعل، إنك قدكبرت وكبر عقلك، واللّه لتطيعني هوازن أو لأتَّكِئَنَّ على هذا السيف حتىيخرج من ظهري، وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي، فقالوا‏:‏ أطعناك‏.‏فقال دريد‏:‏ هذا يوم لم أشهده ولم يَفُتْنِي‏:‏

يا ليتني فيها جَذَعْ ** أخُبُّ فيها وأضَعْ

أقود وطْفَاءَ الزَّمَعْ ** كأنها شاة صَدَعْ

* سلاح استكشاف العدو‏ :

وجاءت إلى مالك عيون كان قد بعثهم للاستكشاف عن المسلمين، جاءت هذه العيونوقد تفرقت أوصالهم، قال‏:‏ ويلكم، ما شأنكم‏؟‏ قالوا‏:‏ رأينا رجالاً بيضاعلى خيل بُلْق، والله ما تماسكنا أن أصابنا ما تري‏.



* سلاح استكشاف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏ :

ونقلت الأخبار إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بمسير العدو، فبعث أباحَدْرَد الأسلمي، وأمره أن يدخل في الناس، فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم، ثميأتيه بخبرهم، ففعل‏.



* الرسول صلى الله عليه وسلم يغادر مكة إلى حنين‏‏ :

وفي يوم السبت السادس من شهر شوال سنة 8 ه غادر رسول اللّه صلى الله عليهوسلم مكة وكان ذلك اليوم التاسع عشر من يوم دخوله في مكة خرج في اثني عشرألفاً من المسلمين ؛ عشرة آلاف ممن كانوا خرجوا معه لفتح مكة، وألفان منأهل مكة‏.‏ وأكثرهم حديثو عهد بالإسلام واستعار من صفوان بن أمية مائة درعبأداتها، واستعمل على مكة عَتَّاب بن أسيد‏.‏

ولما كان عشية جاء فارس، فقال‏:‏ إني طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازنعلى بكرة آبائهم بِظُعُنِهم ونَعَمِهم وشائهم اجتمعوا إلى حنين، فتبسمرسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ ‏(‏تلك غنيمة المسلمين غدًا إن شاءاللّه‏)‏، وتطوع للحراسة تلك الليلة أنس بن أبي مَرْثَد الغَنَوي‏.‏

وفي طريقهم إلى حنين رأوا سِدْرَة عظيمة خضراء يقال لها‏:‏ ذات أنْوَاط،كانت العرب تعلق عليها أسلحتهم، ويذبحون عندها ويعكفون، فقال بعض أهلالجيش لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذاتأنواط‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏اللّه أكبر، قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قومموسي‏:‏ اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال‏:‏ إنكم قوم تجهلون، إنهاالسَّنَنُ، لتركبن سَنَنَ من كان قبلكم‏)‏‏.‏

وقد كان بعضهم قال نظراً إلى كثرة الجيش‏:‏ لن نُغْلَبَ اليوم، وكان قد شق ذلك على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏

* الجيش الإسلامي يُباغَتْ بالرماة والمهاجمين‏‏ :

انتهي الجيش الإسلامي إلى حنين، الليلة التي بين الثلاثاء والأربعاء لعشرخلون من شوال، وكان مالك بن عوف قد سبقهم، فأدخل جيشه بالليل في ذلكالوادي، وفرق كُمَنَاءه في الطرق والمداخل والشعاب والأخباء والمضايق،وأصدر إليهم أمره بأن يرشقوا المسلمين أول ما طلعوا، ثم يشدوا شدة رجلواحد‏.‏

وبالسَّحَر عبأ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم جيشه، وعقد الألويةوالرايات، وفرقها على الناس، وفي عَمَاية الصبح استقبل المسلمون واديحنين، وشرعوا ينحدرون فيه، وهم لا يدرون بوجود كمناء العدو في مضايق هذاالوادي، فبينا هم ينحطون إذا تمطر عليهم النبال، وإذا كتائب العدو قد شدتعليهم شدة رجل واحد، فانشمر المسلمون راجعين، لا يلوي أحد على أحد، وكانتهزيمة منكرة، حتى قال أبو سفيان بن حرب، وهو حديث عهد بالإسلام‏:‏ لاتنتهي هزيمتهم دون البحر الأحمر وصرخ جَبَلَةُ أو كَلَدَةُ بنالحَنْبَل‏:‏ ألا بطل السِّحْر اليوم‏.‏

وانحاز رسول اللّه صلى الله عليه وسلم جهة اليمين وهو يقول‏:‏‏(‏هَلُمُّوا إلى أيها الناس، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد اللّه‏)‏ولم يبق معه في موقفه إلا عدد قليل من المهاجرين والأنصار‏.‏ تسعة على قولابن إسحاق، واثنا عشر على قول النووي، والصحيح ما رواه أحمد والحاكم فيالمستدرك من حديث ابن مسعود، قال‏:‏ كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم يومحنين، فولي عنه الناس وثبت معه ثمانون رجلاًمن المهاجرين والأنصار، فكناعلى أقدامنا ولم نُوَلِّهم الدُّبُر، وروي الترمذي من حديث ابن عمر بإسنادحسن قال‏:‏ لقد رأيتنا يوم حنين وإن الناس لمولين، وما مع رسول اللّه صلىالله عليه وسلممائة رجل‏.‏

وحينئذ ظهرت شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم التي لا نظير لها، فقد طفق يركض بغلته قبل الكفار وهو يقول‏:‏

‏(‏أنا النبي لا كَذِبْ ** أنا ابن عبد المطلب‏)‏

بيد أن أبا سفيان بن الحارث كان آخذا بلجام بغلته، والعباس بركابه،يكفانها ألا تسرع، ثم نزل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فاستنصر ربهقائلاً‏:‏ ‏(‏اللّهم أنزل نصرك‏)‏‏.‏

* رجوع المسلمين واحتدام المعركة‏ :

وأمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عمه العباس وكان جَهِيَر الصوت أنينادي الصحابة، قال العباس‏:‏ فقلت بأعلى صوتي‏:‏ أين أصحاب السَّمُرَة‏؟‏قال‏:‏ فوالله لكأن عَطْفَتَهُم حين سمعوا صوتي عَطْفَة البقر علىأولادها، فقالوا‏:‏ يا لبيك، يا لبيك‏.‏ ويذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدرعليه، فيأخذ درعه، فيقذفها في عنقه، ويأخذ سيفه وترسه، ويقتحم عن بعيره،ويخلي سبيله، فيؤم الصوت، حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناسواقتتلوا‏.‏

وصرفت الدعوة إلى الأنصار‏:‏ يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، ثم قصرتالدعوة في بني الحارث بن الخزرج، وتلاحقت كتائب المسلمين واحدة تلو الأخريكما كانوا تركوا الموقعة، وتجالد الفريقان مجالدة شديدة، ونظر رسول اللّهصلى الله عليه وسلم إلى ساحة القتال، وقد استحر واحتدم، فقال‏:‏ ‏(‏الآنحَمِي الوَطِيسُ‏)‏‏.‏ ثم أخذ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قبضة من ترابالأرض، فرمي بها في وجوه القوم وقال‏:‏ ‏(‏شاهت الوجوه‏)‏، فما خلق اللّهإنساناً إلا ملأعينيه تراباً من تلك القبضة، فلم يزل حَدُّهُم كَلِيلاًوأمرهم مُدْبِرًا‏.‏

* انكسار حدة العدو وهزيمته الساحقة‏ :

وما هي إلا ساعات قلائل بعد رمي القبضة حتى انهزم العدو هزيمة منكرة، وقتلمن ثَقِيف وحدهم نحو السبعين، وحاز المسلمون ما كان مع العدو من مال وسلاحوظُعُن‏.‏

وهذا هو التطور الذي أشار إليه سبحانه وتعالى في قوله‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَحُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًاوَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُممُّدْبِرِينَ ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَىالْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَكَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏25، 26‏]‏

* حركة المطاردة‏‏ :

ولما انهزم العدو صارت طائفة منهم إلى الطائف، وطائفة إلى نَخْلَة، وطائفةإلى أوْطاس، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أوطاس طائفة من المطاردينيقودهم أبو عامرالأشعري، فَتَنَاوَشَ الفريقان القتال قليلاً ، ثم انهزمجيش المشركين، وفي هذه المناوشة قتل القائد أبو عامر الأشعري‏.‏

وطاردت طائفة أخري من فرسان المسلمين فلول المشركين الذين سلكوا نخلة، فأدركت دُرَيْدَ بن الصِّمَّة فقتله ربيعة بن رُفَيْع‏.‏

وأما معظم فلول المشركين الذين لجأوا إلى الطائف، فتوجه إليهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بنفسه بعد أن جمع الغنائم‏.‏

* الغنائم‏ :

وكانت الغنائم‏:‏ السبي ستة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرون ألفاً ، والغنمأكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة، أمر رسول اللّه صلى اللهعليه وسلم بجمعها، ثم حبسها بالجِعْرَانَة، وجعل عليها مسعود بن عمروالغفاري، ولم يقسمها حتى فرغ من غزوة الطائف‏.‏

وكانت في السبي الشيماء بنت الحارث السعدية ؛ أخت رسول اللّه صلى اللهعليه وسلم من الرضاعة، فلما جيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمعرفت له نفسها، فعرفها بعلامة فأكرمها، وبسط لها رداءه، وأجلسها عليه، ثممنّ عليها، وردّها إلى قومها‏

*غزوة الطائف‏‏



وهذه الغزوة في الحقيقة امتداد لغزوة حنين، وذلك أن معظم فلول هَوَازنوثَقِيف دخلوا الطائف مع القائد العام مالك بن عوف النَّصْرِي وتحصنوابها، فسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فراغه من حنين وجمعالغنائم بالجعرانة، في الشهر نفسه شوال سنة 8 ه‏.‏

وقدم خالد بن الوليد على مقدمته طليعة في ألف رجل، ثم سلك رسول اللهصلىالله عليه وسلم إلى الطائف، فمر في طريقه على نخلة اليمانية، ثم علىقَرْنِ المنازل، ثم على لِيَّةَ، وكان هناك حصن لمالك بن عوف فأمر بهدمه،ثم واصل سيره حتى انتهي إلى الطائف فنزل قريباً من حصنه، وعسكر هناك، وفرضالحصار على أهل الحصن‏.‏

ودام الحصار مدة غير قليلة، ففي رواية أنس عند مسلم‏:‏ أن مدة حصارهم كانتأربعين يوماً، وعند أهل السير خلاف في ذلك، فقيل‏:‏ عشرين يوماً، وقيل‏:‏بضعة عشر، وقيل‏:‏ ثمانية عشر، وقيل‏:‏ خمسة عشر‏.‏

ووقعت في هذه المدة مراماة، ومقاذفات، فالمسلمون أول ما فرضوا الحصاررماهم أهل الحصن رمياً شديداً، كأنه رِجْل جراد، حتى أصيب ناس من المسلمينبجراحة، وقتل منهم اثنا عشر رجلاً، واضطروا إلى الارتفاع عن معسكرهم إلىمسجد الطائف اليوم، فعسكروا هناك‏.‏

