منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


مميز السيرة النبوية (( كاملة ))

مميز فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع
(السيرة النبوية) كامله بدءاً من مولده وحتى وفاته صلى الله عليه وسلم





بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدي ودين الحق ليظهره على الدين كله، فجعلهشاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وجعل فيهأسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا‏.‏ اللهم صلوسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وفجّرلهم ينابيع الرحمة والرضوان تفجيرا‏.
وبعد:-

فسوف أقوم إن شاء الله بعرض السيرة النبوية كامله من مولده وحتى لحوقهبالرفيق الأعلى صلى الله عليه وسلم مستخرج تلك الأحداث والروايات من كتبالسيرة ‏ النبوي


فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
*القرآن يتحدث حول موضوع المعركة‏‏ :

ونزل القرآن يلقي ضوءاً على جميع المراحل المهمة من هذه المعركة مرحلةمرحلة، وصرح بالأسباب التي أدت إلى هذه الخسارة الفادحة، وأبدي النواحيالضعيفة التي لم تزل موجودة في طوائف أهل الإيمان بالنسبة إلى واجبهم فيمثل هذه المواقف الحاسمة، وبالنسبة إلى الأهداف النبيلة السامية التيأنشئت للحصول عليها هذه الأمة، والتي تمتاز عن غيرها بكونها خير أمة أخرجتللناس‏.‏

كما تحدث القرآن عن موقف المنافقين، ففضحهم وأبدي ما كان في باطنهم منالعداوة لله ولرسوله، مع إزالة الشبهات والوساوس التي كانت تختلج في قلوبضعفاء المسلمين، والتي كان يثيرها هؤلاء المنافقون وإخوانهم اليهود أصحابالدس والمؤامرة وقد أشار إلى الحكم والغايات المحمودة التي تمخضت عنها هذهالمعركة‏.‏

نزلت حول موضوع المعركة ستون آية من سورة آل عمران تبتدئ بذكر أول مرحلةمن مراحل المعركة‏:‏ ‏{‏وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُالْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ‏}‏ ‏[‏ آل عمران‏:‏ 121 ‏]‏، وتتركفي نهايتها تعليقاً جامعاً على نتائج هذه المعركة وحكمتها، قال تعإلى‏:‏‏{‏مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِحَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُلِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِمَن يَشَاء فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْوَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 179‏]
‏‏.‏



* الحكم والغايات المحمودة في هذه الغزوة‏ :

قد بسط ابن القيم الكلام على هذا الموضوع بسطاً تاماً ‏.‏ وقال ابن حجر‏:‏قال العلماء‏:‏ وكان في قصة أحد وما أصيب به المسلمون فيها من الفوائدوالحكم الربانية أشياء عظيمة، منها تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية،وشؤم ارتكاب النهي؛ لما وقع من ترك الرماة موقفهم الذي أمرهم الرسول صلىالله عليه وسلم ألا يبرحوا منه‏.‏

ومنها أن عادة الرسل أن تبتلي وتكون لها العاقبة، والحكمة في ذلك أنهم لوانتصروا دائماً دخل في المؤمنين من ليس منهم، ولم يتميز الصادق من غيره،ولو انكسروا دائماً لم يحصل المقصود من البعثة، فاقتضت الحكمة الجمع بينالأمرين لتمييز الصادق من الكاذب، وذلك أن نفاق المنافقين كان مخفياً عنالمسلمين، فلما جرت هذه القصة، وأظهر أهل النفاق ما أظهروه من الفعلوالقول عاد التلويح تصريحاً، وعرف المسلمون أن لهم عدواً في دورهم،فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم‏.‏

ومنها أن في تأخير النصر في بعض المواطن هضماً للنفس، وكسراً لشماختها، فلما ابتلي المؤمنون صبروا، وجزع المنافقون‏.‏

ومنها أن الله هيأ لعباده المؤمنين منازل فى دار كرامته لا تبلغها أعمالهم، فقيض لهم أسباب الابتلاء والمحن ليصلوا إليها‏.‏

ومنها أن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقها إليهم‏.‏

ومنها أنه أراد إهلاك أعدائه، فقيض لهم الأسباب التى يستوجبون بها ذلك منكفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه ، فمحص بذلك ذنوب المؤمنين، ومحقبذلك الكافرين‏.

السرايا والبعوث بين أحد والأحزاب



كان لمأساة أحد أثر سيئ على سمعة المؤمنين، فقد ذهبت ريحهم، وزالت هيبتهمعن النفوس، وزادت المتاعب الداخلية والخارجية على المؤمنين وأحاطت الأخطاربالمدينة من كل جانب، وكاشف اليهود والمنافقون والأعراب بالعداء السافر،وهمت كل طائفة منهم أن تنال من المؤمنين، بل طمعت في أن تقضي عليهموتستأصل شأفتهم‏.‏

فلم يمض على هذه المعركة شهران حتى تهيأت بنو أسد للإغارة على المدينة‏.‏ثم قامت قبائل عَضَل وقَارَة في شهر صفر سنة 4ه بمكيدة تسببت في قتل عشرةمن الصحابة، وفي نفس الشهر نفسه قام عامر بن الطُّفَيل العامري بتحريض بعضالقبائل حتى قتلوا سبعين من الصحابة، وتعرف هذه الوقعة بوقعة بئرمَعُونَة، ولم تزل بنو نضير خلال هذه المدة تجاهر بالعداوة حتى قامت فيربيع الأول سنة 4 ه بمكيدة تهدف إلى قتل النبي صلى الله عليه وسلم، وتجرأتبنو غَطَفَان حتى همت بالغزو على المدينة في جمادي الأولي سنة 4 ه‏.‏

فريح المسلمين التي كانت قد ذهبت في معركة أحد تركت المسلمين إلى حينيهددون بالأخطار، ولكن تلك هي حكمة محمد صلى الله عليه وسلم التي صرفتوجوه التيارات، وأعادت للمسلمين هيبتهم المفقودة، وأكسبتهم العلو والمجدمن جديد‏.‏ وأول ما أقدم عليه بهذا الصدد هي حركة المطاردة التي قام بهاإلى حمراء الأسد، فقد حفظ بها قدراً من سمعة جيشه، واستعاد بها من مكانتهشيئاً مذكوراً، ثم قام بمناورات أعادت للمسلمين هيبتهم، بل زادت فيها، وفيالصفحات الآتية شيء مما جري بين الطرفين‏.‏


* سرية أبي سلمة‏ :

أول من قام ضد المسلمين بعد نكسة أحد هم بنو أسد بن خزيمة، فقد نقلتاستخبارات المدينة أن طلحة وسلمة ابني خويلد قد سارا في قومهما ومنأطاعهما يدعون بني أسد بن خزيمة إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

فسارع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعث سرية قوامها مائة وخمسونمقاتلاً من المهاجرين والأنصار، وأمر عليهم أبا سلمة، وعقد له لواء‏.‏وباغت أبو سلمة بني أسد بن خزيمة في ديارهم قبل أن يقوموا بغارتهم،فتشتتوا في الأمر، وأصاب المسلمون إبلا وشاء لهم فاستاقوها، وعادوا إلىالمدينة سالمين غانمين لم يلقوا حرباً‏.‏

كان مبعث هذه السرية حين استهل هلال المحرم سنة 4 ه‏.‏ وعاد أبو سلمة وقد نفر عليه جرح كان قد أصابه في أحد، فلم يلبث حتى مات‏.‏


* بعث عبد الله بن أُنَيس‏ :‏

وفي اليوم الخامس من نفس الشهر المحرم سنة 4 ه نقلت الاستخبارات أن خالدبن سفيان الهذلي يحشد الجموع لحرب المسلمين، فأرسل إليه النبي صلى اللهعليه وسلم عبد الله ابن أنيس ليقضي عليه‏.‏

وظل عبد الله بن أنيس غائباً عن المدينة ثماني عشرة ليلة، ثم قدم يومالسبت لسبع بقين من المحرم، وقد قتل خالداً وجاء برأسه، فوضعه بين يديالنبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه عصا وقال‏:‏ ‏(‏هذه آية بيني وبينك يومالقيامة‏)‏، فلما حضرته الوفاة أوصي أن تجعل معه في أكفانه‏.‏



* بعث الرَّجِيع :‏

وفي شهر صفر من نفس السنة أي الرابعة من الهجرة قدم على رسول الله صلىالله عليه وسلم قوم من عَضَل وقَارَة، وذكروا أن فيهم إسلاماً، وسألوا أنيبعث معهم من يعلمهم الدين، ويقرئهم القرآن، فبعث معهم ستة نفر في قول ابنإسحاق، وفي رواية البخاري أنهم كانوا عشرة وأمر عليهم مَرْثَد بن أبيمَرْثَد الغَنَوِي في قول ابن إسحاق، وعند البخاري أنه عاصم بن ثابت جدعاصم بن عمر بن الخطاب فذهبوا معهم، فلما كانوا بالرجيع وهو ماء لهُذَيلِبناحية الحجاز بين رَابِغ وجُدَّة استصرخوا عليهم حياً من هذيل يقاللهم‏:‏ بنو لَحْيَان، فتبعوهم بقريب من مائة رام، واقتصوا آثارهم حتىلحقوهم، فأحاطوا بهم وكانوا قد لجأوا إلى فَدْفَد وقالوا ‏:‏ لكم العهدوالميثاق إن نزلتم إلينا ألا نقتل منكم رجلاً‏.‏ فأما عاصم فأبي من النزولوقاتلهم في أصحابه، فقتل منهم سبعة بالنبل، وبقي خُبَيب وزيد بنالدَّثِنَّةِ ورجل آخر، فأعطوهم العهد والميثاق مرة أخري، فنزلوا إليهمولكنهم غدروا بهم وربطوهم بأوتار قِسِيهم، فقال الرجل الثالث ‏:‏ هذا أولالغدر، وأبي أن يصحبهم، فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه،وانطلقوا بخبيب وزيد فباعوهما بمكة، وكانا قتلا من رءوسهم يوم بدر، فأماخبيب فمكث عندهم مسجوناً، ثم أجمعوا على قتله، فخرجوا به من الحرم إلىالتنعيم، فلما أجمعوا على صلبه قال ‏:‏ دعوني حتى أركع ركعتين، فتركوهفصلاهما، فلما سلم قال‏:‏ والله لولا أن تقولوا‏:‏ إن ما بي جزع لزدت، ثمقال‏:‏اللّهم أحْصِهِمْ عَدَدًا، واقتلهم بَدَدًا ، ولا تُبْقِ منهم أحدا،ثم قال‏:‏ فقال له أبو سفيان‏:‏ أيسرك أن محمدا عندنا نضرب عنقه، وأنك فيأهلك‏؟‏ فقال‏:‏ لا والله، ما يسرني أني في أهلي وأن محمداً في مكانه الذيهو فيه تصيبه شوكة تؤذيه‏.‏ ثم صلبوه ووكلوا به من يحرس جثته، فجاء عمروبن أمية الضمري، فاحتمله بخدعة ليلاً، فذهب به فدفنه، وكان الذي تولي قتلخبيب هو عقبة بن الحارث، وكان خبيب قد قتل أباه حارثاً يوم بدر‏.‏

وفي الصحيح أن خبيباً أول من سن الركعتين عند القتل، وأنه رئي وهو أسير يأكل قِطْفًا من العنب، وما بمكة ثمرة‏.‏

وأما زيد بن الدَّثِنَّة فابتاعه صفوان بن أمية فقتله بأبيه‏.‏

وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه وكان عاصم قتل عظيماً منعظمائهم يوم بدر فبعث الله عليه مثل الظُّلَّة من الدَّبْر الزنابير فحمتهمن رسلهم، فلم يقدروا منه على شيء‏.‏ وكان عاصم أعطي الله عهداً ألا يمسهمشرك ولا يمس مشركاً‏.‏ وكان عمر لما بلغه خبره يقول‏:‏ يحفظ الله العبدالمؤمن بعد وفاته كما يحفظه في حياته ‏.‏


* مأساة بئر مَعُونة‏ :

وفي الشهر نفسه الذي وقعت فيه مأساة الرَّجِيع وقعت مأساة أخري أشد وأفظع من الأولي، وهي التي تعرف بوقعة بئر معونة‏.‏

وملخصها ‏:‏ أن أبا براء عامر بن مالك المدعو بمُلاَعِب الأسِنَّة قدم علىرسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فدعاه إلى الإسلام فلم يسلم ولميبعد، فقال ‏:‏ يا رسول الله، لو بعثت أصحابك إلى أهل نَجْد يدعونهم إلىدينك لرجوت أن يجيبوهم، فقال‏:‏ ‏(‏إني أخاف عليهم أهل نجد‏)‏، فقال أبوبََرَاء ‏:‏ أنا جَارٌ لهم، فبعث معه أربعين رجلاً في قول ابن إسحاق، وفيالصحيح أنهم كانوا سبعين، والذي في الصحيح هو الصحيح وأمر عليهم المنذر بنعمرو أحد بني ساعدة الملقب بالمُعْنِقَ لِيمُوت ، وكانوا من خيار المسلمينوفضلائهم وساداتهم وقرائهم، فساروا يحتطبون بالنهار، يشترون به الطعاملأهل الصفة، ويتدارسون القرآن ويصلون بالليل، حتى نزلوا بئر معونة وهي أرضبين بني عامر وحَرَّة بني سُلَيْم فنزلوا هناك، ثم بعثوا حرام بن مِلْحَانأخا أم سليم بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدو الله عامر بنالطُّفَيْل، فلم ينظر فيه، وأمر رجلاً فطعنه بالحربة من خلفه، فلما أنفذهافيه ورأى الدم، قال حرام ‏:‏ الله أكبر، فُزْتُ ورب الكعبة‏.‏

ثم استنفر عدو الله لفوره بني عامر إلى قتال الباقين، فلم يجيبوه لأجلجوار أبي براء، فاستنفر بني سليم، فأجابته عُصَيَّة ورِعْل وذَكَوان،فجاءوا حتى أحاطوا بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاتلوا حتىقتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد بن النجار، فإنه ارْتُثَّ من بين القتلي،فعاش حتى قتل يوم الخندق‏.‏

وكان عمرو بن أمية الضمري والمنذر بن عقبة بن عامر في سرح المسلمين فرأياالطير تحوم على موضع الوقعة، فنزل المنذر، فقاتل المشركين حتى قتل معأصحابه، وأسر عمرو بن أمية الضمري، فلما أخبر أنه من مُضَر جَزَّ عامرناصيته، وأعتقه عن رقبة كانت على أمه‏.‏

ورجع عمرو بن أمية الضمري إلى النبي صلى الله عليه وسلم حاملاً معه أنباءالمصاب الفادح، مصرع سبعين من أفاضل المسلمين، تذكر نكبتهم الكبيرة بنكبةأحد ؛ إلا أن هؤلاء ذهبوا في قتال واضح ؛ وأولئك ذهبوا في غدرة شائنة‏.‏

ولما كان عمرو بن أمية في الطريق بالقَرْقَرَة من صدر قناة، نزل في ظلشجرة، وجاء رجلان من بني كلاب فنزلا معه، فلما ناما فتك بهما عمرو، وهويري أنه قد أصاب ثأر أصحابه، وإذا معهما عهد من رسول الله صلى الله عليهوسلم لم يشعر به، فلما قدم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فعل،فقال ‏:‏‏(‏لقد قتلت قتيلين لأدِيَنَّهما‏)‏، وانشغل بجمع ديتهما منالمسلمين ومن حلفائهم اليهود ، وهذا الذي صار سبباً لغزوة بني النضير، كماسيذكر‏.‏

وقد تألم النبي صلى الله عليه وسلم لأجل هذه المأساة، ولأجل مأساة الرجيعاللتين وقعتا خلال أيام معدودة ، تألما شديداً، وتغلب عليه الحزن والقلق ،حتى دعا على هؤلاء الأقوام والقبائل التي قامت بالغدر والفتك في أصحابه‏.‏ففي الصحيح عن أنس قال ‏:‏ دعا النبي صلى الله عليه وسلم على الذين قتلواأصحابه ببئر معونة ثلاثين صباحاً، يدعو في صلاة الفجر على رِعْل وذَكْوَانولَحْيَان وعُصَية، ويقول‏:‏‏(‏عُصَية عَصَتْ الله ورسوله‏)‏، فأنزل اللهتعالى على نبيه قرآناً قرأناه حتى نسخ بعد‏:‏ ‏(‏بلغوا عنا قومنا أنالقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه‏)‏ فترك رسول الله صلى الله عليه وسلمقُنُوتَه ‏.

