منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


مميز السيرة النبوية (( كاملة ))

مميز فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع
(السيرة النبوية) كامله بدءاً من مولده وحتى وفاته صلى الله عليه وسلم





بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدي ودين الحق ليظهره على الدين كله، فجعلهشاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وجعل فيهأسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا‏.‏ اللهم صلوسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وفجّرلهم ينابيع الرحمة والرضوان تفجيرا‏.
وبعد:-

فسوف أقوم إن شاء الله بعرض السيرة النبوية كامله من مولده وحتى لحوقهبالرفيق الأعلى صلى الله عليه وسلم مستخرج تلك الأحداث والروايات من كتبالسيرة ‏ النبوي


فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
*عقد البيعة :

وبعد إقرار بنود البيعة، وبعد هذا التأكيد والتأكد بدأ عقد البيعةبالمصافحة، قال جابر بعد أن حكى قول أسعد بن زرارة قال‏:‏ فقالوا‏:‏ ياأسعد، أمِطْ عنا يدك‏.‏ فوالله لا نذر هذه البيعة، ولا نستقيلها‏.‏

وحينئذ عرف أسعد مدى استعداد القوم للتضحية في هذا السبيل وتأكد منه وكانهو الداعية الكبير مع مصعب بن عمير فكان هو السابق إلى هذه البيعة‏.‏ قالابن إسحاق‏:‏ فبنو النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول منضرب على يده‏.‏ وبعد ذلك بدأت البيعة العامة، قال جابر‏:‏ فقمنا إليهرجلًا رجلًا فأخذ علينا البيعة، يعطينا بذلك الجنة‏.‏

وأما بيعة المرأتين اللتين شهدتا الوقعة فكانت قولًا‏.‏ ما صافح رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة أجنبية قط‏.



*اثنا عشر نقيبًا :

وبعد أن تمت البيعة طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يختاروا اثنى عشرزعيمًا يكونون نقباء على قومهم، يكفلون المسئولية عنهم في تنفيذ بنود هذهالبيعة، فقال للقوم‏:‏ أخرجوا إلىّ منكم اثنى عشر نقيبًا ليكونوا علىقومهم بما فيهم‏.‏

فتم اختيارهم في الحال، وكانوا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس‏.‏وهاك أسماءهم‏:‏


نقباء الخزرج




















نقباء الأوس







ولما تم اختيار هؤلاء النقباء أخذ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ميثاقًا آخر بصفتهم رؤساء مسئولين‏.‏

قال لهم‏:‏ ‏(‏أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء، ككفالة الحواريين لعيسى ابنمريم، وأنا كفيل على قومي‏)‏ يعنى المسلمين قالوا‏:‏ نعم‏.‏


شيطان يكتشف المعاهدة

ولما تم إبرام المعاهدة، وكان القوم على وشك الارفضاض، اكتشفها أحدالشياطين؛ وحيث إن هذا الاكتشاف جاء في اللحظة الأخيرة، ولم يكن يمكنإبلاغ زعماء قريش هذا الخبر سرًا، ليباغتوا المجتمعين وهم في الشعب، قامذلك الشيطان على مرتفع من الأرض،وصاح بأنفذ صوت سمع قط‏:‏ يا أهلالجَبَاجب المنازل هل لكم في مُذَمَّم والصباة معه‏؟‏ قد اجتمعوا علىحربكم‏.‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏هذا أزَبُّ العقبة، أما والله ياعدو الله لأتفرغن لك‏.‏ ثم أمرهم أن ينفضوا إلى رحالهم‏)‏‏.

*استعداد الأنصار لضرب قريش :

وعند سماع صوت هذا الشيطان قال العباس بن عبادة بن نضلة‏:‏ والذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلن على أهل منى غدًا باسيافنا‏.‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم‏)‏، فرجعوا وناموا حتى أصبحوا‏.



*قريش تقدم الاحتجاج إلى رؤساء يثرب :

لما قرع هذا الخبر آذان قريش وقعت فيهم ضجة، وساورتهم القلاقل والأحزان؛لأنهم كانوا على معرفة تامة بعواقب مثل هذه البيعة ونتائجها بالنسبة إلىأنفسهم وأموالهم، فما أن أصبحوا حتى توجه وفد كبير من زعماء مكة وأكابرمجرميها إلى أهل يثرب؛ ليقدم احتجاجه الشديد على هذه المعاهدة، قالالوفد‏:‏

‏(‏يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونهمن بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حى من العرب أبغضإلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم‏)‏‏.‏

ولما كان مشركو الخزرج لا يعرفون شيئًا عن هذه البيعة؛ لأنها تمت في سريةتامة في ظلام الليل، انبعث هؤلاء المشركون يحلفون بالله‏:‏ ما كان من شيءوما علمناه، حتى أتوا عبد الله بن أبي بن سلول، فجعل يقول‏:‏ هذا باطل،وما كان هذا،وما كان قومى ليفتاتوا على بمثل هذا، ولو كنت بيثرب ما صنعقومي هذا حتى يؤامروني‏.‏

أما المسلمون فنظر بعضهم إلى بعض، ثم لاذوا بالصمت، فلم يتحدث أحد منهم بنفي أو إثبات‏.‏

ومال زعماء قريش إلى تصديق المشركين، فرجعوا خائبين‏.

*تأكد الخبر لدى قريش ومطاردة المبايعين :

عاد زعماء مكة وهم على شبه اليقين من كذب هذا الخبر، لكنهم لم يزالوايَتَنَطَّسُونه يكثرون البحث عنه ويدققون النظر فيه حتى تأكد لديهم أنالخبر صحيح، والبيعة قد تمت فعلًا‏.‏ وذلك بعد ما نفر الحجيج إلى أوطانهم،فسارع فرسانهم بمطاردة اليثربيين، ولكن بعد فوات الأوان، إلا أنهم تمكنوامن رؤية سعد بن عبادة والمنذر ابن عمرو فطاردوهما، فأما المنذر فأعجزالقوم، وأما سعد فألقوا القبض عليه، فربطوا يديه إلى عنقه بنِسْع رَحْلِه،وجعلوا يضربونه ويجرونه ويجرون شعره حتى أدخلوه مكة، فجاء المطعم بن عدىوالحارث بن حرب بن أمية فخلصاه من أيديهم؛ إذ كان سعد يجير لهما قوافلهماالمارة بالمدينة، وتشاورت الأنصار حين فقدوه أن يكروا إليه، فإذا هو قدطلع عليهم، فوصل القوم جميعًا إلى المدينة‏.‏

هذه هي بيعة العقبة الثانية التي تعرف ببيعة العقبة الكبرى وقد تمت في جوتعلوه عواطف الحب والولاء، والتناصر بين أشتات المؤمنين، والثقة والشجاعةوالاستبسال في هذا السبيل‏.‏ فمؤمن من أهل يثرب يحنو على أخيه المستضعف فيمكة، ويتعصب له،ويغضب من ظالمه، وتجيش في حناياه مشاعر الود لهذا الأخالذي أحبه بالغيب في ذات الله‏.‏

ولم تكن هذه المشاعر والعواطف نتيجة نزعة عابرة تزول على مر الأيام، بلكان مصدرها هو الإيمان بالله وبرسوله وبكتابه، إيمان لا يزول أمام أي قوةمن قوات الظلم والعدوان، إيمان إذا هبت ريحه جاءت بالعجائب في العقيدةوالعمل، وبهذا الإيمان استطاع المسلمون أن يسجلوا على أوراق الدهرأعمالًا، ويتركوا عليها آثارًا خلا عن نظائرها الغابر والحاضر، وسوف يخلوالمستقبل‏.‏‏1 أسعد بن زُرَارَة بن عدس‏.‏ 2 سعد بن الرَّبِيع بن عمرو‏.‏ 3 عبد الله بن رواحة بن ثعلبة‏.‏ 4 رافع بن مالك بن العَجْلان‏.‏ 5 البراء بن مَعْرُور بن صَخْر‏.‏ 6 عبد الله بن عمرو بن حَرَام‏.‏ 7 عبادة بن الصامت بن قيس‏.‏ 8 سعد بن عبادة بن دُلَيْم‏.‏ 9 المنذر بن عمرو بن خُنَيْس‏.‏ 1 أُسَيْد بن حُضَيْر بن سِمَاك‏.‏ 2 سعد بن خَيْثَمَة بن الحارث‏.‏ 3 رفاعة بن عبد المنذر بن زبير‏.‏ ‏

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
*طلائع الهجرة :

وبعد أن تمت بيعة العقبة الثانية ونجح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراءتموج بالكفر والجهالة وهو أخطر كسب حصل عليه الإسلام منذ بداية دعوته أذنرسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين بالهجرة إلى هذا الوطن‏.‏

ولم يكن معنى الهجرة إلا إهدار المصالح، والتضحية بالأموال، والنجاةبالشخص فحسب، مع الإشعار بأنه مستباح منهوب قد يهلك في أوائل الطريق أونهايتها، وبأنه يسير نحو مستقبل مبهم، لا يدرى ما يتمخض عنه من قلاقلوأحزان‏.‏

وبدأ المسلمون يهاجرون وهم يعرفون كل ذلك، وأخذ المشركون يحولون بينهموبين خروجهم؛ لما كانوا يحسون به من الخطر، وهاك نماذج من ذلك‏:‏

1 كان من أول المهاجرين أبو سلمة هاجر قبل العقبة الكبرى بسنة على ما قالهابن إسحاق وزوجته وابنه، فلما أجمع على الخروج قال له أصهاره‏:‏ هذه نفسكغلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه‏؟‏ علام نتركك تسير بها في البلاد‏؟‏فأخذوا منه زوجته، وغضب آل أبي سلمة لرجلهم،فقالوا‏:‏ لا نترك ابننا معهاإذ نزعتموها من صاحبنا، وتجاذبوا الغلام بينهم فخلعوا يده، وذهبوا به‏.‏وانطلق أبو سلمة وحده إلى المدينة‏.‏

وكانت أم سلمة رضي الله عنها و بعد ذهاب زوجها وضياع ابنها تخرج كل غداةبالأبطح تبكى حتى تمسى، ومضى على ذلك نحو سنة، فرق لها أحد ذويها وقال‏:‏ألا تخرجون هذه المسكينة‏؟‏ فرقتم بينها وبين زوجها وولدها، فقالوا لها‏:‏الحقى بزوجك إن شئت، فاسترجعت ابنها من عصبته، وخرجت تريد المدينة رحلةتبلغ حوالى خمسمائة كيلو متر تمر بين شواهق الجبال ومهالك الأودية وليسمعها أحد من خلق الله‏.‏ حتى إذا كانت بالتَّنْعِيم لقيها عثمان بن طلحةبن أبي طلحة، وبعد أن عرف حالها شيعها حتى أقدمها إلى المدينة، فلما نظرإلى قباء، قال‏:‏ زوجك في هذه القرية فادخليها على بركة الله، ثم انصرفراجعًا إلى مكة‏.‏

2 وهاجر صُهَيْب بن سِنان الرومى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلماأراد الهجرة قال له كفار قريش‏:‏ أتيتنا صعلوكًا xxxxًا، فكثر مالك عندنا،وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك‏؟‏ والله لا يكون ذلك‏.‏فقال لهم صهيب‏:‏ أرأيتم إن جعلت لكم مالى أتخلون سبيلى‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم،قال‏:‏ فأني قد جعلت لكم مالى، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلمفقال‏:‏ ‏(‏ربح صهيب، ربح صهيب‏)‏‏.‏

3 وتواعد عمر بن الخطاب، وعَيَّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائلموضعًا اسمه التَّنَاضُب فوق سَرِف يصبحون عنده، ثم يهاجرون إلى المدينة،فاجتمع عمر وعياش، وحبس عنهما هشام‏.‏

ولما قدما المدينة ونزلا بقباء قدم أبو جهل وأخوه الحارث إلى عياش وأمالثلاثة واحدة، وهي أسماء بنت مُخَرِّبَة فقالا له‏:‏ إن أمك قد نذرت ألايمس رأسها مشط، ولا تستظل بشمس حتى تراك، فَرَقَّ لها‏.‏ فقال له عمر‏:‏يا عياش، إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فواللهلو آذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت، فأبي عياشإلا الخروج معهما ليبر قسم أمه، فقال له عمر‏:‏ أما إذ قد فعلت ما فعلتفخذ ناقتى هذه، فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم ظهرها، فإن رابك من القومريب فانج عليها‏.‏

فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل‏:‏ يابن أمي،والله لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه‏؟‏ قال‏:‏ بلى،فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه وربطاه،ثم دخلا به مكة نهارًا موثقًا، وقالا‏:‏ يا أهل مكة، هكذا فافعلوابسفهائكم، كما فعلنا بسفيهنا هذا‏.‏

هذه ثلاثة نماذج لما كان المشركون يفعلونه بمن يريد الهجرة إذا علمواذلك‏.‏ ولكن على رغم ذلك خرج الناس أرسالًا يتبع بعضهم بعضًا‏.‏ وبعدشهرين وبضعة أيام من بيعة العقبة الكبرى لم يبق بمكة من المسلمين إلا رسولالله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعلى أقاما بأمره لهما وإلا من احتبسهالمشركون كرهًا، وقد أعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جهازه ينتظر متىيؤمر بالخروج، وأعد أبو بكر جهازه‏.‏

