منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


مميز السيرة النبوية (( كاملة ))

مميز فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع
(السيرة النبوية) كامله بدءاً من مولده وحتى وفاته صلى الله عليه وسلم





بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدي ودين الحق ليظهره على الدين كله، فجعلهشاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وجعل فيهأسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا‏.‏ اللهم صلوسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وفجّرلهم ينابيع الرحمة والرضوان تفجيرا‏.
وبعد:-

فسوف أقوم إن شاء الله بعرض السيرة النبوية كامله من مولده وحتى لحوقهبالرفيق الأعلى صلى الله عليه وسلم مستخرج تلك الأحداث والروايات من كتبالسيرة ‏ النبوي


فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
*موقف المشركين من رسول الله صلى الله عليه وسلم :

وأما بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه صلى الله عليه وسلم كانرجلًا شهمًا وقورًا ذا شخصية فذة، تتعاظمه نفوس الأعداء والأصدقاء بحيث لايقابل مثله إلا بالإجلال والتشريف، ولا يجترئ على اقتراف الدنايا والرذائلضده إلا أراذل الناس وسفهاؤهم، ومع ذلك كان في منعة أبي طالب، وأبو طالبمن رجال مكة المعدودين، كان معظمًا في أصله، معظمًا بين الناس، فكان منالصعب أن يجسر أحد على إخفار ذمته واستباحة بيضته، إن هذا الوضع أقلققريشًا وأقامهم وأقعدهم، ودعاهم إلى تفكير سليم يخرجهم من المأزق دون أنيقعوا في محذور لا يحمد عقباه، وقد هداهم ذلك إلى أن يختاروا سبيلالمفاوضات مع المسئول الأكبر‏:‏ أبي طالب، ولكن مع شيء كبير من الحكمةوالجدية، ومع نوع من أسلوب التحدي والتهديد الخفي حتى يذعن لما يقولون‏.

*وفد قريش إلى أبي طالب :

قال ابن إسحاق‏:‏ مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب، فقالوا‏:‏ يا أباطالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسَفَّه أحلامنا، وضللآباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلى بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحنعليه من خلافه، فنكفيكه، فقال لهم أبو طالب قولًا رقيقًا وردهم ردًاجميلًا، فانصرفوا عنه، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه،يظهر دين الله ويدعو إليه‏.‏ ولكن لم تصبر قريش طويلًا حين رأته صلى اللهعليه وسلم ماضيًا في عمله ودعوته إلى الله، بل أكثرت ذكره وتذامرت فيه،حتى قررت مراجعة أبي طالب بأسلوب أغلظ وأقسى من السابق‏.

*قريش يهددون أبا طالب :

وجاءت سادات قريش إلى أبي طالب فقالوا له‏:‏ يا أبا طالب، إن لك سنًاوشرفًا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإناوالله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتىتكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين‏.‏

عَظُم على أبي طالب هذا الوعيد والتهديد الشديد، فبعث إلى رسول الله صلىالله عليه وسلم وقال له‏:‏ يا بن أخي، إن قومك قد جاءونى فقالوا لي كذاوكذا، فأبق عليَّ وعلى نفسك، ولا تحملنى من الأمر ما لا أطيق، فظن رسولالله صلى الله عليه وسلم أن عمه خاذله، وأنه ضعُف عن نصرته، فقال‏:‏ ‏(‏ياعم، والله لو وضعوا الشمس في يمينى والقمر في يسارى على أن أترك هذا الأمرحتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته‏)‏، ثم استعبر وبكى، وقام، فلما ولىناداه أبو طالب، فلما أقبل قال له‏:‏ اذهب يا بن أخي، فقل ما أحببت، فوالله لا أُسْلِمُك لشىء أبدًا وأنشد‏:‏

والله لن يصلوا إليك بجَمْعِهِم ** حتى أُوَسَّدَ في التراب دفينًا

فاصدع بأمرك ما عليك غَضَاضَة ** وابْشِرْ وقَرَّ بذاك منك عيونًا

وذلك في أبيات‏.‏

*قريش بين يدى أبي طالب مرة أخرى :

ولما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ماض في عمله عرفت أن أباطالب قد أبي خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه مجمع لفراقهموعداوتهم في ذلك، فذهبوا إليه بعمارة ابن الوليد بن المغيرة وقالوا له‏:‏يا أبا طالب، إن هذا الفتى أنْهَدَ فتى في قريش وأجمله، فخذه فلك عقلهونصره، واتخذه ولدًا فهو لك، وأسْلِمْ إلينا ابن أخيك هذا الذي خالف دينكودين آبائك، وفرق جماعة قومك، وسفه أحلامهم، فنقتله، فإنما هو رجل برجل،فقال‏:‏ والله لبئس ما تسومونني، أتعطوني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابنيتقتلونه‏؟‏ هذا والله ما لا يكون أبدًا‏.‏ فقال المطعم بن عدى بن نوفل ابنعبد مناف‏:‏ والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلص مماتكره، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئًا، فقال‏:‏ والله ما أنصفتموني،ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علىّ، فاصنع ما بدا لك‏.‏

ولما فشلت قريش في هذه المفاوضات، ولم توفق في إقناع أبي طالب بمنع رسولالله صلى الله عليه وسلم وكفه عن الدعوة إلى الله، قررت أن يختار سبيلا قدحاولت تجنبه والابتعاد منه مخافة مغبته وما يؤول إليه، وهو سبيل الاعتداءعلى ذات الرسول صلى الله عليه وسلم‏.

*اعتداءات على رسول الله صلى الله عليه وسلم :

واخترقت قريش ما كانت تتعاظمه وتحترمه منذ ظهرت الدعوة على الساحة، فقدصعب على غطرستها وكبريائها أن تصبر طويلًا، فمدت يد الاعتداء إلى رسولالله صلى الله عليه وسلم، مع ما كانت تأتيه من السخرية والاستهزاءوالتشوية والتلبيس والتشويش وغير ذلك‏.‏ وكان من الطبيعى أن يكون أبو لهبفي مقدمتهم وعلى رأسهم، فإنه كان أحد رؤوس بني هاشم، فلم يكن يخشى مايخشاه الآخرون، وكان عدوًا لدودًا للإسلام وأهله، وقد وقف موقف العداء منرسول الله صلى الله عليه وسلم منذ اليوم الأول، واعتدى عليه قبل أن تفكرفيه قريش، وقد أسلفنا ما فعل بالنبي صلى الله عليه وسلم في مجلس بني هاشم،وما فعل على الصفا‏.‏

وكان أبو لهب قد زوج ولديه عتبة وعتيبة ببنتى رسول الله صلى الله عليهوسلم رقية وأم كلثوم قبل البعثة، فلما كانت البعثة أمرهما بتطليقهما بعنفوشدة حتى طلقاهما‏.‏

ولما مات عبد الله الابن الثاني لرسول الله صلى الله عليه وسلم استبشر أبو لهب وذهب إلى المشركين يبشرهم بأن محمدًا صار أبتر‏.‏

وقد أسلفنا أن أبا لهب كان يجول خلف النبي صلى الله عليه وسلم في موسمالحج والأسواق لتكذيبه، وقد روى طارق بن عبد الله المحاربى ما يفيد أنهكان لا يقتصر على التكذيب بل كان يضربه بالحجر حتى يدمى عقباه‏.‏