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
*غزوة بني النضير‏ :

قد أسلفنا أن اليهود كانوا يتحرقون على الإسلام والمسلمين إلا أنهم لميكونوا أصحاب حرب وضرب، بل كانوا أصحاب دس ومؤامرة، فكانوا يجاهرون بالحقدوالعداوة، ويختارون أنواعاً من الحيل ؛ لإيقاع الإيذاء بالمسلمين دون أنيقوموا للقتال مع ما كان بينهم وبين المسلمين من عهود ومواثيق، وأنهم بعدوقعة بني قينقاع وقتل كعب بن الأشرف خافوا على أنفسهم فاستكانوا والتزمواالهدوء والسكوت‏.‏

ولكنهم بعد وقعة أحد تجرأوا، فكاشفوا بالعداوة والغدر، وأخذوا يتصلونبالمنافقين وبالمشركين من أهل مكة سراً، ويعملون لصالحهم ضد المسلمين ‏.‏

وصبر النبي صلى الله عليه وسلم حتى ازدادوا جرأة وجسارة بعد وقعةالرَّجِيع وبئر مَعُونة، حتى قاموا بمؤامرة تهدف القضاء على النبي صلىالله عليه وسلم‏.‏

وبيان ذلك‏:‏ أنه صلى الله عليه وسلم خرج إليهم في نفر من أصحابه، وكلمهمأن يعينوه في دية الكلابيين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضَّمْرِي وكانذلك يجب عليهم حسب بنود المعاهدة فقالوا ‏:‏ نفعل يا أبا القاسم، اجلس هاهنا حتى نقضي حاجتك‏.‏ فجلس إلى جنب جدار من بيوتهم ينتظر وفاءهم بماوعدوا، وجلس معه أبو بكر وعمر وعلى وطائفة من أصحابه‏.‏

وخلا اليهود بعضهم إلى بعض، وسول لهم الشيطان الشقاء الذي كتب عليهم،فتآمروا بقتله صلى الله عليه وسلم، وقالوا ‏:‏ أيكم يأخذ هذه الرحي، ويصعدفيلقيها على رأسه يشدخه بها‏؟‏‏.‏‏.‏‏.‏ فقال أشقاهم عمرو بن جحاش‏:‏أنا‏.‏ فقال لهم سَلاَّم بن مِشْكَم‏:‏ لا تفعلوا، فوالله ليخبرن بماهممتم به، وإنه لنقض للعهد الذي بيننا وبينه‏.‏ ولكنهم عزموا على تنفيذخطتهم‏.‏

ونزل جبريل من عند رب العالمين على رسوله صلى الله عليه وسلم يعلمه بماهموا به، فنهض مسرعاً وتوجه إلى المدينة، ولحقه أصحابه فقالوا ‏:‏ نهضتولم نشعر بك، فأخبرهم بما هَمَّتْ به يهود‏.‏

وما لبث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بعث محمد بن مسلمة إلى بنيالنضير يقول لهم ‏:‏ ‏(‏اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها، وقد أجلتكمعشراً، فمن وجدت بعد ذلك بها ضربت عنقه‏)‏‏.‏ ولم يجد يهود مناصاً منالخروج، فأقاموا أياماً يتجهزون للرحيل، بيد أن رئيس المنافقين عبد اللهبن أبي بعث إليهم أن اثبتوا وتَمَنَّعُوا، ولا تخرجوا من دياركم، فإن معيألفين يدخلون معكم حصنكم، فيموتون دونكم ‏{‏لَئِنْ أُخْرِجْتُمْلَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنقُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏11‏]‏ وتنصركم قريظة وحلفاؤكممن غطفان‏.‏

وهناك عادت لليهود ثقتهم، واستقر رأيهم على المناوأة، وطمع رئيسهم حيي بنأخطب فيما قاله رأس المنافقين، فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلميقول ‏:‏ إنا لا نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك‏.‏

ولا شك أن الموقف كان حرجاً بالنسبة للمسلمين، فإن اشتباكهم بخصومهم فيهذه الفترة المحرجة من تاريخهم لم يكن مأمون العواقب، وقد رأوا كَلَبالعرب عليهم وفتكهم الشنيع ببعوثهم، ثم إن يهود بني النضير كانوا على درجةمن القوة تجعل استسلامهم بعيد الاحتمال، وتجعل فرض القتال معهم محفوفاًبالمكاره، إلا أن الحال التي جدت بعد مأساة بئر معونة وما قبلها زادتحساسية المسلمين بجرائم الاغتيال والغدر التي أخذوا يتعرضون لها جماعاتوأفراداً، وضاعفت نقمتهم على مقترفيها، ومن ثم قرروا أن يقاتلوا بنيالنضير بعد همهم باغتيال الرسول صلى الله عليه وسلم مهما تكن النتائج‏.‏

فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم جواب حيي بن أخطب كبر وكبر أصحابه،ثم نهض لمناجزة القوم، فاستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وسار إليهم،وعلى بن أبي طالب يحمل اللواء، فلما انتهي إليهم فرض عليهم الحصار‏.‏

والتجأ بنو النضير إلى حصونهم، فأقاموا عليها يرمون بالنبل والحجارة،وكانت نخيلهم وبساتينهم عوناً لهم في ذلك، فأمر بقطعها وتحريقها، وفي ذلكيقول حسان‏:‏

وهان على سَرَاةِ بني لُؤي ** حريق بالبُوَيْرَةِ مستطير

‏[‏البويرة ‏:‏ اسم لنخل بني النضير‏]‏ وفي ذلك أنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏مَاقَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَافَبِإِذْنِ اللَّهِ‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 5‏]‏‏.‏

واعتزلتهم قريظة، وخانهم عبد الله بن أبي وحلفاؤهم من غطفان، فلم يحاولأحد أن يسوق لهم خيراً، أو يدفع عنهم شراً، ولهذا شبه سبحانه وتعإلىقصتهم، وجعل مثلهم‏:‏‏{‏كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِاكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏16‏]‏

ولم يطل الحصار فقد دام ست ليال فقط، وقيل ‏:‏ خمس عشرة ليلة حتى قذف اللهفي قلوبهم الرعب، فاندحروا وتهيأوا للاستسلام ولإلقاء السلاح، فأرسلوا إلىرسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ نحن نخرج عن المدينة‏.‏ فأنزلهم على أنيخرجوا عنها بنفوسهم وذراريهم، وأن لهم ما حملت الإبل إلا السلاح‏.‏

فنزلوا على ذلك، وخربوا بيوتهم بأيديهم، ليحملوا الأبواب والشبابيك، بلحتى حمل بعضهم الأوتاد وجذوع السقف، ثم حملوا النساء والصبيان، وتحملواعلى ستمائة بعير، فترحل أكثرهم وأكابرهم كحيي بن أخطب وسلاَّم بن أبيالحُقَيق إلى خيبر، وذهبت طائفة منهم إلى الشام، وأسلم منهم رجلان فقط ‏:‏يامِينُ بن عمرو وأبو سعد بن وهب، فأحرزا أموالهما‏.‏

وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاح بني النضير، واستولي على أرضهموديارهم وأموالهم، فوجد من السلاح خمسين درعاً وخمسين بيضة، وثلاثمائةوأربعين سيفاً‏.‏

وكانت أموال بني النضير وأرضهم وديارهم خالصة لرسول الله صلى الله عليهوسلم ؛ يضعها حيث يشاء، ولم يخَمِّسْها لأن الله أفاءها عليه، ولم يوجِفالمسلمون عليها بِخَيلٍ ولا رِكاب، فقسمها بين المهاجرين الأولين خاصة،إلا أنه أعطي أبا دُجَانة وسهل بن حُنَيف الأنصاريين لفقرهما‏.‏ وكان ينفقمنها على أهله نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكُرَاع عدة في سبيلالله‏.‏

كانت غزوة بني النضير في ربيع الأول سنة 4 من الهجرة، أغسطس 625م، وأنزلالله في هذه الغزوة سورة الحشر بأكملها، فوصف طرد اليهود، وفضح مسلكالمنافقين، وبين أحكام الفيء، وأثني على المهاجرين والأنصار، وبين جوازالقطع والحرق في أرض العدو للمصالح الحربية، وأن ذلك ليس من الفساد فيالأرض، وأوصي المؤمنين بالتزام التقوي والاستعداد للآخرة، ثم ختمهابالثناء على نفسه وبيان أسمائه وصفاته‏.‏

وكان ابن عباس يقول عن سورة الحشر ‏:‏ قل ‏:‏ سورة النضير ‏.‏

هذه خلاصة ما رواه ابن إسحاق وعامة أهل السير حول هذه الغزوة‏.‏ وقد رويأبو داود وعبد الرزاق وغيرهما سبباً آخر حول هذه الغزوة، وهو أنه لما كانتوقعة بدر فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود ‏:‏ إنكم أهل الحلقةوالحصون، وإنكم لتقاتلن صاحبنا أو لنفعلن كذا وكذا، ولا يحول بيننا وبينخَدَم نسائكم شيء وهو الخلاخيل فلما بلغ كتابهم اليهود أجمعت بنو النضيرعلى الغدر، فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ اخرج إلينا فيثلاثين رجلاً من أصحابك، ولنخرج في ثلاثين حبراً، حتى نلتقي في مكان كذا،نَصَفٌ بيننا وبينكم، فيسمعوا منك، فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا كلنا، فخرجالنبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثين من أصحابه، وخرج إليه ثلاثون حبراً منيهود، حتى إذا برزوا في براز من الأرض قال بعض اليهود لبعض ‏:‏ كيف تخلصونإليه ومعه ثلاثون رجلاً من أصحابه، كلهم يحب أن يموت قبله، فأرسلوا إليه‏:‏ كيف تفهم ونفهم ونحن ستون رجلاً ‏؟‏ اخرج في ثلاثة من أصحابك ويخرجإليك ثلاثة من علمائنا، فليسمعوا منك، فإن آمنوا بك آمنا كلنا وصدقناك،فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة نفر من أصحابه واشتملوا ‏[‏أياليهود‏]‏ على الخناجر، وأرادوا الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم،فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى بني أخيها، وهو رجل مسلم منالأنصار، فأخبرته خبر ما أرادت بنو النضير من الغدر برسول الله صلى اللهعليه وسلم، فأقبل أخوها سريعاً حتى أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، فسارهبخبرهم قبل أن يصل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فرجع النبي صلى اللهعليه وسلم، فلما كان من الغد غدا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلمبالكتائب فحاصرهم، وقال لهم ‏:‏ ‏(‏إنكم لاتأمنون عندي إلا بعهد تعاهدونيعليه‏)‏، فأبوا أن يعطوه عهداً، فقاتلهم يومهم ذلك هو والمسلمون، ثم غداالغد على بني قريظة بالخيل والكتائب، وترك بني النضير، ودعاهم إلى أنيعاهدوه، فعاهدوه، فانصرف عنهم، وغدا إلى بني النضير بالكتائب، فقاتلهمحتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل إلا الحَلْقةوالحلْقة‏:‏ السلاح فجاءت بنو النضير واحتملوا ما أقلت إبل من أمتعتهموأبواب بيوتهم وخشبها، فكانوا يخربون بيوتهم فيهدمونها، فيحملون ما وافقهممن خشبها، وكان جلاؤهم ذلك أول حشر الناس إلى الشام ‏.



*غزوة نجد : ‏

وبهذا النصر الذي أحرزه المسلمون في غزوة بني النضير دون قتال وتضحية توطدسلطانهم في المدينة، وتخاذل المنافقون عن الجهر بكيدهم، وأمكن للرسول صلىالله عليه وسلم أن يتفرغ لقمع الأعراب الذين آذوا المسلمين بعد أحد،وتواثبوا على بعوث الدعاة يقتلون رجالها في نذالة وكفران، وبلغت بهمالجرأة إلى أن أرادوا القيام بجر غزوة على المدينة‏.‏

فقبل أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلم بتأديب أولئك الغادرين، نقلت إليهاستخبارات المدينة بتحشد جموع البدو والأعراب من بني مُحَارِب وبني ثعلبةمن غَطَفَان، فسارع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الخروج، يجوس فيافي نجد،ويلقي بذور الخوف في أفئدة أولئك البدو القساة؛ حتى لا يعاودوا مناكرهمالتي ارتكبها إخوانهم مع المسلمين‏.‏

وأضحي الأعراب الذين مردوا على النهب والسطو لا يسمعون بمقدم المسلمين إلاحذروا وتمنعوا في رءوس الجبال، وهكذا أرهب المسلمون هذه القبائل المغيرة،وخلطوا بمشاعرهم الرعب، ثم رجعوا إلى المدينة آمنين‏.‏

وقد ذكر أهل المغازي والسير بهذا الصدد غزوة معينة غزاها المسلمون في أرضنجد في شهر ربيع الثاني أو جمادي الأولي سنة 4 ه، ويسمون هذه الغزوة بغزوةذات الرِّقَاع‏.‏ أما وقوع الغزوة خلال هذه المدة فهو أمر تقتضيه ظروفالمدينة، فإن موسم غزوة بدر التي كان قد تواعد بها أبو سفيان حين انصرافهمن أحد، كان قد اقترب‏.‏ وإخلاء المدينة، مع ترك البدو والأعراب علىتمردهم وغطرستهم، والخروج لمثل هذا اللقاء الرهيب لم يكن من مصالح سياسةالحروب قطعاً ، بل كان لا بد من خضد شوكتهم وكف شرهم، قبل الخروج لمثل هذهالحرب الكبيرة، التى كانوا يتوقعون وقوعها فى رحاب بدر ‏.‏

وأما أن تلك الغزوة التى قادها الرسول صلى الله عليه وسلم فى ربيع الآخرأو جمادى الأولى سنة 4 ه هى غزوة ذات الرقاع فلا يصح، فإن غزوة ذات الرقاعشهدها أبو هريرة وأبو موسى الأشعرى رضي الله عنهما، وكان إسلام أبى هريرةقبل غزوة خيبر بأيام، وكذلك أبو موسى الأشعرى رضي الله عنه، وافى النبىصلى الله عليه وسلم بخيبر‏.‏ وإذن فغزوة ذات الرقاع بعد خيبر ، ويدل علىتأخرها عن السنة الرابعة أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى فيها صلاةالخوف، وكانت أول شرعية صلاة الخوف فى غزوة عُسْفَان، ولا خلاف أن غزوةعسفان كانت بعد الخندق، وكانت غزوة الخندق فى أواخر السنة الخامسة‏.