ونصب النبي صلى الله عليه وسلم المنجنيق على أهل الطائف، وقذف به القذائف،حتى وقعت شدخة في جدار الحصن، فدخل نفر من المسلمين تحت دبابة‏.‏

ودخلوا بها إلى الجدار ليحرقوه، فأرسل عليهم العدو سكك الحديد محماةبالنار‏.‏ فخرجوا من تحتها، فرموهم بالنبل وقتلوا منهم رجالاً‏.‏

وأمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كجزء من سياسة الحرب لإلجاء العدو إلىالاستسلام أمر بقطع الأعناب وتحريقها، فقطعها المسلمون قطعاً ذريعاً،فسألته ثقيف أن يدعها للّه والرحم، فتركها للّه والرحم‏.‏

ونادى مناديه صلى الله عليه وسلم‏:‏ أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهوحر، فخرج إليهم ثلاثة وعشرون رجلاً ، فيهم أبو بكرة تسور حصن الطائف،وتدلي منه ببكرة مستديرة يستقى عليها، فكناه رسول اللّه صلى الله عليهوسلم ‏[‏أبا بكرة‏]‏ فأعتقهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ودفع كل رجلمنهم إلى رجل من المسلمين يمونه، فشق ذلك على أهل الحصن مشقة شديدة‏.‏

ولما طال الحصار واستعصي الحصن، وأصيب المسلمون بما أصيب من رشق النبالوبسكك الحديد المحماة وكان أهل الحصن قد أعدوا فيه ما يكفيهم لحصار سنةاستشار رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نَوْفَل بن معاوية الدِّيلي فقال‏:‏هم ثعلب في جحر، إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك، وحينئذ عزم رسولاللّه صلى الله عليه وسلم على رفع الحصار والرحيل، فأمر عمر بن الخطابفأذن في الناس، إنا قافلون غداً إن شاء اللّه، فثقل عليهم وقالوا‏:‏ نذهبولا نفتحه‏؟‏ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏اغدوا علىالقتال‏)‏، فغدوا فأصابهم جراح، فقال‏:‏ ‏(‏إنا قافلون غداً إن شاءاللّه‏)‏ فسروا بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرحلون، ورسول اللّه صلى الله عليهوسلم يضحك‏.‏

ولما ارتحلوا واستقلوا قال‏:‏ قولوا‏:‏ ‏(‏آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون‏)‏‏.‏

وقيل‏:‏ يا رسول اللّه، ادع على ثقيف، فقال‏:‏ ‏(‏اللّهم اهد ثقيفا، وائت بهم‏)‏‏.‏


* قسمة الغنائم بالجِعْرَانَة‏‏ :

ولما عاد رسول اللْه صلى الله عليه وسلم بعد رفع الحصار عن الطائف مكثبالجعرانة بضع عشرة ليلة لا يقسم الغنائم، ويتأني بها، يبتغي أن يقدم عليهوفد هوازن تائبين فيحرزوا ما فقدوا، ولكنه لم يجئه أحد، فبدأ بقسمة المال،ليسكت المتطلعين من رؤساء القبائل وأشراف مكة، فكان المؤلفة قلوبهم أول منأعطي وحظي بالأنصبة الجزلة‏.‏

أعطي أبا سفيان بن حرب أربعين أوقية ومائة من الإبل، فقال‏:‏ ابني يزيد‏؟‏فأعطاه مثلها، فقال‏:‏ ابني معاوية‏؟‏ فأعطاه مثلها، وأعطي حكيم بن حزاممائة من الإبل، ثم سأله مائة أخري، فأعطاه إياها‏.‏ وأعطي صفوان بن أميةمائة من الإبل، ثم مائة ثم مائة كذا في الشفاء وأعطي الحارث بن الحارث بنكَلَدَة مائة من الإبل، وكذلك أعطي رجالا من رؤساء قريش وغيرها مائة مائةمن الإبل وأعطي آخرين خمسين خمسين وأربعين أربعين، حتى شاع في الناس أنمحمداً يعطي عطاءً، ما يخاف الفقر، فازدحمت عليه الأعراب يطلبون المال حتىاضطروه إلى شجرة، فانتزعت رداءه فقال‏:‏ ‏(‏أيها الناس، ردوا علي ردائي،فو الذي نفسي بيده لو كان عندي عدد شجر تهامة نعماً لقسمته عليكم، ثم ماألفيتموني بخيلاً ولا جباناً ولا كذاباً‏)‏‏.‏

ثم قام إلى جنب بعيره فأخذ من سنامه وبرة، فجعلها بين إصبعه، ثم رفعها،فقال‏:‏ ‏(‏أيها الناس، واللّه مالى من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس،والخمس مردود عليكم‏)‏‏.‏

وبعد إعطاء المؤلفة قلوبهم أمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابتبإحضار الغنائم والناس، ثم فرضها على الناس، فكانت سهامهم لكل رجل إماأربعاً من الإبل، وإما أربعين شاة، فإن كان فارساً أخذ اثني عشر بعيراً أوعشرين ومائة شاة‏.

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
الأنصار تَجِدُ على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏ :

كانت هذه القسمة مبنية على سياسة حكيمة، لكنها لم تُفْهَم أول الأمر، فأُطْلِقتْ ألسنة شتي بالاعتراض‏.‏

روى ابن إسحاق عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ لما أعطي رسول اللّه صلى اللهعليه وسلم ما أعطي من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب، ولم يكن فيالأنصار منها شيء، وَجَدَ هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت فيهمالقَالَةُ، حتى قال قائلهم‏:‏ لقي واللّه رسول اللّه صلى الله عليه وسلمقومه، فدخل عليه سعد بن عبادة فقال‏:‏ يا رسول اللّه، إن هذا الحي منالأنصار قد وَجَدُوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت،قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب، ولم يك في هذا الحي منالأنصار منها شيء‏.‏قال‏:‏ ‏(‏فأين أنت من ذلك يا سعد‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ يارسول اللّه، ما أنا إلا من قومي‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فاجمع لي قومك في هذهالحظيرة‏)‏‏.‏ فخرج سعد فجمع الأنصار في تلك الحظيرة، فجاء رجال منالمهاجرين فتركهم فدخلوا‏.‏ وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا له أتاه سعدفقال‏:‏ لقد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، فأتاهم رسول اللّه صلى اللهعليه وسلم فحمد اللّه، وأثني عليه، ثم قال‏:‏ ‏(‏يا معشر الأنصار، ماقَالَهٌ بلغتني عنكم، وَجِدَةٌ وجدتموها على في أنفسكم‏؟‏ ألم آتكم ضلالاًفهداكم اللّه‏؟‏ وعالة فأغناكم اللّه‏؟‏ وأعداء فألف اللّه بينقلوبكم‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ بلي، اللّه ورسوله أمَنُّ وأفْضَلُ‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏(‏ألا تجيبوني يا معشر الأنصار‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ بماذا نجيبك يارسول اللّه‏؟‏ للّه ورسوله المن والفضل‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏أما واللّه لو شئتملقلتم، فصَدَقْتُمْ ولصُدِّقْتُمْ‏:‏ أتيتنا مُكَذَّبًا فصدقناك، ومخذولاًفنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فآسَيْنَاك‏)‏‏.‏

‏(‏أوَجَدْتُمْ يا معشر الأنصار في أنفسكم في لَعَاعَةٍ من الدنياتَألفَّتُ بها قوماً ليُسْلِمُوا، ووَكَلْتُكم إلى إسلامكم‏؟‏ ألا ترضونيا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول اللّه صلىالله عليه وسلم إلى رحالكم‏؟‏ فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنتامرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شِعْبًا، وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعبالأنصار، اللّهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناءالأنصار‏)‏‏.‏

فبكي القوم حتى أخْضَلُوا لِحَاهُم وقالوا‏:‏ رضينا برسول اللّه صلى اللهعليه وسلم قَسْمًا وحظاً، ثم انصرف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم،وتفرقوا‏.‏

* قدوم وفد هوازن‏‏ :

وبعد توزيع الغنائم أقبل وفد هوازن مسلماً، وهم أربعة عشر رجلاً ورأسهمزهير ابن صُرَد، وفيهم أبو بُرْقَان عم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم منالرضاعة، فأسلموا وبايعوا ثم قالوا‏:‏ يا رسول اللّه، إن فيمن أصبتمالأمهات والأخوات، والعمات والخالات، وهن مخازي الأقوام‏:‏

فامنن علينا رسول اللّه في كرم ** فإنك المرء نرجوه وننتظر

امنن على نسوة قد كنت ترضعها ** إذ فوك تملؤه من محضها الدرر

وذلك في أبيات‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏إن معي من ترون، وإن أحب الحديث إلى أصدقه،فأبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ ما كنا نعدلبالأحساب شيئاً‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏إذا صليت الغداة أي صلاة الظهر فقوموافقولوا‏:‏ إنا نستشفع برسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى المؤمنين،ونستشفع بالمؤمنين إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يرد إليناسبينا‏)‏، فلما صلي الغداة قاموا فقالوا ذلك‏.‏ فقال رسول اللّه صلى اللهعليه وسلم‏:‏ ‏(‏أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وسأسأل لكمالناس‏)‏، فقال المهاجرون والأنصار‏:‏ ما كان لنا فهو لرسول اللّه صلىالله عليه وسلم‏.‏ فقال الأقْرَع بن حابس‏:‏ أما أنا وبنو تميم فلا‏.‏وقال عُيَيْنَة بن حِصْن‏:‏ أما أنا وبنو فَزَارَة فلا‏.‏وقال العباس بنمِرْدَاس‏:‏ أما أنا وبنو سُلَيْم فلا‏.‏ فقالت بنو سليم‏:‏ ما كان لنافهو لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال العباس بن مرداس‏:‏وهنتموني‏.‏

فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن هؤلاء القوم قد جاءوامسلمين، وقد كنت استأنيت سَبْيَهُمْ، وقد خيرتهم فلم يعدلوا بالأبناءوالنساء شيئاً، فمن كان عنده منهن شيء فطابت نفسه بأن يرده فسبيل ذلك، ومنأحب أن يستمسك بحقه فليرد عليهم، وله بكل فريضة ست فرائض من أول ما يفيءاللّه علينا‏)‏، فقال الناس‏:‏ قد طيبنا لرسول اللّه صلى الله عليهوسلم‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏إنا لا نعرف من رضي منكم ممن لم يرض، فارجعوا حتى يرفعإلينا عُرَفَاؤكم أمركم‏)‏، فردوا عليهم نساءهم وأبناءهم، لم يتخلف منهمأحد غير عيينة بن حصن، فإنه أبي أن يرد عجوزاً صارت في يديه منهم، ثم ردهابعد ذلك، وكسا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم السبي قبطية قبطية‏.‏

* العمرة والانصراف إلى المدينة‏ :

ولم
ا فرغ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من قسمة الغنائم في الجِعْرَانةأهلَّ معتمراً منها، فأدي العمرة، وانصرف بعد ذلك راجعاً إلى المدينة بعدأن ولي على مكة عَتَّاب بن أسيد، وكان رجوعه إلى المدينة ودخوله فيها لستليال بقيت من ذي القعدة سنة 8 ه‏.‏