وكانت امرأة أبي لهب أم جميل أروى بنت حرب بن أمية، أخت أبي سفيان لا تقلعن زوجها في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كانت تحمل الشوك، وتضعهفي طريق النبي صلى الله عليه وسلم وعلى بابه ليلًا، وكانت امرأة سليطةتبسط فيه لسانها، وتطيل عليه الافتراء والدس، وتؤجج نار الفتنة، وتثيرحربًا شعواء على النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك وصفها القرآن بحمالةالحطب‏.‏

ولما سمعت ما نزل فيها وفي زوجها من القرآن أتت رسول الله صلى الله عليهوسلم وهو جالس في المسجد عند الكعبة، ومعه أبو بكر الصديق وفي يدها فِهْرٌ‏[‏أي بمقدار ملء الكف‏]‏ من حجارة، فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عنرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا ترى إلا أبا بكر، فقالت‏:‏ يا أبا بكر،أين صاحبك‏؟‏ قد بلغنى أنه يهجونى، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه،أما والله إني لشاعرة‏.‏ ثم قالت‏:‏

مُذَمَّما عصينا * وأمره أبينا * ودينه قَلَيْنا

ثم انصرفت، فقال أبو بكر‏:‏ يا رسول الله، أما تراها رأتك‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏ما رأتنى، لقد أخذ الله ببصرها عني‏)‏‏.‏

وروى أبو بكر البزار هذه القصة، وفيها‏:‏ أنها لما وقفت على أبي بكرقالت‏:‏ أبا بكر، هجانا صاحبك، فقال أبو بكر‏:‏ لا ورب هذه البنية، ماينطق بالشعر ولا يتفوه به، فقالت‏:‏ إنك لمُصدَّق‏.‏

كان أبو لهب يفعل كل ذلك وهو عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاره، كانبيته ملصقا ببيته، كما كان غيره من جيران رسول الله صلى الله عليه وسلميؤذونه وهو في بيته‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ كان النفر الذين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيبيته أبا لهب، والحكم بن أبي العاص بن أمية، وعقبة بن أبي معيط، وعدى بنحمراء الثقفي، وابن الأصداء الهذلى وكانوا جيرانه لم يسلم منهم أحد إلاالحكم بن أبي العاص، فكان أحدهم يطرح عليه صلى الله عليه وسلم رحم الشاةوهو يصلى، وكان أحدهم يطرحها في برمته إذا نصبت له، حتى اتخذ رسول اللهصلى الله عليه وسلم حجرًا ليستتر به منهم إذا صلى فكان رسول الله صلى اللهعليه وسلم إذا طرحوا عليه ذلك الأذى يخرج به على العود، فيقف به على بابه،ثم يقول‏:‏ ‏(‏يا بني عبد مناف، أي جوار هذا‏؟‏‏)‏ ثم يلقيه في الطريق‏.‏

وازداد عقبة بن أبي مُعَيْط في شقاوته وخبثه، فقد روى البخاري عن عبد اللهبن مسعود رضي الله عنه‏:‏أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلى عند البيت،وأبو جهل وأصحاب له جلوس؛ إذ قال بعضهم لبعض‏:‏ أيكم يجىء بسَلاَ جَزُوربني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد، فانبعث أشقى القوم ‏[‏وهو عقبة بنأبي معيط‏]‏ فجاء به فنظر، حتى إذا سجد النبي وضع على ظهره بين كتفيه،وأنا أنظر، لا أغنى شيئًا، لو كانت لي منعة، قال‏:‏ فجعلوا يضحكون، ويحيلبعضهم على بعضهم ‏[‏أي يتمايل بعضهم على بعض مرحًا وبطرًا‏]‏ ورسول اللهصلى الله عليه وسلم ساجد، لا يرفع رأسه، حتى جاءته فاطمة، فطرحته عن ظهره،فرفع رأسه، ثم قال‏:‏ ‏[‏اللهم عليك بقريش‏]‏ ثلاث مرات، فشق ذلك عليهم إذدعا عليهم، قال‏:‏ وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة، ثم سمى‏:‏‏(‏اللّهم عليك بأبي جهل، وعليك بعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليدبن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط‏)‏ وعد السابع فلم نحفظه فوالذينفسى بيده لقد رأيت الذين عدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صرعى فيالقَلِيب، قليب بدر‏.‏

وكان أمية بن خلف إذا رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم همزه ولمزه‏.‏وفيه نزل‏:‏ ‏{‏وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ‏}‏ ‏[‏سورةالهمزة‏:‏1]‏ قال ابن هشام‏:‏ الهمزة‏:‏ الذي يشتم الرجل علانية، ويكسرعينيه، ويغمز به‏.‏ واللمزة‏:‏ الذي يعيب الناس سرًا، ويؤذيهم‏.‏

أما أخوه أبي بن خلف فكان هو وعقبة بن أبي معيط متصافيين‏.‏ وجلس عقبة مرةإلى النبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه، فلما بلغ ذلك أبيًا أنبه وعاتبه،وطلب منه أن يتفل في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل، وأبي بن خلفنفسه فت عظمًا رميمًا ثم نفخه في الريح نحو رسول الله صلى الله عليهوسلم‏.‏

وكان الأخنس بن شَرِيق الثقفي ممن ينال من رسول الله صلى الله عليه وسلموقد وصفه القرآن بتسع صفات تدل على ما كان عليه، وهي في قوله تعالى‏:‏‏{‏وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍمَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ‏}‏‏[‏القلم‏:‏10‏:‏ 13‏]‏‏.‏

وكان أبو جهل يجىء أحيانًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع منهالقرآن، ثم يذهب عنه فلا يؤمن ولا يطيع، ولا يتأدب ولا يخشى، ويؤذى رسولالله صلى الله عليه وسلم بالقول، ويصد عن سبيل الله، ثم يذهب مختالًا بمافعل، فخورًا بما ارتكب من الشر، كأن ما فعل شيئًا يذكر، وفيه نزل‏:‏‏{‏فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى‏}‏ ‏[‏القيامة‏:‏31‏]‏، وكان يمنع النبيصلى الله عليه وسلم عن الصلاة منذ أول يوم رآه يصلى في الحرم، ومرة مر بهوهو يصلى عند المقام فقال‏:‏ يا محمد، ألم أنهك عن هذا، وتوعده، فأغلظ لهرسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهره، فقال‏:‏ يا محمد، بأي شىءتهددنى‏؟‏ أما والله إني لأكثر هذا الوادى ناديًا‏.‏ فأنزل الله‏{‏فَلْيَدْعُ نَادِيَه سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏17،18‏]‏‏.‏ وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بخناقه وهزه، وهويقول له‏:‏‏{‏أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى‏}‏‏[‏القيامة‏:‏34، 35‏]‏ فقال عدو الله‏:‏ أتوعدنى يا محمد‏؟‏ والله لاتستطيع أنت ولا ربك شيئًا، وإني لأعز من مشى بين جبليها‏.‏

ولم يكن أبو جهل ليفيق من غباوته بعد هذا الانتهار، بل ازداد شقاوة فيمابعد‏.‏ أخرج مسلم عن أبي هريرة قال‏:‏ قال أبو جهل‏:‏ يعفر محمد وجهه بينأظهركم‏؟‏ فقيل‏:‏ نعم، فقال‏:‏ واللات والعزى، لئن رأيته لأطأن علىرقبته، ولأعفرن وجهه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلى، زعمليطأ رقبته، فما فجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقى بيديه، فقالوا‏:‏ مالك يا أبا الحكم‏؟‏ قال‏:‏ إن بينى وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحةً،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لو دنا منى لاختطفته الملائكةعضوًا عضوًا‏)‏‏.‏

هذه صورة مصغرة جدًا لما كان يتلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلموالمسلمون من الظلم والخسف والجور على أيدى طغاة المشركين، الذين كانوايزعمون أنهم أهل الله وسكان حرمه‏.‏

وكان من مقتضيات هذه الظروف المتأزمة أن يختار رسول الله صلى الله عليهوسلم موقفًا حازمًا ينقذ به المسلمين عما دهمهم من البلاء، ويخفف وطأتهبقدر المستطاع، وقد اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خطوتين حكيمتين كانلهما أثرهما في تسيير الدعوة وتحقيق الهدف، وهما‏:‏

1 اختيار دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومى مركزا للدعوة ومقرًا للتربية‏.‏

2 أمر المسلمين بالهجرة إلى الحبشة‏.