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
*غزوة الأحزاب :

عاد الأمن والسلام، وهدأت الجزيرة العربية بعد الحروب والبعوث التياستغرقت أكثر من سنة كاملة، إلا أن اليهود الذين كانوا قد ذاقوا ألواناًمن الذلة والهوان نتيجة غدرهم وخيانتهم ومؤامراتهم ودسائسهم لم يفيقوا منغيهم، ولم يستكينوا، ولم يتعظوا بما أصابهم من نتيجة الغدر والتآمر‏.‏ فهمبعد نفيهم إلى خيبر ظلوا ينتظرون ما يحل بالمسلمين من خلال المناوشات التيكانت قائمة بين المسلمين والوثنيين، ولما تحول مجري الأيام لصالحالمسلمين، وتمخضت الليإلى والأيام عن بسط نفوذهم، وتوطد سلطانهم تحرقهؤلاء اليهود أي تحرق‏.‏

وشرعوا في التآمر من جديد على المسلمين، وأخذوا يعدون العدة، لتصويب ضربةإلى المسلمين تكون قاتلة لا حياة بعدها‏.‏ ولما لم يكونوا يجدون في أنفسهمجرأة على قتال المسلمين مباشرة، خططوا لهذا الغرض خطة رهيبة‏.‏

خرج عشرون رجلاً من زعماء اليهود وسادات بني النضير إلى قريش بمكة،يحرضونهم على غزو الرسول صلى الله عليه وسلم، ويوالونهم عليه، ووعدوهم منأنفسهم بالنصر لهم، فأجابتهم قريش، وكانت قريش قد أخلفت موعدها في الخروجإلى بدر، فرأت في ذلك إنقاذا لسمعتها والبر بكلمتها‏.‏

ثم خرج هذا الوفد إلى غَطَفَان، فدعاهم إلى ما دعا إليه قريشاً فاستجابوالذلك، ثم طاف الوفد في قبائل العرب يدعوهم إلى ذلك فاستجاب له من استجاب،وهكذا نجح ساسة اليهود وقادتهم في تأليب أحزاب الكفر على النبي صلى اللهعليه وسلم والمسلمين‏.‏

وعلى إثر ذلك خرجت من الجنوب قريش وكنانة وحلفاؤهم من أهل تهامة وقائدهمأبو سفيان في أربعة آلاف، ووافاهم بنو سليم بمَرِّ الظَّهْرَان، وخرجت منالشرق قبائل غطفان‏:‏ بنو فَزَارة، يقودهم عُيينَة بن حِصْن، وبنو مُرَّة،يقودهم الحارث بن عوف، وبنو أشجع، يقودهم مِسْعَر بن رُحَيلَةِ، كما خرجتبنو أسد وغيرها‏.‏

واتجهت هذه الأحزاب وتحركت نحو المدينة على ميعاد كانت قد تعاقدت عليه‏.‏

وبعد أيام تجمع حول المدينة جيش عَرَمْرَم يبلغ عدده عشرة آلاف مقاتل، جيشربما يزيد عدده على جميع من في المدينة من النساء والصبيان والشبابوالشيوخ‏.‏

ولو بلغت هذه الأحزاب والمحزبة والجنود المجندة إلى أسوار المدينة بغتةلكانت أعظم خطراً على كيان المسلمين مما يقاس، وربما تبلغ إلى استئصالالشأفة وإبادة الخضراء، ولكن قيادة المدينة كانت قيادة متيقظة، لم تزلواضعة أناملها على العروق النابضة، تتجسس الظروف، وتقدر ما يتمخض عنمجراها، فلم تكد تتحرك هذه الجيوش عن مواضعها حتى نقلت استخبارات المدينةإلى قيادتها فيها بهذا الزحف الخطير‏.‏

وسارع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عقد مجلس استشاري أعلي، تناول فيهموضوع خطة الدفاع عن كيان المدينة، وبعد مناقشات جرت بين القادة وأهلالشوري اتفقوا على قرار قدمه الصحابي النبيل سلمان الفارسي ضي الله عنه‏.‏

قال سلمان‏:‏ يا رسول الله، إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خَنْدَقْنَا علينا‏.‏ وكانت خطة حكيمة لم تكن تعرفها العرب قبل ذلك‏.‏

وأسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تنفيذ هذه الحظة، فوكل إلى كلعشرة رجال أن يحفروا من الخندق أربعين ذراعاً، وقام المسلمون بجد ونشاطيحفرون الخندق، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحثهم ويساهمهم في عملهمهذا‏.‏ ففي البخاري عن سهل بن سعد، قال‏:‏ كنا مع رسول الله في الخندق،وهم يحفرون، ونحن ننقل التراب على أكتادنا، فقال رسول الله صلى الله عليهوسلم‏:‏ ‏(‏اللهم لا عَيشَ إلا عيشُ الآخرة، فاغفر للمهاجرينوالأنصار‏)‏‏.‏

وعن أنس‏:‏ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فإذا المهاجرينوالأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلمارأي ما بهم من النصب والجوع قال‏:‏

اللهم إن العيش عيش الآخرة ** فاغفر للأنصار والمهاجرة

فقالوا مجيبين له‏:‏

نحن الذين بايعوا محمداً ** على الجهاد ما بقينا أبداً

وفيه عن البراء بن عازب قال‏:‏ رأيته صلى الله عليه وسلم ينقل من ترابالخندق حتى واري عني الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجزبكلمات ابن رواحة، وهو ينقل من التراب ويقول‏:‏

اللهم لولا أنت ما اهتدينا ** ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا ** وثبت الأقدام إن لاقينا

إن الألى رغبوا علينا ** وإن أرادوا فتنة أبينا

قال‏:‏ ثم يمد بها صوته بآخرها، وفي رواية‏:‏

إن الألى قد بغوا علينا ** وإن أرادوا فتنة أبينا

كان المسلمون يعملون بهذا النشاط وهم يقاسون من شدة الجوع ما يفتتالأكباد، قال أنس‏:‏ كان أهل الخندق يؤتون بملء كفي من الشعير، فيصنع لهمبإهَالَةٍ سنخة توضع بين يدي القوم، والقوم جياع، وهي بشعة في الحلق ولهاريح‏.‏

وقال أبو طلحة‏:‏ شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع، فرفعناعن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجرين‏.‏

وبهذه المناسبة وقعت أثناء حفر الخندق آيات من أعلام النبوة، رأي جابر بنعبد الله في النبي صلى الله عليه وسلم خمصاً شديدًا فذبح بهيمة، وطحنتامرأته صاعاً من شعير، ثم التمس من رسول الله صلى الله عليه وسلم سراً أنيأتي في نفر من أصحابه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم بجميع أهل الخندق،وهم ألف، فأكلوا من ذلك الطعام وشبعوا، وبقيت بُرْمَة اللحم تغط به كماهي، وبقي العجين يخبز كما هو‏.‏

وجاءت أخت النعمان بن بشير بحَفْنَة من تمر إلى الخندق ليتغدي به أبوهوخاله، فمرت برسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلب منها التمر، وبدده فوقثوب، ثم دعا أهل الخندق، فجعلوا يأكلون منه وجعل التمر يزيد، حتى صدر أهلالخندق عنه، وإنه يسقط من أطراف الثواب‏.‏

وأعظم من هذين ما رواه البخاري عن جابرقال‏:‏ إنا يوم خندق نحفر، فعرضتكُدْية شديدة، فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ هذه كدية عرضتفي الخندق‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏أنا نازل‏)‏، ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثناثلاثة لا نذوق ذواقاً فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المِعْوَل، فضرب فعادكثيباً أهْيل أو أهْيم ، أي صار رملاً لا يتماسك‏.‏

وقال البراء‏:‏ لما كان يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذمنها المعاول، فاشتكينا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءة وأخذالمعول فقال‏:‏ ‏(‏بسم الله‏)‏، ثم ضرب ضربة، وقال‏:‏ ‏(‏الله أكبر، أعطيتمفاتيح الشام، والله إني لأنظر قصورها الحمر الساعة‏)‏، ثم ضرب الثانيةفقطع آخر، فقال‏:‏ ‏(‏الله أكبر، أعطيت فارس، والله إني لأبصر قصر المدائنالأبيض الآن‏)‏، ثم ضرب الثالثة، فقال‏:‏ ‏(‏بسم الله‏)‏، فقطع بقيةالحجر، فقال‏:‏ ‏(‏الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبوابصنعاء من مكاني‏)‏‏.‏

وروي ابن إسحاق مثل ذلك عن سلمان الفارسي رضي الله عنه‏.‏

ولما كانت المدينة تحيط بها الحرات والجبال وبساتين من النخيل من كل جانبسوي الشمال، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن زحف مثل هذا الجيشالكبير، ومهاجمته المدينة لا يمكن إلا من جهة الشمال، اتخذ الخندق في هذاالجانب‏.

وواصلالمسلمون عملهم في حفره، فكانوا يحفرونه طول النهار، ويرجعون إلى أهليهمفي المساء، حتى تكامل الخندق حسب الخطة المنشودة، قبل أن يصل الجيش الوثنيالعرمرم إلى أسوار المدينة‏.‏

وأقبلت قريش في أربعة آلاف، حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رُومَة بينالجُرْف وزَغَابَة، وأقبلت غَطَفَان ومن تبعهم من أهل نجد في ستة آلاف حتىنزلوا بذَنَبِ نَقْمَي إلى جانب أحد‏.‏

‏{‏وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَاوَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَازَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 22‏]‏‏.‏

وأما المنافقون وضعفاء النفوس فقد تزعزعت قلوبهم لرؤية هذا الجيش‏{‏وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌمَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا‏}‏‏[‏ الأحزاب‏:‏12‏]‏‏.‏

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة آلاف من المسلمين، فجعلواظهورهم إلى جبل سَلْع فتحصنوا به، والخندق بينهم وبين الكفار‏.‏وكانشعارهم‏:‏ ‏[‏حم لا ينصرون‏]‏، واستحلف على المدينة ابن أم مكتوم، وأمربالنساء والذراري فجعلوا في آطام المدينة‏.‏

ولما أراد المشركون مهاجمة المسلمين واقتحام المدينة، وجدوا خندقاً عريضاًيحول بينهم وبينها، فالتجأوا إلى فرض الحصار على المسلمين، بينما لميكونوا مستعدين له حين خرجوا من ديارهم، إذ كانت هذه الخطة كما قالوامكيدة ما عرفتها العرب، فلم يكونوا أدخلوها في حسابهم رأساً‏.‏

وأخذ المشركون يدورون حول الخندق غضاباً، يتحسسون نقطة ضعيفة ؛ لينحدروامنها، وأخذ المسلمون يتطلعون إلى جولات المشركين، يرشقونهم بالنبل، حتى لايجترئوا على الاقتراب منه، ولا يستطيعوا أن يقتحموه، أو يهيلوا عليهالتراب، ليبنوا به طريقاً يمكنهم من العبور‏.‏

وكره فوارس من قريش أن يقفوا حول الخندق من غير جدوي في ترقب نتائجالحصار، فإن ذلك لم يكن من شيمهم، فخرجت منها جماعة فيها عمرو بن عبد وُدّوعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب وغيرهم، فتيمموا مكاناً ضيقاً منالخندق فاقتحموه، وجالت بهم خيلهم في السَّبْخة بين الخندق وسَلْع، وخرجعلى بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي أقحموامنها خيلهم، ودعا عمرو إلى المبارزة، فانتدب له على بن أبي طالب، وقالكلمة حمي لأجلها وكان من شجعان المشركين وأبطالهم فاقتحم عن فرسه فعقرهوضرب وجهه، ثم أقبل على علي، فتجاولا وتصاولا حتى قتله علي رضي الله عنه،وانهزم الباقون حتى اقتحموا الخندق هاربين، وقد بلغ بهم الرعب إلى أن تركعكرمة رمحه وهو منهزم عن عمرو‏.‏

وقد حاول المشركون في بعض الأيام محاولة بليغة لاقتحام الخندق، أو لبناءالطرق فيها، ولكن المسلمين كافحوا مكافحة مجيدة، ورشقوهم بالنبل، وناضلوهمأشد النضال حتى فشل المشركون في محاولتهم‏.‏

ولأجل الاشتغال بمثل هذه المكافحة الشديدة فات بعض الصلوات عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم والمسلمين، ففي الصحيحين عن جابر رضي الله عنه‏:‏ أنعمر بن الخطاب جاء يوم الخندق، فجعل يسب كفار قريش‏.‏ فقال‏:‏ يا رسولالله صلى الله عليه وسلم، ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب، فقالالنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏وأنا والله ما صليتها‏)‏، فنزلنا مع النبيصلى الله عليه وسلم بُطْحَان، فتوضأ للصلاة، وتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلي بعدها المغرب‏.‏

وقد استاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لفوات هذه الصلاة حتى دعا علىالمشركين، ففي البخاري عن على عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يومالخندق‏:‏ ‏(‏ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم ناراً، كما شغلونا عن الصلاةالوسطي حتى غابت الشمس‏)‏‏.‏

وفي مسند أحمد والشافعي أنهم حبسوه عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاءفصلاهن جميعاً‏.‏ قال النووي‏:‏ وطريق الجمع بين هذه الروايات أن وقعةالخندق بقيت أياماً فكان هذا في بعض الأيام، وهذا في بعضها‏.‏ انتهي‏.‏

ومن هنا يؤخذ أن محاولة العبور من المشركين، والمكافحة المتواصلة منالمسلمين، دامت أياماً، إلا أن الخندق لما كان حائلاً بين الجيشين لم يجربينهما قتال مباشر أو حرب دامية، بل اقتصروا على المراماة والمناضلة‏.‏

وفي هذه المراماة قتل رجال من الجيشين، يعدون على الأصابع‏:‏ ستة منالمسلمين، وعشرة من المشركين، بينما كان قتل واحد أو اثنين منهم بالسيف‏.‏

وفي هذه المراماة رمي سعد بن معاذ رضي الله عنه بسهم فقطع منه الأكْحَل،رماه رجل من قريش يقال له‏:‏ حَبَّان بن العَرِقَة، فدعا سعد‏:‏ اللّهمإنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلى أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه،اللّهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريششيء فأبقني لهم حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب فافجرها واجعل موتتيفيها‏.‏ وقال في آخر دعائه‏:‏ ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة‏.‏

وبينما كان المسلمون يواجهون هذه الشدائد على جبهة المعركة كانت أفاعيالدس والتآمر تتقلب في جحورها، تريد إيصال السم داخل أجسادهم‏:‏ انطلقكبير مجرمي بني النضير حيي بن أخطب إلى ديار بني قريظة فأتي كعب بن أسدالقرظي سيد بني قريظة وصاحب عقدهم وعهدهم، وكان قد عاقد رسول الله صلىالله عليه وسلم على أن ينصره إذا أصابته حرب، كما تقدم فضرب عليه حييالباب فأغلقه كعب دونه، فما زال يكلمه حتى فتح له بابه، فقال حيي‏:‏ إنيقد جئتك يا كعب بعز الدهر وببحر طَامٍ، جئتك بقريش على قادتها وسادتها،حتى أنزلتهم بمجمع الأسيال من رُومَة، وبغطفان على قادتها وسادتها، حتىأنزلتهم بذَنَب نَقْمَي إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني على ألا يبرحواحتى نستأصل محمداً ومن معه‏.‏

فقال له كعب‏:‏ جئتني والله بذُلِّ الدهر وبجَهَامٍ قد هَرَاق ماؤه، فهويرْعِد ويبْرِق، ليس فيه شيء‏.‏ ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه، فإني لمأر من محمد إلا صدقا ووفاء‏.‏

فلم يزل حيي بكعب يفْتِلُه في الذِّرْوَة والغَارِب، حتى سمح له على أنأعطاه عهداً من الله وميثاقاً‏:‏ لئن رجعت قريش وغطفان، ولم يصيبوا محمداًأن أدخل معك في حصنك، حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب بن أسد عهده، وبرئمما كان بينه وبين المسلمين، ودخل مع المشركين في المحاربة ضد المسلمين‏.‏

وفعلاً قامت يهود بني قريظة بعمليات الحرب‏.‏ قال ابن إسحاق‏:‏ كانت صفيةبنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت، وكان حسان فيه مع النساءوالصبيان، قالت صفية‏:‏ فمر بنا رجل من يهود، فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربتبنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس بينناوبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في غورعدوهم، لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إن أتانا آت، قالت‏:‏ فقلت‏:‏ ياحسان، إن هذا اليهودي كما تري يطيف بالحصن، وإني والله ما آمنه أن يدل علىعورتنا مَنْ وراءنا مِنْ يهود، وقد شغل عنا رسول الله صلى الله عليه وسلموأصحابه، فانزل إليه فاقتله‏.‏

قال‏:‏ والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا، قالت‏:‏ فاحتجزت ثم أخذت عموداً،ثم نزلت من الحصن إليه، فضربته بالعمود حتى قتلته، ثم رجعت إلى الحصنوقلت‏:‏ يا حسان، انزل إليه فاسلبه، فإنه لم يمنعني من سبله إلا أنه رجل،قال‏:‏ ما لي بسلبه من حاجة‏.‏

وقد كان لهذا الفعل المجيد من عمة الرسول صلى الله عليه وسلم أثر عميق فيحفظ ذراري المسلمين ونسائهم، ويبدو أن اليهود ظنوا أن هذه الآطام والحصونفي منعة من الجيش الإسلامي مع أنها كانت خالية عنهم تماماً فلم يجترئوامرة ثانية للقيام بمثل هذا العمل، إلا أنهم أخذوا يمدون الغزاة الوثنيينبالمؤن، كدليل عملي على انضمامهم إليهم ضد المسلمين، حتى أخذ المسلمون منمؤنهم عشرين جملاً‏.‏

وانتهي الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى المسلمين فبادر إلىتحقيقه، حتى يستجلي موقف قريظة، فيواجهه بما يجب من الوجهة العسكرية، وبعثلتحقيق الخبر السعدين؛ سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، وعبد الله بن رواحةوخَوَّات بن جبير، وقال‏:‏ ‏(‏انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاءالقوم أم لا ‏؟‏ فإن كان حقاً فالحنوا لي لحناً أعرفه، ولا تَفُتُّوا فيأعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس‏)‏‏.‏ فلما دنوا منهموجدوهم على أخبث ما يكون، فقد جاهروهم بالسب والعداوة، ونالوا من رسولالله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقالوا‏:‏ من رسول الله ‏؟‏ لا عهد بيننا وبين محمد، ولا عقد‏.‏ فانصرفواعنهم، فلما أقبلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لحنوا له، وقالوا‏:‏عَضَل وقَارَة ؛ أي إنهم على غدر كغدر عضل وقارة بأصحاب الرَّجِيع‏.‏

وعلى رغم محاولتهم إخفاء الحقيقة تفطن الناس لجلية الأمر، فتجسد أمامهم خطر رهيب‏.‏

وقد كان أحرج موقف يقفه المسلمون، فلم يكن يحول بينهم وبين قريظة شيءيمنعهم من ضربهم من الخلف، بينما كان أمامهم جيش عرمرم لم يكونوا يستطيعونالانصراف عنه، وكانت ذراريهم ونساؤهم بمقربة من هؤلاء الغادرين في غيرمنعة وحفظ، وصاروا كما قال الله تعالي‏:‏ ‏{‏وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُوَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَاهُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًاشَدِيدًا‏}‏‏[‏ الأحزاب‏:‏10، 11‏]‏