روى البخاري عن عائشة قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلمللمسلمين‏:‏ ‏(‏أني أريت دار هجرتكم، ذات نخل بين لابَتَيْن‏)‏ وهماالحرتان فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشةإلى المدينة، وتجهز أبو بكر قبل المدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليهوسلم‏:‏ ‏(‏على رِسْلِك، فأني أرجو أن يؤذن لي‏)‏‏.‏ فقال له أبو بكر‏:‏وهل ترجو ذلك بأبي أنت‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم‏)‏، فحبس أبو بكر نفسه على رسولالله صلى الله عليه وسلم ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السَّمَروهو الخَبَطُ أربعة أشهر‏.‏

*في دار الندوة ‏[‏برلمان قريش‏] :

ولما رأى المشركون أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تجهزواوخرجوا، وحملوا وساقوا الذرارى والأطفال والأموال إلى الأوس والخزرجأصابتهم الكآبة والحزن، وساورهم القلق والهم بشكل لم يسبق له مثيل، فقدتجسد أمامهم خطر حقيقى عظيم، أخذ يهدد كيانهم الوثني والاقتصادي‏.‏

فقد كانوا يعلمون ما في شخصية محمد صلى الله عليه وسلم من غاية قوةالتأثير مع كمال القيادة والإرشاد، وما في أصحابه من العزيمة والاستقامةوالفداء في سبيله، ثم ما في قبائل الأوس والخزرج من القوة والمنعة، وما فيعقلاء هاتين القبيلتين من عواطف السلم والصلاح، والتداعي إلى نبذ الأحقاد،ولاسيما بعد أن ذاقوا مرارة الحروب الأهلية طيلة أعوام من الدهر‏.‏

كما كانوا يعرفون ما للمدينة من الموقع الاستراتيجي بالنسبة إلى المحجةالتجارية التى تمر بساحل البحر الأحمر من اليمن إلى الشام‏.‏ وقد كان أهلمكة يتاجرون إلى الشام بقدر ربع مليون دينار ذهب سنويًا، سوى ما كان لأهلالطائف وغيرها‏.‏ ومعلوم أن مدار هذه التجارة كان على استقرار الأمن فيتلك الطريق‏.‏

فلا يخفي ما كان لقريش من الخطر البالغ في تمركز الدعوة الإسلامية في يثرب، ومجابهة أهلها ضدهم‏.‏

شعر المشركون بتفاقم الخطر الذي كان يهدد كيانهم، فصاروا يبحثون عن أنجحالوسائل لدفع هذا الخطر الذي مبعثه الوحيد هو حامل لواء دعوة الإسلاممحمدصلى الله عليه وسلم‏.‏

وفي يوم الخميس 26 من شهر صفر سنة 14 من النبوة، الموافق 12 من شهر سبتمبرسنة 622م أي بعد شهرين ونصف تقريبًا من بيعة العقبة الكبرى عقد برلمان مكة‏[‏دار الندوة‏]‏ في أوائل النهارأخطر اجتماع له في تاريخه، وتوافد إلىهذا الاجتماع جميع نواب القبائل القرشية؛ ليتدارسوا خطة حاسمة تكفل القضاءسريعًا على حامل لواء الدعوة الإسلامية؛ وتقطع تيار نورها عن الوجودنهائيًا‏.‏ وكانت الوجوه البارزة في هذا الاجتماع الخطير من نواب قبائلقريش‏:‏

1 أبو جهل بن هشام، عن قبيلة بني مخزوم‏.‏

2، 3، 4 جبير بن مُطْعِم، وطُعَيْمَة بن عدى، والحارث بن عامر، عن بني نَوْفَل بن عبد مناف‏.‏

5، 6، 7 شيبة وعتبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب، عن بني عبد شمس بن عبد مناف‏.‏

8 النَّضْر بن الحارث، عن بني عبد الدار‏.‏

9، 10، 11 أبو البَخْتَرِى بن هشام، وزَمْعَة بن الأسود، وحَكِيم بن حِزَام، عن بني أسد بن عبد العزى‏.‏

12، 13 نُبَيْه ومُنَبِّه ابنا الحجاج، عن بني سهم‏.‏

14 أمية بن خَلَف، عن بني جُمَح‏.‏

ولما جاءوا إلى دار الندوة حسب الميعاد، اعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل،عليه بَتٌّ له، ووقف على الباب، فقالوا‏:‏ من الشيخ‏؟‏ قال‏:‏ شيخ من أهلنجد سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألا يعدمكم منهرأيًا ونصحًا‏.‏ قالوا‏:‏ أجل، فادخل، فدخل معهم‏.

*النقاش البرلماني والإجماع على قرار غاشم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم :

وبعد أن تكامل الاجتماع بدأ عرض الاقتراحات والحلول، ودار النقاشطويلًا‏.‏ قال أبو الأسود‏:‏ نخرجه من بين أظهرنا وننفيه من بلادنا، ولانبالي أين ذهب، ولا حيث وقع، فقد أصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت‏.‏

قال الشيخ النجدى‏:‏ لا والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه،وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتى به‏؟‏ والله لو فعلتم ذلكما أمنتم أن يحل على حى من العرب، ثم يسير بهم إليكم بعد أن يتابعوه حتىيطأكم بهم في بلادكم، ثم يفعل بكم ما أراد، دبروا فيه رأيًا غير هذا‏.‏

قال أبو البخترى‏:‏ احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابًا، ثم تربصوا به ماأصاب أمثاله من الشعراء الذين كانوا قبله زهيرًا والنابغة ومن مضى منهم،من هذا الموت، حتى يصيبه ما أصابهم‏.‏

قال الشيخ النجدى‏:‏ لا والله ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه كماتقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكواأن يثبوا عليكم، فينزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم علىأمركم، ما هذا لكم برأي، فانظروا في غيره‏.‏

وبعد أن رفض البرلمان هذين الاقتراحين، قدم إليه اقتراح آثم وافق عليهجميع أعضائه، تقدم به كبير مجرمى مكة أبو جهل بن هشام‏.‏ قال أبو جهل‏:‏والله إن لى فيه رأيًا ما أراكم وقعتم عليه بعد‏.‏ قالوا‏:‏ وما هو يا أباالحكم‏؟‏ قال‏:‏ أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابًا جليدًا نَسِيباوَسِيطًا فينا، ثم نعطى كل فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدوا إليه،فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلكتفرق دمه في القبائل جميعًا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا،فرضوا منا بالعَقْل، فعقلناه لهم‏.‏

قال الشيخ النجدى‏:‏ القول ما قال الرجل، هذا الرأي الذي لا رأي غيره‏.‏

ووافق برلمان مكة على هذا الاقتراح الآثم بالإجماع، ورجع النواب إلى بيوتهم وقد صمموا على تنفيذ هذا القرار فورًا‏.

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
هجرة النبي صلى الله عليه وسلم



*بين تدبير قريش وتدبير الله سبحانه وتعالى :

من طبيعة مثل هذا الاجتماع السرية للغاية، وألا يبدو على السطح الظاهر أيحركة تخالف اليوميات، وتغاير العادات المستمرة، حتى لا يشم أحد رائحةالتآمر والخطر، ولا يدور في خلد أحد أن هناك غموضًا ينبئ عن الشر، وكانهذا مكرًا من قريش، ولكنهم ماكروا بذلك الله سبحانه وتعالى، فخيبهم من حيثلا يشعرون‏.‏ فقد نزل جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلمبوحى من ربه تبارك وتعالى فأخبره بمؤامرة قريش، وأن الله قد أذن له فيالخروج، وحدد له وقت الهجرة، وبين له خطة الرد على قريش فقال‏:‏ لا تبتهذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه‏.‏

وذهب النبي صلى الله عليه وسلم في الهاجرة حين يستريح الناس في بيوتهم إلىأبي بكر رضي الله عنه ليبرم معه مراحل الهجرة، قالت عائشة رضي اللهعنها‏:‏ بينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبيبكر‏:‏ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعًا، في ساعة لم يكن يأتينافيها، فقال أبو بكر‏:‏ فداء له أبي وأمى، والله ما جاء به في هذه الساعةإلا أمر‏.‏

قالت‏:‏ فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏، فاستأذن،فأذن له فدخل،فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر‏:‏ ‏(‏أخرج مَنْ عندك‏)‏‏.‏ فقالأبو بكر‏:‏ إنما هم أهلك، بأبي أنت يا رسول الله‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فأني قد أذنلى في الخروج‏)‏، فقال أبو بكر‏:‏ الصحبة بأبي أنت يا رسول الله‏؟‏ قالرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏نعم‏)‏‏.‏

ثم أبرم معه خطة الهجرة، ورجع إلى بيته ينتظر مجىء الليل‏.‏ وقد استمر فيأعماله اليومية حسب المعتاد حتى لم يشعر أحد بأنه يستعد للهجرة، أو لأيأمر آخر اتقاء مما قررته قريش‏.‏

*تطويق منزل الرسول صلى الله عليه وسلم :

أما أكابر مجرمي قريش فقضوا نهارهم في الإعداد سرا لتنفيذ الخطة المرسومةالتى أبرمها برلمان مكة ‏[‏دار الندوة‏]‏ صباحًا، واختير لذلك أحد عشررئيسًا من هؤلاء الأكابر، وهم‏:‏

1 أبو جهل بن هشام‏.‏

2 الحَكَم بن أبي العاص‏.‏

3 عُقْبَة بن أبي مُعَيْط‏.‏

4 النَّضْر بن الحارث‏.‏

5 أُمية بن خَلَف‏.‏

6 زَمْعَة بن الأسود‏.‏

7 طُعَيْمة بن عَدِىّ‏.‏

8 أبو لهب‏.‏

9 أبي بن خلف‏.‏

10 نُبَيْه بن الحجاج‏.‏

11 أخوه مُنَبِّه بن الحجاج‏.‏

وكان من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينام في أوائل الليل بعدصلاة العشاء، ويخرج بعد نصف الليل إلى المسجد الحرام، يصلي فيه قيامالليل، فأمر عليًا رضي الله عنه تلك الليلة أن يضطجع على فراشه، ويتسجىببرده الحضرمي الأخضر، وأخبره أنه لا يصيبه مكروه‏.‏

فلما كانت عتمة من الليل وساد الهدوء، ونام عامة الناس جاء المذكورون إلىبيته صلى الله عليه وسلم سرًا، واجتمعوا على بابه يرصدونه، وهم يظنونهنائمًا حتى إذا قام وخرج وثبوا عليه، ونفذوا ما قرروا فيه‏.‏

وكانوا على ثقة ويقين جازم من نجاح هذه المؤامرة الدنية، حتى وقف أبو جهلوقفة الزهو والخيلاء، وقال مخاطبًا لأصحابه المطوقين في سخرية واستهزاء‏:‏إن محمدًا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثمبعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان لهفيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم، ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها‏.‏

وقد كان ميعاد تنفيذ تلك المؤامرة بعد منتصف الليل في وقت خروجه صلى اللهعليه وسلم من البيت، فباتوا متيقظين ينتظرون ساعة الصفر، ولكن الله غالبعلى أمره، بيده ملكوت السموات والأرض، يفعل ما يشاء، وهو يجير ولا يجارعليه، فقد فعل ما خاطب به الرسول صلى الله عليه وسلم فيما بعد‏:‏‏{‏وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْيَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُخَيْرُ الْمَاكِرِينَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏30]‏‏.‏

*الرسول صلى الله عليه وسلم يغادر بيته :

وقد فشلت قريش في خطتهم فشلًا ذريعًا مع غاية التيقظ والتنبه؛ إذ خرج رسولالله صلى الله عليه وسلم من البيت، واخترق صفوفهم، وأخذ حفنة من البطحاءفجعل يذره على رءوسهم، وقد أخذ الله أبصارهم عنه فلا يرونه، وهو يتلو‏:‏‏{‏وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّافَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏9‏]‏‏.‏ فلم يبقمنهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابًا، ومضى إلى بيت أبي بكر، فخرجا منخوخة في دار أبي بكر ليلًا حتى لحقا بغار ثَوْر في اتجاه اليمن‏.‏

وبقى المحاصرون ينتظرون حلول ساعة الصفر، وقبيل حلولها تجلت لهم الخيبةوالفشل، فقد جاءهم رجل ممن لم يكن معهم، ورآهم ببابه فقال‏:‏ ماتنتظرون‏؟‏ قالوا‏:‏ محمدًا‏.‏ قال‏:‏ خبتم وخسرتم، قد والله مر بكم، وذرعلى رءوسكم التراب، وانطلق لحاجته، قالوا‏:‏ والله ما أبصرناه، وقامواينفضون التراب عن رءوسهم‏.‏

ولكنهم تطلعوا من صير الباب فرأوا عليًا، فقالوا‏:‏ والله إن هذا لمحمدنائمًا، عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا‏.‏ وقام علىٌّ عن الفراش،فسقط في أيديهم، وسألوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ لا علملي به‏.

*من الدار إلى الغار :

غادر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته في ليلة 27 من شهر صفر سنة 14 منالنبوة، الموافق 12/13 سبتمبر سنة 622م‏.‏ وأتى إلى دار رفيقه وأمنّ الناسعليه في صحبته وماله أبي بكر رضي الله عنه‏.‏ ثم غادر منزل الأخير من بابخلفي؛ ليخرجا من مكة على عجل وقبل أن يطلع الفجر‏.‏

ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن قريشًا سَتَجِدُّ في الطلب،وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيسىالمتجه شمالًا، فسلك الطريق الذي يضاده تمامًا، وهو الطريق الواقع جنوبمكة، والمتجه نحو اليمن، سلك هذا الطريق نحو خمسة أميال حتى بلغ إلى جبليعرف بجبل ثَوْر وهو جبل شامخ، وَعِر الطريق، صعب المرتقى، ذو أحجاركثيرة، فحفيت قدما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل‏:‏ بل كان يمشى فيالطريق على أطراف قدميه كى يخفي أثره فحفيت قدماه، وأيا ما كان فقد حملهأبو بكر حين بلغ إلى الجبل، وطفق يشتد به حتى انتهي به إلى غار في قمةالجبل عرف في التاريخ بغار ثور‏.