*دار الأرقم :

كانت هذه الدار في أصل الصفا، بعيدة عن أعين الطغاة ومجالسهم، فاختارهارسول الله صلى الله عليه وسلم ليجتمع فيها بالمسلمين سرًا، فيتلو عليهمآيات الله ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة؛ وليؤدى المسلمون عبادتهموأعمالهم، ويتلقوا ما أنزل الله على رسوله وهم في أمن وسلام، وليدخل منيدخل في الإسلام ولا يعلم به الطغاة من أصحاب السطوة والنقمة‏.‏

ومما لم يكن يشك فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو اجتمع بالمسلمينعلنا لحاول المشركون بكل ما عندهم من القسوة والغلظة أن يحولوا بينه وبينما يريد من تزكية نفوسهم ومن تعليمهم الكتاب والحكمة، وربما أفضى ذلك إلىمصادمة الفريقين، بل قد وقع ذلك فعلًا‏.‏ فقد ذكر ابن إسحاق أن أصحاب رسولالله صلى الله عليه وسلم كانوا يجتمعون في الشعاب، فيصلون فيها سرًا،فرآهم نفر من كفار قريش، فسبوهم وقاتلوهم، فضرب سعد بن أبي وقاص رجلًافسال دمه، وكان أول دم هريق في الإسلام‏.‏

ومعلوم أن المصادمة لو تعددت وطالت لأفضت إلى تدمير المسلمين وإبادتهم،فكان من الحكمة السريةُ والاختفاء، فكان عامة الصحابة يُخْفُون إسلامهموعبادتهم واجتماعهم، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يجهر بالدعوةوالعبادة بين ظهرإني المشركين، لا يصرفه عن ذلك شىء، ولكن كان يجتمع معالمسلمين سرًا؛ نظرًا لصالحهم وصالح الإسلام‏.‏

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
*الهجرة الأولى إلى الحبشة :

كانت بداية الاعتداءات في أواسط أو أواخر السنة الرابعة من النبوة، بدأتضعيفة، ثم لم تزل تشتد يومًا فيومًا وشهرًا فشهرا، حتى تفاقمت في أواسطالسنة الخامسة، ونبا بهم المقام في مكة، وأخذوا يفكرون في حيلة تنجيهم منهذا العذاب الأليم، وفي هذه الظروف نزلت سورة الزمر تشير إلى اتخاذ سبيلالهجرة، وتعلن بأن أرض الله ليست بضيقة ‏{‏لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِيهَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّىالصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏10]‏‏.‏

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علم أن أصْحَمَة النجاشى ملك الحبشةملك عادل، لا يظلم عنده أحد، فأمر المسلمين أن يهاجروا إلى الحبشة فرارًابدينهم من الفتن‏.‏

وفي رجب سنة خمس من النبوة هاجر أول فوج من الصحابة إلى الحبشة‏.‏ كانمكونًا من اثنى عشر رجلًا وأربع نسوة، رئيسهم عثمان بن عفان، ومعه زوجتهرقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلمفيهما‏:‏ ‏(‏إنهما أول بيت هاجر في سبيل الله بعد إبراهيم ولوط عليهماالسلام‏)‏

كان رحيل هؤلاء تسللًا في ظلمة الليل حتى لا تفطن لهم قريش خرجوا إلىالبحر ويمموا ميناء شعيبة، وقيضت لهم الأقدار سفينتين تجاريتين أبحرتا بهمإلى الحبشة، وفطنت لهم قريش، فخرجت في آثارهم، لكن لما بلغت إلى الشاطئكانوا قد انطلقوا آمنين، وأقام المسلمون في الحبشة في أحسن جوار‏.

*سجود المشركين مع المسلمين وعودة المهاجرين :

وفي رمضان من نفس السنة خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحرم، وفيه جمعكبير من قريش، فيهم ساداتهم وكبراؤهم، فقام فيهم، وفاجأهم بتلاوة سورةالنجم، ولم يكن أولئك الكفار سمعوا كلام الله من قبل؛ لأنهم كانوا مستمرينعلى ما تواصى به بعضهم بعضًا،من قولهم‏:‏ ‏{‏لَا تَسْمَعُوا لِهَذَاالْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏26]‏فلما باغتهم بتلاوة هذه السورة، وقرع آذانهم كلام إلهي خلاب، وكان أروعكلام سمعوه قط، أخذ مشاعرهم، ونسوا ما كانوا فيه فما من أحد إلا وهو مصغإليه، لا يخطر بباله شىء سواه، حتى إذا تلا في خواتيم هذه السورة قوارعتطير لها القلوب، ثم قرأ‏:‏ ‏{‏فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا‏}‏‏[‏النجم‏:‏62‏]‏ ثم سجد، لم يتمالك أحد نفسه حتى خر ساجدًا‏.‏ وفيالحقيقة كانت روعة الحق قد صدعت العناد في نفوس المستكبرين والمستهزئين،فما تمالكوا أن يخروا لله ساجدين‏.‏

وسَقَطَ في أيديهم لما أحسوا أن جلال كلام الله لَوَّى زمامهم، فارتكبواعين ما كانوا يبذلون قصارى جهدهم في محوه وإفنائه، وقد توالى عليهم اللوموالعتاب من كل جانب، ممن لم يحضر هذا المشهد من المشركين، وعند ذلك كذبواعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وافتروا عليه أنه عطف على أصنامهم بكلمةتقدير، وأنه قال عنها ما كانوا يرددونه هم دائما من قولهم‏:‏ ‏(‏تلكالغرانيق العلى، وإن شفاعتهم لترتجى‏)‏، جاءوا بهذا الإفك المبين ليعتذرواعن سجودهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، وليس يستغرب هذا من قوم كانوايألفون الكذب، ويطيلون الدس والافتراء‏.‏

وبلغ هذا الخبر إلى مهاجري الحبشة، ولكن في صورة تختلف تمامًا عن صورتهالحقيقية، بلغهم أن قريشًا أسلمت، فرجعوا إلى مكة في شوال من نفس السنة،فلما كانوا دون مكة ساعة من نهار وعرفوا جلية الأمر رجع منهم من رجع إلىالحبشة، ولم يدخل في مكة من سائرهم أحد إلا مستخفيًا، أو في جوار رجل منقريش‏.‏

ثم اشتد عليهم وعلى المسلمين البلاء والعذاب من قريش، وسطت بهم عشائرهم،فقد كان صعب على قريش ما بلغها عن النجاشي من حسن الجوار، ولم ير رسولالله صلى الله عليه وسلم بدا من أن يشير على أصحابه بالهجرة إلى الحبشةمرة أخرى‏.‏

*الهجرة الثانية إلى الحبشة :

واستعد المسلمون للهجرة مرة أخرى، وعلى نطاق أوسع، ولكن كانت هذه الهجرةالثانية أشق من سابقتها، فقد تيقظت لها قريش وقررت إحباطها، بيد أنالمسلمين كانوا أسرع، ويسر الله لهم السفر، فانحازوا إلى نجاشي الحبشة قبلأن يدركوا‏.‏

وفي هذه المرة هاجر من الرجال ثلاثة وثمانون رجلًا إن كان فيهم عمار، فإنه يشك فيه، وثماني عشرة أوتسع عشرة امرأة‏.