* البعوث والسرايا بعد الرجوع من غزوة الفتح :

وبعد الرجوع من هذا السفر الطويل الناجح أقام رسول اللّه صلى الله عليهوسلم بالمدينة يستقبل الوفود، ويبعث العمال، ويبث الدعاة، ويَكْبِتُ منبقي فيه الاستكبار عن الدخول في دين اللّه، والاستسلام للأمر الواقع الذيشاهدته العرب‏.‏ وهاك صورة مصغرة من ذلك‏.‏

* المصدقون‏ :‏

قد عرفنا مما تقدم أن رجوع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كانفي أواخر أيام السنة الثامنة، فما هو إلا أن استهل هلال المحرم من سنة 9ه، وبعث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم المُصَدِّقين إلى القبائل، وهذه هيقائمتهم‏:‏

1 عُيَيْنَةُ بن حصن إلى بني تميم‏.‏

2 يزيد بن الحُصَيْن إلى أسْلَم وغِفَار‏.‏

3 عَبَّاد بن بشير الأشهلي إلى سُلَيْم ومُزَيْنَةَ‏.‏

4 رافع بن مَكِيث إلى جُهَيْنَة‏.‏

5 عمرو بن العاص إلى بني فَزَارَة‏.‏

6 الضحاك بن سفيان إلى بني كلاب‏.‏

7 بشير بن سفيان إلى بني كعب‏.‏

8 ابن اللُّتِْبيَّة الأزدي إلى بني ذُبْيَان‏.‏

9 المهاجر بن أبي أمية إلى صنعاء وخرج عليه الأسود العنسي وهو بها‏.‏

10 زياد بن لبيد إلى حضرموت‏.‏

11 عدي بن حاتم إلى طيئ وبني أسد‏.‏

12 مالك بن نُوَيْرَة إلى بني حَنْظَلَة‏.‏

13 الزِّبْرِقَان بن بدر إلى بني سعد إلى قسم منهم‏.‏

14 قيس بن عاصم إلى بني سعد إلى قسم آخر منهم‏.‏

15 العلاء بن الحضرمي إلى البحرين‏.‏

16 علي بن أبي طالب إلى نجران لجمع الصدقة والجزية كليهما‏.‏

وليس هؤلاء العمال كلهم بعثوا في المحرم سنة 9 ه، بل تأخر بعث عدة منهمإلى اعتناق الإسلام من تلك القبائل التي بعثوا إليها‏.‏ نعم كانت بدايةبعث العمال بهذا الاهتمام البالغ في المحرم سنة 9 ه، وهذا يدل على مدينجاح الدعوة الإسلامية بعد صلح الحديبية، وأما بعد فتح مكة فقد دخل الناسفي دين اللّه أفواجاً‏.

السرايا‏ :

وكما بعث المصدقون إلى القبائل، مَسَّتِ الحاجة إلى بعث عدة من السرايا معسيادة الأمن على عامة مناطق الجزيرة، وهاك لوحة تلك السرايا‏:‏

1 سرية عيينة بن حصن الفزاري في المحرم سنة 9 ه إلى بني تميم، في خمسينفارساً، لم يكن فيهم مهاجري ولا أنصاري، وسببها‏:‏ أن بني تميم كانوا قدأغروا القبائل، ومنعوهم عن أداء الجزية‏.‏

وخرج عيينة بن حصن يسير الليل، ويكمن النهار، حتى هجم عليهم في الصحراءفولي القوم مدبرين، وأخذ منهم أحد عشر رجلاً وإحدي وعشرين امرأة وثلاثينصبياً، وساقهم إلى المدينة، فأنزلوا في دار رَمْلَة بنت الحارث‏.‏

وقدم فيهم عشرة من رؤسائهم، فجاءوا إلى باب النبي صلى الله عليه وسلمفنادوا‏:‏ يا محمد، اخرج إلينا، فخرج، فتعلقوا به، وجعلوا يكلمونه، فوقفمعهم، ثم مضي حتى صلي الظهر، ثم جلس في صحن المسجد، فأظهروا رغبتهم فيالمفاخرة والمباهاة، وقدموا خطيبهم عُطَارِد بن حاجب فتكلم، فأمر رسولالله صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس بن شَمَّاس خطيب الإسلام فأجابهم، ثمقدموا شاعرهم الزبرقان بن بدر، فأنشد مفاخراً، فأجابه شاعر الإسلام حسانبن ثابت على البديهة‏.‏

ولما فرغ الخطيبان والشاعران قال الأقرع بن حابس‏:‏ خطيبه أخطب من خطيبنا،وشاعره أشعر من شاعرنا، وأصواتهم أعلى من أصواتنا، وأقوالهم أعلى منأقوالنا، ثم أسلموا، فأجازهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فأحسنجوائزهم، ورد عليهم نساءهم وأبناءهم‏.‏

2 سرية قُطْبَة بن عامر إلى حي من خَثْعَم بناحية تَبَالَة، بالقرب منتُرَبَة في صفر سنة 9 ه‏.‏ خرج قطبة في عشرين رجلاً على عشرة أبعرةيعتقبونها، فشن الغارة، فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى كثر الجرحى فيالفريقين جميعاً، وقتل قطبة مع من قتل، وساق المسلمون النَّعَم والنساءوالشاء إلى المدينة‏.‏

3 سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كِلاَب في ربيع الأول سنة9ه‏.‏بعثت هذه السرية إلى بني كلاب ؛ لدعوتهم إلى الإسلام، فأبوا وقاتلوا،فهزمهم المسلمون، وقتلوا منهم رجلاً‏.‏

4 سرية علقمة بن مُجَزِّرِ المُدْلِجي إلى سواحل جُدَّة في شهر ربيع الآخرسنة 9ه في ثلاثمائة‏.‏بعثهم إلى رجال من الحبشة، كانوا قد اجتمعوا بالقربمن سواحل جدة للقيام بأعمال القَرْصَنَة ضد أهل مكة، فخاض علقمة البحر حتىانتهي إلى جزيرة، فلما سمعوا بمسير المسلمين إليهم هربوا‏.‏

5 سرية على بن أبي طالب إلى صنم لطيئ يقال له‏:‏ الفُلْس ليهدمه في شهرربيع الأول سنة 9 ه‏.‏ بعثه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في خمسينومائة، على مائة بعير وخمسين فرساً، ومعه راية سوداء ولواء أبيض، فشنواالغارة على محلة آل حاتم مع الفجر، فهدموه وملأوا أيديهم من السبي والنعموالشاء، وفي السبي أخت عدي بن حاتم، وهرب عدي إلى الشام، ووجد المسلمون فيخزانة الفلس ثلاثة أسياف وثلاثة أدرع، وفي الطريق قسموا الغنائم، وعزلواالصفي لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏.‏ ولم يقسموا آل حاتم‏.‏

ولما جاءوا إلى المدينة استعطفت أخت عدي بن حاتم رسول اللّه صلى الله عليهوسلم، قائلة‏:‏ يا رسول اللّه، غاب الوافد، وانقطع الوالد، وأنا عجوزكبيرة، ما بي من خدمة، فمُنَّ على، منّ اللّه عليك‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏منوافدك‏؟‏‏)‏ قالت‏:‏ عدي بن حاتم،‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏الذي فر من اللّهورسوله‏؟‏‏)‏ ثم مضي، فلما كان الغد قالت مثل ذلك، وقال لها مثل ما قالأمس‏.‏ فلما كان بعد الغد قالت مثل ذلك، فمن عليها، وكان إلى جنبه رجل تريأنه على فقال لها‏:‏ سليه الحِمْلان فسألته فأمر لها به‏.‏

ورجعت أخت عدي بن حاتم إلى أخيها عدي بالشام، فلما لقيته قالت عن رسولالله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لقد فعل فعلة ما كان أبوك يفعلها، ائته راغباًأو راهباً، فجاءه عدي بغيرأمان ولا كتاب‏.‏ فأتي به إلى داره، فلما جلسبين يديه حمد اللّه وأثني عليه، ثم قال‏:‏ ما يُفِرُّكَ‏؟‏ أيُفِرُّك أنتقول‏:‏ ‏(‏لا إله إلا اللّه‏؟‏ فهل تعلم من إله سوى اللّه‏؟‏‏)‏ قال‏:‏لا‏.‏ ثم تكلم ساعة ثم قال‏:‏ ‏(‏إنما تفر أن يقال‏:‏ اللّه أكبر، فهلتعلم شيئاً أكبر من الله‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فإن اليهود مغضوبعليهم، وإن النصاري ضالون‏)‏‏.‏ قال‏:‏ فإني حَنِيف مسلم، فانبسط وجههفرحاً، وأمر به فنزل عند رجل من الأنصار، وجعل يأتي النبي صلى الله عليهوسلم طرفي النهار‏.‏

وفي رواية ابن إسحاق عن عدي‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أجلسه بينيديه في داره قال له‏:‏ ‏(‏إيه يا عدي بن حاتم، ألم تكن رَكُوسِيّا‏؟‏‏)‏قال‏:‏ قلت‏:‏ بلي، قال‏:‏ ‏(‏أو لم تكن تسير في قومكبالمِرْبَاع‏؟‏‏)‏‏. قال‏:‏ قلت‏:‏ بلي‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فإن ذلك لم يحل لك فيدينك‏)‏‏.‏ قال‏:‏ قلت أجل واللّه‏.‏ قال‏:‏ وعرفت أنه نبي مرسل، يعرف مايُجْهَل‏.‏

وفي رواية لأحمد‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏يا عدي، أسلمتسلم‏)‏‏.‏ فقلت‏:‏ إني من أهل دين‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏أنا أعلم بدينك منك‏)‏‏.‏فقلت‏:‏ أنت أعلم بديني مني‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم، ألست من الركوسية، وأنتتأكل مرباع قومك‏؟‏‏)‏ فقلت‏:‏ بلي، قال‏:‏ ‏(‏فإن هذا لا يحل لك فيدينك‏)‏‏.‏ قال‏:‏ فلم يعد أن قالها فتواضعت لها‏.‏

وروي البخاري عن عدي قال‏:‏ بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذأتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال‏:‏‏(‏يا عدي، هل رأيت الحيرة‏؟‏ فإن طالت بك حياة فلترين الظعينة ترتحل منالحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحداً إلا اللّه، ولئن طالت بك حياةلتفتحن كنوز كسري، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أوفضة، ويطلب من يقبله فلا يجد أحداً يقبله منه‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ الحديث وفيآخره‏:‏ قال عدي‏:‏ فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لاتخاف إلا اللّه‏.‏ وكنت فيمن افتتح كنوز كسري بن هرمز، ولئن طالت بكم حياةلترون ما قال النبي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يخرج ملءكفه‏)‏‏.‏

غزوة تبوك في رجب سنة 9ه



إن غزوة فتح مكة كانت غزوة فاصلة بين الحق والباطل، لم يبق بعدها مجالللريبة والظن في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم عند العرب، ولذلك انقلبالمجري تماماً، ودخل الناس في دين اللّه أفواجاً كما سيظهر ذلك مما نقدمهفي فصل الوفود، ومن العدد الذي حضر في حجة الوداع وانتهت المتاعبالداخلية، واستراح المسلمون لتعليم شرائع اللهّّ، وبث دعوة الإسلام‏.‏