*إذ هما في الغار :

ولما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر‏:‏ والله لا تدخله حتى أدخل قبلك، فإنكان فيه شيء أصابني دونك، فدخل فكسحه، ووجد في جانبه ثقبًا فشق إزارهوسدها به، وبقى منها اثنان فألقمهما رجليه، ثم قال لرسول الله صلى اللهعليه وسلم‏:‏ ادخل، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع رأسه في حجرهونام، فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر، ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول اللهصلى الله عليه وسلم، فسقطت دموعه على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم،فقال‏:‏ ‏(‏ما لك يا أبا بكر‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ لدغت، فداك أبي وأمي، فتفل رسولالله صلى الله عليه وسلم، فذهب ما يجده‏.‏

وكَمُنَا في الغار ثلاث ليال، ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد‏.‏وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت عندهما‏.‏ قالت عائشة‏:‏ وهو غلام شابثَقِف لَقِن، فيُدْلِج من عندهما بسَحَرٍ، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلايسمع أمرًا يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، و‏[‏كان‏]‏ يرعى عليهما عامر بن فُهَيْرَة مولى أبي بكر مِنْحَة من غنم،فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رِسْل وهو لبنمِنْحَتِهما ورَضيفِهما حتى يَنْعِق بها عامر بن فُهَيْرَة بغَلَس، يفعلذلك في كل ليلة من تلك الليالى الثلاث، وكان عامر بن فهيرة يتبع بغنمه أثرعبد الله بن أبي بكر بعد ذهابه إلى مكة ليُعَفي عليه‏.‏

أما قريش فقد جن جنونها حينما تأكد لديها إفلات رسول الله صلى الله عليهوسلم صباح ليلة تنفيذ المؤامرة‏.‏ فأول ما فعلوا بهذا الصدد أنهم ضربواعليًا، وسحبوه إلى الكعبة، وحبسوه ساعة، علهم يظفرون بخبرهما‏.‏

ولما لم يحصلوا من عليّ على جدوى جاءوا إلى بيت أبي بكر وقرعوا بابه،فخرجت إليهم أسماء بنت أبي بكر، فقالوا لها‏:‏ أين أبوك‏؟‏ قالت‏:‏ لاأدرى والله أين أبي‏؟‏ فرفع أبو جهل يده وكان فاحشًا خبيثًا فلطم خدهالطمة طرح منها قرطها‏.‏

وقررت قريش في جلسة طارئة مستعجلة استخدام جميع الوسائل التي يمكن بهاالقبض على الرجلين، فوضعت جميع الطرق النافذة من مكة ‏[‏في جميع الجهات‏]‏تحت المراقبة المسلحة الشديدة، كما قررت إعطاء مكافأة ضخمة قدرها مائةناقة بدل كل واحد منهما لمن يعيدهما إلى قريش حيين أو ميتين، كائنًا منكان‏.‏

وحينئذ جدت الفرسان والمشاة وقصاص الأثر في الطلب، وانتشروا في الجبال والوديان، والوهاد والهضاب، لكن من دون جدوى وبغير عائدة‏.‏

وقد وصل المطاردون إلى باب الغار، ولكن الله غالب على أمره، روى البخاريعن أنس عن أبي بكر قال‏:‏ كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار،فرفعت رأسى فإذا أنا بأقدام القوم، فقلت‏:‏ يا نبي الله، لو أن بعضهم طأطأبصره رآنا‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏اسكت يا أبا بكر، اثنان، الله ثالثهما‏)‏، وفيلفظ‏:‏ ‏(‏ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما‏)‏‏.‏

وقد كانت معجزة أكرم الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، فقد رجع المطاردون حين لم يبق بينه وبينهم إلا خطوات معدودة‏.

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
في الطريق إلى المدينة :

وحين خمدت نار الطلب، وتوقفت أعمال دوريات التفتيش، وهدأت ثائرات قريش بعداستمرار المطاردة الحثيثة ثلاثة أيام بدون جدوى، تهيأ رسول الله صلى اللهعليه وسلم وصاحبه للخروج إلى المدينة‏.‏

وكانا قد استأجرا عبد الله بن أُرَيْقِط الليثى، وكان هاديًا خِرِّيتًاماهرًا بالطريق وكان على دين كفار قريش، وأمناه على ذلك، وسلما إليهراحلتيهما، وواعداه غار ثَوْر بعد ثلاث ليال براحلتيهما، فلما كانت ليلةالاثنين غرة ربيع الأول سنة 1ه / 16 سبتمبر سنة 622م جاءهما عبد الله بنأريقط بالراحلتين، وكان قد قال أبو بكر للنبى صلى الله عليه وسلم عندمشاورته في البيت‏:‏ بأبي أنت يا رسول الله، خذ إحدى راحلتى هاتين، وقربإليه أفضلهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثمن‏.‏ وأتتهما أسماءبنت أبي بكر رضي الله عنها بسُفْرَتِهما، ونسيت أن تجعل لها عِصَامًا،فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة، فإذا ليس لها عصام، فشقت نطاقها باثنين،فعلقت السفرة بواحد، وانتطقت بالآخر فسميت‏:‏ ذات النطاقين‏.‏

ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه وارتحلمعهما عامر بن فُهَيْرة، وأخذ بهم الدليل عبد الله بن أريقط على طريقالسواحل‏.‏

وأول ما سلك بهم بعد الخروج من الغار أنه أمعن في اتجاه الجنوب نحو اليمن،ثم اتجه غربًا نحو الساحل، حتى إذا وصل إلى طريق لم يألفه الناس، اتجهشمالًا على مقربة من شاطئ البحر الأحمر، وسلك طريقًا لم يكن يسلكه أحد إلانادرًا‏.‏

وقد ذكر ابن إسحاق المواضع التي مر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهذا الطريق، قال‏:‏ لما خرج بهما الدليل سلك بهما أسفل مكة، ثم مضى بهماعلى الساحل حتى عارض الطريق أسفل من عُسْفَان، ثم سلك بهما على أسفل أمَج،ثم استجاز بهما حتى عارض بهما الطريق بعد أن أجاز قُدَيْدًا، ثم أجاز بهمامن مكانه ذلك فسلك بهما الْخَرَّار، ثم سلك بهما ثَنَّية الْمَرَّة، ثمسلك بهما لِقْفًا، ثم أجاز بهما مَدْلَجَة لِقْف، ثم استبطن بهما مَدْلَجةمِجَاج، ثم سلك بهما مَرْجِح مِجَاح، ثم تبطن بهما مَرْجِح من ذىالغُضْوَيْن، ثم بطن ذى كَشْر، ثم أخذ بهما على الْجَدَاجِد، ثم علىالأجرد، ثم سلك بهما ذا سلم من بطن أعدا مَدْلَجَة تِعْهِنَ، ثم علىالعَبَابيد، ثم أجاز بهما الفَاجَة، ثم هبط بهما الْعَرْج، ثم سلك بهماثنية العَائِر عن يمين رَكُوبة حتى هبط بهما بطن رِئْم، ثم قدم بهما علىقُباء‏.‏


وهاك بعض ما وقع في الطريق

1 روى البخاري عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال‏:‏ أسرينا ليلتنا ومنالغد حتى قام قائم الظهيرة وخلا الطريق، لا يمر فيه أحد، فرفعت لنا صخرةطويلة، لها ظل لم تأت عليها الشمس، فنزلنا عنده، وسويت للنبي صلى اللهعليه وسلم مكانًا بيدى، ينام عليه، وبسطت عليه فروة، وقلت‏:‏ نم يا رسولالله، وأنا أنفض لك ما حولك، فنام، وخرجت أنفض ما حوله، فإذا أنا براعمقبل بغنمه إلى الصخرة، يريد منها مثل الذي أردنا، فقلت له‏:‏ لمن أنت ياغلام‏؟‏ فقال‏:‏ لرجل من أهل المدينة أو مكة‏.‏ قلت‏:‏ أفي غنمك لبن‏؟‏قال‏:‏ نعم‏.‏ قلت‏:‏ أفتحلب‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ فأخذ شاة، فقلت‏:‏ انفضالضرع من التراب والشعر والقَذَى، فحلب في قعب كُثْبة من لبن، ومعى إداوةحملتها للنبي صلى الله عليه وسلم، يرتوى منها، يشرب ويتوضأ، فأتيت النبيصلى الله عليه وسلم فكرهت أن أوقظه، فوافقته حين استيقظ، فصببت من الماءعلى اللبن حتى برد أسفله، فقلت‏:‏ اشرب يا رسول الله، فشرب حتى رضيت، ثمقال‏:‏ ‏(‏ألم يأن للرحيل‏؟‏‏)‏ قلت‏:‏ بلى، قال‏:‏ فارتحلنا‏.‏

2 وكان من دأب أبي بكر رضي الله عنه أنه كان ردفًا للنبى صلى الله عليهوسلم، وكان شيخًا يعرف، ونبى الله صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف، فيلقىالرجل أبا بكر فيقول‏:‏ من هذا الرجل الذي بين يديك‏؟‏ فيقول‏:‏ هذا الرجليهدينى الطريق، فيحسب الحاسب أنه يعنى به الطريق، وإنما يعنى سبيلالخير‏.‏

3 وفي اليوم الثاني أو الثالث مر بخيمتى أم مَعْبَد الخزاعية، وكانموقعهما بالمُشَلَّل من ناحية قُدَيْد على بعد نحو 130 كيلو مترًا من مكة،وكانت أم معبد امرأة برزة جلدة تحتبى بفناء الخيمة، ثم تطعم وتسقى من مربها، فسألاها‏:‏ هل عندها شيء‏؟‏ فقالت‏:‏ والله لو كان عندنا شيء ماأعوزكم، القِرَى والشاء عازب، وكانت سَنَةٌ شَهْباء‏.‏

فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة، فقال‏:‏ ‏(‏ماهذه الشاة يا أم معبد‏؟‏‏)‏ قالت‏:‏ شاة خلفها الجهد عن الغنم، فقال‏:‏‏(‏هل بها من لبن‏؟‏‏)‏ قالت‏:‏ هي أجهد من ذلك‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏أتأذنين لىأن أحلبها‏؟‏‏)‏ قالت‏:‏ نعم بأبي وأمي إن رأيت بها حلبًا فاحلبها‏.‏ فمسحرسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ضرعها، وسمى الله ودعا، فتَفَاجَّتْعليه ودَرَّتْ، فدعا بإناء لها يَرْبِض الرهط، فحلب فيه حتى علته الرغوة،فسقاها، فشربت حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب، وحلب فيه ثانيًا،حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها فارتحلوا‏.‏

فما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزلًا، فلما رأياللبن عجب، فقال‏:‏ من أين لك هذا‏؟‏ والشاة عازب، ولا حلوبة في البيت‏؟‏فقالت‏:‏ لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت، ومنحاله كذا وكذا، قال‏:‏ أني والله أراه صاحب قريش الذي تطلبه، صِفِيه لى ياأم معبد، فوصفته بصفاته الكريمة وصفًا بديعًا كأن السامع ينظر إليه وهوأمامه وسننقله في بيان صفاته صلى الله عليه وسلم في أواخر الكتاب فقال أبومعبد‏:‏ والله هذا صاحب قريش الذي ذكروا من أمره ما ذكروا، لقد هممت أنأصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلًا‏.‏ وأصبح صوت بمكة عاليًا يسمعونهولا يرون القائل‏:‏

جزى الله رب العرش خير جزائه ** رفيقين حَلاَّ خيمتى أم مَعْبَدِ

هما نزلا بالبِرِّ وارتحلا به ** وأفلح من أمسى رفيق محمد

فيا لقُصَىّ ما زَوَى الله عنكم ** به من فعال لا يُحَاذى وسُؤْدُد

لِيَهْنِ بني كعب مكان فَتاتِهم ** ومقعدُها للمؤمنين بَمْرصَد

سَلُوا أختكم عن شاتها وإنائها ** فإنكم إن تسألوا الشاة تَشْهَد

قالت أسماء‏:‏ ما درينا أين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبلرجل من الجن من أسفل مكة فأنشد هذه الأبيات، والناس يتبعونه ويسمعون صوتهولا يرونه حتى خرج من أعلاها‏.‏ قالت‏:‏ فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجهرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن وجهه إلى المدينة‏.‏