ونجم النفاق من بعض المنافقين حتى قال‏:‏ كان محمد يعدنا أن نأكل كنوزكسري وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط‏.‏ وحتىقال بعض آخر في ملأ من رجال قومه‏:‏ إن بيوتنا عورة من العدو، فائذن لناأن نخرج، فنرجع إلى دارنا فإنها خارج المدينة‏.‏ وحتى همت بنو سلمةبالفشل، وفي هؤلاء أنزل الله تعالي‏:‏ ‏{‏وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَوَالَّذِين َ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُإِلَّا غُرُورًا وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَلَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُالنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍإِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 12، 13‏]‏‏.‏

أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقنع بثوبه حين أتاه غَدْر قريظة،فاضطجع ومكث طويلاً حتى اشتد على الناس البلاء، ثم نهض مبشراً يقول‏:‏‏(‏الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره‏)‏، ثم أخذ يخططلمجابهة الظرف الراهن، وكجزء من هذه الخطة كان يبعث الحرس إلى المدينة؛لئلا يؤتي الذراري والنساء على غرة، ولكن كان لابد من إقدام حاسم، يفضيإلى تخاذل الأحزاب، وتحقيقاً لهذا الهدف أراد أن يصالح عُيينَة بن حصنوالحارث بن عوف رئيسي غطفان على ثلث ثمار المدينة، حتى ينصرفا بقومهما،ويخلو المسلمون لإلحاق الهزيمة الساحقة العاجلة بقريش التي اختبروا مديقوتها وبأسها مراراً، وجرت المراودة على ذلك، فاستشار السعدين في ذلك،فقالا‏:‏ يا رسول الله، إن كان الله أمرك بهذا فسمعاً وطاعة، وإن كان شيءتصنعه لنا فلا حاجة لنا فيه، لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك باللهوعبادة الأوثان، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قِرًي أو بيعاً،فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك نعطيهم أموالنا ‏؟‏ واللهلا نعطيهم إلا السيف، فَصَوَّبَ رأيهما وقال‏:‏ ‏(‏إنما هو شيء أصنعه لكملما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة‏)‏‏.‏

ثم إن الله عز وجل وله الحمد صنع أمراً من عنده خذل به العدو وهزم جموعهم،وفَلَّ حدهم، فكان مما هيأ من ذلك أن رجلاً من غطفان يقال له‏:‏ نعيم بنمسعود بن عامر الأشجعي رضي الله عنه جاء رسول الله صلى الله عليه وسلمفقال‏:‏ يا رسول الله، إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرنيما شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنما أنت رجل واحد،فَخذِّلْ عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة‏)‏، فذهب من فوره إلى بني قريظةوكان عشيراً لهم في الجاهلية فدخل عليهم وقال‏:‏ قد عرفتم ودي إياكم،وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا‏:‏ صدقت‏.‏ قال‏:‏ فإن قريشاً ليسوا مثلكم،البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون أن تتحولوا منه إلىغيره، وإن قريشاً وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه،وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فإن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا لحقواببلادهم وتركوكم ومحمداً فانتقم منكم، قالوا‏:‏ فما العمل يا نعيم ‏؟‏قال‏:‏ لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن‏.‏ قالوا‏:‏ لقد أشرت بالرأي‏.‏

ثم مضي نعيم على وجهه إلى قريش وقال لهم‏:‏ تعلمون ودي لكم ونصحي لكم‏؟‏قالوا‏:‏ نعم، قال‏:‏ إن يهود قد ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمدوأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه، ثميوالونه عليكم، فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم، ثم ذهب إلى غطفان، فقال لهممثل ذلك‏.‏

فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة 5ه بعثوا إلى يهود‏:‏ أنا لسنا بأرضمقام، وقد هلك الكُرَاع والخف ، فانهضوا بنا حتى نناجز محمداً، فأرسلإليهم اليهود أن اليوم يوم السبت، وقد علمتم ما أصاب من قبلنا حين أحدثوافيه، ومع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهائن، فلما جاءتهمرسلهم بذلك قالت قريش وغطفان‏:‏ صدقكم والله نعيم، فبعثوا إلى يهود إناوالله لا نرسل إليكم أحداً، فاخرجوا معنا حتى نناجز محمداً، فقالتقريظة‏:‏ صدقكم والله نعيم‏.‏ فتخاذل الفريقان، ودبت الفرقة بين صفوفهم،وخارت عزائمهم‏.‏

وكان المسلمون يدعون الله تعإلى‏:‏ ‏(‏اللهم استر عوراتنا وآمنروعاتنا‏)‏، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب، فقال‏:‏‏(‏اللّهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللّهم اهزمهموزلزلهم‏)‏‏.‏

وقد سمع الله دعاء رسوله والمسلمين، فبعد أن دبت الفرقة في صفوف المشركينوسري بينهم التخاذل أرسل الله عليهم جنداً من الريح فجعلت تقوض خيامهم،ولا تدع لهم قِدْرًا إلا كفأتها، ولا طُنُبًا إلا قلعته، ولا يقر لهمقرار، وأرسل جنداً من الملائكة يزلزلونهم، ويلقون في قلوبهم الرعبوالخوف‏.‏

وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة الباردة القارسة حذيفةبن اليمان يأتيه بخبرهم، فوجدهم على هذه الحالة، وقد تهيأوا للرحيل، فرجعإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره برحيل القوم، فأصبح رسول اللهصلى الله عليه وسلم وقد رد الله عدوه بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفاه اللهقتالهم، فصدق وعده، وأعز جنده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، فرجع إلىالمدينة‏.‏

وكانت غزوة الخندق سنة خمس من الهجرة في شوال على أصح القولين، وأقامالمشركون محاصرين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين شهراً أو نحوشهر‏.‏ ويبدو بعد الجمع بين المصادر أن بداية فرض الحصار كانت في شوالونهايته في ذي القعدة، وعند ابن سعد أن انصراف رسول الله صلى الله عليهوسلم من الخندق كان يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة‏.‏

إن معركة الأحزاب لم تكن معركة خسائر، بل كانت معركة أعصاب، لم يجر فيهاقتال مرير، إلا أنها كانت من أحسم المعارك في تاريخ الإسلام، تمخضت عنتخاذل المشركين، وأفادت أن أية قوة من قوات العرب لا تستطيع استئصال القوةالصغيرة التي تنمو في المدينة ؛ لأن العرب لم تكن تستطيع أن تأتي بجمعأقوي مما أتت به في الأحزاب، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حينأجلي الله الأحزاب‏:‏ ‏(‏الآن نغزوهم، ولا يغزونا، نحن نسير إليهم‏)‏‏.

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
*غزوة بني قريظة



وفي اليوم الذي رجع فيه رسول الله إلى المدينة، جاءه جبريل \ عند الظهر،وهو يغتسل في بيت أم سلمة، فقال‏:‏ أو قد وضعت السلاح‏؟‏ فإن الملائكة لمتضع أسلحتهم، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، فانهض بمن معك إلى بنيقريظة، فإني سائر أمامك أزلزل بهم حصونهم، وأقذف في قلوبهم الرعب، فسارجبريل في موكبه من الملائكة‏.‏



وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذناً فأذن في الناس‏:‏ من كان سامعاًمطيعاً فلا يصَلِّينَّ العصر إلا ببني قريظة، واستعمل على المدينة ابن أممكتوم، وأعطي الراية على بن أبي طالب، وقدّمه إلى بني قريظة، فسار على حتىإذا دنا من حصونهم سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏



وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في موكبه من المهاجرين والأنصار، حتىنزل على بئر من آبار قريظة يقال لها‏:‏ بئر أنَّا‏.‏ وبادر المسلمون إلىامتثال أمره، ونهضوا من فورهم، وتحركوا نحو قريظة، وأدركتهم العصر فيالطريق فقال بعضهم‏:‏ لا نصليها إلا في بني قريظة كما أمرنا، حتى إنرجالاً منهم صلوا العصر بعد العشاء الآخرة، وقال بعضهم‏:‏ لم يرد منا ذلك،وإنما أراد سرعة الخروج، فصلوها في الطريق، فلم يعنف واحدة منالطائفتين‏.‏



هكذا تحرك الجيش الإسلامي نحو بني قريظة أرسالاً حتى تلاحقوا بالنبي صلىالله عليه وسلم، وهم ثلاثة آلاف، والخيل ثلاثون فرساً، فنازلوا حصون بنيقريظة، وفرضوا عليهم الحصار‏.‏



ولما اشتد عليهم الحصار عرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد ثلاث خصال‏:‏ إما أنيسلموا ويدخلوا مع محمد صلى الله عليه وسلم في دينه، فيأمنوا على دمائهموأموالهم وأبنائهم ونسائهم وقد قال لهم‏:‏ والله، لقد تبين لكم أنه لنبيمرسل، وأنه الذي تجدونه في كتابكم وإما أن يقتلوا ذراريهم ونساءهمبأيديهم، ويخرجوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالسيوف مُصْلِِتِين،يناجزونه حتى يظفروا بهم، أو يقتلوا عن آخرهم، وإما أن يهجموا على رسولالله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويكبسوهم يوم السبت ؛ لأنهم قد أمنوا أنيقاتلوهم فيه، فأبوا أن يجيبوه إلى واحدة من هذه الخصال الثلاث، وحينئذقال سيدهم كعب بن أسد في انزعاج وغضب‏:‏ ما بات رجل منكم منذ ولدته أمهليلة واحدة من الدهر حازماً‏.‏



ولم يبق لقريظة بعد رد هذه الخصال الثلاث إلا أن ينزلوا على حكم رسول اللهصلى الله عليه وسلم، ولكنهم أرادوا أن يتصلوا ببعض حلفائهم من المسلمين،لعلهم يتعرفون ماذا سيحل بهم إذا نزلوا على حكمه، فبعثوا إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم أن أرسل إلينا أبا لُبَابة نستشيره، وكان حليفاً لهم،وكانت أمواله وولده في منطقتهم، فلما رأوه قام إليه الرجال، وجَهَشَالنساء والصبيان يبكون في وجهه، فَرَقَّ لهم، وقالوا‏:‏ يا أبا لبابة،أتري أن ننزل على حكم محمد‏؟‏ قال‏:‏ نعم ؛ وأشار بيده إلى حلقه، يقول‏:‏إنه الذبح، ثم علم من فوره أنه خان الله ورسوله فمضي على وجهه، ولم يرجعإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتي المسجد النبوي بالمدينة، فربطنفسه بسارية المسجد، وحلف ألا يحله إلا رسول الله صلى الله عليه وسلمبيده، وأنه لا يدخل أرض بني قريظة أبداً‏.‏ فلما بلغ رسول الله صلى اللهعليه وسلم خبره وكان قد استبطأه قال‏:‏ ‏(‏أما إنه لو جاءني لاستغفرت له،أما إذ قد فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب اللهعليه‏)‏‏.‏



وبرغم ما أشار إليه أبو لبابة قررت قريظة النزول على حكم رسول الله صلىالله عليه وسلم، ولقد كان باستطاعة اليهود أن يتحملوا الحصار الطويل ؛لتوفر المواد الغذائية والمياه والآبار ومناعة الحصون؛ ولأن المسلمينكانوا يقاسون البرد القارس والجوع الشديد وهم في العراء، مع شدة التعبالذي اعتراهم ؛ لمواصلة الأعمال الحربية من قبل بداية معركة الأحزاب، إلاأن حرب قريظة كانت حرب أعصاب، فقد قذف الله في قلوبهم الرعب، وأخذتمعنوياتهم تنهار، وبلغ هذا الانهيار إلى نهايته أن تقدم علي بن أبي طالبوالزبير بن العوام، وصاح علي‏:‏ يا كتيبة الإيمان، والله لأذوقن ما ذاقحمزة أو لأفتحن حصنهم‏.



وحينئذ بادروا إلى النزول على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمررسول الله صلى الله عليه وسلم باعتقال الرجال، فوضعت القيود في أيديهم تحتإشراف محمد بن مسلمة الأنصاري، وجعلت النساء والذراري بمعزل عن الرجال فيناحية، وقامت الأوس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ يا رسولالله، قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت، وهم حلفاء إخواننا الخزرج،وهؤلاء موالينا، فأحسن فيهم، فقال‏:‏ ‏(‏ألا ترضون أن يحكم فيهم رجلمنكم‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ بلي‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فذاك إلى سعد بن معاذ‏)‏‏.‏قالوا‏:‏ قد رضينا‏.‏



فأرسل إلى سعد بن معاذ، وكان في المدينة لم يخرج معهم للجرح الذي كان قدأصاب أكْحُلَه في معركة الأحزاب‏.‏ فأُركب xxxxاً، وجاء إلى رسول الله صلىالله عليه وسلم، فجعلوا يقولون، وهم كَنَفَيْهِ‏:‏ يا سعد، أجمل فيمواليك، فأحسن فيهم، فإن رسول الله قد حكمك لتحسن فيهم، وهو ساكت لا يرجعإليهم شيئاً، فلما أكثروا عليه قال‏:‏ لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومةلائم، فلما سمعوا ذلك منه رجع بعضهم إلى المدينة فنعي إليهم القوم‏.‏



ولما انتهى سعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابة‏:‏ ‏(‏قوموا إلىسيدكم‏)‏، فلما أنزلوه قالوا‏:‏ يا سعد، إن هؤلاء قد نزلوا على حكمك‏.‏قال‏:‏ وحكمي نافذ عليهم‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ وعلى المسلمين‏؟‏قالوا‏:‏ نعم، قال‏:‏ وعلى من هاهنا‏؟‏ وأعرض بوجهه وأشار إلى ناحية رسولالله صلى الله عليه وسلم إجلالاً له وتعظيمًا‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم،وعلي‏)‏‏.‏ قال‏:‏ فإني أحكم فيهم أن يقتل الرجال، وتسبي الذرية، وتقسمالأموال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لقد حكمت فيهم بحكمالله من فوق سبع سموات‏)‏‏.‏



وكان حكم سعد في غاية العدل والإنصاف، فإن بني قريظة، بالإضافة إلى ماارتكبوا من الغدر الشنيع، كانوا قد جمعوا لإبادة المسلمين ألفاً وخمسمائةسيف، وألفين من الرماح، وثلاثمائة درع، وخمسمائة ترس، وحَجَفَة ، حصلعليها المسلمون بعد فتح ديارهم‏.‏


وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحبست بنو قريظة في دار بنت الحارثامرأة من بني النجار، وحفرت لهم خنادق في سوق المدينة، ثم أمر بهم، فجعليذهب بهم إلى الخنادق أرسالاً أرسالاً، وتضرب في تلك الخنادق أعناقهم‏.‏فقال من كان بعد في الحبس لرئيسهم كعب بن أسد‏:‏ ما تراه يصنع بنا‏؟‏فقال‏:‏ أفي كل موطن لا تعقلون‏؟‏ أما ترون الداعي لا ينزع‏؟‏ والذاهبمنكم لا يرجع‏؟‏ هو والله القتل وكانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة،فضربت أعناقهم‏.‏



وهكذا تم استئصال أفاعي الغدر والخيانة، الذين كانوا قد نقضوا الميثاقالمؤكد، وعاونوا الأحزاب على إبادة المسلمين في أحرج ساعة كانوا يمرون بهافي حياتهم، وكانوا قد صاروا بعملهم هذا من أكابر مجرمي الحروب الذينيستحقون المحاكمة والإعدام‏.‏



وقتل مع هؤلاء شيطان بني النضير، وأحد أكابر مجرمي معركة الأحزاب حيي بنأخطب والد صفية أم المؤمنين رضي الله عنها كان قد دخل مع بني قريظة فيحصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان ؛ وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليهحينما جاء يثيره على الغدر والخيانة أيام غزوة الأحزاب، فلما أتي به وعليهحُلَّة قد شقها من كل ناحية بقدر أنملة لئلا يُسْلَبَها مجموعة يداه إلىعنقه بحبل، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أما والله ما لمت نفسيفي معاداتك، ولكن من يُغالب الله يُغْلَب‏.‏ ثم قال‏:‏ أيها الناس، لا بأسبأمر الله، كتاب وقَدَر ومَلْحَمَة كتبها الله على بني إسرائيل، ثم جلس،فضربت عنقه‏.‏



وقتل من نسائهم امرأة واحدة كانت قد طرحت الرحى على خَلاَّد بن سُوَيْد فقتلته، فقتلت لأجل ذلك‏.‏