* سبب الغزوة‏‏ :

إلا أنه كانت هناك قوة تعرضت للمسلمين من غير مبرر، وهي قوة الرومان أكبرقوة عسكرية ظهرت على وجه الأرض في ذلك الزمان وقد عرفنا فيما تقدم أنبداية هذا التعرض كانت بقتل سفير رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الحارث بنعمير الأزدي على يدي شُرَحْبِيل بن عمرو الغساني، حينما كان السفير يحملرسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى عظيم بُصْرَي، وأن النبي صلى اللهعليه وسلم أرسل بعد ذلك سرية زيد بن حارثة التي اصطدمت بالرومان اصطداماًعنيفاً في مؤتة، ولم تنجح في أخذ الثأر من أولئك الظالمين المتغطرسين، إلاأنها تركت أروع أثر في نفوس العرب، قريبهم وبعيدهم‏.‏

ولم يكن قيصر ليصرف نظره عما كان لمعركة مؤتة من الأثر الكبير لصالحالمسلمين، وعما كان يطمح إليه بعد ذلك كثير من قبائل العرب من استقلالهمعن قيصر، ومواطأتهم للمسلمين، إن هذا كان خطراً يتقدم ويخطو إلى حدودهخطوة بعد خطوة، ويهدد الثغور الشامية التي تجاور العرب، فكان يري أنالقضاء يجب على قوة المسلمين قبل أن تتجسد في صورة خطر عظيم لا يمكنالقضاء عليها، وقبل أن تثير القلاقل والثورات في المناطق العربية المجاورةللرومان‏.‏

ونظراً إلى هذه المصالح، لم يقض قيصر بعد معركة مؤتة سنة كاملة حتى أخذيهيئ الجيش من الرومان والعرب التابعة لهم من آل غسان وغيرهم، وبدأ يجهزلمعركة دامية فاصلة‏.‏


* الأخبار العامة عن استعداد الرومان وغَسَّان‏ :

وكانت الأنباء تترامي إلى المدينة بإعداد الرومان ؛ للقيام بغزوة حاسمة ضدالمسلمين، حتى كان الخوف يتسورهم كل حين، لا يسمعون صوتاً غير معتاد إلاويظنونه زحف الرومان‏.‏ويظهر ذلك جلياً مما وقع لعمر بن الخطاب، فقد كانالنبي صلى الله عليه وسلم إلى من نسائه شهراً في هذه السنة 9ه وكان هجرهنواعتزل عنهن في مشربة له ، ولم يفطن الصحابة إلى حقيقة الأمر في بدايته،فظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم طلقهن، فسري فيهم الهم والحزنوالقلق‏.‏ يقول عمر بن الخطاب وهو يروي هذه القصة‏:‏ وكان لي صاحب منالأنصار إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت آتية أنا بالخبر وكانا يسكنانفي عوالى المدينة، يتناوبان إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نتخوفملكاً من ملوك غسان ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا، فقد امتلأت صدورنامنه، فإذا صاحبي الأنصاري يدق الباب، فقال‏:‏ افتح، افتح، فقلت‏:‏ جاءالغساني‏؟‏ فقال‏:‏ بل أشد من ذلك، اعتزل رسول اللّه صلى الله عليه وسلمأزواجه‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏

وفي لفظ آخر أنه قال ‏:‏ وكنا تحدثنا أن آل غسان تنعل النعال لغزونا، فنزلصاحبي يوم نَوْبَتِهِ، فرجع عشاء، فضرب بابي ضرباً شديداً وقال‏:‏ أنائمهو‏؟‏ ففزعت، فخرجت إليه، وقال‏:‏ حدث أمر عظيم‏.‏ فقلت‏:‏ ما هو‏؟‏ أجاءتغسان‏؟‏ قال‏:‏ لا بل أعظم منه وأطول، طلق رسول اللّه صلى الله عليه وسلمنساءه‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏

وهذا يدل على خطورة الموقف، الذي كان يواجهه المسلمون بالنسبة إلىالرومان، ويزيد ذلك تأكداً ما فعله المنافقون حينما نقلت إلى المدينةأخبار إعداد الرومان، فبرغم ما رآه هؤلاء المنافقون من نجاح رسول اللّهصلى الله عليه وسلم في كل الميادين، وأنه لا يوجل من سلطان على ظهر الأرض،بل يذيب كل ما يعترض في طريقه من عوائق برغم هذا كله طفق هؤلاء المنافقونيأملون في تحقق ما كانوا يخفونه في صدورهم، وما كانوا يتربصونه من الشربالإسلام وأهله‏.‏ ونظراً إلى قرب تحقق آمالهم أنشأوا وكرة للدس والتآمر،في صورة مسجد، وهو مسجد الضِّرَار، أسسوه كفراً وتفريقاً بين المؤمنينوإرصاداً لمن حارب اللّه ورسوله، وعرضوا على رسول اللّه صلى الله عليهوسلم أن يصلي فيه، وإنما مرامهم بذلك أن يخدعوا المؤمنين فلا يفطنوا مايؤتي به في هذا المسجد من الدس والمؤامرة ضدهم، ولا يلتفتوا إلى من يردهويصدر عنه، فيصير وكرة مأمونة لهؤلاء المنافقين ولرفقائهم في الخارج، ولكنرسول اللّه صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة فيه إلى قفوله من الغزوة لشغلهبالجهاز، ففشلوا في مرامهم وفضحهم اللّه، حتى قام الرسول صلى الله عليهوسلم بهدم المسجد بعد القفول من الغزو، بدل أن يصلي فيه‏.‏

* الأخبار الخاصة عن استعداد الرومان وغسان‏‏ :

كانت هذه هي الأحوال والأخبار التي يواجهها ويتلقاها المسلمون، إذ بلغهممن الأنباط الذين قدموا بالزيت من الشام إلى المدينة أن هرقل قد هيأ جيشاًعرمرما قوامه أربعون ألف مقاتل، وأعطي قيادته لعظيم من عظماء الروم، وأنهأجلب معهم قبائل لَخْمٍ وجُذَامٍ وغيرهما من متنصرة العرب، وأن مقدمتهمبلغت إلى البلقاء، وبذلك تمثل أمام المسلمين خطر كبير‏.‏

* زيادة خطورة الموقف‏ :

والذي كان يزيد خطورة الموقف أن الزمان كان فصل القيظ الشديد، وكان الناسفي عسرة وجدب من البلاء وقلة من الظهر، وكانت الثمار قد طابت، فكانوايحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذيهم فيه، ومع هذا كله كانت المسافة بعيدة، والطريق وعرة صعبة‏.‏

* الرسول صلى الله عليه وسلم يقرر القيام بإقدام حاسم‏ :

ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ينظر إلى الظروف والتطورات بنظر أدقوأحكم من هذا كله، إنه كان يري أنه لو تواني وتكاسل عن غزو الرومان في هذهالظروف الحاسمة، وترك الرومان لتجوس خلال المناطق التي كانت تحت سيطرةالإسلام ونفوذه، وتزحف إلى المدينة كان له أسوأ أثر على الدعوة الإسلاميةوعلى سمعة المسلمين العسكرية، فالجاهلية التي تلفظ نفسها الأخير بعد مالقيت من الضربة القاصمة في حنين ستحيا مرة أخري، والمنافقون الذين يتربصونالدوائر بالمسلمين، ويتصلون بملك الرومان بواسطة أبي عامر الفاسق سيبعجونبطون المسلمين بخناجرهم من الخلف، في حين تهجم الرومان بحملة ضارية ضدالمسلمين من الأمام، وهكذا يخفق كثير من الجهود التي بذلها هو أصحابه فينشر الإسلام، وتذهب المكاسب التي حصلوا عليها بعد حروب دامية ودورياتعسكرية متتابعة متواصلة‏.‏‏.‏‏.‏ تذهب هذه المكاسب بغير جدوي‏.‏

كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يعرف كل ذلك جيداً، ولذلك قرر القياممع ما كان فيه من العسرة والشدة بغزوة فاصلة يخوضها المسلمون ضد الرومانفي حدودهم، ولا يمهلونهم حتى يزحفوا إلى دار الإسلام‏.

*الإعلان بالتهيؤ لقتال الرومان‏‏ :

ولما قرر الرسول صلى الله عليه وسلم الموقف أعلن في الصحابة أن يتجهزواللقتال، وبعث إلى القبائل من العرب وإلى أهل مكة يستنفرهم‏.‏ وكان قل مايريد غزوة يغزوها إلا وَرَّي بغيرها، ولكنه نظراً إلى خطورة الموقف وإلىشدة العسرة أعلن أنه يريد لقاء الرومان، وجلي للناس أمرهم ؛ ليتأهبوا أهبةكاملة، وحضهم على الجهاد، ونزلت قطعة من سورة براءة تثيرهم على الجلاد،وتحثهم على القتال، ورغبهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في بذل الصدقات،وإنفاق كرائم الأموال في سبيل اللّه‏.

*المسلمون يتسابقون إلى التجهز للغزو‏‏ :

ولم يكن من المسلمين أن سمعوا صوت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يدعو إلىقتال الروم إلا وتسابقوا إلى امتثاله، فقاموا يتجهزون للقتال بسرعة بالغة،وأخذت القبائل والبطون تهبط إلى المدينة من كل صوب وناحية، ولم يرض أحد منالمسلمين أن يتخلف عن هذه الغزوة إلا الذين في قلوبهم مرض وإلا ثلاثة نفرحتى كان يجيء أهل الحاجة والفاقة يستحملون رسول اللّه صلى الله عليه وسلم؛ ليخرجوا إلى قتال الروم، فإذا قال لهم‏:‏ ‏{‏لاَ أَجِدُ مَاأَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِحَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏92‏]‏‏.‏

كما تسابق المسلمون في إنفاق الأموال وبذل الصدقات، كان عثمان بن عفان قدجهز عيراً للشام، مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائتا أوقية، فتصدق بها،ثم تصدق بمائة بعير بأحلاسها وأقتابها، ثم جاء بألف دينار فنثرها في حجرهصلى الله عليه وسلم، فكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقلبها ويقول‏:‏‏(‏ما ضَرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم‏)‏ ، ثم تصدق وتصدق حتى بلغ مقدارصدقته تسعمائة بعير ومائة فرس سوى النقود‏.‏

وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائتي أوقية فضة، وجاء أبو بكر بماله كلّه ولميترك لأهله إلا اللّه ورسوله وكانت أربعة آلاف درهم وهو أول من جاءبصدقته‏.‏ وجاء عمر بنصف ماله، وجاء العباس بمال كثير، وجاء طلحة وسعد بنعبادة ومحمد بن مسلمة، كلهم جاءوا بمال‏.‏ وجاء عاصم بن عدي بتسعينوَسْقًا من التمر، وتتابع الناس بصدقاتهم قليلها وكثيرها، حتى كان منهم منأنفق مُدّا أو مدين لم يكن يستطيع غيرها‏.‏ وبعثت النساء ما قدرن عليه منمَسَك ومعاضد وخلاخل وقُرْط وخواتم‏.‏

ولم يمسك أحد يده، ولم يبخل بماله إلا المنافقون ‏{‏الَّذِينَ يَلْمِزُونَالْمُطَّوِّعِي نَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَيَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ‏}‏‏[‏التوبة‏:‏79‏]‏‏.