4 وتبعهما في الطريق سُرَاقة بن مالك‏.‏ قال سراقة‏:‏ بينما أنا جالس فيمجلس من مجالس قومى بني مُدْلج، أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس،فقال‏:‏ يا سراقة، أني رأيت آنفًا أسْوِدَة بالساحل، أراها محمدًاوأصحابه‏.‏ قال سراقة‏:‏ فعرفت أنهم هم، فقلت له‏:‏ إنهم ليسوا بهم، ولكنكرأيت فلانًا وفلانًا انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمتفدخلت، فأمرت جاريتى أن تخرج فرسى، وهي من وراء أكَمَة، فتحبسها عَلَىَّ،وأخذت رمحى، فخرجت به من ظهر البيت، فخَطَطْتُ بزُجِّهِ الأرض، وخَفَضْتُعاليه، حتى أتيت فرسى فركبتها، فرَفَعْتُها تُقَرِّب بى حتى دنوت منهم،فعَثَرَتْ بى فرسى فخررت عنها، فقمت، فأهويت يدى إلى كنانتى، فاستخرجتمنها الأزلام، فاستقسمت بها، أضُرُّهُمْ أم لا‏؟‏ فخرج الذي أكره، فركبتفرسي وعصيت الأزلام تُقَرّبُ بي، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى اللهعليه وسلم وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات سَاخَتْ يدا فرسى فيالأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت، فلم تَكَدْ تخرجيديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان،فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسىحتى جئتهم، ووقع في نفسى حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمْرُرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له‏:‏ إن قومك قد جعلوا فيك الدية،وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلميَرْزَأني، ولم يسألأني إلا أن قال‏:‏ ‏(‏أَخْفِ عنا‏)‏، فسألته أن يكتبلى كتاب أمْنٍ، فأمر عامر بن فُهَيْرة، فكتب لى في رقعة من أدم، ثم مضىرسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وفي رواية عن أبي بكر قال‏:‏ ارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا منهمأحد غير سراقة بن مالك بن جُعْشُم، على فرس له، فقلت‏:‏ هذا الطلب قدلحقنا يا رسول الله، فقال‏:‏ ‏{‏لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا‏}‏‏[‏التوبة‏:‏40‏]‏‏.‏

ورجع سراقة فوجد الناس في الطلب فجعل يقول‏:‏ قد استبرأت لكم الخبر، قدكفيتم ما ها هنا‏.‏ وكان أول النهار جاهدًا عليهما، وآخره حارسًا لهما‏.‏

5 وفي الطريق لقى النبي صلى الله عليه وسلم بُريْدَة بن الحُصَيْب الأسلمىومعه نحو ثمانين بيتًا، فأسلم وأسلموا، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلمالعشاء الآخرة فصلوا خلفه، وأقام بريدة بأرض قومه حتى قدم على رسول اللهصلى الله عليه وسلم بعد أُحُد‏.‏

وعن عبد الله بن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتفاءل ولا يتطير،فركب بريدة في سبعين راكبًا من أهل بيته من بني سهم، فلقى النبي صلى اللهعليه وسلم، فقال له‏:‏ ‏(‏ممن أنت‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ من أسلم، فقال‏:‏ لأبيبكر‏:‏ سلمنا، ثم قال‏:‏ ‏(‏مِنْ بني مَنْ‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ من بني سهم‏.‏قال‏:‏ ‏(‏خرج سهمك‏)‏

6 ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي أوْس تميم بن حَجَر أو بأبي تميمأوس بن حجر الأسلمى، بقحداوات بين الجُحْفَة وهَرْشَى بالعرج وكان قد أبطأعليه بعض ظهره، فكان هو وأبو بكر على جمل واحد، فحمله أوس على فحل منإبله، وبعث معهما غلامًا له اسمه مسعود، وقال‏:‏ اسلك بهما حيث تعلم منمحارم الطريق ولا تفارقهما، فسلك بهما الطريق حتى أدخلهما المدينة، ثم ردرسول الله صلى الله عليه وسلم مسعودًا إلى سيده، وأمره أن يأمر أوسًا أنيسم إبله في أعناقها قيد الفرس، وهو حلقتان، ومد بينهما مدًا، فهيسمتهم‏.‏ ولما أتى المشركون يوم أحد أرسل أوس غلامه مسعود بن هُنَيْدَة منالعَرْج على قدميه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بهم‏.‏ ذكرهابن مَاكُولا عن الطبرى، وقد أسلم بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلمالمدينة، وكان يسكن العرج‏.‏

7 وفي الطريق في بطن رِئْم لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير، وهوفي ركب من المسلمين، كانوا تجارًا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول اللهصلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثيابًا بياضًا‏.‏

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
* النزول بقباء:

وفي يوم الاثنين 8 ربيع الأول سنة 14 من النبوة وهي السنة الأولى منالهجرة الموافق 23 سبتمبر سنة 622م نزل رسول الله صلى الله عليه وسلمبقباء‏.‏

قال عروة بن الزبير‏:‏ سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله صلى اللهعليه وسلم من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحَرَّة، فينتظرونه حتىيردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلىبيوتهم أَوْفي رجل من يهود على أُطُم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصربرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مُبَيَّضِين يزول بهم السراب، فلميملك اليهودى أن قال بأعلى صوته‏:‏ يا معاشر العرب، هذا جدكم الذيتنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح‏.‏ وتلقوا رسول الله صلى الله عليهوسلم بظهر الحرة‏.‏

قال ابن القيم‏:‏ وسُمِعت الوَجْبَةُ والتكبير في بني عمرو بن عوف، وكبرالمسلمون فرحًا بقدومه، وخرجوا للقائه، فتلقوه وحيوه بتحية النبوة،فأحدقوا به مطيفين حوله، والسكينة تغشاه، والوحى ينزل عليه‏:‏ ‏{‏فَإِنَّاللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَوَالْمَلَائ ِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏4‏]‏‏.‏

قال عروة بن الزبير‏:‏ فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعدل بهم ذاتاليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيعالأول‏.‏ فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتًا،فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يحىى وفينسخة‏:‏ يجىء أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم،فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليهوسلم عند ذلك‏.‏

وكانت المدينة كلها قد زحفت للاستقبال، وكان يومًا مشهودًا لم تشهدالمدينة مثله في تاريخها، وقد رأي اليهود صدق بشارة حَبْقُوق النبي‏:‏ إنالله جاء من التيمان، والقدوس من جبال فاران‏.‏

ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء على كلثوم بن الهدم، وقيل‏:‏ بل على سعد بن خَيْثَمَة، والأول أثبت‏.‏

ومكث على بن أبي طالب رضي الله عنه بمكة ثلاثًا حتى أدى عن رسول الله صلىالله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس، ثم هاجر ماشيًا على قدميهحتى لحقهما بقباء، ونزل على كلثوم بن الهَدْم‏.‏

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء أربعة أيام‏:‏ الاثنينوالثلاثاء والأربعاء والخميس‏.‏ وأسس مسجد قباء وصلى فيه، وهو أول مسجدأسس على التقوى بعد النبوة، فلما كان اليوم الخامس يوم الجمعة ركب بأمرالله له، وأبو بكر ردفه، وأرسل إلى بني النجار أخواله فجاءوا متقلدينسيوفهم، فسار نحو المدينة وهم حوله، وأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف،فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادى، وكانوا مائة رجل‏.

*الدخول في المدينة :

ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم بعد الجمعة حتى دخل المدينة ومن ذلكاليوم سميت بلدة يثرب بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويعبر عنهابالمدينة مختصرًا وكان يومًا مشهودًا أغر، فقد ارتجت البيوت والسكك بأصواتالحمد والتسبيح، وتغنت بنات الأنصار بغاية الفرح والسرور‏:‏

طلع البدر علينا **من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا ** ما دعا لله داع

أيها المبعوث فينا ** جئت بالأمر المطاع

والأنصار وإن لم يكونوا أصحاب ثروات طائلة إلا أن كل واحد منهم كان يتمنىأن ينزل الرسول صلى الله عليه وسلم عليه، فكان لا يمر بدار من دور الأنصارإلا أخذوا خطام راحلته‏:‏ هلم إلى العدد والعدة والسلاح والمنعة، فكانيقول لهم‏:‏ ‏(‏خلوا سبيلها فإنها مأمورة‏)‏، فلم تزل سائرة به حتى وصلتإلى موضع المسجد النبوى اليوم فبركت، ولم ينزل عنها حتى نهضت وسارتقليلًا، ثم التفتت ورجعت فبركت في موضعها الأول، فنزل عنها، وذلك في بنيالنجار أخواله صلى الله عليه وسلم وكان من توفيق الله لها، فإنه أحب أنينزل على أخواله، يكرمهم بذلك، فجعل الناس يكلمون رسول الله صلى الله عليهوسلم في النزول عليهم، وبادر أبو أيوب الأنصارى إلى رحله، فأدخلهبيته،فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏المرء مع رحله‏)‏،وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلته، فكانت عنده‏.‏

وفي رواية أنس عند البخاري، قال نبى الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أيبيوت أهلنا أقرب‏؟‏‏)‏ فقال أبو أيوب‏:‏ أنا يا رسول الله، هذه دارى، وهذابأبي‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فانطلق فهيئ لنا مقيلًا‏)‏، قال‏:‏ قوما على بركةالله‏.‏

وبعد أيام وصلت إليه زوجته سَوْدَة، وبنتاه فاطمة وأم كلثوم، وأسامة بنزيد، وأم أيمن، وخرج معهم عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر، ومنهمعائشة، وبقيت زينب عند أبي العاص، لم يمكنها من الخروج حتى هاجرت بعدبدر‏.‏

قالت عائشة‏:‏ وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، فكان بُطْحَان يجرى نَجْلًا، أي ماءً آجِنًا‏.‏

وقالت‏:‏ لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكروبلال، فدخلت عليهما فقلت‏:‏ يا أبه كيف تجدك‏؟‏ ويا بلال كيف تجدك‏؟‏قالت‏:‏ فكان أبو بكر إذا أخذته الحُمَّى يقول‏:‏

كل امرئ مُصَبَّحٌ في أهله ** والموت أدنى من شِرَاك نَعْلِه

وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته ويقول‏:‏

ألا ليت شِعْرِى هل أبيتَنَّ ليلة ** بوَادٍ وحولى إذْخِرٌ وجَلِيلُ

وهل أردْن يومًا مياه مِجَنَّة ** وهل يَبْدُوَنْ لى شامة وطَفِيلُ

قالت عائشة‏:‏ فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال‏:‏‏(‏اللهم العن شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، كما أخرجونامن أرضنا إلى أرض الوباء‏)‏‏.‏ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏‏(‏اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها، وبارك في صاعهاومدها، وانقل حماها فاجعلها بالجُحْفَة‏)‏‏.‏

وقد استجاب الله دعاءه صلى الله عليه وسلم، فأرى في المنام أن امرأة سوداءثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت بالمَهْيَعَة، وهي الجحفة‏.‏ وكانذلك عبارة عن نقل وباء المدينة إلى الجحفة، وبذلك استراح المهاجرون عماكانوا يعانونه من شدة مناخ المدينة‏.‏

إلى هنا انتهي بيان قسم من حياته صلى الله عليه وسلم بعد النبوة، وهوالعهد المكى‏.‏ وفيما يلى نقدم بالإيجاز عهده المدنى صلى الله عليهوسلم‏.‏ وبالله التوفيق‏.

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
العهد المدني عهد الدعوة والجهاد والنجاح



*مراحل الدعوة والجهاد في العهد المدني :

يمكن تقسيم العهد المدني إلى ثلاث مراحل‏:‏







*سكان المدينة وأحوالهم عند الهجرة :

لم يكن معنى الهجرة التخلص والفرار من الفتنة فحسب، بل كانت الهجرة تعنىمع هذا تعاونًا على إقامة مجتمع جديد في بلد آمن، ولذلك أصبح فرضًا على كلمسلم يقدر على الهجرة أن يهاجر ويسهم في بناء هذا الوطن الجديد، ويبذلجهده في تحصينه ورفعة شأنه‏.‏

ولاشك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو الإمام والقائد والهادى في بناء هذا المجتمع، وكانت إليه أزمة الأمور بلا نزاع‏.‏

والذين قابلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة كانوا على ثلاثةأصناف، يختلف أحوال كل واحد منها بالنسبة إلى الآخر اختلافًا واضحًا، وكانيواجه بالنسبة إلى كل صنف منها مسائل عديدة غير المسائل التي كان يواجههابالنسبة إلى الآخر‏.‏

وهذه الأصناف الثلاثة هي‏:‏







أ والمسائل التي كان يواجهها بالنسبة إلى أصحابه هو أن ظروف المدينةبالنسبة إليهم كانت تختلف تمامًا عن الظروف التي مروا بها في مكة، فهم فيمكة وإن كانت تجمعهم كلمة جامعة وكانوا يستهدفون هدفًا واحدًا، إلا أنهمكانوا متفرقين في بيوتات شتى، مقهورين أذلاء مطرودين، لم يكن لهم من الأمرشيء، وإنما كان الأمر بيد أعدائهم في الدين، فلم يكن هؤلاء المسلمونيستطيعون أن ينشئوا مجتمعًا إسلاميًا جديدًا بمواده التي لا يستغنى عنهاأي مجتمع إنسإني في العالم؛ ولذلك نرى السور المكية تقتصر على تفصيلالمبادئ الإسلامية، وعلى التشريعات التي يمكن العمل بها لكل فرد وحده،وعلى الترغيب في البر والخير ومكارم الأخلاق والترهيب عن الرذائلوالدنايا‏.‏

أما في المدينة فكان أمر المسلمين بأيديهم منذ أول يوم، ولم يكن يسيطرعليهم أحد من الناس، وهذا يعنى أنهم قد آن لهم أن يواجهوا مسائل الحضارةوالعمران، والمعيشة والاقتصاد، والسياسة والحكومة، والسلم والحرب، وأنتفصل لهم مسائل الحلال والحرام، والعبادة والأخلاق، وما إلى ذلك من شئونالحياة‏.‏

أي آن للمسلمين أن يكونوا مجتمعًا إسلاميًا يختلف في جميع مراحل الحياة عنالمجتمع الجاهلي، ويمتاز عن أي مجتمع يوجد في العالم الإنساني، ويكونممثلًا للدعوة الإسلامية التي عانى لها المسلمون ألوانًا من النكالوالعذاب طيلة عشر سنوات‏.‏