*مكيدة قريش بمهاجري الحبشة :

عز على المشركين أن يجد المهاجرون مأمنا لأنفسهم ودينهم، فاختاروا رجلينجلدين لبيبين، وهما‏:‏ عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة قبل أنيسلما وأرسلوا معهما الهدايا المستطرفة للنجاشي ولبطارقته، وبعد أن ساقالرجلان تلك الهدايا إلى البطارقة، وزوداهم بالحجج التي يطرد بها أولئكالمسلمون، وبعد أن اتفقت البطارقة أن يشيروا على النجاشي بإقصائهم، حضراإلى النجاشي، وقدما له الهديا ثم كلماه فقالا له‏:‏

أيها الملك، إنه قد ضَوَى إلى بلدك غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولميدخلوا في دينك، وجاءوا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثناإليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم؛ لتردهم إليهم، فهمأعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، وعاتبوهم فيه‏.‏

وقالت البطارقة‏:‏ صدقا أيها الملك، فأسلمهم إليهما، فليرداهم إلى قومهم وبلادهم‏.‏

ولكن رأي النجاشي أنه لا بد من تمحيص القضية، وسماع أطرافها جميعًا‏.‏فأرسل إلى المسلمين، ودعاهم، فحضروا، وكانوا قد أجمعوا على الصدق كائنًاما كان‏.‏ فقال لهم النجاشي‏:‏ ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولمتدخلوا به في دينى ولا دين أحد من هذه الملل ‏؟‏

قال جعفر بن أبي طالب وكان هو المتكلم عن المسلمين‏:‏ أيها الملك كناقومًا أهل جاهلية؛ نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتى الفواحش، ونقطعالأرحام، ونسىء الجوار، ويأكل منا القوى الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعثالله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى اللهلنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارةوالأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار،والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مالاليتيم،وقذف المحصنات،وأمرنا أن نعبد الله وحده،لا نشرك به شيئًا،وأمرنابالصلاة والزكاة والصيام فعدد عليه أمور الإسلام فصدقناه، وآمنا به،واتبعناه على ما جاءنا به من دين الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك بهشيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا،فعذبونا وفتنونا عن ديننا؛ ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة اللهتعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقواعلينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك،ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك‏.‏

فقال له النجاشي‏:‏ هل معك مما جاء به عن الله من شيء‏؟‏ فقال له جعفر‏:‏نعم‏.‏ فقال له النجاشي‏:‏ فاقرأه على، فقرأ عليه صدرًا من‏:‏ ‏{‏كهيعص‏}‏فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخْضَلُوا مصاحفهمحين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال لهم النجاشي‏:‏ إن هذا والذي جاء به عيسىليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما، ولا يكادونيخاطب عمرو بن العاص وصاحبه فخرجا، فلما خرجا قال عمرو بن العاص لعبد اللهبن أبي ربيعة‏:‏ والله لآتينه غدًا عنهم بما أستأصل به خضراءهم‏.‏ فقال لهعبد الله بن أبي ربيعة‏:‏ لا تفعل، فإن لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالفونا،ولكن أصر عمرو على رأيه‏.‏

فلما كان الغد قال للنجاشي‏:‏ أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى ابن مريمقولًا عظيمًا، فأرسل إليهم النجاشي يسألهم عن قولهم في المسيح ففزعوا،ولكن أجمعوا على الصدق، كائنًا ما كان، فلما دخلوا عليه وسألهم، قال لهجعفر‏:‏ نقول فيه الذي جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم‏:‏ هو عبد اللهورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البَتُول‏.‏

فأخذ النجاشي عودًا من الأرض ثم قال‏:‏ والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلتهذا العود، فتناخرت بطارقته، فقال‏:‏ وإن نَخَرْتُم والله‏.‏

ثم قال للمسلمين‏:‏ اذهبوا فأنتم شُيُومٌ بأرضي والشيوم‏:‏ الآمنون بلسانالحبشة من سَبَّكم غَرِم، من سبكم غرم، من سبكم غرم، ما أحب أن لى دَبْرًامن ذهب وإني آذيت رجلًا منكم والدبر‏:‏ الجبل بلسان الحبشة‏.‏

ثم قال لحاشيته‏:‏ ردّوا عليهما هداياهما فلا حاجة لى بها، فوالله ما أخذالله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيفأطيعهم فيه‏.‏

قالت أم سلمة التي تروى هذه القصة‏:‏ فخرجا من عنده مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار‏.‏

هذه رواية ابن إسحاق، وذكر غيره أن وفادة عمرو بن العاص إلى النجاشي كانتبعد بدر، وجمع بعضهم بأن الوفادة كانت مرتين‏.‏ ولكن الأسئلة والأجوبةالتي ذكروا أنها دارت بين النجاشي وبين جعفر بن أبي طالب في الوفادةالثانية هي نفس الأسئلة والأجوبة التي ذكرها ابن إسحاق هنا، ثم إن تلكالأسئلة تدل بفحواها أنها كانت في أول مرافعة قدمت إلى النجاشي‏.

*الشدة في التعذيب ومحاولة القضاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم :
ولما أخفق المشركون في مكيدتهم، وفشلوا في استرداد المهاجرين استشاطواغضبًا، وكادوا يتميزون غيظًا، فاشتدت ضراوتهم وانقضوا على بقية المسلمين،ومدوا أيديهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسوء، وظهرت منهم تصرفاتتدل على أنهم أرادوا القضاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليستأصلواجذور الفتنة التي أقضت مضاجعهم، حسب زعمهم‏.‏

أما بالنسبة للمسلمين فإن الباقين منهم في مكة كانوا قليلين جدًا، وكانواإما ذوى شرف ومنعة، أو محتمين بجوار أحد، ومع ذلك كانوا يخفون إسلامهمويبتعدون عن أعين الطغاة بقدر الإمكان، ولكنهم مع هذه الحيطة والحذر لميسلموا كل السلامة من الأذى والخسف والجور‏.‏

وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان يصلى ويعبد الله أمام أعينالطغاة، ويدعو إلى الله سرًا وجهرًا لا يمنعه عن ذلك مانع، ولا يصرفه عنهشيء؛ إذ كان ذلك من جملة تبليغ رسالة الله منذ أمره الله سبحانه وتعالىبقوله‏:‏ ‏{‏فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ‏}‏‏[‏الحجر‏:‏94‏]‏، وبذلك كان يمكن للمشركين أن يتعرضوا له إذا أرادوا، ولميكن في الظاهر ما يحول بينهم وبين ما يريدون إلا ما كان له صلى الله عليهوسلم من الحشمة والوقار، وما كان لأبي طالب من الذمة والاحترام، وما كانوايخافونه من مغبة سوء تصرفاتهم، ومن اجتماع بني هاشم عليهم، إلا أن كل ذلكلم يعد له أثره المطلوب في نفوسهم؛ إذ بدءوا يستخفون به منذ شعروا بانهياركيانهم الوثنى وزعامتهم الدينية أمام دعوته صلى الله عليه وسلم‏.‏