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10


*الجيش الإسلامي إلى تبوك‏‏ :

وهكذا تجهز الجيش، فاستعمل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على المدينةمحمد بن مسلمة الأنصاري، وقيل‏:‏ سِبَاع بن عُرْفُطَةَ، وخلف على أهله علىبن أبي طالب، وأمره بالإقامة فيهم، وغَمَصَ عليه المنافقون، فخرج فلحقبرسول الله صلى الله عليه وسلم، فرده إلى المدينة وقال‏:‏ ‏(‏ألا ترضى أنتكون مني بمنزلة هارون من موسي، إلا أنه لا نبي بعدي‏)‏‏.‏

وتحرك رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يوم الخميس نحو الشمال يريد تبوك،ولكن الجيش كان كبيراً ثلاثون ألف مقاتل، لم يخرج المسلمون في مثل هذاالجمع الكبير قبله قط فلم يستطع المسلمون مع ما بذلوه من الأموال أنيجهزوه تجهيزاً كاملاً، بل كانت في الجيش قلة شديدة بالنسبة إلى الزادوالمراكب، فكان ثمانية عشر رجلاً يعتقبون بعيراً واحداً، وربما أكلواأوراق الأشجار حتى تورمت شفاههم، واضطروا إلى ذبح البعير مع قلتها ليشربواما في كرشه من الماء، ولذلك سمي هذا الجيش جيش العُسْرَةِ‏.‏

ومر الجيش الإسلامي في طريقه إلى تبوك بالحِجْر ديار ثمود الذين جابواالصخر بالواد، أي وادي القُرَى فاستقي الناس من بئرها، فلما راحوا قالرسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تشربوا من مائها ولا تتوضأوا منهللصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئاً‏)‏،وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها ناقة صالح رسول الله‏.‏

وفي الصحيحين عن ابن عمر قال‏:‏ لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بالحجرقال‏:‏ ‏(‏لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أنتكونوا باكين‏)‏، ثم قَنعَ رأسه وأسرع بالسير حتى جاز الوادي‏.‏

واشتدت في الطريق حاجة الجيش إلى الماء حتى شكوا إلى رسول اللّه، فدعااللّه، فأرسل اللّه سحابة فأمطرت حتى ارتوي الناس، واحتملوا حاجاتهم منالماء‏.‏

ولما قرب من تبوك قال‏:‏ ‏(‏إنكم ستأتون غداً إن شاء اللّه تعالى عينتبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يَضْحَي النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائهاشيئاً حتى آتي‏)‏، قال معاذ‏:‏ فجئنا وقد سبق إليها رجلان، والعين تَبِضُّبشيء من مائها، فسألهما رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏هل مسستما منمائها شيئاً‏؟‏‏)‏ قالا‏:‏ نعم‏.‏ وقال لهما ما شاء اللّه أن يقول‏.‏ ثمغرف من العين قليلاً قليلاً حتى اجتمع الْوَشَلُ ، ثم غسل رسول اللّه صلىالله عليه وسلم فيه وجهه ويده، ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير،فاستقي الناس، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يوشك يا معاذ،إن طالت بك حياة أن تري ماهاهنا قد ملئ جناناً‏)‏‏.‏

وفي الطريق أو لما بلغ تبوك على اختلاف الروايات قال رسول اللّه صلى اللهعليه وسلم‏:‏ ‏(‏تهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم أحد منكم، فمن كانله بعير فليشد عِقَالَه‏)‏، فهبت ريح شديدة، فقام رجل فحملته الريح حتىألقته بجبلي طيئ‏.‏

وكان دأب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في الطريق أنه كان يجمع بين الظهروالعصر، وبين المغرب والعشاء جمع التقديم وجمع التأخيركليهما‏.‏

* الجيش الإسلامي بتبوك‏‏ :

نزل الجيش الإسلامي بتبوك، فعسكر هناك، وهو مستعد للقاء العدو، وقام رسولاللّه صلى الله عليه وسلم فيهم خطيباً، فخطب خطبة بليغة، أتي بجوامعالكلم، وحض على خير الدنيا والآخرة، وحذر وأنذر، وبشر وأبشر، حتى رفعمعنوياتهم، وجبر بها ما كان فيهم من النقص والخلل من حيث قلة الزادوالمادة والمؤنة‏.‏ وأما الرومان وحلفاؤهم فلما سمعوا بزحف رسول اللّه صلىالله عليه وسلم أخذهم الرعب، فلم يجترئوا على التقدم واللقاء، بل تفرقوافي البلاد في داخل حدودهم، فكان لذلك أحسن أثر بالنسبة إلى سمعة المسلمينالعسكرية، في داخل الجزيرة وأرجائها النائية، وحصل بذلك المسلمون علىمكاسب سياسية كبيرة خطيرة، لعلهم لم يكونوا يحصلون عليها لو وقع هناكاصطدام بين الجيشين‏.‏

جاء يُحَنَّةُ بن رُؤْبَةَ صاحب أيْلَةَ، فصالح الرسول صلى الله عليه وسلموأعطاه الجزية، وأتاه أهل جَرْبَاء وأهل أذْرُح، فأعطوه الجزية، وكتب لهمرسول اللّه صلى الله عليه وسلم كتاباً فهو عندهم، وصالحه أهل مِينَاء علىربع ثمارها، وكتب لصاحب أيلة‏:‏ ‏(‏بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذه أمنة مناللّه ومحمد النبي رسول اللّه ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة، سفنهم وسياراتهمفي البر والبحر لهم ذمة اللّه وذمة محمد النبي، ومن كان معه من أهل الشاموأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثاً، فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيبلمن أخذه من الناس، وأنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه، ولا طريقاً يريدونهمن بر أو بحر‏)‏‏.‏

وبعث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى أُكَيْدِرِ دُومَةالجَنْدَل في أربعمائة وعشرين فارساً، وقال له‏:‏ ‏(‏إنك ستجده يصيدالبقر‏)‏، فأتاه خالد، فلما كان من حصنه بمنظر العين، خرجت بقرة، تحكبقرونها باب القصر، فخرج أكيدر لصيدها وكانت ليلة مقمرة فتلقاه خالد فيخيله، فأخذه وجاء به إلى رسول اللّهصلى الله عليه وسلم، فحقن دمه، وصالحهعلى ألفي بعير، وثمانمائة رأس وأربعمائة درع، وأربعمائة رمح، وأقر بإعطاءالجزية، فقاضاه مع يُحَنَّة على قضية دُومَة وتبوك وأيْلَةَ وَتَيْماء‏.‏

وأيقنت القبائل التي كانت تعمل لحساب الرومان أن اعتمادها على سادتهاالأقدمين قد فات أوانه، فانقلبت لصالح المسلمين، وهكذا توسعت حدود الدولةالإسلامية، حتى لاقت حدود الرومان مباشرة، وشهد عملاء الرومان نهايتهم إلىحد كبير‏.‏

* الرجوع إلى المدينة‏‏ :

ورجع الجيش الإسلامي من تبوك مظفرين منصورين، لم ينالوا كيداً، وكفي اللهالمؤمنين القتال، وفي الطريق عند عقبة حاول اثنا عشر رجلاً من المنافقينالفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه حينما كان يمر بتلك العقبة كانمعه عمار يقود بزمام ناقته، وحذيفة ابن اليمان يسوقها، وأخذ الناس ببطنالوادي، فانتهز أولئك المنافقون هذه الفرصة‏.‏ فبينما رسول اللّه صلى اللهعليه وسلم وصاحباه يسيران إذ سمعوا وكزة القوم من ورائهم، قد غشوه وهمملتثمون، فبعث حذيفة فضرب وجوه رواحلهم بمِحْجَن كان معه ، فأرعبهم اللّه،فأسرعوا في الفرار حتى لحقوا بالقوم، وأخبر رسول اللّه صلى الله عليه وسلمبأسمائهم، وبما هموا به، فلذلك كان حذيفة يسمي بصاحب سر رسول الله صلىالله عليه وسلم، وفي ذلك يقول اللّه تعالي‏:‏ ‏{‏وَهَمُّواْ بِمَا لَمْيَنَالُوا‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏74‏]‏‏.‏

ولما لاحت للنبي صلى الله عليه وسلم معالم المدينة من بعيد قال‏:‏ ‏(‏هذهطَابَةُ، وهذا أحُدٌ، جبل يحبنا ونحبه‏)‏، وتسامع الناس بمقدمه، فخرجالنساء والصبيان والولائد يقابلن الجيش بحفاوة بالغة ويقلن‏:‏

طلع البدر علينا ** من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا ** ما دعا للع داع

وكانت عودته صلى الله عليه وسلم من تبوك ودخوله في المدينة في رجب سنة 9ه، واستغرقت هذه الغزوة خمسين يوماً، أقام منها عشرين يوماً في تبوك،والبواقي قضاها في الطريق جيئة وذهوبًا‏.‏ وكانت هذه الغزوة آخر غزواتهصلى الله عليه وسلم‏.‏




*المُخَلَّفون‏‏ :



وكانت هذه الغزوة لظروفها الخاصة بها اختباراً شديداً من اللّه، امتاز بهالمؤمنون من غيرهم، كما هي سنته تعالى في مثل هذه المواطن، حيث يقول‏:‏‏{‏مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِحَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ‏}‏‏[‏ آل عمران‏:‏179‏]‏‏.‏فقد خرج لهذه الغزوة كل من كان مؤمناً صادقاً، حتى صار التخلف أمارة علىنفاق الرجل، فكان الرجل إذا تخلف وذكروه لرسول اللّه صلى الله عليه وسلمقال لهم‏:‏ ‏(‏دعوه، فإن يكن فيه خير فسيلحقه اللّه بكم، وإن يكن غير ذلكفقد أراحكم منه‏)‏، فلم يتخلف إلا من حبسهم العذر، أو الذين كذبوا اللّهورسوله من المنافقين، الذين قعدوا بعد أن استأذنوا للقعود كذباً، أو قعدواولم يستأذنوا رأسا‏.‏ نعم كان هناك ثلاثة نفر من المؤمنين الصادقين تخلفوامن غير مبرر، وهم الذين أبلاهم اللّه، ثم تاب عليهم‏.‏



ولما دخل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم المدينة بدأ بالمسجد، فصلي فيهركعتين، ثم جلس للناس، فأما المنافقون وهم بضعة وثمانون رجلاً فجاءوايعتذرون بأنواع شتي من الأعذار، وطفقوا يحلفون له، فقبل منهم علانيتهم،وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى اللّه‏.‏