ولا يخفي أن تكوين أي مجتمع على هذا النمط لا يمكن أن يستتب في يوم واحد،أو شهر واحد، أو سنة واحدة، بل لابد له من زمن طويل يتكامل فيه التشريعوالتقنين والتربية والتثقيف والتدريب والتنفيذ شيئًا فشيئًا، وكان اللهكفيلًا بهذا التشريع، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قائمًا بتنفيذهوالإرشاد إليه، وبتربية المسلمين وتزكيتهم وفق ذلك ‏{‏هُوَ الَّذِي بَعَثَفِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِوَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ‏}‏ ‏[‏الجمعة‏:‏2]‏‏.‏

وكان الصحابة رضي الله عنهم مقبلين عليه بقلوبهم،يتحلون بأحكامه،ويستبشرونبها ‏{‏وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا‏}‏‏[‏الأنفال‏:‏ 2]‏‏.‏ وليس تفصيل هذه المسائل كلها من مباحث موضوعنا،فنقتصر منها على قدر الحاجة‏.‏

وكان هذا أعظم ما واجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنسبة للمسلمين،وهو الهدف الأسمى والمطلب النبيل المقصود من الدعوة الإسلامية والرسالةالمحمدية، ومعلوم أنه ليس بقضية طارئة تطلب الاستعجال، بل هي قضية أصيلةتحتاج إلى آجال‏.‏ نعم، كانت هناك قضايا طارئة تطلب الحل العاجل والحكيم،أهمها أن المسلمين كانوا على قسمين‏:‏

قسم كانوا في أرضهم وديارهم وأموالهم، لا يهمهم من ذلك إلا ما يهم الرجلوهو آمن في سِرْبِه، وهم الأنصار، وكان بينهم تنافر مستحكم وعداء مزمن منذأمد بعيد‏.‏

وقسم آخر فاتهم كل ذلك، ونجوا بأنفسهم إلى المدينة، وهم المهاجرون، فلميكن لهم ملجأ يأوون إليه، ولا عمل يكسبون به ما يسد حاجتهم، ولا ماليبلغون به قَوَامًا من العيش، وكان عدد هؤلاء اللاجئين غير قليل، ثم كانوايزيدون يومًا فيوما؛ إذ كان قد أوذن بالهجرة لكل من آمن بالله ورسوله‏.‏ومعلوم أن المدينة لم تكن على ثروة طائلة فتزعزع ميزانها الاقتصادى، وفيهذه الساعة الحرجة قامت القوات المعادية للإسلام بشبه مقاطعة اقتصادية،قَلَّت لأجلها المستوردات وتفاقمت الظروف‏.‏

ب أما القوم الثاني وهم المشركون من صميم قبائل المدينة فلم تكن لهم سيطرةعلى المسلمين، وكان منهم من يتخالجه الشكوك ويتردد في ترك دين الآباء،ولكن لم يكن يبطن العداوة والكيد ضد الإسلام والمسلمين، ولم تمض عليهم مدةطويلة حتى أسلموا وأخلصوا دينهم لله‏.‏

وكان فيهم من يبطن شديد الإحن والعداوة ضد رسول الله صلى الله عليه وسلموالمسلمين، ولكن لم يكن يستطيع أن يناوئهم، بل كان مضطرًا إلى إظهار الودّوالصفاء نظرًا إلى الظروف، وعلى رأس هؤلاء عبد الله بن أبي، فقد كانتالأوس والخزرج اجتمعوا على سيادته بعد حرب بُعَاث ولم يكونوا اجتمعوا علىسيادة أحد قبله وكانوا قد نظموا له الخَرْز، ليُتَوِّجُوه ويُمَلّكُوه،وكان على وشك أن يصير ملكًا على أهل المدينة إذ بوغت بمجىء رسول الله صلىالله عليه وسلم، وانصراف قومه عنه إليه، فكان يرى أنه استلبه الملك، فكانيبطن شديد العداوة ضده، ولما رأي أن الظروف لا تساعده على شركه، وأنه سوفيحرم بقايا العز والشرف وما يترتب عليهما من منافع الحياة الدنيا أظهرالإسلام بعد بدر، ولكن بقى مستبطنًا الكفر، فكان لا يجد مجالًا يكيد فيهبرسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمسلمين إلا ويأتيه، وكان أصحابه منالرؤساء الذين حرموا المناصب المرجوة في ملكه يساهمونه ويدعمونه في تنفيذخططه، وربما كانوا يتخذون بعض الشباب وسذجة المسلمين عميلًا لتنفيذ خطتهممن حيث لا يشعر‏.‏

ج أما القوم الثالث وهم اليهود فإنهم كانوا قد انحازوا إلى الحجاز زمنالاضطهاد الأشورى والروماني كما أسلفنا، وكانوا في الحقيقة عبرانيين، ولكنبعد الانسحاب إلى الحجاز اصطبغوا بالصبغة العربية في الزى واللغةوالحضارة، حتى صارت أسماؤهم وأسماء قبائلهم عربية، وحتى قامت بينهم وبينالعرب علاقة الزواج والصهر، إلا أنهم احتفظوا بعصبيتهم الجنسية، ولميندمجوا في العرب قطعًا، بل كانوا يفتخرون بجنسيتهم الإسرائيلية اليهوديةوكانوا يحتقرون العرب احتقارًا بالغًا وكانوا يرون أن أموال العرب مباحةلهم، يأكلونها كيف شاءوا، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْإِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِنتَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَعَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِيالأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 75‏]‏‏.‏ ولم يكونوا متحمسين فينشر دينهم، وإنما جل بضاعتهم الدينية هي‏:‏ الفأل والسحر والنفث والرقيةوأمثالها، وبذلك كانوا يرون أنفسهم أصحاب علم وفضل وقيادة روحانية‏.‏

وكانوا مَهَرَةً في فنون الكسب والمعيشة، فكانت في أيديهم تجارة الحبوبوالتمر والخمر والثياب، كانوا يستوردون الثياب والحبوب والخمر، ويصدرونالتمر، وكانت لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون، فكانوا يأخذون المنافعمن عامة العرب أضعافًا مضاعفة، ثم لم يكونوا يقتصرون على ذلك، بل كانواأكالين للربا، يعطون القروض الطائلة لشيوخ العرب وساداتهم؛ ليكسبوا بهامدائح الشعراء والسمعة الحسنة بين الناس بعد إنفاقها من غير جدوى ولاطائلة، وكانوا يرتهنون لها أرض هؤلاء الرؤساء وزروعهم وحوائطهم، ثم لايلبثون إلا أعوامًا حتى يتملكونها‏.‏

وكانوا أصحاب دسائس ومؤامرات وعتو وفساد؛ يلقون العداوة والشحناء بينالقبائل العربية المجاورة، ويغرون بعضها على بعض بكيد خفي لم تكن تشعرهتلك القبائل، فكانت تتطاحن في حروب، ولم تكد تنطفئ نيرانها حتى تتحركأنامل اليهود مرة أخرى لتؤججها من جديد‏.‏ فإذا تم لهم ذلك جلسوا على حياديرون نتائج هذا التحريض والإغراء، ويستلذون بما يحل بهؤلاء المساكين العربمن التعاسة والبوار، ويزودونهم بقروض ثقيلة ربوية حتى لا يحجموا عن الحربلعسر النفقة‏.‏ وبهذا التدبير كانوا يحصلون على فائدتين كبيرتين‏:‏ هماالاحتفاظ على كيانهم اليهودى، وإنفاق سوق الربا؛ ليأكلوه أضعافًا مضاعفة،ويكسبوا ثروات طائلة‏.‏

وكانت في يثرب منهم ثلاث قبائل مشهورة‏:‏







وهذه القبائل هي التي كانت تثير الحروب بين الأوس والخزرج منذ أمد بعيد، وقد ساهمت بأنفسها في حرب بُعَاث، كل مع حلفائها‏.‏

وطبعًا فإن اليهود لم يكن يرجى منهم أن ينظروا إلى الإسلام إلا بعين البغضوالحقد؛ فالرسول لم يكن من أبناء جنسهم حتى يُسَكِّن جَأْشَ عصبيتهمالجنسية التي كانت مسيطرة على نفسياتهم وعقليتهم، ودعوة الإسلام لم تكنإلا دعوة صالحة تؤلف بين أشتات القلوب، وتطفئ نار العداوة والبغضاء، وتدعوإلى التزام الأمانة في كل الشئون، وإلى التقيد بأكل الحلال من طيبالأموال، ومعنى كل ذلك أن قبائل يثرب العربية ستتآلف فيما بينها، وحينئذلابد من أن تفلت من براثن اليهود، فيفشل نشاطهم التجارى، ويحرمون أموالالربا الذي كانت تدور عليه رحى ثروتهم، بل يحتمل أن تتيقظ تلك القبائل،فتدخل في حسابها الأموال الربوية التي أخذتها اليهود، وتقوم بإرجاع أرضهاوحوائطها التي أضاعتها إلى اليهود في تأدية الربا‏.‏

كان اليهود يدخلون كل ذلك في حسابهم منذ عرفوا أن دعوة الإسلام تحاولالاستقرار في يثرب؛ ولذلك كانوا يبطنون أشد العداوة ضد الإسلام، وضد رسولالله صلى الله عليه وسلم منذ أن دخل يثرب، وإن كانوا لم يتجاسروا علىإظهارها إلا بعد حين‏.‏

ويظهر ذلك جليًا بما رواه ابن إسحاق عن أم المؤمنين صفية رضي الله عنهاقال ابن إسحاق‏:‏ حدثت عن صفية بنت حيي بن أخطب أنها قالت‏:‏ كنت أحَبَّولد أبي إليه، وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذإنيدونه‏.‏ قالت‏:‏ فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ونزل قباءفي بني عمرو بن عوف غدا عليه أبي؛ حيى بن أخطب، وعمى أبو ياسر بن أخطبمُغَلِّسِين، قالت‏:‏ فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس، قالت‏:‏ فأتياكَالَّيْن كسلانين ساقطين يمشيان الهُوَيْنَى‏.‏ قالت‏:‏ فهششت إليهما كماكنت أصنع، فوالله ما التفت إلىَّ واحد منهما، مع ما بهما من الغم‏.‏قالت‏:‏ وسمعت عمى أبا ياسر، وهو يقول لأبي حيي بن أخطب‏:‏ أهو هو‏؟‏قال‏:‏ نعم والله، قال‏:‏ أتعرفه وتثبته‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قال‏:‏ فما فينفسك منه‏؟‏ قال‏:‏ عداوته والله ما بقيت‏.‏

ويشهد بذلك أيضًا ما رواه البخاري في إسلام عبد الله بن سَلاَم رضي اللهعنه فقد كان حبرًا من فطاحل علماء اليهود، ولما سمع بمقدم رسول الله صلىالله عليه وسلم المدينة في بني النجار جاءه مستعجلًا، وألقى إليه أسئلة لايعلمها إلا نبى، ولما سمع ردوده صلى الله عليه وسلم عليها آمن به ساعتهومكانه، ثم قال له‏:‏ إن اليهود قوم بُهْتٌ، إن علموا بإسلامي قبل أنتسألهم بَهَتُونِى عندك، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءتاليهود، ودخل عبد الله بن سلام البيت‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليهوسلم‏:‏ ‏(‏أي رجل فيكم عبد الله بن سلام‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ أعلمنا وابنأعلمنا، وأخيرنا وابن أخيرنا وفي لفظ‏:‏ سيدنا وابن سيدنا‏.‏ وفي لفظآخر‏:‏ خيرنا وابن خيرنا، وأفضلنا وابن أفضلنا فقال رسول الله صلى اللهعليه وسلم‏:‏ ‏(‏أفرأيتم إن أسلم عبد الله‏؟‏‏)‏ فقالوا‏:‏ أعاذه الله منذلك ‏(‏مرتين أو ثلاثا‏)‏، فخرج إليهم عبد الله فقال‏:‏ أشهد أن لا إلهإلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، قالوا‏:‏ شرّنا وابن شرّنا، ووقعوافيه‏.‏ وفي لفظ‏:‏ فقال‏:‏ يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله الذي لاإله إلا هو، إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحق‏.‏ فقالوا‏:‏كذبت‏.‏

وهذه أول تجربة تلقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود في أول يوم دخل فيه المدينة‏.‏

وهذه هي الظروف والقضايا الداخلية التي واجهها الرسول صلى الله عليه وسلم حين نزل بالمدينة‏.‏

أما من ناحية الخارج فكان يحيط بها من يدين بدين قريش، وكانت قريش ألد عدوللإسلام والمسلمين، جربت عليهم طوال عشرة أعوام حينما كان المسلمون تحتأيديها كل أساليب الإرهاب والتهديد والمضايقة والتعذيب، والمقاطعةوالتجويع، وأذاقتهم التنكيلات والويلات، وشنت عليهم حربًا نفسية مضنية معدعاية واسعة منظمة، ولما هاجر المسلمون إلى المدينة صادرت أرضهم وديارهموأموالهم، وحالت بينهم وبين أزواجهم وذرياتهم، بل حبست وعذبت من قدرتعليه، ولم تقتصر على هذا، بل تآمرت على الفتك بصاحب الدعوة صلى الله عليهوسلم، والقضاء عليه وعلى دعوته، ولم تَأْلُ جهدًا في تنفيذ هذهالمؤامرة‏.‏ فكان من الطبيعى جدًا، حينما نجا المسلمون منها إلى أرض تبعدنحو خمسمائة كيلو متر، أن تقوم بدورها السياسى والعسكرى، لما لها منالصدارة الدنيوية والزعامة الدينية بين أوساط العرب بصفتها ساكنة الحرمومجاورة بيت الله وسدنته، وتغرى غيرها من مشركي الجزيرة ضد أهل المدينة،وفعلًا قامت بذلك كله حتى صارت المدينة محفوفة بالأخطار، وفي شبه مقاطعةشديدة قَلَّتْ لأجلها المستوردات، في حين كان عدد اللاجئين إليها يزيديومًا بعد يوم، وبذلك كانت ‏[‏حالة الحرب‏]‏ قائمة بين هؤلاء الطغاة منأهل مكة ومن دان دينهم، وبين المسلمين في وطنهم الجديد‏.‏