ومما روت لنا كتب السنة والسيرة من الأحداث التي تشهد القرائن بأنها وقعتفي هذه الفترة‏:‏ أن عتيبة بن أبي لهب أتى يومًا رسول الله صلى الله عليهوسلم فقال‏:‏ أنا أكفر ب ‏{‏وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏1]‏وبالذي ‏{‏ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏8‏]‏ ثم تسلط عليهبالأذى، وشق قميصه، وتفل في وجهه صلى الله عليه وسلم، إلا أن البزاق لميقع عليه، وحينئذ دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ ‏(‏اللهم سلطعليه xxxًا من كلابك‏)‏، وقد استجيب دعاؤه صلى الله عليه وسلم، فقد خرجعتيبة إثر ذلك في نفر من قريش، فلما نزلوا بالزرقاء من الشام طاف بهمالأسد تلك الليلة، فجعل عتيبة يقول‏:‏ يا ويل أخي هو والله آكلى كما دعامحمد علىّ، قتلنى وهو بمكة، وأنا بالشام، ثم جعلوه بينهم، وناموا من حوله،ولكن جاء الأسد وتخطاهم إليه، فضغم رأسه‏.‏

ومنها‏:‏ ما ذكر أن عقبة بن أبي مُعَيْط وطئ على رقبته الشريفة وهو ساجد حتى كادت عيناه تبرزان‏.‏

ومما يدل على أن طغاتهم كانوا يريدون قتله صلى الله عليه وسلم ما رواه ابنإسحاق عن عبد الله ابن عمرو بن العاص قال‏:‏ حضرتهم وقد اجتمعوا في الحجر،فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا‏:‏ ما رأينا مثل ما صبرناعليه من أمر هذا الرجل، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، فبينا هم كذلك إذ طلعرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل يمشى حتى استلم الركن، ثم مر بهمطائفًا بالبيت فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى اللهعليه وسلم، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مربهم الثالثة فغمزوه بمثلها‏.‏ فوقف ثم قال‏:‏ ‏(‏أتسمعون يا معشر قريش،أما والذي نفسى بيده، لقد جئتكم بالذبح‏)‏، فأخذت القوم كلمته، حتى مامنهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه ليرفؤه بأحسن مايجد، ويقول‏:‏ انصرف يا أبا القاسم، فو الله ما كنت جهولًا‏.‏

فلما كان الغد اجتمعوا كذلك يذكرون أمره إذ طلع عليهم، فوثبوا إليه وثبةرجل واحد وأحاطوا به، فلقد رأيت رجلًا منهم أخذ بمجمع ردائه، وقام أبو بكردونه، وهو يبكى ويقول‏:‏ أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله‏؟‏ ثم انصرفواعنه، قال ابن عمرو‏:‏ فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشًا نالوا منه قط‏.‏ انتهيملخصًا‏.‏

وفي رواية البخاري عن عروة بن الزبير قال‏:‏ سألت ابن عمرو بن العاص‏:‏أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ بيناالنبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط،فوضع ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا؛ فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه،ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال‏:‏ أتقتلون رجلًا أن يقول ربيالله‏؟‏‏.‏

وفي حديث أسماء‏:‏ فأتى الصريخ إلى أبي بكر فقال‏:‏ أدرك صاحبك، فخرج منعندنا وعليه غدائر أربع، فخرج وهو يقول‏:‏ أتقتلون رجلًا أن يقول ربيالله‏؟‏ فلهوا عنه وأقبلوا على أبي بكر، فرجع إلينا لا نمس شيئًا منغدائره إلا رجع معنا‏.‏

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
* إسلام حمزة رضي الله عنه :

خلال هذا الجو الملبد بغيوم الظلم والعدوان ظهر برق أضاء الطريق، وهوإسلام حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه أسلم في أواخر السنة السادسة منالنبوة، والأغلب أنه أسلم في شهر ذى الحجة‏.‏

وسبب إسلامه‏:‏ أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا عندالصفا فآذاه ونال منه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا يكلمه، ثمضربه أبو جهل بحجر في رأسه فَشَجَّهُ حتى نزف منه الدم، ثم انصرف عنه إلىنادى قريش عند الكعبة، فجلس معهم، وكانت مولاة لعبد الله بن جُدْعَان فيمسكن لها على الصفا ترى ذلك، وأقبل حمزة من القَنَص مُتَوَشِّحًا قوسه،فأخبرته المولاة بما رأت من أبي جهل، فغضب حمزة وكان أعز فتى في قريشوأشده شكيمة فخرج يسعى، لم يقف لأحد؛ معدًا لأبي جهل إذا لقيه أن يوقع به،فلما دخل المسجد قام على رأسه، وقال له‏:‏ يا مُصَفِّرَ اسْتَه، تشتم ابنأخي وأنا على دينه ‏؟‏ ثم ضربه بالقوس فشجه شجة منكرة، فثار رجال من بنيمخزوم حى أبي جهل وثار بنو هاشم حي حمزة فقال أبو جهل‏:‏ دعوا أبا عمارة،فإني سببت ابن أخيه سبًا قبيحًا‏.‏

وكان إسلام حمزة أول الأمر أنفة رجل، أبي أن يهان مولاه، ثم شرح الله صدره فاستمسك بالعروة الوثقى، واعتز به المسلمون أيما اعتزاز‏.

* إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه :

وخلال هذا الجو الملبد بغيوم الظلم والعدوان أضاء برق آخر أشد بريقًاوإضاءة من الأول، ألا وهو إسلام عمر بن الخطاب، أسلم في ذى الحجة سنة ستمن النبوة‏.‏ بعد ثلاثة أيام من إسلام حمزة رضي الله عنه وكان النبي صلىالله عليه وسلم قد دعا الله تعالى لإسلامه‏.‏ فقد أخرج الترمذى عن ابنعمر، وصححه، وأخرج الطبراني عن ابن مسعود وأنس أن النبي صلى الله عليهوسلم قال‏:‏ ‏(‏اللّهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك‏:‏ بعمر بن الخطابأو بأبي جهل بن هشام‏)‏ فكان أحبهما إلى الله عمر رضي الله عنه‏.‏

وبعد إدارة النظر في جميع الروايات التي رويت في إسلامه يبدو أن نزولالإسلام في قلبه كان تدريجيًا، ولكن قبل أن نسوق خلاصتها نرى أن نشير إلىما كان يتمتع به رضي الله عنه من العواطف والمشاعر‏.‏

كان رضي الله عنه معروفًا بحدة الطبع وقوة الشكيمة، وطالما لقى المسلمونمنه ألوان الأذى، والظاهر أنه كانت تصطرع في نفسه مشاعر متناقضة؛ احترامهللتقاليد التي سنها الآباء والأجداد وتحمسه لها، ثم إعجابه بصلابةالمسلمين، وباحتمالهم البلاء في سبيل العقيدة، ثم الشكوك التي كانت تساورهكأي عاقل في أن ما يدعو إليه الإسلام قد يكون أجل وأزكى من غيره، ولهذا ماإن يَثُور حتى يَخُور‏.‏

وخلاصة الروايات مع الجمع بينها في إسلامه رضي الله عنه‏:‏ أنه التجأ ليلةإلى المبيت خارج بيته، فجاء إلى الحرم، ودخل في ستر الكعبة، والنبي صلىالله عليه وسلم قائم يصلي، وقد استفتح سورة ‏{‏الْحَاقَّةُ‏}‏،فجعل عمريستمع إلى القرآن، ويعجب من تأليفه، قال‏:‏ فقلت أي في نفسي‏:‏ هذا واللهشاعر، كما قالت قريش، قال‏:‏ فقرأ ‏{‏إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍوَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏40،41‏]‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ كاهن‏.‏ قال‏:‏‏{‏ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًامَا تَذَكَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ إلى آخر السورة‏[‏الحاقة‏:42، 43‏]‏ ‏.‏ قال‏:‏ فوقع الإسلام في قلبي‏.‏