وأما النفر الثلاثة من المؤمنين الصادقين وهم كعب بن مالك، ومُرَارَة بنالربيع، وهلال بن أمية فاختاروا الصدق، فأمر رسول اللّه صلى الله عليهوسلم الصحابة ألا يكلموا هؤلاء الثلاثة، وجرت ضد هؤلاء الثلاثة مقاطعةشديدة، وتغير لهم الناس، حتى تنكرت لهم الأرض، وضاقت عليهم بما رحبت،وضاقت عليهم أنفسهم، وبلغت بهم الشدة إلى أنهم بعد أن قضوا أربعين ليلة منبداية المقاطعة أمروا أن يعتزلوا نساءهم، حتى تمت على مقاطعتهم خمسونليلة، ثم أنزل اللّه توبتهم‏:‏ ‏{‏وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَخُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْوَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَاللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَهُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏118‏]‏‏.‏



وفرح المسلمون، وفرح الثلاثة فرحاً لا يقاس مداه وغايته، فبشروا وأبشرواواستبشروا وأجازوا وتصدقوا، وكان أسعد يوم من أيام حياتهم‏.‏



وأما الذين حبسهم العذر فقد قال تعالى فيهم‏:‏ ‏{‏لَّيْسَ عَلَىالضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَمَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ‏}‏‏[‏التوبة‏:‏ 91‏]‏‏.‏ وقال فيهم رسول اللّه حين دنا من المدينة‏:‏ ‏(‏إنبالمدينة رجالاً ما سرتم مَسِيراً، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم،حبسهم العُذْرُ‏)‏، قالوا‏:‏ يا رسول اللّه، وهم بالمدينة‏؟‏ قال‏:‏‏(‏وهم بالمدينة‏)‏‏.‏



* أثر الغزوة‏‏ :



وكان لهذه الغزوة أعظم أثر في بسط نفوذ المسلمين وتقويته على جزيرة العرب،فقد تبين للناس أنه ليس لأي قوة من القوات أن تعيش في العرب سوي قوةالإسلام، وبطلت بقايا أمل وأمنية كانت تتحرك في قلوب بقايا الجاهليينوالمنافقين الذين كانوا يتربصون الدوائر بالمسلمين، وكانوا قد عقدواآمالهم بالرومان، فقد استكانوا بعد هذه الغزوة، واستسلموا للأمر الواقع،الذي لم يجدوا عنه محيداً ولا مناصاً‏.‏



ولذلك لم يبق للمنافقين أن يعاملهم المسلمون بالرفق واللين، وقد أمر اللّهبالتشديد عليهم، حتى نهي عن قبول صدقاتهم، وعن الصلاة عليهم، والاستغفارلهم والقيام على قبرهم، وأمر بهدم وكرة دسهم وتآمرهم التي بنوها باسمالمسجد، وأنزل فيهم آيات افتضحوا بها افتضاحاً تاماً، لم يبق في معرفتهمبعدها أي خفاء، كأن الآيات قد نصت على أسمائهم لمن يسكن بالمدينة‏.‏



ويعرف مدي أثر هذه الغزوة من أن العرب وإن كانت قد أخذت في التوافد إلىرسول اللّه صلى الله عليه وسلم بعد غزوة فتح مكة، بل وما قبلها، إلا أنتتابع الوفود وتكاثرها بلغ إلى القمة بعد هذه الغزوة‏.‏



* نزول القرآن حول موضوع الغزوة‏ :



نزلت آيات كثيرة من سورة براءة حول موضوع الغزوة، نزل بعضها قبل الخروج،وبعضها بعد الخروج وهو في السفر وبعض آخر منها بعد الرجوع إلى المدينة،وقد اشتملت على ذكر ظروف الغزوة، وفضح المنافقين، وفضل المجاهدينوالمخلصين، وقبول التوبة من المؤمنين الصادقين، الخارجين منهم في الغزوةوالمتخلفين، إلى غير ذلك من الأمور‏.‏



* بعض الوقائع المهمة في هذه السنة :



وفي هذه السنة وقعت عدة وقائع لها أهمية في التاريخ‏:‏



1 بعد قدوم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من تبوك وقع اللعان بين عُوَيْمِر العَجْلاني وامرأته‏.‏



2 رجمت المرأة الغامدية، التي جاءت فاعترفت على نفسها بالفاحشة، رجمت بعدما فطمت ابنها‏.‏



3 توفي النجاشي أصْحَمَة، ملك الحبشة، في رجب، وصلي عليه رسول الله صلاة الغائب في المدينة‏.‏



4 توفيت أم كلثوم بنت النبي صلى الله عليه وسلم في شعبان، فحزن عليهاحزناً شديداً، وقال لعثمان‏:‏ ‏(‏لو كانت عندي ثالثة لزوجتكها‏)‏‏.‏



5 مات رأس المنافقين عبد اللّه بن أبي بن سَلُول بعد مرجع رسول اللّه صلىالله عليه وسلم من تبوك، فاستغفر له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وصليعليه بعد أن حاول عمر منعه عن الصلاة عليه، وقد نزل القرآن بعد ذلكبموافقة عمر‏.‏



* حج أبي بكر رضي الله عنه :



وفي ذي القعدة أو ذي الحجة من نفس السنة 9 ه بعث رسول اللّه صلى الله عليهوسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه أميراً على الحج، ليقيم بالمسلمينالمناسك‏.‏



ثم نزلت أوائل سورة براءة بنقض المواثيق ونبذها على سواء، فبعث رسول اللّهصلى الله عليه وسلم على بن أبي طالب ليؤدي عنه ذلك، وذلك تمشياً منه علىعادة العرب في عهود الدماء والأموال، فالتقي على بأبي بكر بالعَرْج أوبضَجْنَان، فقال أبو بكر‏:‏ أمير أو مأمور‏؟‏ قال علي‏:‏ لا، بل مأمور‏.‏ثم مضيا، وأقام أبو بكر للناس حجهم، حتى إذا كان يوم النحر، قام على بنأبي طالب عند الجمرة، فأذن في الناس بالذي أمره رسول اللّه صلى الله عليهوسلم، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده، وأجل لهم أربعة شهور، وكذلك أجل أربعةأشهر لمن لم يكن له عهد، وأما الذين لم ينقصوا المسلمين شيئاً، ولميظاهروا عليهم أحداً فأبقي عهدهم إلى مدتهم‏.‏



وبعث أبو بكر رضي الله عنه رجالاً ينادون في الناس‏:‏ ألا لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُرْيَان‏.‏



وكان هذا النداء بمثابة إعلان نهاية الوثنية في جزيرة العرب، وأنها لا تُبْدِئُ ولا تُعِيدُ بعد هذا العام‏.‏

نظرة على الغزوات




إذا نظرنا إلى غزوات النبي صلى الله عليه وسلم وبعوثه وسراياه، لا يمكنلنا ولا لأحد ممن ينظر في أوضاع الحروب وآثارها وخلفياتها لا يمكن لنا إلاأن نقول‏:‏

إن النبي صلى الله عليه وسلم كان أكبر قائد عسكري في الدنيا، وأشدهموأعمقهم فراسة وتيقظاً، إنه صاحب عبقرية فذة في هذا الوصف، كما كان سيدالرسل وأعظمهم في صفة النبوة والرسالة، فلم يخض معركة من المعارك إلا فيالظرف ومن الجهة اللذين يقتضيهما الحزم والشجاعة والتدبير، ولذلك لم يفشلفي أي معركة من المعارك التي خاضها لغلطة في الحكمة وما إليها من تعبئةالجيش وتعيينه على المراكز الاستراتيجية، واحتلال أفضل المواضع وأوثقهاللمجابهة، واختيار أفضل خطة لإدارة دفة القتال، بل أثبت في كل ذلك أن لهنوعاً آخر من القيادة غير ما عرفتها الدنيا في القواد‏.‏ ولم يقع ما وقعفي أُحد وحنين إلا من بعض الضعف في أفراد الجيش في حنين أو من جهة معصيتهمأوامره وتركهم التقيد والالتزام بالحكمة والخطة اللتين كان أوجبهما عليهممن حيث الوجهه العسكرية‏.‏

وقد تجلت عبقريته صلى الله عليه وسلم في هاتين الغزوتين عند هزيمةالمسلمين، فقد ثبت مجابهاً للعدو، واستطاع بحكمته الفذة أن يخيبهم فيأهدافهم كما فعل في أحد أو يغير مجري الحرب حتى يبدل الهزيمة انتصاراً كمافي حنين مع أن مثل هذا التطور الخطير، ومثل هذه الهزيمة الساحقة تأخذانبمشاعر القواد، وتتركان على أعصابهم أسوأ أثر، لا يبقي لهم بعد ذلك إلا همالنجاة بأنفسهم‏.‏

هذه من ناحية القيادة العسكرية الخالصة، أما من نواح أخري، فإنه استطاعبهذه الغزوات فرض الأمن وبسط السلام، وإطفاء نار الفتنة، وكسر شوكةالأعداء في صراع الإسلام والوثنية، وإلجائهم إلى المصالحة، وتخلية السبيللنشر الدعوة، كما استطاع أن يتعرف على المخلصين من أصحابه ممن هو يبطنالنفاق، ويضمر نوازع الغدر والخيانة‏.‏

وقد أنشأ طائفة كبيرة من القواد، الذين لاقوا بعده الفرس والرومان فيميادين العراق والشام، ففاقوهم في تخطيط الحروب وإدارة دفة القتال، حتىاستطاعوا إجلاءهم من أرضهم وديارهم وأموالهم من جنات وعيون وزروع ومقامكريم ونعمة كانوا فيها فاكيهن‏.‏

كما استطاع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بفضل هذه الغزوات أن يوفرالسكني والأرض والحرف والمشاغل للمسلمين، حتى تَفَصَّي من كثير من مشاكلاللاجئين الذين لم يكن لهم مال ولا دار، وهيأ السلاح والكُرَاع والعدةوالنفقات، حصل على كل ذلك من غير أن يقوم بمثقال ذرة من الظلم والطغيانوالبغي والعدوان على عباد اللّه‏.‏

وقد غير أغراض الحروب وأهدافها التي كانت تضطرم نار الحرب لأجلها فيالجاهلية، فبينما كانت الحرب عبارة عن النهب والسلب والقتل والإغارةوالظلم والبغي والعدوان، وأخذ الثأر، والفوز بالوَتَر، وكبت الضعيف،وتخريب العمران، وتدمير البنيان، وهتك حرمات النساء، والقسوة بالضعافوالولائد والصبيان، وإهلاك الحرث والنسل، والعبث والفساد في الأرض فيالجاهلية إذ صارت هذه الحرب في الإسلام جهاداً في تحقيق أهداف نبيلة ،وأغراض سامية، وغايات محمودة، يعتز بها المجتمع الإنساني في كل زمانومكان، فقد صارت الحرب جهاداً في تخليص الإنسان من نظام القهر والعدوان،إلى نظام العدالة والنَّصَف، من نظام يأكل فيه القوي الضعيف، إلى نظاميصير فيه القوي ضعيفاً حتى يؤخذ منه، وصارت جهاداً في تخليص‏{‏وَالْمُسْتَضْعَف ينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِالظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَللَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏75‏]‏‏.‏ وصارت جهاداً فيتطهير أرض اللّه من الغدر والخيانة والإثم والعدوان، إلى بسط الأمنوالسلامة والرأفة والرحمة ومراعاة الحقوق والمروءة‏.‏