وكان من حق المسلمين أن يصادروا أموال هؤلاء الطغاة كما صودرت أموالهم،وأن يديلوا عليهم من التنكيلات بمثل ما أدالوا بها، وأن يقيموا في سبيلحياتهم العراقيل كما أقاموها في سبيل حياة المسلمين، وأن يكيلوا لهؤلاءالطغاة صاعًا بصاع حتى لا يجدوا سبيلًا لإبادة المسلمين واستئصالخضرائهم‏.‏

وهذه هي القضايا والمشاكل الخارجية التي واجهها رسول الله صلى الله عليهوسلم بعدما ورد المدينة، وكان عليه أن يعالجها بحكمة بالغة حتى يخرج منهامكللًا بالنجاح‏.‏

وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعالجة كل القضايا أحسن قيام،بتوفيق من الله وتأييده، فعامل كل قوم بما كانوا يستحقونه من الرأفةوالرحمة أو الشدة والنكال،وذلك بجانب قيامه بتزكية النفوس وتعليم الكتابوالحكمة، ولا شك أن جانب التزكية والتعليم والرأفة والرحمة كان غالبًا علىجانب الشدة والعنت حتى عاد الأمر إلى الإسلام وأهله في بضع سنوات، وسيجدالقارئ كل ذلك جليًا في الصفحات الآتية‏.‏1 مرحلة تأسيس المجتمع الإسلامي، وتمكين الدعوة الإسلامية، وقد أثيرت فيهذه المرحلة القلاقل والفتن من الداخل، وزحف فيها الأعداء من الخارج؛ليستأصلوا شأفة المسلمين، ويقلعوا الدعوة من جذورها‏.‏ وقد انتهت هذهالمرحلة بتغلب المسلمين وسيطرتهم على الموقف مع عقد صلح الحديبية في ذىالقعدة سنة ست من الهجرة‏.‏ 2 مرحلة الصلح مع العدو الأكبر، والفراغ لدعوة ملوك الأرض إلى الإسلام،وللقضاء على أطراف المؤامرات‏.‏ وقد انتهت هذه المرحلة بفتح مكة المكرمةفي رمضان سنة ثمان من الهجرة‏.‏ 3 مرحلة استقبال الوفود، ودخول الناس في دين الله أفواجًا‏.‏ وقد امتدتهذه المرحلة إلى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول سنة إحدىعشرة من الهجرة‏.‏ 1 أصحابه الصفوة الكرام البررة رضي الله عنهم‏.‏ 2 المشركون الذين لم يؤمنوا بعد، وهم من صميم قبائل المدينة‏.‏ 3 اليهود‏.‏ 1 بنو قَيْنُقَاع ‏:‏ وكانوا حلفاء الخزرج، وكانت ديارهم داخل المدينة‏.‏ 2 بنو النَّضِير‏:‏ وكانوا حلفاء الخزرج، وكانت ديارهم بضواحى المدينة‏.‏ 3 بنو قُرَيْظة‏:‏ وكانوا حلفاء الأوس، وكانت ديارهم بضواحى المدينة‏.‏

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
*المرحلة الأولى: بناء مجتمع جديد :

قد أسلفنا أن نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في بني النجاركان يوم الجمعة ‏[‏12 ربيع الأول سنة 1 ه/ الموافق 27 سبتمبر سنة 622م‏]‏،وأنه نزل في أرض أمام دار أبي أيوب، وقال‏:‏ ‏(‏هاهنا المنزل إن شاءالله‏)‏، ثم انتقل إلى بيت أبي أيوب رضي الله عنه

*بناء المسجد النبوي :

وأول خطوة خطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك هو بناء المسجدالنبوي، واختار له المكان الذي بركت فيه ناقته صلى الله عليه وسلم،فاشتراه من غلامين يتيمين كانا يملكانه، وأسهم في بنائه بنفسه، فكان ينقلاللبِن والحجارة ويقول‏:‏

‏(‏اللهم لا عَيْشَ إلا عَيْشُ الآخرة ** فاغْفِرْ للأنصار والمُهَاجِرَة‏)‏

وكان يقول‏:‏

‏(‏هذا الحِمَالُ لا حِمَال خَيْبَر ** هذا أبَرُّ رَبَّنَا وأطْهَر‏)‏

وكان ذلك مما يزيد نشاط الصحابة في العمل، حتى إن أحدهم ليقول‏:‏

لئن قَعَدْنا والنبي يَعْمَل ** لذاك مِنَّا العَمَلُ المُضَلَّل

وكانت في ذلك المكان قبور للمشركين، وكان فيه خرب ونخل وشجرة من غَرْقَد،فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت، وبالخَرِبفسويت، وبالنخل والشجرة فقطعت، وصفت في قبلة المسجد، وكانت القبلة إلى بيتالمقدس، وجعلت عضادتاه من حجارة، وأقيمت حيطانه من اللبن والطين، وجعلسقفه من جريد النخل، وعُمُده الجذوع، وفرشت أرضه بالرمال والحصباء، وجعلتله ثلاثة أبواب، وطوله مما يلى القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، والجانبان مثلذلك أو دونه، وكان أساسه قريبًا من ثلاثة أذرع‏.‏

وبني بجانبه بيوتًا بالحجر واللبن، وسقفها بالجريد والجذوع، وهي حجراتأزواجه صلى الله عليه وسلم، وبعد تكامل الحجرات انتقل إليها من بيت أبيأيوب‏.‏

ولم يكن المسجد موضعًا لأداء الصلوات فحسب، بل كان جامعة يتلقى فيهاالمسلمون تعاليم الإسلام وتوجيهاته، ومنتدى تلتقى وتتآلف فيه العناصرالقبلية المختلفة التي طالما نافرت بينها النزعات الجاهلية وحروبها،وقاعدة لإدارة جميع الشئون وبث الانطلاقات، وبرلمان لعقد المجالسالاستشارية والتنفيذية‏.‏

وكان مع هذا كله دارًا يسكن فيها عدد كبير من فقراء المهاجرين اللاجئين الذين لم يكن لهم هناك دار ولا مال ولا أهل ولا بنون‏.‏

وفي أوائل الهجرة شرع الأذان، تلك النغمة العلوية التي تدوى في الآفاق،وتهز أرجاء الوجود، تعلن كل يوم خمس مرات بأن لا إله إلا الله وأن محمدًارسول الله، وتنفي كل كبرياء في الكون وكل دين في الوجود، إلا كبرياء الله،والدين الذي جاء به عبده محمد رسول الله‏.‏ وقد تشرف برؤيته في المنام أحدالصحابة الأخيار عبد الله بن زيد بن عبد ربه رضي الله عنه فأقره النبي صلىالله عليه وسلم وقد وافقت رؤياه رؤيا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأقرهالنبي صلى الله عليه وسلم، والقصة بكاملها مروية في كتب السنة والسيرة‏.‏

*المؤاخاة بين المسلمين :

ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بجانب قيامه ببناء المسجد‏:‏ مركز التجمعوالتآلف، قام بعمل آخر من أروع ما يأثره التاريخ، وهو عمل المؤاخاة بينالمهاجرين والأنصار، قال ابن القيم‏:‏ ثم أخي رسول الله صلى الله عليهوسلم بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلًا،نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار، أخي بينهم على المواساة،ويتوارثون بعد الموت دون ذوى الأرحام إلى حين وقعة بدر، فلما أنزل الله عزوجل‏:‏ ‏{‏وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ‏}‏‏[‏الأنفال‏:‏ 75‏]‏ رد التوارث إلى الرحم دون عقد الأخوة‏.‏

وقد قيل‏:‏ إنه أخي بين المهاجرين بعضهم مع بعض مؤاخاة ثانية‏.‏‏.‏‏.‏والثبت الأول، والمهاجرون كانوا مستغنين بأخوة الإسلام وأخوة الدار وقرابةالنسب عن عقد مؤاخاة فيما بينهم، بخلاف المهاجرين مع الأنصار‏.‏ اه‏.‏

ومعنى هذا الإخاء أن تذوب عصبيات الجاهلية، وتسقط فوارق النسب واللون والوطن، فلا يكون أساس الولاء والبراء إلا الإسلام‏.‏

وقد امتزجت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة وإسداء الخير في هذه الأخوة، وملأت المجتمع الجديد بأروع الأمثال‏.‏

روى البخاري‏:‏ أنهم لما قدموا المدينة أخي رسول الله صلى الله عليه وسلمبين عبد الرحمن وسعد ابن الربيع، فقال لعبد الرحمن‏:‏ إني أكثر الأنصارمالًا، فاقسم مالى نصفين، ولى امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي،أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال‏:‏ بارك الله لك في أهلك ومالك،وأين سوقكم‏؟‏ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقِطٍوسَمْنٍ، ثم تابع الغدو، ثم جاء يومًا وبه أثر صُفْرَة، فقال النبي صلىالله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏مَهْيَمْ‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ تزوجت‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏كم سقتإليها‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ نواة من ذهب‏.‏

وروى عن أبي هريرة قال‏:‏ قالت الأنصار للنبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ اقسمبيننا وبين إخواننا النخيل‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏لا‏)‏، فقالوا‏:‏ فتكفونا المؤنةونشرككم في الثمرة‏.‏ قالوا‏:‏ سمعنا وأطعنا‏.‏

وهذا يدلنا على ما كان عليه الأنصار من الحفاوة البالغة بإخوانهمالمهاجرين، ومن التضحية والإيثار والود والصفاء، وما كان عليه المهاجرونمن تقدير هذا الكرم حق قدره، فلم يستغلوه ولم ينالوا منه إلا بقدر ما يقيمأودهم‏.‏

وحقًا فقد كانت هذه المؤاخاة حكمةً فذةً، وسياسةً حكيمةً، وحلًا رشيدًالكثير من المشاكل التي كان يواجهها المسلمون، والتي أشرنا إليها‏.

*ميثاق التحالف الإسلامي :

وكما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعقد هذه المؤاخاة بين المؤمنين،قام بعقد معاهدة أزاح بها ما كان بينهم من حزازات في الجاهلية، وما كانواعليه من نزعات قبلية جائرة، واستطاع بفضلها إيجاد وحدة إسلامية شاملة‏.‏وفيما يلى بنودها ملخصًا‏:‏

هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم‏:‏

1 إنهم أمة واحدة من دون الناس‏.‏

2 المهاجرون من قريش على رِبْعَتِهم يتعاقلون بينهم، وهم يَفْدُونعَانِيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وكل قبيلة من الأنصار على ربعتهميتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بينالمؤمنين‏.‏

3 وإن المؤمنين لا يتركون مُفْرَحًا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل‏.‏

4 وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى دَسِيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين‏.‏

5 وإن أيديهم عليه جميعًا، ولو كان ولد أحدهم‏.‏

6 ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر‏.‏

7 ولا ينصر كافرًا على مؤمن‏.‏

8 وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم‏.‏

9 وإن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم‏.‏

10 وإن سلم المؤمنين واحدة؛ لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم‏.‏

11 وإن المؤمنين يبيء بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله‏.‏

12 وإنه لا يجير مشرك مالًا لقريش ولا نفسًا، ولا يحول دونه على مؤمن‏.‏

13 وإنه من اعتبط مؤمنًا قتلًا عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول‏.‏

14 وإن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه‏.‏

15 وإنه لا يحل لمؤمن أن ينصر محدثًا ولا يؤويه، وأنه من نصره أو آواه فإنعليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صَرْف ولا عَدْل‏.‏

16 وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء، فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد صلى الله عليه وسلم‏.