كان هذا أول وقوع نواة الإسلام في قلبه، لكن كانت قشرة النزعات الجاهلية،وعصبية التقليد، والتعاظم بدين الآباء هي غالبة على مخ الحقيقة التي كانيتهمس بها قلبه، فبقى مجدًا في عمله ضد الإسلام غير مكترث بالشعور الذييكمن وراء هذه القشرة‏.‏

وكان من حدة طبعه وفرط عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرجيومًا متوشحًا سيفه يريد القضاء على النبي صلى الله عليه وسلم، فلقيه نعيمبن عبد الله النحام العدوي، أو رجل من بني زهرة، أو رجل من بني مخزومفقال‏:‏ أين تعمد يا عمر‏؟‏ قال‏:‏ أريد أن أقتل محمدًا‏.‏ قال‏:‏ كيفتأمن من بني هاشم ومن بني زهرة وقد قتلت محمدًا‏؟‏ فقال له عمر‏:‏ ما أراكإلا قد صبوت، وتركت دينك الذي كنت عليه، قال‏:‏ أفلا أدلك على العجب ياعمر‏!‏ إن أختك وخَتَنَكَ قد صبوا، وتركا دينك الذي أنت عليه، فمشى عمردامرًا حتى أتاهما، وعندهما خباب بن الأرت، معه صحيفة فيها‏:‏ ‏[‏طه‏]‏يقرئهما إياها وكان يختلف إليهما ويقرئهما القرآن فلما سمع خباب حس عمرتوارى في البيت، وسترت فاطمة أخت عمر الصحيفة‏.‏ وكان قد سمع عمر حين دنامن البيت قراءة خباب إليهما، فلما دخل عليهما قال‏:‏ ما هذه الهينمة التيسمعتها عندكم‏؟‏ فقالا‏:‏ ما عدا حديثًا تحدثناه بيننا‏.‏ قال‏:‏ فلعلكماقد صبوتما‏.‏ فقال له ختنه‏:‏ يا عمر، أرأيت إن كان الحق في غير دينك‏؟‏فوثب عمر على ختنه فوطئه وطأ شديدًا‏.‏ فجاءت أخته فرفعته عن زوجها،فنفحها نفحة بيده، فدمى وجهها وفي رواية ابن إسحاق أنه ضربها فشجها فقالت،وهي غضبى‏:‏ يا عمر، إن كان الحق في غير دينك، أشهد أن لا إله إلا الله،وأشهد أن محمدًا رسول الله‏.‏

فلما يئس عمر، ورأي ما بأخته من الدم ندم واستحيا، وقال‏:‏ أعطونى هذاالكتاب الذي عندكم فأقرؤه، فقالت أخته‏:‏ إنك رجس، ولا يمسه إلا المطهرون،فقم فاغتسل، فقام فاغتسل، ثم أخذ الكتاب، فقرأ‏:‏ ‏{‏بسم الله الرحمنالرحيم‏}‏ فقال‏:‏ أسماء طيبة طاهرة‏.‏ ثم قرأ ‏[‏طه‏]‏ حتى انتهي إلىقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِيوَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي‏}‏ ‏[‏طه‏:‏14]‏ فقال‏:‏ ما أحسن هذاالكلام وأكرمه‏؟‏ دلوني على محمد‏.‏

فلما سمع خباب قول عمر خرج من البيت، فقال‏:‏ أبشر يا عمر، فإني أرجو أنتكون دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لك ليلة الخميس‏:‏ ‏(‏اللّهم أعزالإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام‏)‏، ورسول الله صلى الله عليهوسلم في الدار التي في أصل الصفا‏.‏

فأخذ عمر سيفه، فتوشحه، ثم انطلق حتى أتى الدار، فضرب الباب، فقام رجلينظر من خلل الباب، فرآه متوشحًا السيف، فأخبر رسول الله صلى الله عليهوسلم، واستجمع القوم، فقال لهم حمزة‏:‏ ما لكم ‏؟‏ قالوا‏:‏ عمر‏؟‏فقال‏:‏ وعمر‏؟‏ افتحوا له الباب، فإن كان جاء يريد خيرًا بذلناه له، وإنكان جاء يريد شرًا قتلناه بسيفه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم داخل يوحىإليه، فخرج إلى عمر حتى لقيه في الحجرة، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف،ثم جبذه جبذة شديدة فقال‏:‏ ‏(‏أما أنت منتهيًا يا عمر حتى ينزل الله بكمن الخزى والنكال ما نزل بالوليد بن المغيرة‏؟‏ اللهم، هذا عمر بن الخطاب،اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب‏)‏، فقال عمر‏:‏ أشهد أن لا إله إلاالله، وأنك رسول الله‏.‏ وأسلم، فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهلالمسجد‏.‏

كان عمر رضي الله عنه ذا شكيمة لا يرام، وقد أثار إسلامه ضجة بينالمشركين، وشعورا لهم بالذلة والهوان، وكسا المسلمين عزة وشرفًاوسرورًا‏.‏

روى ابن إسحاق بسنده عن عمر قال‏:‏ لما أسلمت تذكرت أي أهل مكة أشد لرسولالله صلى الله عليه وسلم عداوة، قال‏:‏ قلت‏:‏ أبو جهل، فأتيت حتى ضربتعليه بابه، فخرج إلىّ، وقال‏:‏ أهلًا وسهلًا، ما جاء بك‏؟‏ قال‏:‏ جئتلأخبرك إني قد آمنت بالله وبرسوله محمد، وصدقت بما جاء به‏.‏ قال‏:‏ فضربالباب في وجهي، وقال‏:‏ قبحك الله، وقبح ما جئت به‏.‏

وذكر ابن الجوزي أن عمر رضي الله عنه قال‏:‏ كان الرجل إذا أسلم تعلق بهالرجال، فيضربونه ويضربهم، فجئت أي حين أسلمت إلى خالى وهو العاصى بن هاشمفأعلمته فدخل البيت، قال‏:‏ وذهبت إلى رجل من كبراء قريش لعله أبو جهلفأعلمته فدخل البيت‏.‏

وفي رواية لابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال‏:‏ لما أسلم عمر بن الخطابلم تعلم قريش بإسلامه، فقال‏:‏ أي أهل مكة أنشأ للحديث‏؟‏ فقالوا‏:‏ جميلبن معمر الجمحى‏.‏ فخرج إليه وأنا معه، أعقل ما أرى وأسمع، فأتاه، فقال‏:‏ياجميل، إني قد أسلمت، قال‏:‏ فو الله ما رد عليه كلمة حتى قام عامدًا إلىالمسجد فنادى ‏[‏بأعلى صوته‏]‏ أن‏:‏ يا قريش، إن ابن الخطاب قد صبأ‏.‏فقال عمر وهو خلفه‏:‏ كذب، ولكنى قد أسلمت ‏[‏وآمنت بالله وصدقت رسوله‏]‏،فثاروا إليه فما زال يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رءوسهم، وطَلَحأي أعيا عمر، فقعد، وقاموا على رأسه، وهو يقول‏:‏ افعلوا ما بدا لكم،فأحلف بالله أن لو كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا‏.‏