كما شرع للحروب قواعد شريفة ألزم التقيد بها على جنوده وقوادها، ولم يسمحلهم الخروج عنها بحال‏.‏ روي سليمان بن بريدة عن أبيه قال‏:‏ كان رسولاللّه صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصتهبتقوي اللّه عز وجل، ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال‏:‏ ‏(‏اغزوا بسماللّه، في سبيل اللّه، قاتلوا من كفر باللّه، اغزوا، فلا تغلوا،ولاتغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ الحديث‏.‏ وكانيأمر بالتيسير ويقول‏:‏ ‏(‏يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا‏)‏‏.‏

وكان إذا جاء قوماً بِلَيْل لم يُغِرْ عليهم حتى يُصبِح، ونهي أشد النهيعن التحريق في النار، ونهي عن قتل الصبر، وقتل النساء وضربهن، ونهي عنالنهب حتى قال‏:‏ ‏(‏إن النُّهْبَى ليست بأحل من الميتة‏)‏، ونهي عن إهلاكالحرث والنسل وقطع الأشجار إلا إذا اشتدت إليها الحاجة، ولا يبقي سواهسبيل‏.‏ وقال عند فتح مكة‏:‏ ‏(‏لا تجهزن على جريح، ولا تتبعن مدبراً، ولاتقتلن أسيراً‏)‏، وأمضى السنة بأن السفير لا يقتل، وشدد في النهي عن قتلالمعاهدين حتى قال‏:‏ ‏(‏من قتل معاهداً لم يُرِحْ رائحة الجنة، وإن ريحهالتوجد من مسيرة أربعين عاماً‏)‏، إلى غير ذلك من القواعد النبيلة التيطهرت الحروب من أدران الجاهلية حتى جعلتها جهاداً مقدساً‏.

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
قدوم كعب بن زهير بن أبي سلمى‏:‏

كان من بيت الشعراء، ومن أشعر العرب، وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم،فلما انصرف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من غزوة الطائف سنة 8ه ، كتبإلى كعب بن زهير أخوه بُجَيْر بن زهير أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلمقتل رجالاً بمكة ممن كانوا يهجونه ويؤذونه، ومن بقي من شعراء قريش هربوافي كل وجه، فإن كانت لك في نفسك حاجة فَطِرْ إلى رسول اللّه صلى الله عليهوسلم، فإنه لا يقتل أحداً جاء تائباً، وإلا فانج إلى نجاتك، ثم جري بينالأخوين مراسلات ضاقت لأجلها الأرض على كعب، وأشفق على نفسه، فجاءالمدينة، ونزل على رجل من جُهَيْنَةَ، وصلي معه الصبح، فلما انصرف أشارعليه الجهني، فقام إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حتى جلس إليه، فوضعيده في يده، وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لا يعرفه فقال‏:‏ يا رسولاللّه، إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائباً مسلماً، فهل أنت قابلمنه إن أنا جئتك به‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم‏)‏‏.‏ قال‏:‏ أنا كعب بن زهير، فوثبعليه رجل من الأنصار يستأذن ضرب عنقه، فقال‏:‏ ‏(‏دعه عنك، فإنه قد جاءتائباً نازعاً عما كان عليه‏)‏‏.‏

وحينئذ أنشد كعب قصيدته المشهورة التي أولها‏:‏

بانت سعاد فقلبي اليوم مَتْبُول ** مُتَيَّمٌ إثْرَهَا، لم يُفْدَ، مَكْبُول

قال فيها وهو يعتذر إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ويمدحه‏:‏

نبئت أن رسول الله أوعدني ** والعفو عند رسول الله مأمول

مهلا هداك الذي أعطاك نافلة ال ** قرآن فيها مواعيظ وتفصيل

لا تأخذن بأقوال الوشاة ولم ** أذنب، ولو كثرت فيَّ الأقاويل

لقد أقوم مقاما ما لو يقوم به ** أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل

لظل يرعد إلا أن يكون له ** من الرسول بإذن الله تنويل

حتى وضعت يميني ما أنازعه ** في كف ذي نقمات قيله القيل

فلهو أخوف عندي إذ أكلمه ** وقيل‏:‏ إنك منسوب ومسئول

من ضيغم بضراء الأرض مخدرة ** في بطن عثر غيل دونه غيل

إن الرسول لنور يستضاء به ** مهند من سيوف الله مسلول

ثم مدح المهاجرين من قريش؛ لأنهم لم يكن تكلم منهم رجل في كعب حين جاء إلابخير، وعرض في أثناء مدحهم على الأنصار لاسئذان رجل منهم في ضرب عنقه،قال‏:‏

يمشون مَشْي الجمال الزُّهْرِ يعصمهم ** ضَرْبٌ إذا عَرَّد السُّودُ التَّنَابِيل

فلما أسلم وحسن إسلامه مدح الأنصار في قصيدة له، وتدارك ما كان قد فرط منه في شأنهم، قال في تلك القصيدة‏:‏

من سره كَرَمُ الحياة فلا يَزَلْ ** في مِقْنَبٍ من صالحي الأنصار

ورثوا المكارم كابراً عن كابر ** إن الخيار هم بنو الأخيار

6 وفد عُذْرَة‏:‏

قدم هذا الوفد في صفر سنة 9 ه، وهم اثنا عشر رجلاً فيهم حمزة بن النعمان،قال متكلمهم حين سئلوا ‏(‏من القوم‏؟‏‏)‏‏:‏ نحن بنو عُذْرَة، إخوة قُصَيلأمه، نحن الذين عضدوا قصياً، وأزاحوا من بطن مكة خزاعة وبني بكر، لناقرابات وأرحام، فرحب بهم النبي صلى الله عليه وسلم، وبشرهم بفتح الشام،ونهاهم عن سؤال الكاهنة، وعن الذبائح التي كانوا يذبحونها‏.‏ أسلمواوأقاموا أياماً ثم رجعوا‏.‏

7 وفد بَلِي‏:‏

قدم في ربيع الأول سنة 9 ه، وأسلم وأقام بالمدينة ثلاثاً، وقد سأل رئيسهمأبو الضُّبَيْب عن الضيافة هل فيها أجر‏؟‏ فقال رسول اللّه صلى الله عليهوسلم‏:‏ ‏(‏نعم، وكل معروف صنعته إلى غني أو فقير فهو صدقة‏)‏، وسأل عنوقت الضيافة، فقال‏:‏ ‏(‏ثلاثة أيام‏)‏، وسأل عن ضالة الغنم، فقال‏:‏‏(‏هي لك أو لأخيك أو للذنب‏)‏، وسأل عن ضالة البعير‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏مالكوله‏؟‏ دعه حتى يجده صاحبه‏)‏‏.‏

8 وفد ثقيف‏:‏

كانت وفادتهم في رمضان سنة 9 ه، وقصة إسلامهم أن رئيسهم عروة بن مسعودالثقفي جاء إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بعد مرجعه من غزوة الطائففي ذي القعدة سنة 8 ه قبل أن يصل إلى المدينة، فأسلم عروة، ورجع إلى قومه،ودعاهم إلى الإسلام وهو يظن أنهم يطيعونه ؛ لأنه كان سيدا مطاعاً في قومه،وكان أحب إليهم من أبكارهم فلما دعاهم إلى الإسلام رموه بالنبل من كل وجهحتى قتلوه، ثم أقاموا بعد قتله أشهراً، ثم ائتمروا بينهم، ورأوا أنه لاطاقة لهم بحرب مَنْ حولهم من العرب الذين كانوا قد بايعوا وأسلموا فأجمعواأن يرسلوا رجلاً إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فكلموا عَبْد يالِيلبن عمرو، وعرضوا عليه ذلك فأبي، وخاف أن يصنعوا به إذا رجع مثل ما صنعوابعروة‏.‏ وقال‏:‏ لست فاعلاً حتى ترسلوا معي رجالاً، فبعثوا معه رجلين منالأحلاف وثلاثة من بني مالك، فصاروا ستة فيهم عثمان بن أبي العاص الثقفي،وكان أحدثهم سناً‏.‏

فلما قدموا على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ضرب عليهم قبة في ناحيةالمسجد، لكي يسمعوا القرآن، ويروا الناس إذا صلوا، ومكثوا يختلفون إلىرسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وهو يدعوهم إلى الإسلام، حتى سأل رئيسهمأن يكتب لهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قضية صلح بينه وبين ثقيف، يأذنلهم فيه بالزنا وشرب الخمور وأكل الربا، ويترك لهم طاغيتهم اللات، وأنيعفيهم من الصلاة، وألا يكسروا أصنامهم بأيديهم، فأبي رسول اللّه صلى اللهعليه وسلم أن يقبل شيئاً من ذلك، فخلوا وتشاوروا فلم يجدوا محيصاً عنالاستسلام لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فاستسلموا وأسلموا، واشترطواأن يتولي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هدم اللات، وأن ثقيفاً لايهدمونها بأيديهم أبداً‏.‏ فقبل ذلك، وكتب لهم كتاباً، وأمر عليهم عثمانبن أبي العاص الثقفي ؛ لأنه كان أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم الدينوالقرآن‏.‏ وذلك أن الوفد كانوا كل يوم يغدون إلى رسول اللّه صلى اللهعليه وسلم، ويخلفون عثمان بن أبي العاص في رحالهم، فإذا رجعوا وقالوابالهاجرة عمد عثمان بن أبي العاص إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلمفاستقرأه القرآن، وسأله عن الدين، وإذا وجده نائماً عمد إلى أبي بكر لنفسالغرض ‏(‏وكان من أعظم الناس بركة لقومه في زمن الردة، فإن ثقيفاً لماعزمت على الردة قال لهم‏:‏ يا معشر ثقيف، كنتم آخر الناس إسلاماً، فلاتكونوا أول الناس ردة، فامتنعوا عن الردة، وثبتوا على الإسلام‏)‏‏.‏

ورجع الوفد إلى قومه فكتمهم الحقيقة، وخوفهم بالحرب والقتال، وأظهر الحزنوالكآبة، وأن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سألهم الإسلام وترك الزناوالخمر والربا وغيرها وإلا يقاتلهم‏.‏ فأخذت ثقيفاً نخوة الجاهلية، فمكثوايومين أو ثلاثة يريدون القتال، ثم ألقي اللّه في قلوبهم الرعب، وقالواللوفد‏:‏ ارجعوا إليه فأعطوه ما سأل‏.‏ وحينئذ أبدي الوفد حقيقة الأمر،وأظهروا ما صالحوا عليه، فأسلمت ثقيف‏.‏

وبعث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رجالاً لهدم اللات، أمر عليهم خالد بنالوليد، فقام المغيرة ابن شعبة، فأخذ الكُرْزِين وقال لأصحابه‏:‏ واللّهلأضحكنكم من ثقيف، فضرب بالكرزين، ثم سقط يركض، فارتج أهل الطائف،وقالوا‏:‏ أبعد اللّه المغيرة، قتلته الرَّبَّةُ، فوثب المغيرة فقال‏:‏قبحكم اللّه، إنما هي لُكَاع حجارة ومَدَر، ثم ضرب الباب فكسره، ثم علاأعلى سورها، وعلا الرجال فهدموها وسووها بالأرض حتى حفروا أساسها، وأخرجواحليها ولباسها، فبهتت ثقيف، ورجع خالد مع مفرزته إلى رسول اللّْه صلى اللهعليه وسلم بحليها وكسوتها، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه،وحمد الله على نصرة نبيه وإعزاز دينه‏.