وكان قد أمر رسول الله بقتل من أنْبَتَ، وترك من لم ينبت، فكان ممن لم ينبت عطية القُرَظِي، فترك حياً فأسلم، وله صحبة‏.‏



واستوهب ثابت بن قيس، الزبير بن باطا وأهله وماله وكانت للزبير يد عندثابت فوهبهم له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له ثابت بن قيس‏:‏ قدوهبك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ، ووهب لي مالك وأهلك فهم لك‏.‏فقال الزبير بعد أن علم بمقتل قومه‏:‏ سألتك بيدي عندك يا ثابت إلاألحقتني بالأحبة، فضرب عنقه، وألحقه بالأحبة من اليهود، واستحيا ثابت منولد الزبير بن باطا عبد الرحمن بن الزبير، فأسلم وله صحبة‏.‏



واستوهبت أم المنذر سلمي بنت قيس النجارية رفاعة بن سموأل القرظي، فوهبه لها فاستحيته، فأسلم وله صحبة‏.‏



وأسلم منهم تلك الليلة نفر قبل النزول، فحقنوا دماءهم وأموالهم وذراريهم‏.‏



وخرج تلك الليلة عمرو بن سعدي وكان رجلاً لم يدخل مع بني قريظة في غدرهمبرسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه محمد بن مسلمة قائد الحرس النبوي،فخلي سبيله حين عرفه، فلم يعلم أين ذهب‏.‏



وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أموال بني قريظة بعد أن أخرج منهاالخمس، فأسهم للفارس ثلاثة أسهم؛ سهمان للفرس وسهم للفارس، وأسهم للراجلسهماً واحداً، وبعث من السبايا إلى نجد تحت إشراف سعد بن زيد الأنصاريفابتاع بها خيلاً وسلاحاً‏.‏



واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه من نسائهم رَيْحَانة بنت عمروبن خُنَافة، فكانت عنده حتى توفي عنها وهي في ملكه، هذا ما قاله ابنإسحاق‏.‏وقال الxxxي‏:‏ إنه صلى الله عليه وسلم أعتقها، وتزوجها سنة 6 ه،وماتت مرجعه من حجة الوداع، فدفنها بالبقيع‏.‏



ولما تم أمر قريظة أجيبت دعوة العبد الصالح سعد بن معاذ رضي الله عنه التيقدمنا ذكرها في غزوة الأحزاب وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ضرب لهخيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلما تم أمر قريظة انتقضت جراحته‏.‏ قالتعائشة‏:‏ فانفجرت من لَبَّتِهِ فلم يَرُعْهُمْ وفي المسجد خيمة من بنيغفار إلا والدم يسيل إليهم، فقالوا‏:‏ يا أهل الخيمة، ما هذا الذي يأتينامن قبلكم، فإذا سعد يغذو جرحه دماً، فمات منها‏.‏



وفي الصحيحين عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏اهتز عرشالرحمن لموت سعد بن معاذ‏)‏‏.‏ وصحح الترمذي من حديث أنس قال‏:‏ لما حملتجنازة سعد بن معاذ قال المنافقون‏:‏ ما أخف جنازته، فقال رسول الله صلىالله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن الملائكة كانت تحمله‏)‏‏.‏



قتل في حصار بني قريظة رجل واحد من المسلمين، وهو خلاد بن سُوَيْد الذيطرحت عليه الرحى امرأة من قريظة‏.‏ ومات في الحصار أبو سِنان بن مِحْصَنأخو عُكَّاشَة‏.‏



وأما أبو لُبابة، فأقام مرتبطاً بالجذع ست ليال، تأتيه امرأته في وقت كلصلاة فتحله للصلاة، ثم يعود فيرتبط بالجذع، ثم نزلت توبته على رسول اللهصلى الله عليه وسلم سَحَرًا وهو في بيت أم سلمة، فقامت على باب حجرتها،وقالت‏:‏ يا أبا لبابة، أبشر فقد تاب الله عليك، فثار الناس ليطلقوه، فأبيأن يطلقه أحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما مر النبي صلى اللهعليه وسلم خارجاً إلى صلاة الصبح أطلقه‏.‏



وقعت هذه الغزوة في ذي القعدة سنة 5 ه، ودام الحصار خمساً وعشرين ليلة‏.‏



وأنزل الله تعإلى في غزوة الأحزاب وبني قريظة آيات من سورة الأحزاب، ذكرفيها أهم جزئيات الوقعة، وبين حال المؤمنين والمنافقين، ثم تخذيل الأحزاب،ونتائج الغدر من أهل الكتاب‏.

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10

* مقتل سَلاَّم بن أبي الحُقَيْق‏‏ :

كان سلام بن أبي الحقيق وكنيته أبو رافع من أكابر مجرمي اليهود الذينحزبوا الأحزاب ضد المسلمين، وأعانهم بالمؤن والأموال الكثيرة ، وكان يؤذيرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فرغ المسلمون من أمر قريظة استأذنتالخزرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله‏.‏ وكان قتل كعب بن الأشرفعلى أيدي رجال من الأوس، فرغبت الخزرج في إحراز فضيلة مثل فضيلتهم، فلذلكأسرعوا إلى هذا الاستئذان‏.‏

وأذن رسول الله في قتله ونهي عن قتل النساء والصبيان، فخرجت مفرزة قوامهاخمسة رجال، كلهم من بني سلمة من الخزرج، قائدهم عبد الله بن عَتِيك‏.‏

خرجت هذه المفرزة، واتجهت نحو خيبر ؛ إذ كان هناك حصن أبي رافع، فلما دنوامنه، وقد غربت الشمس، وراح الناس بسرحهم، قال عبد الله بن عتيك لأصحابه‏:‏اجلسوا مكانكم، فإني منطلق ومتلطف للبواب، لعلى أن أدخل، فأقبل حتى دنا منالباب، ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجته، وقد دخل الناس، فهتف به البواب‏:‏يا عبد الله، إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب‏.‏

قال عبد الله بن عَتِيك‏:‏ فدخلت فكمنت، فلما دخل الناس أغلق الباب، ثمعلق الأغاليق على وَدٍّ‏.‏ قال‏:‏ فقمت إلى الأقاليد فأخذتها، ففتحتالباب، وكان أبو رافع يسمر عنده، وكان في علإلى له، فلما ذهب عنه أهل سمرهصعدت إليه، فجعلت كلما فتحت باباً أغلقت على من داخل‏.‏ قلت‏:‏ إن القوملو نَذِروا بي لم يخلصوا إلى حتى أقتله، فانتهيت إليه، فإذا هو في بيتمظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت‏.‏ قلت‏:‏ أبا رافع، قال‏:‏ منهذا‏؟‏ فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش، فما أغنيت شيئاً،وصاح، فخرجت من البيت، فأمكث غير بعيد، ثم دخلت إليه، فقلت‏:‏ ما هذاالصوت يا أبا رافع‏؟‏ فقال‏:‏ لأمك الويل، إن رجلاً في البيت ضربني قبلبالسيف‏.‏ قال‏:‏ فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله‏.‏ ثم وضعت ضَبِيب السيففي بطنه حتى أخذ في ظهره، فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتح الأبواب باباًباباً، حتى انتهيت إلى درجة له، فوضعت رجلي، وأنا أري أني قد انتهيت إلىالأرض، فوقعت في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامة، ثم انطلقت حتىجلست على الباب‏.‏ فقلت‏:‏ لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته‏؟‏ فلما صاحالديك قام الناعي على السور، فقال‏:‏ أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز،فانطلقت إلى أصحابي فقلت‏:‏ النجاء، فقد قتل الله أبا رافع‏.‏ فانتهيت إلىالنبي صلى الله عليه وسلم، فحدثته فقال‏:‏ ‏(‏ابسط رجلك‏)‏، فبسطت رجليفمسحها فكأنما لم أشتكها‏.‏

هذه رواية البخاري، وعند ابن إسحاق أن جميع النفر دخلوا على أبي رافعواشتركوا في قتله، وأن الذي تحامل عليه بالسيف حتى قتله هو عبد الله بنأنيس، وفيه‏:‏ أنهم لما قتلوه ليلاً، وانكسرت ساق عبد الله بن عتيك حملوه،وأتوا مَنْهَرًا من عيونهم فدخلوا فيه، وأوقد اليهود النيران واشتدوا فيكل وجه، حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم، وأنهم حين رجعوا احتملوا عبدالله بن عتيك حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

كان مبعث هذه السرية في ذي القعدة أو ذي الحجة سنة 5 ه‏.‏

ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحزاب وقريظة أخذ يوجه حملاتتأديبية إلى القبائل والأعراب، الذين لم يكونوا يستكينون للأمن والسلامإلا بالقوة القاهرة‏.‏


* سرية محمد بن مسلمة‏ :‏

وكانت أول سرية بعد الفراغ من الأحزاب وقريظة، وكان عدد قوات هذه السرية ثلاثين راكباً‏.‏

تحركت هذه السرية إلى القرطاء بناحية ضَرِيَّة بالبَكَرات من أرض نجد،وبين ضرية والمدينة سبع ليال، تحركت لعشر ليال خلون من المحرم سنة 6 ه إلىبطن بني بكر بن كلاب‏.‏ فلما أغارت عليهم هربوا، فاستاق المسلمون نعماوشاء، وقدموا المدينة لليلة بقيت من المحرم ومعهم ثُمَامَة بن أثال الحنفيسيد بني حنيفة، كان قد خرج متنكراً لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم بأمرمسيلمة الكذاب ، فأخذه المسلمون، فلما جاءوا به ربطوه بسارية من سواريالمسجد، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏(‏ما ذا عندك ياثمامة‏؟‏‏)‏ فقال‏:‏ عندي خير يا محمد، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعمعلى شاكر، وإن كنت تريد المال فَسَلْ تعط منه ماشئت، فتركه، ثم مرّ به مرةأخري ؛ فقال له مثل ذلك، فرد عليه كما رد عليه أولاً ، ثم مر مرة ثالثةفقال بعد ما دار بينهما الكلام السابق‏:‏ ‏(‏أطلقوا ثمامة‏)‏، فأطلقوه،فذهب إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم جاءه فأسلم، وقال‏:‏ والله، ماكان على وجه الأرض وجه أبغض إلى من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلى،والله ما كان على وجه الأرض دين أبغض إلى من دينك، فقد أصبح دينك أحبالأديان إلى، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فبشره رسول الله صلى اللهعليه وسلم، وأمره أن يعتمر، فلما قدم على قريش قالوا‏:‏ صبأت يا ثمامة،قال‏:‏ لا والله، ولكني أسلمت مع محمد صلى الله عليه وسلم، ولا والله لايأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليهوسلم‏.‏ وكانت يمامة ريف مكة، فانصرف إلى بلاده، ومنع الحمل إلى مكة، حتىجهدت قريش، وكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه بأرحامهم أنيكتب إلى ثمامة يخلي إليه حمل الطعام، ففعل رسول الله صلى الله عليهوسلم‏.‏

* غزوة بني لَحْيَان‏ :

بنو لحيان هم الذين كانوا قد غدروا بعشرة من أصحاب رسول الله صلى اللهعليه وسلم بالرَّجِيع، وتسببوا في إعدامهم، ولكن لما كانت ديارهم متوغلةفي الحجاز إلى حدود مكة‏.‏ والتارات الشديدة قائمة بين المسلمين وقريشوالأعراب، لم يكن يري رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتوغل في البلادبمقربة من العدو الأكبر، فلما تخاذلت الأحزاب، واستوهنت عزائمهم،واستكانوا للظروف الراهنة إلى حد ما، رأي أن الوقت قد آن لأن يأخذ من بنيلحيان ثأر أصحابه المقتولين بالرجيع، فخرج إليهم في ربيع الأول أو جماديالأولي سنة 6 ه في مائتين من أصحابه، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم،وأظهر أنه يريد الشام، ثم أسرع السير حتى انتهي إلى بطن غُرَان واد بينأمَجَ وعُسْفَان حيث كان مصاب أصحابه، فترحم عليهم ودعا لهم، وسمعت به بنولحيان فهربوا في رءوس الجبال، فلم يقدر منهم على أحد، فأقام يومين بأرضهم،وبعث السرايا، فلم يقدروا عليهم، فسار إلى عسفان، فبعث عشرة فوارس إلىكُرَاع الغَمِيم لتسمع به قريش، ثم رجع إلى المدينة‏.‏ وكانت غيبته عنهاأربع عشرة ليلة‏.‏

* متابعة البعوث والسرايا‏ :

ثم تابع رسول الله صلى الله عليه وسلم في إرسال البعوث والسرايا، وهاك صورة مصغرة منها‏:‏

1 سرية عُكَّاشَة بن مِحْصَن إلى الغَمْر في ربيع الأول أو الآخر سنة6ه‏.‏ خرج عكاشة في أربعين رجلاً إلى الغمْر، ماء لبني أسد، ففر القوم،وأصاب المسلمون مائتي بعير ساقوها إلى المدينة‏.‏

2 سرية محمد بن مَسْلَمَة إلى ذي القَصَّة في ربيع الأول أو الآخر سنة 6ه‏.‏ خرج ابن مسلمة في عشرة رجال إلى ذي القصة في ديار بني ثعلبة، فكمنالقوم لهم وهم مائة فلما ناموا قتلوهم إلا ابن مسلمة فإنه أفلت منهمجريحاً‏.‏

3 سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة في ربيع الآخر سنة 6 ه، وقد بعثهالنبي صلى الله عليه وسلم على إثر مقتل أصحاب محمد بن مسلمة، فخرج ومعهأربعون رجلاً إلى مصارعهم، فساروا ليلتهم مشاة، ووافوا بني ثعلبة مع الصبحفأغاروا عليهم، فأعجزوهم هرباً في الجبال، وأصابوا رجلاً واحداً فأسلم،وغنموا نَعَما وشاء‏.‏

4 سرية زيد بن حارثة إلى الجَمُوم في ربيع الآخر سنة 6ه والجموم ماء لبنيسليم في مَرِّ الظَّهْرَان خرج إليهم زيد فأصاب امرأة من مُزَيْنَة يقاللها‏:‏ حليمة، فدلتهم على محلة من بني سليم أصابوا فيها نعما وشاء وأسري،فلما قفل زيد بما أصاب وهب رسول الله صلى الله عليه وسلم للمزينية نفسهاوزوجها‏.‏

5 سرية زيد إلى العِيص في جمادي الأولي سنة 6 ه في سبعين ومائة راكب،وفيها أخذت أموال عير لقريش كان قائدها أبو العاص خَتَن رسول الله صلىالله عليه وسلم‏.‏وأفلت أبو العاص، فأتي زينب فاستجار بها، وسألها أن تطلبمن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد أموال العير عليه ففعلت، وأشار رسولالله صلى الله عليه وسلم على الناس برد الأموال من غير أن يكرههم، فردواالكثير والقليل والكبير والصغير حتى رجع أبو العاص إلى مكة، وأدي الودائعإلى أهلها، ثم أسلم وهاجر، فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم زينببالنكاح الأول بعد ثلاث سنين ونيف، كما ثبت في الحديث الصحيح ردها بالنكاحالأول ؛ لأن آية تحريم المسلمات على الكفار لم تكن نزلت إذ ذاك، وأما ماورد من الحديث من أنه رد عليه بنكاح جديد، أو رد عليه بعد ست سنين فلا يصحمعني، كما أنه ليس بصحيح سنداً‏.‏ والعجب ممن يتمسكون بهذا الحديث الضعيففإنهم يقولون‏:‏ إن أبا العاص أسلم في أواخر سنة ثمان قبيل الفتح‏.‏ ثميناقضون أنفسهم، فيقولون‏:‏ إن زينب ماتت في أوائل سنة ثمان، وقد بسطناالكلام شيئاً في تعليقنا على بلوغ المرام‏.‏ وجنح موسي بن عقبة إلى أن هذاالحادث وقع في سنة 7ه من قبل أبي بصير وأصحابه، ولكن ذلك لا يطابق الحديثالصحيح ولا الضعيف‏.‏

6 سرية زيد أيضاً إلى الطَّرِف أو الطَّرِق في جمادي الآخر سنة 6 ه‏.‏ خرجزيد في خمسة عشر رجلاً إلى بني ثعلبة فهربت الأعراب، وخافوا أن يكون رسولالله صلى الله عليه وسلم سار إليهم، فأصاب من نَعَمِهِم عشرين بعيراً،وغاب أربع ليال‏.‏

7 سرية زيد أيضاً إلى وادي القري في رجب سنة 6 ه‏.‏ خرج زيد في اثني عشررجلاً إلى وادي القري؛ لاستكشاف حركات العدو إن كانت هناك، فهجم عليهمسكان وادي القري ؛ فقتلوا تسعة، وأفلتت ثلاثة فيهم زيد بن حارثة‏.‏