وبعد ذلك زحف المشركون إلى بيته يريدون قتله‏.‏روى البخاري عن عبد الله بنعمر قال‏:‏بينما هو أي عمر في الدار خائفًا إذ جاءه العاص بن وائل السهمىأبو عمرو،وعليه حلة حبرة وقميص مكفوف بحرير وهو من بني سهم، وهم حلفاؤنافي الجاهلية فقال له‏:‏ ما لك‏؟‏ قال‏:‏ زعم قومك أنهم سيقتلوني إن أسلمت،قال‏:‏ لا سبيل إليك بعد أن قالها أمنت فخرج العاص، فلقى الناس قد سال بهمالوادي، فقال‏:‏ أين تريدون‏؟‏ فقالوا‏:‏ هذا ابن الخطاب الذي قد صبأ،قال‏:‏ لا سبيل إليه، فَكَرَّ الناس‏.‏ وفي لفظ في رواية ابن إسحاق‏:‏والله، لكأنما كانوا ثوبًا كُشِطَ عنه‏.‏

هذا بالنسبة إلى المشركين، أما بالنسبة إلى المسلمين فروى مجاهد عن ابنعباس قال‏:‏ سألت عمر بن الخطاب‏:‏ لأي شيء سميت الفاروق‏؟‏ قال‏:‏ أسلمحمزة قبلى بثلاثة أيام ثم قص عليه قصة إسلامه‏.‏ وقال في آخره‏:‏ قلت أيحين أسلمت‏:‏ يا رسول الله، ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا‏؟‏ قال‏:‏‏(‏بلى، والذي نفسي بيده، إنكم على الحق وإن متم وإن حييتم‏)‏، قال‏:‏قلت‏:‏ ففيم الاختفاء‏؟‏ والذي بعثك بالحق لنخرجن، فأخرجناه في صفين، حمزةفي أحدهما، وأنا في الآخر، له كديد ككديد الطحين، حتى دخلنا المسجد،قال‏:‏ فنظرت إلىّ قريش وإلى حمزة، فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها، فسمانيرسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏الفاروق‏)‏ يومئذ‏.‏

وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول‏:‏ ما كنا نقدر أن نصلى عند الكعبة حتى أسلم عمر‏.‏

وعن صهيب بن سنان الرومى رضي الله عنه قال‏:‏ لما أسلم عمر ظهر الإسلام،ودعى إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقًا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممنغلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتى به‏.‏

وعن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر‏.



* ممثل قريش بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم :

وبعد إسلام هذين البطلين الجليلين حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب رضيالله عنهما أخذت السحائب تتقشع، وأفاق المشركون عن سكرهم في تنكيلهمبالمسلمين، وغيروا تفكيرهم في معاملتهم مع النبي صلى الله عليه وسلموالمؤمنين، واختاروا أسلوب المساومات وتقديم الرغائب والمغريات، ولم يدرهؤلاء المساكين أن كل ما تطلع عليه الشمس لا يساوي جناح بعوضة أمام دينالله والدعوة إليه، فخابوا وفشلوا فيما أرادوا‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظى قال‏:‏ حدثتأن عتبة بن ربيعة، وكان سيدًا، قال يومًا وهو في نادى قريش، ورسول اللهصلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده‏:‏ يا معشر قريش، ألا أقوم إلىمحمد فأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء ويكفعنا‏؟‏ وذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه ورأوا أصحاب رسول الله صلى اللهعليه وسلم يكثرون ويزيدون، فقالوا‏:‏ بلى، يا أبا الوليد، قم إليه، فكلمه،فقام إليه عتبة،حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ يابنأخي، إنك منا حيث قد علمت من السِّطَةِ في العشيرة، والمكان في النسب،وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت بهآلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع منى أعرض عليك أمورًاتنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها‏.‏ قال‏:‏ فقال رسول صلى الله عليهوسلم‏:‏ ‏(‏قل يا أبا الوليد أسمع‏)‏‏.‏

قال‏:‏ يابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنالك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سودناك عليناحتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذاالذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيهأموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه أوكما قال له حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منهقال‏:‏ ‏(‏أقد فرغت يا أبا الوليد‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ نعم، قال‏:‏ ‏(‏فاسمعمنى‏)‏، قال‏:‏أفعل، فقال‏:‏ ‏{‏ بسم الله الرحمن الرحيم حم تَنزِيلٌمِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًاعَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَأَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍمِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏1‏:‏ 5‏]‏‏.‏ ثم مضى رسول اللهفيها، يقرؤها عليه‏.‏ فلما سمعها منه عتبة أنصت له، وألقى يديه خلف ظهرهمعتمدًا عليهما، يسمع منه، ثم انتهي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلىالسجدة منها فسجد ثم قال‏:‏ ‏(‏قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنتوذاك‏)‏‏.‏

فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض‏:‏ نحلف بالله لقد جاءكم أبوالوليد بغير الوجه الذي ذهب به‏.‏ فلما جلس إليهم قالوا‏:‏ ما وراءك ياأبا الوليد‏؟‏ قال‏:‏ ورائي أني سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط، واللهما هو بالشعر ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعونى واجعلوهابي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقولهالذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر علىالعرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا‏:‏ سحرك واللهيا أبا الوليد بلسانه، قال‏:‏ هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم‏.‏

وفي روايات أخرى‏:‏ أن عتبة استمع حتى إذا بلغ الرسول صلى الله عليه وسلمقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةًمِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏13‏]‏ قال‏:‏ حسبك، حسبك،ووضع يده على فم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وناشده بالرحم أن يكف،وذلك مخافة أن يقع النذير، ثم قام إلى القوم فقال ما قال‏.

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
رؤساء قريش يفاوضون رسول الله صلى الله عليه وسلم :

وكأن رجاء قريش لم ينقطع بما أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم عتبة علىاقتراحاته؛ لأنه لم يكن صريحًا في الرفض أو القبول، بل تلا عليه النبي صلىالله عليه وسلم آيات لم يفهمها عتبة، ورجع من حيث جاء، فتشاور رؤساء قريشفيما بينهم وفكروا في كل جوانب القضية، ودرسوا كل المواقف بروية وتريث، ثماجتمعوا يومًا عند ظهر الكعبة بعد غروب الشمس، وأرسلوا إلى النبي صلى اللهعليه وسلم يدعونه، فجاء مسرعًا يرجو خيرًا، فلما جلس إليهم قالوا له مثلما قال عتبة، وعرضوا عليه نفس المطالب التي عرضها عتبة‏.‏ وكأنهم ظنوا أنهلم يثق بجدية هذا العرض حين عرض عتبة وحده، فإذا عرضوا هم أجمعون يثقويقبل، ولكن قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما بي ماتَقُولُون، ما جِئْتُكُم بما جِئْتُكُم بِه أَطْلُب أَمْوَالكُم ولاالشَّرف فيكم، ولا المُلْكَ عليكم، ولكنّ الله بَعَثَنِى إلَيْكُمرَسُولًا، وَ أَنْزَلَ علىَّ كِتابًا، وأَمَرَنِى أنْ أَكُونَ لَكُمبَشِيرًا وَنَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكُم رِسَالاتِ ربي، وَنَصَحْتُ لَكُمْ،فإِنْ تَقْبَلُوا مِنّى ما جِئْتُكُم بِه فَهُوَ حَظُّكُم في الدُنياوالآخرة، وإنْ تَرُدُّوا علىّ أَصْبِر لأمْرِ الله ِ حتّى يَحْكُم الله ُبَيْنِى وَ بَيْنَكُم‏)‏‏.‏ أو كما قال‏.‏