رسالة ملوك اليمن‏:‏

وبعد مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك قدم كتاب ملوك حِمْيَر، وهمالحارث بن عبد كُلال، ونعيم بن عبد كلال، والنعمان، وقَيْلُ ذي رُعَيْنوهَمْدَان ومُعَافِر، ورسولهم إليه صلى الله عليه وسلم مالك بن مرةالرَّهَاوي، بعثوه بإسلامهم ومفارقتهم الشرك وأهله، وكتب إليهم رسول اللهصلى الله عليه وسلم كتاباً بَيَّنَ فيه ما للمؤمنين وما عليهم، وأعطي فيهالمعاهدين ذمة اللّه وذمة رسوله إذا أعطوا ما عليهم من الجزية وبعث إليهمرجالاً من أصحابه أميرهم معاذ بن جبل، وجعله على الكورة العلياء من جهةعَدَن بين السَّكُون والسَّكَاسِك، وكان قاضياً وحاكماً في الحروب،وعاملاً على أخذ الصدقة والجزية، ويصلي بهم الصلوات الخمس، وبعث أبا موسيالأشعري رضي الله عنه على الكورة السفلي‏:‏ زُبَيْد ومأرب وَزَمَعوالساحل، وقال‏:‏ ‏(‏يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولاتختلفا‏)‏‏.‏ وقد مكث معاذ باليمن حتى توفي رسول اللّه صلى الله عليهوسلم‏.‏ أما أبو موسي الأشعري رضي الله عنه فقدم عليه صلى الله عليه وسلمفي حجة الوداع‏.‏

10 وفد همدان‏:‏

قدموا سنة 9ه بعد مرجعه صلى الله عليه وسلم من تبوك، فكتب لهم رسول اللّهصلى الله عليه وسلم كتاباً أقطعهم فيه ما سألوه، وأمر عليهم مالك بنالنَّمَطَ، واستعمله على من أسلم من قومه، وبعث إلى سائرهم خالد بن الوليديدعوهم إلى الإسلام، فأقام ستة أشهر يدعوهم فلم يجيبوه، ثم بعث على بن أبيطالب، وأمره أن يَقْفُلَ خالداً، فجاء على إلى همدان، وقرأ عليهم كتاباًمن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الإسلام فأسلموا جميعاً،وكتب على ببشارة إسلامهم إلى رسول صلى الله عليه وسلم، فلما قرأ الكتاب خرساجداً، ثم رفع رأسه فقال‏:‏ ‏(‏السلام على همدان، السلام على همدان‏)‏‏.‏

11 وفد بني فَزَارَة‏:‏

قدم هذا الوفد سنة 9ه بعد مرجعه صلى الله عليه وسلم من تبوك، قدم في بضعةعشر رجلاً جاءوا مقرين بالإسلام، وشكوا جدب بلادهم، فصعد رسول الله صلىالله عليه وسلم المنبر، فرفع يديه واستسقي، وقال‏:‏ ‏(‏اللهم اسق بلادكوبهائمك، وانشر رحمتك، وأحْي بلدك الميت، اللهم اسقنا غَيْثاً مُغِيثاً،مريئًا مَرِيعاً، طَبَقاً واسعاً، عاجلاً غير آجل، نافعاً غير ضار، اللّهمسقيا رحمة، لا سقيا عذاب، ولاهَدْم ولا غَرَق ولا مَحْق، اللّهم اسقناالغيث، وانصرنا على الأعداء‏)‏‏.‏

12 وفد نجران‏:‏

‏[‏نجران‏]‏ بفتح النون وسكون الجيم‏:‏ بلد كبير على سبع مراحل من مكة إلىجهة اليمن، كان يشتمل على ثلاث وسبعين قرية، مسيرة يوم للراكب السريع ،وكان يؤلف مائة ألف مقاتل كانوا يدينون بالنصرانية‏.‏

وكانت وفادة أهل نجران سنة 9ه، وقوام الوفد ستون رجلاً منهم أربعة وعشرونمن الأشراف، فيهم ثلاثة كانت إليهم زعامة أهل نجران‏.‏ أحدهمْ‏:‏العَاقِب، كانت إليه الإمارة والحكومة، واسمه عبد المسيح‏.‏ والثاني‏:‏السيد، كانت تحت إشرافه الأمور الثقافية والسياسية، واسمه الأيْهَم أوشُرَحِْبيل‏.‏ والثالث‏:‏ الأسْقف، وكانت إليه الزعامة الدينية، والقيادةالروحانية، واسمه أبو حارثة بن علقمة‏.‏

ولما نزل الوفد بالمدينة، ولقي النبي صلى الله عليه وسلم سألهم وسألوه، ثمدعاهم إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن فامتنعوا، وسألوه عما يقول في عيسيعليه السلام، فمكث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يومه ذلك حتى نزلعليه‏:‏ ‏{‏إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنتُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَتَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَمِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْوَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْفَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏59:61‏]‏‏.‏

ولما أصبح رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أخبرهم بقوله في عيسي ابن مريمفي ضوء هذه الآية الكريمة، وتركهم ذلك اليوم ؛ ليفكروا في أمرهم، فأبوا أنيقروا بما قال في عيسي‏.‏ فلما أصبحوا وقد أبوا عن قبول ما عرض عليهم منقوله في عيسي، وأبوا عن الإسلام دعاهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلىالمباهلة، وأقبل مشتملاً على الحسن والحسين في خَمِيل له، وفاطمة تمشي عندظهره، فلما رأوا منه الجد والتهيؤ خلوا وتشاوروا، فقال كل من العاقبوالسيد للآخر‏:‏ لا تفعل، فو اللّه لئن كان نبياً فَلاَعَنَنَا لا نفلحنحن ولا عقبنا من بعدنا ، فلا يبقي على وجه الأرض منا شعرة ولا ظُفْر إلاهلك، ثم اجتمع رأيهم على تحكيم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في أمرهم،فجاءوا وقالوا‏:‏ إنا نعطيك ما سألتنا‏.‏ فقبل رسول اللّه صلى الله عليهوسلم منهم الجزية، وصالحهم على ألفي حُلَّة‏:‏ ألف في رجب، وألف في صفر،ومع كل حلة أوقية، وأعطاهم ذمة اللّه وذمة رسوله‏.‏ وترك لهم الحريةالكاملة في دينهم، وكتب لهم بذلك كتاباً، وطلبوا منه أن يبعث عليهم رجلاًأميناً، فبعث عليهم أمين هذه الأمة أبا عبيدة بن الجراح؛ ليقبض مالالصلح‏.‏

ثم طفق الإسلام يفشو فيهم، فقد ذكروا أن السيد والعاقب أسلما بعد ما رجعاإلى نجران، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليهم عليّا ؛ ليأتيهبصدقاتهم وجزيتهم، ومعلوم أن الصدقة إنما تؤخذ من المسلمين‏.‏

13 وفد بني حنيفة‏:‏

كانت وفادتهم سنة 9 ه، وكانوا سبعة عشر رجلاً فيهم مُسَيْلِمة الكذاب وهومُسَيْلِمة بن ثُمَامَة بن كبير بن حبيب بن الحارث من بني حنيفة نزل هذاالوفد في بيت رجل من الأنصار، ثم جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلمفأسلموا، واختلفت الروايات في مسيلمة الكذاب، ويظهر بعد النظر في جميعهاأن مسيلمة صدر منه الاستنكاف والأنفة والاستكبار والطموح إلى الإمارة،وأنه لم يحضر مع سائر الوفد إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وأن النبيصلى الله عليه وسلم أراد استئلافه بالإحسان بالقول والفعل أولا، فلما رأيأن ذلك لا يجدي فيه نفعاً تفرس فيه الشر‏.‏

وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أري قبل ذلك في المنام أنه أتي بخزائنالأرض، فوقع في يديه سواران من ذهب، فكبرا عليه وأهماه، فأوحي إليه أنانفخهما فنفخهما فذهبا، فأوَّلَهُمَا كذابين يخرجان من بعده، فلما صدر منمسيلمة ما صدر من الاستنكاف وقد كان يقول‏:‏ إن جعل لي محمد الأمر من بعدهتبعته جاءه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وفي يده قطعة من جريد، ومعهخطيبه ثابت بن قيس بن شَمَّاس، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه، فكلمه، فقالله مسيلمة‏:‏ إن شئت خلينا بينك وبين الأمر، ثم جعلته لنا بعدك، فقال‏:‏‏(‏لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر اللّه فيك، ولئنأدبرتَ ليعقرنك اللّه، واللّه إني لأراك الذي أرِيتُ فيه ما رأيتُ، وهذاثابت يجيبك عني‏)‏، ثم انصرف‏.‏

وأخيراً وقع ما تَفَرَّسَ فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فإن مسيلمة لمارجع إلى اليَمَامة بقي يفكر في أمره، حتى ادعي أنه أشرك في الأمر مع النبيصلى الله عليه وسلم، فادعي النبوة، وجعل يسجع السجعات، وأحل لقومه الخمروالزنا، وهو مع ذلك يشهد لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنه نبي، وافتتنبه قومه فتبعوه وأصفقوا معه، حتى تفاقم أمره، فكان يقال له‏:‏ رحماناليمامة لعظم قدره فيهم، وكتب إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كتاباًقال فيه‏:‏ إني أشركت في الأمر معك، وإن لنا نصف الأمر، ولقريش نصف الأمر،فرد عليه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بكتاب قال فيه‏:‏ ‏(‏إن الأرضللّه يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين‏)‏‏.‏

وعن ابن مسعود‏:‏ جاء ابن النَّوَّاحَة، وابن أُثَال رسولا مسيلمة إلىالنبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهما‏:‏ ‏(‏أتشهدان أني رسول اللّّه‏؟‏‏)‏فقالا‏:‏ نشهد أن مسيلمة رسول اللّه‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏‏(‏آمنت باللّه ورسوله، لو كنت قاتلاً رسولاً لقتلتكما‏)‏‏.‏

كان ادعاء مسيلمة النبوة سنة عشر، وقتل في حرب اليمامة في عهد أبي بكرالصديق رضي الله عنه في ربيع الأول سنة 21ه، قتله وَحْشِي قاتلحمزة‏.‏وأما المتنبئ الثاني، وهو الأسود العَنْسِي الذي كان باليمن، فقتلهفَيْرُوز، واحتز رأسه قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بيوم وليلة،فأتاه الوحي فأخبر به أصحابه، ثم جاء الخبر من اليمن إلى أبي بكر رضي اللهعنه‏.‏

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10