8 سرية الخَبَط تذكر هذه السرية في رجب سنة 8 ه، ولكن السياق يدل على أنهاكانت قبل الحديبية قال جابر‏:‏ بعثنا النبي صلى الله عليه وسلم فيثلاثمائة راكب، أميرنا أبو عبيدة بن الجراح، نرصد عيراً لقريش، فأصابناجوع شديد حتى أكلنا الخبط، فسمي جيش الخبط، فنحر رجل ثلاث جزائر، ثم نحرثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم إن أبا عبيدة نهاه، فألقي إلينا البحردابة يقال لها‏:‏ العَنْبَر، فأكلنا منه نصف شهر، وادَّهَنَّا منه حتىثابت منه أجسامنا، وصلحت، وأخذ أبو عبيدة ضلعاً من أضلاعه، فنظر إلى أطولرجل في الجيش وأطول جمل، فحمل عليه، ومر تحته، وتزودنا من لحمة وَشَائِق،فلما قدمنا المدينة، أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا له ذلك،فقال‏:‏ ‏(‏هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمة شيء تطعمونا‏؟‏‏)‏فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه‏.‏

وإنما قلنا‏:‏ إن سياق هذه السرية يدل على أنها كانت قبل الحديبية؛ لأن المسلمين لم يكونوا يتعرضون لعير قريش بعد صلح الحديبية‏.‏


* غزوة بني المُصطلق أو غزوة المريسيع في شعبان سنة 5 أو 6 ه :

وهذه الغزوة وإن لم تكن طويلة الذيل، عريضة الأطراف من حيث الوجهةالعسكرية، إلا أنها وقعت فيها وقائع أحدثت البلبلة والاضطراب في المجتمعالإسلامي، وتمخضت عن افتضاح المنافقين، والتشريعات التعزيرية التي أعطتالمجتمع الإسلامي صورة خاصة من النبل والكرامة وطهارة النفوس‏.‏ ونسردالغزوة أولاً، ثم نذكر تلك الوقائع‏.‏

كانت هذه الغزوة في شعبان سنة خمس عند عامة أهل المغازي، وسنة ست على قول ابن إسحاق‏.‏

وسببها أنه بلغه صلى الله عليه وسلم أن رئيس بني المصطلق الحارث بن أبيضِرَار سار في قومه ومن قدر عليه من العرب يريدون حرب رسول الله صلى اللهعليه وسلم، فبعث بُرَيْدَة بن الحصيب الأسلمي لتحقيق الخبر، فأتاهم، ولقيالحارث بن أبي ضرار وكلمه، ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرهالخبر‏.‏

وبعد أن تأكد لديه صلى الله عليه وسلم صحة الخبر ندب الصحابة، وأسرع فيالخروج، وكان خروجه لليلتين خلتا من شعبان، وخرج معه جماعة من المنافقينلم يخرجوا في غزاة قبلها، واستعمل على المدينة زيد بن حارثة، وقيل‏:‏ أباذر، وقيل‏:‏ نُمَيْلَة بن عبد الله الليثي، وكان الحارث بن أبي ضرار قدوجه عينًا ؛ ليأتيه بخبر الجيش الإسلامي، فألقي المسلمون عليه القبضوقتلوه‏.‏

ولما بلغ الحارث بن أبي ضرار ومن معه مسير رسول الله صلى الله عليه وسلموقتله عينه، خافوا خوفاً شديداً وتفرق عنهم من كان معهم من العرب، وانتهيرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المُرَيْسِيع بالضم فالفتح مصغراً، اسملماء من مياههم في ناحية قُدَيْد إلى الساحل فتهيأوا للقتال‏.‏ وَصَفَّرسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، وراية المهاجرين مع أبي بكر الصديق،وراية الأنصار مع سعد بن عبادة، فتراموا بالنبل ساعة، ثم أمر رسول اللهصلى الله عليه وسلم فحملوا حملة رجل واحد، فكانت النصرة وانهزم المشركون،وقتل من قتل، وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء والذراري والنعموالشاء، ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد، قتله رجل من الأنصار ظناً منهأنه من العدو‏.‏

كذا قال أهل المغازي والسير، قال ابن القيم‏:‏ هو وَهْم، فإنه لم يكنبينهم قتال، وإنما أغار عليهم على الماء فسبي ذراريهم وأموالهم، كما فيالصحيح أغار رسول صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون، وذكرالحديث‏.‏ انتهي‏.‏

وكان من جملة السبي‏:‏ جُوَيْرِيَة بنت الحارث سيد القوم، وقعت في سهمثابت ابن قيس، فكاتبها، فأدي عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجها،فأعتق المسلمون بسبب هذا التزويج مائة أهل بيت من بني المصطلق قد أسلموا،وقالوا‏:‏ أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وأما الوقائع التي حدثت في هذه الغزوة، فلأجل أن مبعثها كان هو رأس النفاقعبد الله بن أبي وأصحابه، نري أن نورد أولاً شيئاً من أفعالهم في المجتمعالإسلامي‏.

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
*دور المنافقين قبل غزوة بني المصطلق‏‏ :

قدمنا مراراً أن عبد الله بن أبي كان يَحْنَقُ على الإسلام والمسلمين،ولاسيما على رسول الله صلى الله عليه وسلم حَنَقًا شديداً ؛ لأن الأوسوالخزرج كانوا قد اتفقوا على سيادته، وكانوا ينظمون له الخَرَزَ ليتوجوهإذ دخل فيهم الإسلام، فصرفهم عن ابن أبي، فكان يري أن رسول الله صلى اللهعليه وسلم هو الذي استلبه ملكه‏.‏

وقد ظهر حنقه هذا وتحرقه منذ بداية الهجرة قبل أن يتظاهر بالإسلام، وبعدأن تظاهر به‏.‏ ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة على xxxx ليعود سعدبن عبادة، فمر بمجلس فيه عبد الله بن أبي فخَمَّرَ ابن أبي أنفه، وقال‏:‏لا تُغَبِّرُوا علينا‏.‏ ولما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم علىالمجلس القرآن، قال‏:‏ اجلس في بيتك، ولا تؤذنا في مجالسنا‏.‏

وهذا قبل أن يتظاهر بالإسلام، ولما تظاهر به بعد بدر لم يزل إلا عدوًا للهولرسوله وللمؤمنين، ولم يكن يفكر إلا في تشتيت المجتمع الإسلامي وتوهينكلمة الإسلام‏.‏ وكان يوإلى أعداءه، وقد تدخل في أمر بني قينقاع كماذكرنا، وكذلك جاء في غزوة أحد من الشر والغدر والتفريق بين المسلمين،وإثارة الارتباك والفوضي في صفوفهم بما مضي‏.‏

وكان من شدة مكر هذا المنافق وخداعه بالمؤمنين أنه كان بعد التظاهربالإسلام، يقوم كل جمعة حين يجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم للخطبة،فيقول‏:‏ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم، أكرمكم اللهوأعزكم به، فانصروه وعزروه، واسمعوا له وأطيعوا، ثم يجلس، فيقوم رسول اللهصلى الله عليه وسلم ويخطب‏.‏ وكان من وقاحة هذا المنافق أنه قام في يومالجمعة التي بعد أحد مع ما ارتكبه من الشر والغدر الشنيع قام ليقول ما كانيقوله من قبل، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه، وقالوا له‏:‏ اجلس أي عدوالله، لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت، فخرج يتخطي رقاب الناس، وهويقول‏:‏ والله لكأنما قلت بُجْرًا أن قمت أشدد أمره، فلقيه رجل من الأنصاربباب المسجد‏.‏‏.‏‏.‏ فقال‏:‏ ويلك، ارجع يستغفر لك رسول الله صلى اللهعليه وسلم، قال‏:‏ والله ما أبتغي أن يستغفر لي‏.‏

وكانت له اتصالات ببني النضير يؤامر معهم ضد المسلمين حتى قال لهم‏:‏‏{‏لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْأَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ‏}‏ ‏[‏ الحشر‏:‏11‏]‏‏.‏

وكذلك فعل هو وأصحابه في غزوة الأحزاب من إثارة القلق والاضطراب وإلقاءالرعب والدهشة في قلوب المؤمنين ما قصه الله تعالى في سورة الأحزاب‏:‏‏{‏وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌمَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُيَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْأَنبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا‏}‏‏[‏الأحزاب‏:‏ 12: 20‏]‏‏.‏

بيد أن جميع أعداء الإسلام من اليهود والمنافقين والمشركين كانوا يعرفونجيداً أن سبب غلبة الإسلام ليس هو التفوق المادي وكثرة السلاح والجيوشوالعدد، وإنما السبب هي القيم والأخلاق والمثل التي يتمتع بها المجتمعالإسلامي وكل من يمت بصلة إلى هذا الدين، وكانوا يعرفون أن منبع هذا الفيضإنما هو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو المثل الأعلى إلى حدالإعجاز لهذه القيم، كما عرفوا بعد إدارة دفة الحروب طيلة خمس سنين، أنالقضاء على هذا الدين وأهله لا يمكن عن طريق استخدام السلاح، فقرروا أنيشنوا حرباً دعائية واسعة ضد الدين من ناحية الأخلاق والتقاليد، وأنيجعلوا شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم أول هدف لهذه الدعاية الكاذبةالخاطئة‏.‏ ولما كان المنافقون هم الطابور الخامس في صفوف المسلمين،ولكونهم سكان المدينة، كان يمكن لهم الاتصال بالمسلمين واستفزاز مشاعرهمكل حين‏.‏ تحمل فريضة الدعاية هؤلاء المنافقون، وعلى رأسهم ابن أبي‏.‏

وقد ظهرت خطتهم هذه جلية حينما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمالمؤمنين زينب بنت جحش، بعد أن طلقها زيد بن حارثة، فقد كان من تقاليدالعرب أنهم كانوا يعتبرون المتبني مثل الابن الصلبي، فكانوا يعتقدون حرمةحليلة المتبني على الرجل الذي تبناه، فلما تزوج النبي صلى الله عليه وسلمبزينب وجد المنافقون ثُلْمَتَيْن حسب زعمهم لإثارة المشاغب ضد النبي صلىالله عليه وسلم‏.‏

الأولى‏:‏ أن زوجته هذه كانت زوجة خامسة، والقرآن لم يكن أذن في الزواج بأكثر من أربع نسوة، فكيف صح له هذا الزواج‏؟‏

الثانية‏:‏ أن زينب كانت زوجة ابنه مُتَبَنَّاه فالزواج بها من أكبرالكبائر، حسب تقاليد العرب‏.‏ وأكثروا من الدعاية في هذا السبيل، واختلقواقصصاً وأساطير، قالوا‏:‏ إن محمداً رآها بغتة، فتأثر بحسنها وشغفته حباً،وعلقت بقلبه، وعلم بذلك ابنه زيد فخلي سبيلها لمحمد، وقد نشروا هذهالدعاية المختلقة نشراً بقيت آثاره في كتب التفسير والحديث إلى هذاالزمان، وقد أثرت تلك الدعاية أثراً قوياً في صفوف الضعفاء حتى نزل القرآنبالآيات البينات فيها شفاء لما في الصدور، وينبئ عن سعة نشر هذه الدعايةأن الله استفتح سورة الأحزاب بقوله‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِاللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَكَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 1‏]‏‏.‏

وهذه إشارات عابرة، وصور مصغرة لما اقترفه المنافقون قبل غزوة بنيالمصطلق، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكابد كل ذلك بالصبر واللينوالتلطف، وكان عامة المسلمين يحترزون عن شرهم، أو يتحملونه بالصبر ؛ إذكانوا قد عرفوهم بافتضاحهم مرة بعد أخري حسب قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوَلاَيَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْمَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏126‏]‏‏.‏

عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة 6 ه




* سبب عمرة الحديبية‏ :

ولما تطورت الظروف في الجزيزة العربية إلى حد كبير لصالح المسلمين، أخذتطلائع الفتح الأعظم ونجاح الدعوة الإسلامية تبدو شيئاً فشيئاً، وبدأتالتمهيدات لإقرار حق المسلمين في أداء عبادتهم في المسجد الحرام، الذي كانقد صد عنه المشركون منذ ستة أعوام‏.‏

أري رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وهو بالمدينة، أنه دخل هووأصحابه المسجد الحرام، وأخذ مفتاح الكعبة، وطافوا واعتمروا، وحلق بعضهموقصر بعضهم، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا، وحسبوا أنهم داخلو مكة عامهم ذلك،وأخبر أصحابه أنه معتمر فتجهزوا للسفر‏.‏

* استنفار المسلمين‏ :

واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي ليخرجوا معه، فأبطأ كثير منالأعراب، أما هو فغسل ثيابه، وركب ناقته القَصْواء، واستخلف على المدينةابن أم مكتوم أو نُمَيْلَة الليثي‏.‏ وخرج منها يوم الإثنين غرة ذي القعدةسنة 6 ه، ومعه زوجته أم سلمة، في ألف وأربعمائة، ويقال‏:‏ ألف وخمسمائة،ولم يخرج معه بسلاح، إلا سلاح المسافر‏:‏ السيوف في القُرُب‏.‏

* المسلمون يتحركون إلى مكة‏ :

وتحرك في اتجاه مكة، فلما كان بذي الحُلَيْفَة قَلَّد الهدي وأشْعَرَه،وأحرم بالعمرة؛ ليأمن الناس من حربه، وبعث بين يديه عيناً له من خزاعةيخبره عن قريش، حتى إذا كان قريباً من عُسْفَان أتاه عينه، فقال‏:‏ إنيتركت كعب بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش ، وجمعوا لك جموعاً، وهم مقاتلوكوصادوك عن البيت، واستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، وقال‏:‏‏(‏أترون نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم‏؟‏ فإن قعدوا قعدواموتورين محزونين، وإن نجوا يكن عنق قطعها الله، أم تريدون أن نؤم هذاالبيت فمن صدنا عنه قاتلناه‏؟‏‏)‏ فقال أبو بكر‏:‏ الله ورسوله أعلم، إنماجئنا معتمرين، ولم نجئ لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه،فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏فروحوا‏)‏، فراحوا‏.‏

* محاولة قريش صد المسلمين عن البيت‏ :

وكانت قريش لما سمعت بخروج النبي صلى الله عليه وسلم عقدت مجلساًاستشارياً قررت فيه صد المسلمين عن البيت كيفما يمكن، فبعد أن أعرض رسولالله صلى الله عليه وسلم عن الأحابيش، نقل إليه رجل من بني كعب أن قريشاًنازلة بذي طُوَي، وأن مائتي فارس في قيادة خالد بن الوليد مرابطة بكُرَاعالغَمِيم في الطريق الرئيسي الذي يوصل إلى مكة‏.‏ وقد حاول خالد صدالمسلمين، فقام بفرسانه إزاءهم يتراءي الجيشان‏.‏ ورأي خالد المسلمين فيصلاة الظهر يركعون ويسجدون، فقال‏:‏ لقد كانوا على غرة، لو كنا حملناعليهم لأصبنا منهم، ثم قرر أن يميل على المسلمين وهم في صلاة العصر ميلةواحدة، ولكن الله أنزل حكم صلاة الخوف، ففاتت الفرصة خالداً‏.‏

* تبديل الطريق ومحاولة اجتناب اللقاء الدامي‏‏ :

وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم طريقاً وَعْرًا بين شعاب، وسلك بهم ذاتاليمين بين ظهري الحَمْض في طريق تخرجه على ثنية المُرَار مهبط الحديبيةمن أسفل مكة، وترك الطريق الرئيسي الذي يفضي إلى الحرم ماراً بالتنعيم،تركه إلى اليسار، فلما رأي خالد قَتَرَة الجيش الإسلامي قد خالفوا عنطريقه انطلق يركض نذيراً لقريش‏.‏

وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بثنية المرار بركت راحلته،فقال الناس‏:‏ حَلْ حَلْ، فألَحَّتْ ، فقالوا‏:‏ خلأت القصواء، فقال النبيصلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسهاحابس الفيل‏)‏، ثم قال‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيهاحرمات الله إلا أعطيتهم إياها‏)‏، ثم زجرها فوثبت به، فعدل حتى نزل بأقصيالحديبية، على ثَمَد قليل الماء، إنما يتبرضه الناس تبرضاً، فلم يلبث أننزحوه‏.‏ فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهماً منكنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتىصدروا‏.‏

*بُدَيْل يتوسط بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقريش‏‏ :