*أثر المعنويات في المجتمع :

بهذه الحكمة وبهذا التدبير أرسى رسول الله صلى الله عليه وسلم قواعد مجتمعجديد، كانت صورته الظاهرة بيانا وآثارًا للمعاني التي كان يتمتع بها أولئكالأمجاد بفضل صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليهوسلم يتعهدهم بالتعليم والتربية، وتزكية النفوس، والحث على مكارم الأخلاق،ويؤدبهم بآداب الود والإخاء والمجد والشرف والعبادة والطاعة‏.‏

سأله رجل‏:‏ أي الإسلام خير‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏تطعم الطعام، وتقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف‏)‏‏.‏

قال عبد الله بن سلام‏:‏ لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة جئت،فلما تبينت وجهه، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول ما قال‏:‏ ‏(‏ياأيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليلوالناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام‏)‏

وكان يقول‏:‏ ‏(‏لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه‏)‏

ويقول‏:‏ ‏(‏المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده‏)‏

ويقول‏:‏ ‏(‏لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه‏)‏

ويقول‏:‏ ‏(‏المؤمنون كرجل واحد، إن اشتكى عينه اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله‏)‏‏.‏

ويقول: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) ويقول: (لا تباغضوا، ولاتحاسدون، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجرأخاه فوق ثلاثة أيام). ويقول: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومنكان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنهكربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة) ويقول:(ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء). ويقول: (ليس المؤمن بالذي يشبعوجاره جائع إلى جانبه). ويقول: (سِباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر). وكانيجعل إماطة الأذى عن الطريق صدقة، ويعدها شعبة من شعب الإيمان . ويقول:(الصدقة تطفئ الخطايا كما يطفئ الماء النار). ويقول: (أيما مسلم كسامسلماً ثوباً على عُرى كساه الله من خُضر الجنة، وأيما مسلم أطعم مسلماًعلى جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلماً على ظمأ سقاهالله من الرحيم المختوم) ويقول: (اتقوا الناء ولو بشق تمرة، فإن لم تجدفبكلمة طيبة). وبجانب هذا كان يحث حثاً شديداً على الاستعفاف عن المسألة،ويذكر فضائل الصبر والقناعة، فكان يعد المسألة كدوحاً أو خدوشاً أو خموشاًفي وجه السائل اللهم إلا إذا كان مضطراً. كما كان يبين لهم ما في العباداتمن الفضائل والأجر والثواب عند الله، وكان يربطهم بالوحي النازل عليه منالمساء ربطاً مؤثقاً، فكان يقرؤه عليهم ويقرؤونه: لتكون هذه الدراسةإشعاراً بما عليهم من حقوق الدعوة وتبعات الرسلة، فضلاً عن ضرورة الفهموالتدبر. وهكذا هذب تفكيرهم، وربع معنوياتهم، وأيقظ مواهبهم، وزودهم بأعلىالقيم والأقدار، حتى وصولا إلى أعلى قمة من الكمال عرفت في تاريخ البشربعد الأنبياء. يقول عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: من كان مستنا فليستنبمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد صلى اللهعليه وسلم، كانوا أفضل هذه الأمة؛ وأبرها قلوباً، وأعمقها علما، وأقلهاتكلفاً، اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم،وابتعوهم على أثرهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانواعلى الهدى المستقيم. ثم إن هذا الرسول القائد الأعظم صلى الله عليه وسلمكان يتمتع من الصفات المعنوية والظاهرة، ومن الكمالات المواهب، والأمجادوالفضائل، ومكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال بما جعتله تهوى إليه الأفئدة،وتتفانى عليه النفوس، فما يتكلم بكلمة إلا ويبادر صحابته رضي الله عنهمإلى امتثالها، وما يصدر من إرشاد أو توجيه إلا ويتسابقون إلى العمل به.بمثل هذا استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يبني في المدينة مجتمعاًجديداً أروع وأشرف مجتمع عرفة التاريخ، وأن يضع لمشاكل هذا المجتمع حلاًتنفست له الإنسانية الصعداء، بعد أن كانت قد تعبت في غياهب الزمان ودياجيرالظلمات. وبمثل هذه المعنويات الشامخة تكاملت عناصر المجتمع الجديد الذيواجه كل تيارات الزمان حتى صرف وجهتها، وحول مجرى التاريخ والأيام.

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
*معاهدة مع اليهود :

بعد أن أرسى رسول الله صلى الله وعليه وسلم قواعد مجتمع جديد وأمة إسلاميةحديدة، بإقامة الوحدة العقدية والسياسية والنظامية بين المسلمين، بدأبتنظيم علاقاته بغير المسلمين، وكان قصده بذلك توفير الأمن والسلاموالسعادة الخير للبشرية جمعاء، مع تنظيم المنطقة في وفاق واحد، فسن في ذلكقوانين السماح والتجاوز التي لم تعهد في ذلك العالم الملئ بالتعصبوالأغراض الفردية والعرقية‏.‏

وأقرب من كان يجاور المدينة من غير المسلمين هم اليهود - كما أسلفنا - وهموإن كانوا يبطنون العداوة للمسلمين، لكن لم يكونوا أظهروا أية مقاومة أوخصومة بعد، فعقد معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم معاهدة قرر لهم فيهاالنصح والخير، وترك لهم فيها مطلق الحرية في الدين والمال، ولم يتجه إلىسياسة الإبعاد أو المصادرة والخصام‏.‏

وفيما يلى أهم بنود هذه المعاهدة‏:

*بنود المعاهدة :

- إن يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم، وكذلك لغير بنى عوف من اليهود‏.‏

2-وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم‏.‏

3- وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة‏.‏

4- وإن بينهم النصح والنصحية، والبر دون الإثم‏.‏

5- وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه‏.‏

6- وإن النصر للمظلوم‏.‏

7- وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين‏.‏

8-وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة‏.‏

9- وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مردهإلى الله عز وجل، وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

10- وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها‏.‏

11- وإن بينهم النصر على من دَهَم يثرب‏.‏‏.‏ على كل أناس حصتهم من جابنهم الذي قبلهم‏.‏

12- وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم‏.‏

وبإبرام هذه المعاهدة صارت المدينة وضواحيها دولة وفاقية، عاصمتهاالمدينة، ورئيسها إن صح هذا التعبير رسول الله صلى الله عليه وسلم،والكلمة النافذة والسلطان الغالب فيها للمسلمين‏.‏

ولتوسيع منطقة الأمن والسلام عاهد النبي صلى الله عليه وسلم قبائل أخرى فيالمستقبل بمثل هذه المعاهدة، حسب ما اقتضته الظروف، وسيأتي ذكر شيء عنها‏.

* الكفاح الدامي :

*استفزازات قريش واتصالهم بعبد الله بن أبي :

تقدم ما أدلى به كفار مكة من التنكيلات والويلات على المسلمين في مكة، ثمما أتوا به من الجرائم التي استحقوا لأجلها المصادرة والقتال، عند الهجرة،ثم إنهم لم يفيقوا من غيهم ولا امتنعوا عن عدوانهم بعدها، بل زادهم غيظاًأن فاتهم المسلمون ووجدوا مأمناً ومقراً بالمدنية، فكتبوا إلى عبد الله بنأبي سلول- وكان إذ ذاك مشركاً - بصفته رئيس الأنصار قبل الهجرة - فمعلواأنهم كانوا قد اتفقوا عليه، وكادوا يجعلونه ملكاً على أنفسهم لولا أن هاجررسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، وآمنوا به - كتبوا إليه وإلى أصحابهالمشركين، يقولون لهم في كلمات باتة‏:‏

إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو لتخرجنه، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم، ونستبيح نساءكم‏.‏

وبمجرد بلوغ هذا الكتاب قام عبد الله بن أبي ليمتثل أوامر إخوانه المشركينمن أهل مكة - وقد كان يحقد على النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ لما يراه أنهاستبله ملكه- يقول عبد الرحمن بن كعب‏:‏ فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي ومنكان معه من عبدة الأوثان اجتمعوا لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم،فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لقيهم، فقال‏:‏ ‏(‏لقد بلغ وعيدقريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر ما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم،تريدون أن تقالوا أبناءكم وإخوانكم‏)‏، فلما سمعوا ذلك من النبي صلى اللهعليه وسلم تفرقوا‏.‏

امتنع عبد الله بن أبي بن سلول عن القتال إذ ذلك، لما رأي خوراً أو رشداًفي أصحابه، ولكن يبدو من تصرفاته أنه كان متواطئاً مع قريش، فكان لا يجدفرصة إلا وينتهزها لإيقاع الشر بين المسلمين والمشركين، وكان يضم معهاليهود، ليعينوه على ذلك، ولكن تلك هي حكمة النبي صلى الله عليه وسلم التيكانت تطفئ نار شرهم حينا بعد حين‏.‏

*إعلان عزيمة الصد عن المسجد الحرام :

ثم أن سعد بن معاذ انطلق إلى مكة معتمراً، فنزل على أمية بن خلف بمكة،فقال لأمية‏:‏ انظر لي ساعة خلوة لعلي أن أطوف البيت، فخرج به قريباً مننصف النهار، فلقيهما أبو جهل، فقال‏:‏ يا أبا صفوان، من هذا معك‏؟‏فقال‏:‏ هذا سعد، فقال له أبو جهل‏:‏ ألا أراك تطوف بمكة آمناً وقد آويتمالصباة، وزعمتم أنكم تنصرونهم، وتعينونهم، أما والله لولا أنك مع أبيصفوان ما رجعت إلى أهلك سالماً، فقال له سعد - ورفع صوته عليه‏:‏ أماوالله لئن منعتني هذا لأمنعك ما هو أشد عليكم منه‏:‏ طريقك على أهلالمدينة‏.

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
قريش تهدد المهاجرين :



وكأن قريشاً كانت تعتزعلى شر أشد من هذا، وتفكر في القيام بنفهسا للقضاء على المسلمين، وخاصة على النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏



ولم يكن هذا مجرد وهم أو خيال، فقد تأكد لدى رسول الله صلى الله عليه وسلممن مكائد قريش وإرادتها على الشر ما كان لأجله لا يبيت إلا ساهراً، أو فيحرس من الصحابة‏.‏ روى الشيخان في صحيحيهما عن عائشة رضى الله عنهاقالت‏:‏ سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة ليلة فقال‏:‏‏(‏ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة‏)‏، قالت‏:‏ فبينما نحن كذلكسمعنا خشخشة سلاح، فقال‏:‏ ‏(‏من هذا ‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ سعد بن أبي وقاص، فقالله رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما جاء بك‏؟‏‏)‏ فقال‏:‏ وقع فينفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت أحرسه، فدعا له رسولالله صلى الله عليه وسلم، ثم نام‏.‏



ولم تكن هذه الحراسة مختصة ببعض الليالي، بل كان ذلك أمراً مستمراً، فقدروى عن عائشة قالت‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس ليلاً حتىنزل‏:‏ ‏{‏وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 67‏]‏،فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة، فقال‏:‏ ‏(‏يا أيهاالناس، انصرفوا عني فقد عصمني الله عز وجل‏)‏‏.‏



ولم يكن الخطر مقتصراً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كان يحدقبالمسلمين كافة، فقد روى أبي بن كعب، قال‏:‏ لما قدم رسول الله صلى اللهعليه وسلم وأصحابه المدينة، وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة،وكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا فيه‏.





*الإذان بالقتال :



في هذه الظروف الخطيرة التي كانت تهدد كيان المسلمين بالمدينة، وتنبئ عنقريش أنهم لا يفيقون عن غيهم ولا يمتنعون عن تمردهم بحال، أنزل الله تعالىالإذن بالقتال للمسلمين ولم يفرضه عليهم، قال تعالى‏:‏ ‏{‏أُذِنَلِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىنَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 39‏]‏‏.‏



وأنزل معه آيات بين لهم فيها أن هذا الإذن إنما هو لإزاحة الباطل وإقامةشعائر الله، قال تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِوَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏41‏]‏‏.‏



وكان الإذن مقتصراً على قتال قريش، ثم تطور فيما بعد مع تغير الظروف حتىوصل إلى مرحلة الوجوب، وجاوز قريشاً إلى غيرهم، ولا بأس أن نذكر تلكالمراحل بإيجاز قبل أن ندخل في ذكر الأحداث‏:‏



1- اعتبار مشركي قريش محاربين؛ لأنهم بدأوا بالعدوان، فحق للمسلمين أن يقاتلوهم ويصادروا أموالهم دون غيرهم من بقية مشركي العرب‏.‏



2- قتال كل من تمالأ من مشركي العرب مع قريش واتحد معهم، وكذلك كل من تفرد بالاعتداء على المسلمين من غير قريش‏.‏



3- قتال من خان أو تحيز للمشركين من اليهود الذين كان لهم عقد وميثاق معرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونبذ ميثاقهم إليهم على سواء‏.‏



4- قتال من بادأ بعداوة المسلمين من أهل الكتاب، كالنصارى، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون‏.‏



5- الكف عمن دخل في الإسلام، مشركاً كان أو يهودياً أو نصرانياً أو غيرذلك، فلا يتعرض لنفسه وماله إلا بحق الإسلام، وحسابه على الله‏.‏



ولما نزل الإذن بالقتال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبسط سيطرتهعلى الطريق الرئيس الذي تسلكه قريش من مكة إلى الشام في تجاراتهم، واختارلذلك خطتين‏:‏



الأولى‏:‏ عقد معاهدات الحلف أو عدم الاعتداء مع القبائل التي كانت مجاورةلهذا الطريق، أو كانت تقطن ما بين هذا الطريق وما بين المدينة، وقد عقدصلى الله عليه وسلم معاهدة مع جهينة قبل الأخذ في النشاط العسكري، وكانتمساكنهم على ثلاث مراحل من المدينة، كما عقد معاهدات أخرى أثناء دورياتهالعسكرية، وسيأتي ذكرها‏.‏



الثانية‏:‏ إرسال البعوث واحدة تلو الأخرى إلى هذا الطريق‏.


فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
*الغزوات والسيرايا قبل بدر :


ولتنفيذ هاتين الخطتين بدأ بالتحركات العسكرية فعلاً بعد نزول الإذنبالقتال وكانت أشبه بالدوريات الاستطلاعية، وكان المطلوب منها كماأشرنا‏:‏

الاستكشاف والتعرف على الطرق المحيطة بالمدينة، والمسالك المؤدية إلى مكة‏.‏

عقد المعاهدات مع القبائل التي مساكنها على هذه الطرق‏.‏

إشعار مشركي يثرب ويهودها وأعراب البادية الضاربين حولها بأن المسلمين أقوياء وأنهم تخلصوا من ضعفهم القديم‏.‏

إنذار قريش عُقبَى طيشها، حتى تفيق عن غَيها الذي لا يزال يتوغل فيأعماقها، وعلها تشعر بتفاقم الخطر على اقتصادها وأسباب معايشها فتجنح إلىالسلم، وتمتنع عن إرادة قتال المسلمين في عقر دارهم، وعن الصد عن سبيلالله، وعن تعذيب المستضعفين من المؤمنين في مكة، حتى يصير المسلمونأحراراً في إبلاغ رسالة الله في ربوع الجزيرة‏.‏


وفيما يلى أحوال هذه السرايا بالإيجاز‏:‏

1- سرية سيف البحر

في رمضان سنة 1 ه، الموافق مارس سنة 623م، أمر رسول الله صلى الله عليهوسلم على هذه السرية حمزة بن عبد المطلب، وبعثه في ثلاثين رجلاً منالمهاجرين يعترضون عيراً لقريش جاءت من الشام، وفيها أبو جهل بن هشام فيثلاثمائة رجل، فلبغوا سيف البحر من ناحية العيص، فالتقوا واصطفوا للقتال،فمشى مجدي بن عمرو الجني وكان حليفاً للفريقين جميعاً بين هؤلاء وهؤلاءحتى جحز بينهم فلم يقتتلوا‏.‏

وكان لواء حمزة أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبيض، وحمله أبو مرثد كَناز بن حصين الغَنَوي‏.‏


2-سرية رابغ‏:‏

في شوال سنة 1 من الهجرة، الموافق أبريل سنة 632م، بعث لها رسول الله صلىالله عليه وسلم عبيدة بن الحارث بن المطلب في ستين رجلاً من المهاجرين،فلقى أبا سفيان - وهو في مائتين - على بطن رابغ، وقد ترامي الفريقانبالنبل، ولم يقع قتال‏.‏

وفي هذه السرية انضم رجلان من جيش مكة إلى المسلمين، وهما المقداد بن عمروالبهراني، وعتبه بن غزوان المارني، وكانا مسلمين خرجا مع الكفار ليكون ذلكوسيلة للوصول إلى المسلمين، وكان لواء عبيدة أبيض، وحامله مسطح بن أثاثةبن المطلب بن عبد مناف‏.‏


3- سرية الخرار

في ذي العقدة سنة 1 ه، الموافق مايو سنة 623م، بعث لها رسول الله صلى اللهعليه وسلم سعد بن أبي وقاص في عشرين رجلا يعترضون عيراً لقريش، وعهد إليهإلا يجاوز الخرار، فخرجوا مشاة يكمنون بالنهار، ويسيرون بالليل، حتى بلغواالخرار صبيحة خمس، فوجدوا العير قد مرت بالأمس‏.‏

كان لواء سعد رضى الله عنه أبيض، وحمله المقداد بن عمرو‏.‏


4-غزة الأبواء أو ودان‏:‏

في صفر سنة 2 ه، الموافق أغسطس سنة 623م، خرج رسول الله صلى الله عليهوسلم فيها بنفسه في سبعين رجلاً من المهاجرين خاصة يعترض عيراً لقريش، حتىبلغ ودان، فلم يلق كيداً، واستخلف فيها على المدينة سعد بن عبادة رضى اللهعنه‏.‏

وفي هذه الغزوة عقد معاهدة حلف مع عمرو بن مخشى الضمري، وكان سيد بنى ضمرةفي زمانه، وهذا نص المعاهدة‏:‏ ‏(‏هذا كتاب من محمد رسول الله لبني ضمره،فإنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وإن لهم النصر على من رامهم إلا أنيحاربوا دين الله ن ما بل بحر صوفة وأن النبي إذا دعاهم لنصرهأجابوه‏)‏‏.‏

وهذه أول غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت غيبته خمس عشرة ليلة، وكان اللواء أبيض وحامله حمزة بن عبد المطلب‏.‏


5- غزوة بواط‏:‏

في شهر ربيع الأول سنة 2 ه الموافق سبتمبر سنة 623م، خرج فيها رسول اللهصلى الله عليه وسلم في مائتين من أصحابه، يعترض عيراً لقريش فيها أمية بنخلف الجمحي ومائة رجل من قريش، وألفان وخمسمئة بعير، فبلغ بواطا من ناحيةرضوى ولم يلق كيدا‏.‏

واستخلف في هذه الغزوة على المدينة سعد بن معاذ، واللواء كان أبيض، وحامله سعد بن أبي وقاص رضى الله عنه‏.‏


6-غزوة سفوان

في شهر ربيع الول سنة 2 ه، الموافق سبتمبر سنة 623م، أغار كرز بن جابرالفهري في قوات خفيفة من المشركين على مراعي المدينة، ونهب بعض المواشيفخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلاً من أصحابه لمطارته، حتىبلغ وادياً يقال له‏:‏ سفوان من ناحية بدر، ولكنه لم يدرك كرزاً وأصحابه،فرجع من دون حرب، وهذه الغزوة تسمى بغزوة بدر الأولى‏.‏

واستخلف في هذه الغزوة على المدينة زيد بن حارثة، وكان اللواء أبيض، وحامله علي بن أبي طالب‏.‏


7- غزوة ذي العشيرة‏:‏

في جمادى الأولى، وجمادى الآخرة سنة 2 ه، الموافق نوفمبر وديسمبر سنة623ه، خرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم في خمسين ومائة ويقال‏:‏ فيمائتين، من المهاجرين، ولم يكره أحداً على الخروج، وخرجوا على ثلاثينبعيراً يعتقبونها، يعترضون عيراً لقريش، ذاهبة إلى الشام، وقد جاء الخبربفصولها من مكة، فيها أموال لقريش فبلغ ذا العشيرة، فوجد العير قد فاتتهبأيام، وهذه هي العير التي خرج في طلبها حين رجعت من الشام، فصارت سبباًلغزوة بدر الكبرى‏.‏

وكان خروجه صلى الله عليه وسلم في أواخر جمادى الأولى، ورجوعه في أوائلجمادى الآخرة، على ما قاله ابن إسحاق، ولعل هذه هو سبب اختلاف أهل السيرفي تعيين شهر هذه الغزوة‏.‏

وفي هذه الغزوة عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم معاهدة عدم اعتداء مع بنى مدلج وحلفائهم من بنى ضمرة‏.‏

واستخلف على المدينة في هذه الغزوة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وكان اللواء أبيض، وحامله حمزة بن عبد الملطب رضي الله عنه‏.‏


8- سرية نخلة‏:‏

في رجب سنة 2 ه، الموافق يناير سنة 624م، بعث رسول الله صلى الله عليهوسلم كتب له كتاباً، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه‏.‏فسار عبد الله ثم قرأ الكتاب بعد يومين، فإذا فيه‏:‏ ‏(‏إذا نظرت في كتابيهذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكلة والطائف، فترصد بها عير قريش وتعلم لنامن أخبارهم‏)‏‏.‏ فقال‏:‏ سمعاً وطاعة، وأخبر أصحابه بذلك، وأنه لايستكرههم، فمن أحب الشهادة فلينهض، ومن كره الموت فليرجع، وأما أنا فناهض،فنهضوا كلهم، غير أنه لما كان في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص وعتبةبن غزوان بعيراً لهما كانا يعتقبانه، فتخلفا في طلبه‏.‏

وسار عبد الله بن جحش حتى نزل بنخلة، فمرت عير لقريش تحمل زبيباً وأدماًوتجارة، وفيها عمرو بن الخضرمي، وعثمان ونوفل ابنا عبد الله بن المغيرة،والحكم ابن كيسان مولى بني المغيرة‏.‏ فتشاور المسلمون وقالوا‏:‏ نحن فيآخر يوم من رجب الشهر الحرام، فإن قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام، وإنتركناهم الليلة دخلوا الحرم، ثم اجتمعوا على اللقاء، فرمى أحدهم عمرو بنالحضرمي فقتله، وأسروا عثمان والحكم وأفلت نوفل، ثم قدموا بالعيروالأسيرين إلى المدينة، وقد عزلوا من ذلك الخمس، وهو أو خمس كان فيالإسلام، وأول قتيل في الإسلام، وأول أسيرين في الإسلام‏.‏

وأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعلوه، وقال‏:‏ ‏(‏ما أمرتكم بقتالفي الشهر الحرام‏)‏ وتوقف عن التصرف في العير والأسيرين‏.‏

ووجد المشركون فيما حدث فرصة لاتهام المسلمين بأنهم قد أحلوا ما حرم الله،وكثر في ذلك القيل والقال، حتى نزل الوحي حاسماً هذه الأقاويل وأن ما عليهالمشروكون أكبر وأعظم مما ارتكبه المسلمون‏:‏ ‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِالشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّعَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُأَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَالْقَتْلِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 217‏]‏‏.‏

فقد صرح هذا الوحي بأن الضجة التي افتعلها المشركون لإثارة الريبة في سيرةالمقاتلين المسلمين لا مساغ لها، فإن الحرمات المقدسة قد انتهكت كلها فيمحاربة الإسلام، واضطهاد أهله، ألم يكن المسلمون مقيمين بالبلد الحرام حينتقرر سلب أموالهم وقتل نبيهم‏؟‏ فما الذي أعاد لهذه الحرمات قداستها فجأة،فأصبح انتهاكها معرة وشناعة‏؟‏ لا جرم أن الدعاية التي أخذ ينشرهاالمشركون دعاية تبتني على وقاحة ودعارة‏.‏

وبعد ذلك أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم سراح الأسيرين، ‏,‏أدى دية المقتول إلى أوليائه‏.‏

تلكم السرايا والغزوات قبل بدر، لم يجر في احد منها سلب الأموال وقتلالرجال إلا بعد ما ارتكبه المشركون في قيادة كرز بن جابر الفهري، فالبدايةإنما هي من المشركين مع ما كانوا قد أتوه قبل ذلك من الأفاعيل‏.‏

وبعد وقوع ما وقع في سرية عبد الله بن جحش تحقق خوف المشركين وتجسد أمامهمالخطر الحقيقي، ووقعوا فيما كانوا يخشون الوقوع فيه، وعلموا أن المدينة فيغاية من التيقظ والتربص، تترقب كل حركة من حركاتهم التجارية، وأن المسلمينيستطيعون أن يزحفوا إلى ثلاثمائة ميل تقريباً، ثم يقلتوا ويأسروا رجالهم،ويأخذوا أموالهم، ويرجعوا سالمين غانمين، وشعر هؤلاء المشركون بأن تجارتهمإلى الشام أمام خطر دائم، لكنهم بدل أن يفيقوا عن غيهم، ويأخذوا طريقالصلاح والموادعة - كما فعلت جهينة وبنو ضمرة ازدادوا حقداً وعيظاً، وصممصناديدهم وكبراؤهم على ما كانوا يوعدون ويهددون به من قبل‏:‏ من إبادةالمسلمين في عقر دارهم، وهذا هو الطيش الذي جاء بهم إلى بدر‏.‏

أما المسلمون فقد فرض الله عليهم القتال بعد وقعة سرية عبد الله بن جحش فيشهر شعبان سنة 2 ه، وأنزل في ذلك آيات بينات‏:‏ ‏{‏وَقَاتِلُواْ فِيسَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّاللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْوَأَخْرِجُ وهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَالْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىيُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءالْكَافِرِينَ فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌوَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِفَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ‏}‏‏[‏البقرة‏:‏190‏:‏ 193‏]‏‏.‏

ثم لم يلبث أن أنزل الله تعالى عليهم آيات من نوع آخر، يعلمهم فيها طريقةالقتال، ويحثهم عليه، ويبين لهم بعض أحكامه‏:‏ ‏{‏فَإِذا لَقِيتُمُالَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْفَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّىتَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَمِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوافِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْوَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْوَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 4‏:‏ 7‏]‏‏.‏

ثم ذم الله الذين طفقت أفئدتهم ترجف وتخفق حين سمعوا الأمر بالقتال‏:‏‏{‏فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُرَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَالْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 20‏]‏‏.‏

وإيجاب القتال والحض عليه، والأمر بالاستعداد له هو عين ما كانت تقتضيهالأحوال، ولو كان هناك قائد يسبر أغوار الظروف لأمر جنده بالاستعداد لجميعالطورائ، فكيف بالرب العليم المتعال، فالظروف كانت تقتضى عراكاً دامياًبين الحق والباطل، وكانت وقعة سرية عبد الله بن جحش ضربة قاسية على غيرةالمشركين وحميتهم، آلمتهم وتركتهم يتقلبون على مثل الجمر‏.‏

وآيات الأمر بالقتال تدل بفحواها على قرب العراك الدامي، وأن النصروالغلبة فيه للمسلمين نهائيا، انظر كيف يأمر الله المسلمين بإخراجالمشركين من حيث أخرجوهم، وكيف يعلمهم أحكام الجند المتغلب في الأساريوالإثخان في الأرض حتى تضع الحرب أوزارها، هذه كلها إشارة إلى غلبةالمسلمين نهائياً‏.‏ ولكن ترك كل ذلك مستوراً حتى يأتي كل رجل بما فيه منالتحمس في سبيل الله‏.‏

وفي هذه الأيام - في شعبان سنة 2 ه / فبراير 624م - أمر الله تعالى بتحويلالقبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام، وأفاد ذلك أن الضعفاء والمنافقينمن اليهود الذين كانوا قد خلوا صفوف المسلمين لإثارة البلبلة، انكشفوا عنالمسلمين ورجعوا إلى ما كانوا عليه، وهكذا تطهرت صفوف المسلمين عن كثير منأهل الغدر والخيانة‏.‏

ولعل في تحويل القبلة إشارة لطيفة إلى بداية دور جديد لا ينتهي إلى بعداحتلال المسلمين هذه القبلة، أو ليس من العجب أن تكون قبلة قوم بيدأعدائهم، وإن كانت بأيديهم فعلا فلابد من تخليصها يوما ما إن كانوا علىالحق‏.‏

وبهده الأوامر والإشارات زاد نشاط المسلمين، واشتد شوقهم إلى الجهاد في سبيل الله، ولقاء العدو في معركة فاصلة لإعلاء كلمة الله‏.

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
الساعة الآن 11:54 PM.