ولما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بديل بن وَرْقَاء الخزاعي فينفر من خزاعة، وكانت خزاعة عَيْبَة نُصْح لرسول الله صلى الله عليه وسلممن أهل تُهَامَة، فقال‏:‏ إني تركت كعب ابن لؤي، نزلوا أعداد مياهالحديبية، معهم العُوذ المطَافِيل ، وهم مقاتلوك وصادَوك عن البيت‏.‏ قالرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنامعتمرين، وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم،ويخلوا بيني وبين الناس، وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا،وإلا فقد جَمُّوا ، وإن هم أبوا إلا القتال فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهمعلى أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو لينفذن الله أمره‏)‏‏.‏

قال بديل‏:‏ سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتي قريشاً، فقال‏:‏ إني قدجئتكم من عند هذا الرجل، وسمعته يقول قولا، فإن شئتم عرضته عليكم‏.‏

فقال سفهاؤهم‏:‏ لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء‏.‏ وقال ذوو الرأيمنهم‏:‏ هات ما سمعته‏.‏ قال‏:‏ سمعته يقول كذا وكذا، فبعثت قريش مِكْرَزبن حفص، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ هذا رجل غادر، فلماجاء وتكلم قال له مثل ما قال لبديل وأصحابه، فرجع إلى قريش وأخبرهم‏.‏

* رسل قريش‏ :

ثم قال رجل من كنانة اسمه الحُلَيْس بن علقمة‏:‏ دعوني آته‏.‏ فقالوا‏:‏ائته، فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول الله صلىالله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها‏)‏،فبعثوها له، واستقبله القوم يلبون، فلما رأي ذلك‏.‏ قال‏:‏ سبحان الله ماينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فرجع إلى أصحابه، فقال‏:‏ رأيت البدن قدقلدت وأشعرت، وما أري أن يصدوا، وجري بينه وبين قريش كلام أحفظه‏.‏

فقال عروة بن مسعود الثقفي‏:‏ إن هذا قد عرض عليكم خطة رُشْد فاقبلوها،ودعوني آته، فأتاه، فجعل يكلمه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نحواًمن قوله لبديل‏.‏ فقال له عروة عند ذلك‏:‏ أي محمد أرأيت لو استأصلت قومك،هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك، وإن تكن الأخري فوالله إني لا أريوجوها، وإني أري أوباشا من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك، قال له أبوبكر‏:‏ امصص بَظْر اللات، أنحن نفر عنه‏؟‏ قال‏:‏ من ذا‏؟‏ قالوا‏:‏ أبوبكر، قال‏:‏ أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت عندي لم أجْزِكَ بهالأجبتك‏.‏ وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، وكلما كلمه أخذ بلحيته،والمغيرة بن شعبة عند رأس النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه السيف وعليهالمِغْفَرُ، فكلما أهوي عروة إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يدهبنعل السيف، وقال‏:‏ أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفععروة رأسه، وقال‏:‏ من ذا‏؟‏ قالوا‏:‏ المغيرة بن شعبة، فقال‏:‏ أي عُذَر،أو لستُ أسعي في غَدْرَتِك‏؟‏ وكان المغيرة صَحِبَ قوماً في الجاهليةفقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏‏(‏أما الإسلام فأقبلُ، وأما المال فلست منه في شيء‏)‏ ‏(‏وكان المغيرةابن أخي عروة‏)‏‏.‏

ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمهم له،فرجع إلى أصحابه، فقال‏:‏ أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، على قيصروكسري والنجاشي، والله ما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمدمحمداً، والله إن تَنَخَّمَ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجههوجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذاتكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظر تعظيماً له، وقد عرضعليكم خطة رُشْدٍ فاقبلوها‏.

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
*هو الذي كف أيديهم عنكم‏‏ :

ولما رأي شباب قريش الطائشون، الطامحون إلى الحرب، رغبة زعمائهم في الصلحفكروا في خطة تحول بينهم وبين الصلح، فقرروا أن يخرجوا ليلاً، ويتسللواإلى معسكر المسلمين، ويحدثوا أحداثاً تشعل نار الحرب، وفعلاً قد قاموابتنفيذ هذا القرار، فقد خرج سبعون أو ثمانون منهم ليلاً فهبطوا من جبلالتنعيم، وحاولوا التسلل إلى معسكر المسلمين، غير أن محمد بن مسلمة قائدالحرس اعتقلهم جميعاً‏.‏

ورغبة في الصلح أطلق سراحهم النبي صلى الله عليه وسلم وعفا عنهم، وفي ذلكأنزل الله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْوَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْعَلَيْهِمْ‏} ‏[‏الفتح‏:‏ 24‏]‏

* عثمان بن عفان سفيراً إلى قريش‏‏ :

وحينئذ أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث سفيراً يؤكد لدي قريشموقفه وهدفه من هذا السفر، فدعا عمر بن الخطاب ليرسله إليهم، فاعتذرقائلاً‏:‏ يا رسول الله، ليس لي أحد بمكة من بني عدي بن كعب يغضب لي إنأوذيت، فأرسل عثمان بن عفان، فإن عشيرته بها، وإنه مبلغ ما أردت، فدعاه،وأرسله إلى قريش، وقال‏:‏ أخبرهم أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عماراً،وادعهم إلى الإسلام، وأمره أن يأتي رجالاً بمكة مؤمنين، ونساء مؤمنات،فيبشرهم بالفتح، ويخبرهم أن الله عز وجل مظهر دينه بمكة، حتى لا يستخفيفيها أحد بالإيمان‏.‏

فانطلق عثمان حتى مر على قريش بِبَلْدَح، فقالوا‏:‏ أين تريد‏؟‏ فقال‏:‏بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا، قالوا‏:‏ قد سمعنا ماتقول، فانفذ لحاجتك، وقام إليه أبان ابن سعيد بن العاص، فرحب به ثم أسرجفرسه، فحمل عثمان على الفرس، وأجاره وأردفه حتى جاء مكة، وبلغ الرسالة إلىزعماء قريش، فلما فرغ عرضوا عليه أن يطوف بالبيت، فرفض هذا العرض، وأبي أنيطوف حتى يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

* إشاعة مقتل عثمان وبيعة الرضوان‏ :

واحتبسته قريش عندها ولعلهم أرادوا أن يتشاوروا فيما بينهم في الوضعالراهن، ويبرموا أمرهم، ثم يردوا عثمان بجواب ما جاء به من الرسالة وطالالاحتباس، فشاع بين المسلمين أن عثمان قتل، فقال رسول الله صلى الله عليهوسلم لما بلغته الإشاعة‏:‏ ‏(‏لا نبرح حتى نناجز القوم‏)‏، ثم دعا أصحابهإلى البيعة، فثاروا إليه يبايعونه على ألا يفروا، وبايعته جماعة علىالموت، وأول من بايعه أبو سنان الأسدي، وبايعه سلمة بن الأكوع على الموتثلاث مرات، في أول الناس ووسطهم وآخرهم، وأخذ رسول الله صلى الله عليهوسلم بيد نفسه وقال‏:‏ ‏(‏هذه عن عثمان‏)‏‏.‏ ولما تمت البيعة جاء عثمانفبايعه، ولم يتخلف عن هذه البيعة إلا رجل من المنافقين يقال له‏:‏ جَدُّبن قَيْس‏.‏

أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه البيعة تحت شجرة، وكان عمر آخذابيده، ومَعْقِل بن يَسَار آخذا بغصن الشجرة يرفعه عن رسول الله صلى اللهعليه وسلم، وهذه هي بيعة الرضوان التي أنزل الله فيها‏:‏ ‏{‏لَقَدْ رَضِيَاللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَالشَّجَرَةِ‏}‏الآي ‏[‏الفتح‏:‏ 18‏]‏

* إبرام الصلح وبنوده‏‏ :

وعرفت قريش ضيق الموقف، فأسرعت إلى بعث سُهَيْل بن عمرو لعقد الصلح، وأكدتله ألا يكون في الصلح إلا أن يرجع عنا عامه هذا، لا تتحدث العرب عنا أنهدخلها علينا عنوة أبداً، فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه \ قال‏:‏ ‏(‏قد سهللكم أمركم‏)‏، أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل، فجاء سهيل فتكلمطويلاً، ثم اتفقا على قواعد الصلح، وهي هذه‏:‏

1‏.‏ الرسول صلى الله عليه وسلم يرجع من عامه، فلا يدخل مكة، وإذا كانالعام القابل دخلها المسلمون فأقاموا بها ثلاثاً، معهم سلاح الراكب،السيوف في القُرُب، ولا يتعرض لهم بأي نوع من أنواع التعرض‏.‏

2‏.‏ وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض‏.‏

3‏.‏ من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقدقريش وعهدهم دخل فيه، وتعتبر القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين جزءاً منذلك الفريق، فأي عدوان تتعرض له أي من هذه القبائل يعتبر عدواناً على ذلكالفريق‏.‏

4‏.‏ من أتي محمداً من قريش من غير إذن وليه أي هارباً منهم رده عليهم،ومن جاء قريشاً ممن مع محمد أي هارباً منه لم يرد عليه‏.‏

ثم دعا علياً ليكتب الكتاب، فأملي عليه‏:‏ ‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم‏)‏فقال سهيل‏:‏ أما الرحمن فوالله لا ندري ما هو‏؟‏ ولكن اكتب‏:‏ باسمكاللّهم‏.‏ فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك‏.‏ ثم أملي‏:‏ ‏(‏هذا ماصالح عليه محمد رسول الله‏)‏ فقال سهيل‏:‏ لو نعلم أنك رسول الله ماصددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب‏:‏ محمد بن عبد الله فقال‏:‏‏(‏إني رسول الله وإن كذبتموني‏)‏، وأمر علياً أن يكتب‏:‏ محمد بن عبدالله، ويمحو لفظ رسول الله، فأبي على أن يمحو هذا اللفظ‏.‏ فمحاه صلى اللهعليه وسلم بيده، ثم تمت كتابة الصحيفة، ولما تم الصلح دخلت خزاعة في عهدرسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا حليف بني هاشم منذ عهد عبد المطلب،كما قدمنا في أوائل الكتاب، فكان دخولهم في هذا العهد تأكيداً لذلك الحلفالقديم ودخلت بنو بكر في عهد قريش‏.‏

* رد أبي جندل‏‏ :

وبينما الكتاب يكتب إذ جاء أبو جَنْدَل بن سهيل يَرْسُفُ في قيوده، قد خرجمن أسفل مكة حتى رمي بنفسه بين ظهور المسلمين، فقال سهيل‏:‏ هذا أول ماأقاضيك عليه على أن ترده فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنا لم نقضالكتاب بعد‏)‏‏.‏

فقال‏:‏ فوالله إذا لا أقاضيك على شيء أبداً‏.‏ فقال النبي صلى الله عليهوسلم‏:‏ ‏(‏فأجزه لي‏)‏‏.‏ قال‏:‏ ما أنا بمجيزه لك‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏بلىفافعل‏)‏، قال‏:‏ ما أنا بفاعل‏.‏ وقد ضرب سهيل أبا جندل في وجهه، وأخذبتلابيبه وجره ؛ ليرده إلى المشركين، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته‏:‏ يامعشر المسلمين، أأرد إلى المشركين يفتنوني في ديني‏؟‏ فقال رسول الله صلىالله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمنمعك من المستضعفين فرجاً ومخرجا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً،وأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عهد الله فلا نغدر بهم‏)‏‏.‏

فوثب عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول‏:‏ اصبريا أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم xxx، ويدني قائم السيفمنه، يقول عمر‏:‏ رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، فضن الرجل بأبيه،ونفذت القضية‏.‏


* النَّحْر والحَلْق للحِلِّ عن العمرة‏‏ :

ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قضية الكتاب قال‏:‏ ‏(‏قوموافانحروا‏)‏، فوالله ما قام منهم أحد حتى قال ثلاث مرات، فلما لم يقم منهمأحد قام فدخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت‏:‏ يا رسولالله، أتحب ذلك‏؟‏ اخرج، ثم لا تكلم أحداً كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعوحالقك فيحلقك، فقام فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك، نحر بُدْنَه،ودعا حالقه فحلقه، فلما رأي الناس ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلقبعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً، وكانوا نحروا البدنة عن سبعة،والبقرة عن سبعة، ونحر رسول الله صلى الله عليه وسلم جملاً كان لأبي جهل،كان في أنفه بُرَةٌ من فضة، ليغيظ به المشركين، ودعا رسول الله صلى اللهعليه وسلم للمحلقين ثلاثاً بالمغفرة وللمقصرين مرة‏.‏ وفي هذا السفر أنزلالله فدية الأذي لمن حلق رأسه، بالصيام، أو الصدقة، أو النسك، في شأن كعببن عُجْرَة‏.‏

* الإباء عن رد المهاجرات‏ :

ثم جاء نسوة مؤمنات فسأل أولياؤهن أن يردهن عليهم بالعهد الذي تم فيالحديبية، فرفض طلبهم هذا ؛ بدليل أن الكلمة التي كتبت في المعاهدة بصددهذا البند هي‏:‏ ‏(‏وعلى أنه لا يأتيك منا رجل، وإن كان على دينك إلارددته علينا‏)‏ ، فلم تدخل النساء في العقد رأساً‏.‏ وأنزل الله في ذلك‏:‏‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُمُهَاجِرَات ٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ‏}‏، حتى بلغ ‏{‏بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ‏}‏‏[‏الممتحنة‏:‏ 10‏]‏ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحنهن بقولهتعالى‏:‏ ‏{‏إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّايُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلخ ‏[‏الممتحنة‏:‏ 12‏]‏، فمنأقرت بهذه الشروط قال لها‏:‏ ‏(‏قد بايعتك‏)‏، ثم لم يكن يردهن‏.‏

وطلق المسلمون زوجاتهم الكافرات بهذا الحكم‏.‏ فطلق عمر يومئذ امرأتينكانتا له في الشرك، تزوج بإحداهما معاوية، وبالأخري صفوان بن أمية‏.

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
ماذا يتمخض عن بنود المعاهدة‏ :

هذا هو صلح الحديبية، ومن سبر أغوار بنوده مع خلفياته لا يشك أنه فتح عظيمللمسلمين، فقريش لم تكن تعترف بالمسلمين أي اعتراف، بل كانت تهدف استئصالشأفتهم، وتنتظر أن تشهد يوماً ما نهايتهم، وكانت تحاول بأقصي قوتهاالحيلولة بين الدعوة الإسلامية وبين الناس، بصفتها ممثلة الزعامة الدينيةوالصدارة الدنيوية في جزيرة العرب، ومجرد الجنوح إلى الصلح اعتراف بقوةالمسلمين، وأن قريشاً لا تقدر على مقاومتهم، ثم البند الثالث يدل بفحواهعلى أن قريشاً نسيت صدارتها الدنيوية وزعامتها الدينية، وأنها لاتهمهاالآن إلا نفسها، أما سائر الناس وبقية جزيرة العرب فلو دخلت في الإسلامبأجمعها، فلايهم ذلك قريشاً، ولا تتدخل في ذلك بأي نوع من أنواع التدخل‏.‏أليس هذا فشلاً ذريعاً بالنسبة إلى قريش‏؟‏ وفتحا مبيناً بالنسبة إلىالمسلمين‏؟‏ إن الحروب الدامية التي جرت بين المسلمين وبين أعدائهم لم تكنأهدافها بالنسبة إلى المسلمين مصادرة الأموال وإبادة الأرواح، وإفناءالناس، أو إكراه العدو على اعتناق الإسلام، وإنما كان الهدف الوحيد الذييهدفه المسلمون من هذه الحروب هو الحرية الكاملة للناس في العقيدة والدين‏{‏فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُر}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 29‏]‏‏.‏لا يحول بينهم وبين ما يريدون أي قوة من القوات، وقدحصل هذا الهدف بجميعأجزائه ولوازمه، وبطريق ربما لا يحصل بمثله في الحروب مع الفتح المبين،وقد كسب المسلمون لأجل هذه الحرية نجاحاً كبيراً في الدعوة، فبينما كانعدد المسلمين لا يزيد على ثلاثة آلاف قبل الهدنة صار عدد الجيش الإسلاميفي سنتين عند فتح مكة عشرة آلاف‏.‏

أما البند الثاني فهو جزء ثان لهذا الفتح المبين، فالمسلمون لم يكونوابادئين بالحروب، وإنما بدأتها قريش، يقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُمبَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 13‏]‏، أما المسلمون فلم يكنالمقصود من دورياتهم العسكرية إلا أن تفيق قريش عن غطرستها وصدها عن سبيلالله، وتعمل معهم بالمساواة، كل من الفريقين يعمل على شاكلته، فالعقد بوضعالحرب عشر سنين حد لهذه الغطرسة والصد، ودليل على فشل من بدأ بالحرب وعلىضعفه وانهياره‏.‏

أما البند الأول فهو حد لصد قريش عن المسجد الحرام، فهو أيضاً فشل لقريش،وليس فيه ما يشفي قريشاً سوي أنها نجحت في الصد لذلك العام الواحد فقط‏.‏

أعطت قريش هذه الخلال الثلاث للمسلمين، وحصلت بإزائها خلة واحدة فقط، وهيما في البند الرابع، ولكن تلك الخلة تافهة جداً، ليس فيها شيء يضربالمسلمين، فمعلوم أن المسلم ما دام مسلماً لا يفر عن الله ورسوله، وعنمدينة الإسلام، ولا يفر إلا إذا ارتد عن الإسلام ظاهراً أو باطناً، فإذاارتد فلا حاجة إليه للمسلمين، وانفصاله من المجتمع الإسلامي خير من بقائهفيه، وهذا الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله‏:‏ ‏(‏إنهمن ذهب منا إليهم فأبعده الله‏)‏‏.‏ وأما من أسلم من أهل مكة فهو وإن لميبق للجوئه إلى المدينة سبيل لكن أرض الله واسعة، ألم تكن الحبشة واسعةللمسلمين حينما لم يكن يعرف أهل المدينة عن الإسلام شيئاً‏؟‏ وهذا الذيأشار إليه النبي بقوله‏:‏ ‏(‏ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجاًومخرجاً‏)‏‏.‏

والأخذ بمثل هذا الاحتفاظ، وإن كان مظهر الاعتزاز لقريش، لكنه في الحقيقةينبئ عن شدة انزعاج قريش وهلعهم وخَوَرِهم، وعن شدة خوفهم على كيانهمالوثني، وكأنهم كانوا قد أحسوا أن كيانهم اليوم على شفا جُرُف هار لا بدله من الأخذ بمثل هذا الاحتفاظ‏.‏ وما سمح به النبي صلى الله عليه وسلم منأنه لا يسترد من فرّ إلى قريش من المسلمين، فليس هذا إلا دليلاً على أنهيعتمد على تثبيت كيانه وقوته كمال الاعتماد، ولا يخاف عليه من مثل هذاالشرط‏.‏


* حزن المسلمين ومناقشة عمر النبي صلى الله عليه وسلم :

هذه هي حقيقة بنود هذ الصلح، لكن هناك ظاهرتان عمت لأجلهما المسلمين كآبة وحزن شديد‏.‏

الأولي‏:‏ أنه كان قد أخبرهم أنا سنأتي البيت فنطوف به، فما له يرجع ولم يطف به‏؟‏

الثانية‏:‏ أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الحق، والله وعد إظهاردينه، فما له قبل ضغط قريش، وأعطي الدَّنِيَّةَ في الصلح‏؟‏

كانت هاتان الظاهرتان مثار الريب والشكوك والوساوس والظنون، وصارت مشاعرالمسلمين لأجلهما جريحة، بحيث غلب الهم والحزن على التفكير في عواقب بنودالصلح‏.‏ولعل أعظمهم حزناً كان عمر بن الخطاب، فقد جاء إلى النبي صلى اللهعليه وسلم وقال‏:‏ يا رسول الله، ألسنا على حق وهم على باطل‏؟‏ قال‏:‏‏(‏بلى‏)‏‏.‏ قال‏:‏ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار‏؟‏ قال‏:‏‏(‏بلي‏)‏‏.‏ قال‏:‏ ففيم نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم اللهبيننا وبينهم‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏يا ابن الخطاب، إني رسول الله ولست أعصيه، وهوناصري ولن يضيعني أبداً‏)‏‏.‏ قال‏:‏ أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيتفنطوف به‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏بلي، فأخبرتك أنا نأتيه العام‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ لا‏.‏قال‏:‏ ‏(‏فإنك آتيه ومطوف به‏)‏‏.‏

ثم انطلق عمر متغيظا فأتي أبا بكر، فقال له كما قال لرسول الله صلى اللهعليه وسلم، ورد عليه أبو بكر، كما رد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلمسواء، وزاد‏:‏ فاستمسك بغَرْزِه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق‏.‏

ثم نزلت‏:‏ ‏{‏إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلخ‏[‏سورة الفتح‏:‏1‏]‏، فأرسل رسول الله إلى عمر فأقرأه إياه‏.‏ فقال‏:‏ يارسول الله، أو فتح هو‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم‏)‏‏.‏ فطابت نفسه ورجع‏.‏

ثم ندم عمر على ما فرط منه ندماً شديداً، قال عمر‏:‏ فعملت لذلك أعمالاً،مازلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ، مخافة كلامي الذيتكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيراً‏
.‏



* انحلت أزمة المستضعفين‏ :

ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، واطمأن بها، انفلترجل من المسلمين، ممن كان يعذب في مكة، وهو أبو بَصِير، رجل من ثقيف حليفلقريش، فأرسلوا في طلبه رجلين، وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ العهدالذي جعلت لنا‏.‏ فدفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرجلين، فخرجا بهحتى بلغا ذا الحُلَيْفَة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحدالرجلين‏:‏ والله إني لأري سيفك هذا يا فلان جيداً، فاستله الآخر فقال‏:‏أجل، والله إنه لجيد، لقد جَرَّبْتُ به ثم جَرَّبْتُ‏.‏ فقال أبو بصير‏:‏أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد‏.‏

وفر الآخر حتى أتي المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله صلى اللهعليه وسلم حين رآه‏:‏ ‏(‏لقد رأى هذا ذعراً‏)‏، فلما انتهي إلى النبي صلىالله عليه وسلم قال‏:‏ قُتِل صاحبي، وإني لمقتول، فجاء أبو بصير وقال‏:‏يا نبي الله، قد والله أوْفَي الله ذمتك، قد رددتني إليهم، ثم أنجاني اللهمنهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ويل أمه، مِسْعَر حَرْبٍ لوكان له أحد‏)‏، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتي سِيفَالبحر، وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج منقريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة‏.‏ فو الله مايسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذواأموالهم‏.‏ فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحملما أرسل، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم،فقدموا عليه المدينة‏.‏


* إسلام أبطال من قريش‏‏ :

وفي سنة 7 من الهجرة بعد هذا الصلح أسلم عمرو بن العاص وخالد بن الوليدوعثمان بن طلحة، ولما حضروا عند النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إنمكة قد ألقت إلينا أفلاذ كبدها‏)‏‏

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10

*المرحلة الثانية: طور جديد :

إن صلح الحديبية كان بداية طور جديد في حياة الإسلام والمسلمين، فقد كانتقريش أقوي قوة وأعندها وألدها في عداء الإسلام، وبانسحابها عن ميدان الحربإلى رحاب الأمن والسلام انكسر أقوي جناح من أجنحة الأحزاب الثلاثة قريشوغَطَفَان واليهود ولما كانت قريش ممثلة للوثنية، وزعيمتهم في ربوع جزيرةالعرب انخفضت حدة مشاعر الوثنيين، وانهارت نزعاتها العدائية إلى حد كبير،ولذلك لا نري لغطفان استفزازاً كبيراً بعد هذه الهدنة، وجل ما جاء منهمإنما جاء من قبل إغراء اليهود‏.‏

أما اليهود فكانوا قد جعلوا خيبر بعد جلائهم عن يثرب وكرا للدس والتآمر،وكانت شياطينهم تبيض هناك وتفرخ، وتؤجج نار الفتنة، وتغري الأعراب الضاربةحول المدينة، وتبيت للقضاء على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، أولإلحاق الخسائر الفادحة بهم، ولذلك كان أول إقدام حاسم من النبي صلى اللهعليه وسلم بعد هذا الصلح هو شن الحرب الفاصلة على هذا الوكر‏.‏

ثم إن هذه المرحلة التي بدأت بعد الصلح أعطت المسلمين فرصة كبيرة لنشرالدعوة الإسلامية وإبلاغها، وقد تضاعف نشاط المسلمين في هذا المجال، وبرزنشاطهم في هذا الوجه على نشاطهم العسكري ؛ ولذلك نري أن نقسم هذه المرحلةإلى قسمين‏:‏

1 النشاط في مجال الدعوة، أو مكاتبة الملوك والأمراء‏.‏

2 النشاط العسكري‏.‏

وقبل أن نتابع النشاط العسكري في هذه المرحلة، نتناول موضوع مكاتبة الملوكوالأمراء ؛ إذ الدعوة الإسلامية هي المقدمة طبعاً، بل ذلك هو الهدف الذيعاني له المسلمون ما عانوه من المصائب والآلام، والحروب والفتن، والقلاقلوالاضطرابات‏.‏

* مكاتبة الملوك والأمراء :

في أواخر السنة السادسة حين رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية كتب إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام‏.‏

ولما أراد أن يكتب إلى هؤلاء الملوك قيل له‏:‏ إنهم لا يقرءون كتابا إلاوعليه خاتم، فاتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتماً من فضة، نقشه‏:‏ محمدرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان هذا النقش ثلاثة أسطر‏:‏ محمد سطر،ورسول سطر، والله سطر، هكذا‏.‏

واختار من أصحابه رسلاً لهم معرفة وخبرة، وأرسلهم إلى الملوك، وقد جزمالعلامة المنصورفوري أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل هؤلاء الرسل غرةالمحرم سنة سبع من الهجرة قبل الخروج إلى خيبر بأيام‏.‏ وفيما يلي نصوصهذه الكتب، وبعض ما تمخضت عنه‏.‏

1 الكتاب إلى النجاشي ملك الحبشة‏:‏

وهذا النجاشي اسمه أصْحَمَة بن الأبْجَر، كتب إليه النبي صلى الله عليهوسلم مع عمرو بن أمية الضَّمْرِي في آخر سنة ست أو في المحرم سنة سبع منالهجرة‏.‏ وقد ذكر الطبري نص الكتاب، ولكن النظر الدقيق في ذلك النص، يفيدأنه ليس بنص الكتاب الذي كتبه صلى الله عليه وسلم بعد الحديبية، بل لعلهنص كتاب بعثه مع جعفر حين خرج هو وأصحابه مهاجرين إلى الحبشة في العهدالمكي، فقد ورد في آخر الكتاب ذكر هؤلاء المهاجرين بهذا اللفظ‏:‏ ‏(‏وقدبعثت إليكم ابن عمي جعفراً ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاءك فأقرهم ودعالتجبر‏)‏‏.‏

وروي البيهقي عن ابن إسحاق نص كتاب كتبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي، وهو هذا‏:‏

‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ هذا كتاب من محمد رسول الله إلى النجاشي،الأصحم عظيم الحبشة، سلام على من اتبع الهدي، وآمن بالله ورسوله، وشهد أنلا إله إلاالله وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبه ولا ولداً، وأن محمدًاعبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الإسلام، فإني أنا رسوله فأسلم تسلم، ‏{‏يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَاوَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًاوَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِنتَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏}‏ فإن أبيتفعليك إثم النصارى من قومك‏)‏‏.‏

وقد أورد المحقق الكبير الدكتور حميد الله باريس نص كتاب قد عثر عليه فيالماضي القريب بمثل ما أورده ابن القيم مع الاختلاف في كلمة فقط وبذلالدكتور في تحقيق ذلك النص جهداً بليغاً، واستعان في ذلك كثيراً باكتشافاتالعصر الحديث، وأورد صورته في الكتاب وهو هكذا‏:‏

‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ من محمد رسول الله إلى النجاشي عظيم الحبشة، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد‏:‏

فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمنالمهيمن، وأشهد أن عيسي بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتولالطيبة الحصينة، فحملت بعيسي من روحه ونفخه، كما خلق آدم بيده، وإني أدعوإلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني، وتؤمن بالذيجاءني، فإني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني أدعوك وجنودك إلى الله عزوجل، وقد بلغت ونصحت، فاقبل نصيحتى، والسلام على من اتبع الهدى‏)‏‏.‏

وأكد الدكتور المحترم أن هذا هو نص الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليهوسلم إلى النجاشي بعد الحديبية، أما صحة هذا النص فلا شك فيها بعد النظرفي الدلائل، وأما أن هذا الكتاب هو الذي كتب بعد الحديبية فلا دليل عليه،والذي أورد البيهقي عن ابن إسحاق أشبه بالكتب التي كتبها النبي صلى اللهعليه وسلم إلى ملوك وأمراء النصاري بعد الحديبية، فإن فيه الآيةالكريمة‏:‏ ‏{‏ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىكَلَمَةٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏ }‏ إلخ، كما كان دأبه في تلك الكتب، وقد ورد فيه اسمالأصحمة صريحاً، وأما النص الذي أورده الدكتور حميد الله، فالأغلب عنديأنه نص الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم بعد موت أصحمة إلىخليفته، ولعل هذا هو السبب في ترك الاسم‏.‏

وهذا الترتيب ليس عندي عليه دليل قطعي سوي الشهادات الداخلية التي تؤديهانصوص هذه الكتب‏.‏ والعجب من الدكتور حميد الله أنه جزم بأن النص الذيأورده البيهقي عن ابن عباس هو نص الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليهوسلم بعد موت أصحمة إلى خليفته مع أن اسم أصحمة وارد في هذا النص صريحاً،والعلم عند الله‏.‏

ولما بلغ عمرو بن أمية الضمري كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشيأخذه النجاشي، ووضعه على عينه، ونزل عن سريره على الأرض، وأسلم على يدجعفر بن أبي طالب، وكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وهاك نصه‏:‏

‏[‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ إلى محمد رسول الله من النجاشي أصحمة، سلامعليك يا نبي الله من الله ورحمة الله وبركاته، الله الذي لا إله إلا هو،أما بعد‏:‏

فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسي، فورب السماء والأرضإن عيسي لا يزيد على ما ذكرت تُفْرُوقا، إنه كما قلت، وقد عرفنا ما بعثتبه إلينا، وقد قرينا ابن عمك وأصحابك، فأشهد أنك رسول الله صادقاً مصدقاً،وقد بايعتك، وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين‏)‏‏.‏

وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد طلب من النجاشي أن يرسل جعفراً ومن معهمن مهاجري الحبشة، فأرسلهم في سفينتين مع عمرو بن أمية الضمري، فقدم بهمعلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر‏.‏

وتوفي النجاشي هذا في رجب سنة تسع من الهجرة بعد تبوك، ونعاه النبي صلىالله عليه وسلم يوم وفاته، وصلي عليه صلاة الغائب، ولما مات وتخلف علىعرشه ملك آخر كتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً آخر، ولا يدري هلأسلم أم لا‏؟‏‏.‏

2 الكتاب إلى المقوقس ملك مصر‏:‏

وكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى جُرَيْج بن مَتَّي الملقب بالمُقَوْقِس ملك مصر والإسكندرية‏:‏

‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيمالقبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلمتسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم أهل القبط،‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَاوَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًاوَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِنتَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏}‏‏)‏

واختار لحمل هذا الكتاب حاطب بن أبي بَلْتَعَة‏.‏ فلما دخل حاطب علىالمقوقس قال له‏:‏ إنه كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى، فأخذه اللهنكال الآخرة والأولى، فانتقم به ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك، ولا يعتبرغيرك بك‏.‏

فقال المقوقس‏:‏ إن لنا دينا لن ندعه إلا لما هو خير منه‏.‏

فقال حاطب‏:‏ ندعوك إلى دين الإسلام الكافي به الله فَقْدَ ما سِواه، إنهذا النبي دعا الناس فكان أشدهم عليه قريش، وأعداهم له اليهود، وأقربهممنه النصاري، ولعمري ما بشارة موسي بعيسي إلا كبشارة عيسي بمحمد، ومادعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، فكل نبي أدركقوماً فهم أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه، وأنت ممن أدركه هذا النبي، ولسناننهاك عن دين المسيح، ولكنا نأمرك به‏.‏

فقال المقوقس‏:‏ إني قد نظرت في أمر هذا النبي، فوجدته لا يأمر بمزهودفيه‏.‏ ولا ينهي عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضال، ولا الكاهنالكاذب، ووجدت معه آية النبوة بإخراج الخبء والإخبار بالنجوي، وسأنظر‏.‏

وأخذ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، فجعله في حُقِّ من عاج، وختم عليه،ودفعه إلى جارية له، ثم دعا كاتباً له يكتب بالعربية، فكتب إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، أما بعد‏:‏

فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبياًبقي، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين،لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت بغلة لتركبها، والسلامعليك‏)‏‏.‏

ولم يزد على هذا ولم يسلم، والجاريتان مارية، وسيرين، والبغلة دُلْدُل،بقيت إلى زمن معاوية ، واتخذ النبي صلى الله عليه وسلم مارية سرية له، وهيالتي ولدت له إبراهيم‏.‏ وأما سيرين فأعطاها لحسان بن ثابت الأنصاري‏.‏

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10