فانتقلوا إلى نقطة أخرى، وطلبوا منه أن يسأل ربه أن يسير عنهم الجبال،ويبسط لهم البلاد، ويفجر فيها الأنهار، ويحيى لهم الموتى ولا سيما قصى بنكلاب فإن صدقوه يؤمنون به‏.‏ فأجاب بنفس ما سبق من الجواب‏.‏

فانتقلوا إلى نقطة ثالثة، وطلبوا منه أن يسأل ربه أن يبعث له ملكًا يصدقه،ويراجعونه فيه، وأن يجعل له جنات وكنوزًا وقصورًا من ذهب وفضة، فأجابهمبنفس الجواب‏.‏

فانتقلوا إلى نقطة رابعة، وطلبوا منه العذاب‏:‏ أن يسقط عليهم السماءكسفًا، كما يقول ويتوعد، فقال‏:‏ ‏(‏ذلك إلى الله، إن شاء فعل‏)‏‏.‏فقالوا‏:‏ أما علم ربك أنا سنجلس معك، ونسألك ونطلب منك، حتى يعلمك ماتراجعنا به، وما هو صانع بنا إذا لم نقبل‏.‏

وأخيرًا هددوه أشد التهديد، وقالوا‏:‏أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتىنهلكك أو تهلكنا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وانصرف إلىأهله حزينًا أسفا لما فاته ما طمع من قومه‏.‏

*عزم أبي جهل على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم :

ولما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم خاطبهم أبو جهل في كبريائهوقال‏:‏ يا معشر قريش، إن محمدًا قد أبي إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتمآبائنا، وتسفيه أحلامنا، وشتم آلهتنا، وأني أعاهد الله لأجلسن له بحجر ماأطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه، فأسلمونى عند ذلك أو امنعونى،فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم، قالوا‏:‏ والله لا نسلمك لشيءأبدًا، فامض لما تريد‏.‏

فلما أصبح أبو جهل، أخذ حجرًا كما وصف، ثم جلس لرسول الله صلى الله عليهوسلم ينتظره، وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يغدو، فقام يصلي،وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد رسولالله صلى الله عليه وسلم احتمل أبو جهل الحجر، ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنامنه رجع منهزمًا ممتقعًا لونه، مرعوبًا قد يبست يداه على حجره، حتى قذفالحجر من يده، وقامت إليه رجال قريش فقالوا له‏:‏ ما لك يا أبا الحكم‏؟‏قال‏:‏ قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لى دونهفَحْلٌ من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هَامَتِه، ولا مثل قَصَرَتِه ولاأنيابه لفحل قط، فَهَمَّ بى أن يأكلنى‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ فذكر لى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ذلك جبريل عليه السلام لو دنا لأخذه‏)‏

*مساومات وتنازلات :

ولما فشلت قريش في مفاوضتهم المبنية على الإغراء والترغيب، والتهديدوالترهيب، وخاب أبو جهل فيما أبداه من الرعونة وقصد الفتك، تيقظت فيهمرغبة الوصول إلى حل حصيف ينقذهم عما هم فيه، ولم يكونوا يجزمون أن النبيصلى الله عليه وسلم على باطل، بل كانوا كما قال الله تعالى ‏{‏لَفِي شَكٍّمِّنْهُ مُرِيبٍ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏14‏]‏‏.‏ فرأوا أن يساوموه صلى الله عليهوسلم في أمور الدين، ويلتقوا به في منتصف الطريق، فيتركوا بعض ما هم عليه،ويطالبوا النبي صلى الله عليه وسلم بترك بعض ما هو عليه، وظنوا أنهم بهذاالطريق سيصيبون الحق، إن كان ما يدعو إليه النبي صلى الله عليه وسلمحقًا‏.‏

روى ابن إسحاق بسنده، قال‏:‏ اعترض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطوفبالكعبة الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى والوليد بن المغيرة وأميةبن خلف والعاص بن وائل السهمى وكانوا ذوى أسنان في قومهم فقالوا‏:‏ يامحمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإنكان الذي تعبد خيرًا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبدخيرًا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه، فأنزل الله تعالى فيهم‏:‏ ‏{‏قُلْيَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ‏}‏ السورةكلها‏.‏

وأخرج عَبْدُ بن حُمَيْد وغيره عن ابن عباس أن قريشًا قالت‏:‏ لو استلمتآلهتنا لعبدنا إلهك‏.‏ فأنزل الله‏:‏ ‏{‏قُلْ يَا أَيُّهَاالْكَافِرُونَ‏}‏ السورة كلها وأخرج ابن جرير وغيره عنه أن قريشًا قالوالرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة،فأنزلالله‏:‏‏{‏قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَاالْجَاهِلُونَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏64‏]‏

ولما حسم الله تعالى هذه المفاوضة المضحكة بهذه المفاصلة الجازمة لم تيأسقريش كل اليأس، بل أبدوا مزيدًا من التنازل بشرط أن يجرى النبي صلى اللهعليه وسلم بعض التعديل فيما جاء به من التعليمات، فقالوا‏:‏ ‏{‏ائْتِبِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ‏}‏، فقطع الله هذا السبيل أيضًابإنزال ما يرد به النبي صلى الله عليه وسلم عليهم فقال‏:‏ ‏{‏قُلْ مَايَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّمَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍعَظِيمٍ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏15‏]‏ ونبه على عظم خطورة هذا العمل بقوله‏:‏‏{‏وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَلِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاًوَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًاقَلِيلاً إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏73‏:‏ 75‏]‏‏.‏

حيرة قريش وتفكيرهم الجاد واتصالهم باليهود

أظلمت أمام المشركين السبل بعد فشلهم في هذه المفاوضات والمساوماتوالتنازلات، واحتاروا فيما يفعلون، حتى قام أحد شياطينهم‏:‏ النضر بنالحارث، فنصحهم قائلًا‏:‏ يا معشر قريش، والله لقد نزل بكم أمر ما أتيتمله بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلامًا حدثًا أرضاكم فيكم، وأصدقكمحديثًا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب، و جاءكم بما جاءكمبه، قلتم‏:‏ ساحر، لا والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة ونَفْثَهموعَقْدَهم، وقلتم‏:‏ كاهن، لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنةوتَخَالُجَهم وسمعنا سَجَعَهُم، وقلتم‏:‏ شاعر، لا والله ما هو بشاعر، قدرأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها هَزَجَه ورَجَزَه، وقلتم‏:‏ مجنون، لاوالله ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون، فما هو بخنقه، ولا وسوسته، ولاتخليطه، يا معشر قريش، فانظروا في شأنكم، فإنه والله لقد نزل بكم أمرعظيم‏.‏

وكأنهم لما رأوا صموده صلى الله عليه وسلم في وجه كل التحديات، ورفضه كلالمغريات، وصلابته في كل مرحلة مع ما كان يتمتع به من الصدق والعفافومكارم الأخلاق قويت شبهتهم في كونه رسولًا حقًا، فقرروا أن يتصلواباليهود حتى يتأكدوا من أمره صلى الله عليه وسلم، فلما نصحهم النضر بنالحارث بما سبق كلفوه مع آخر أو آخرين ليذهب إلى يهود المدينة، فأتاهمفقال أحبارهم‏:‏ سلوه عن ثلاث، فإن أخبر فهو نبى مرسل، وإلا فهو متقول؛سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول،ما كان أمرهم‏؟‏ فإن لهم حديثًا عجبًا، وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه‏؟‏ وسلوه عنالروح، ما هي‏؟‏

فلما قدم مكة قال‏:‏ جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، وأخبرهم بما قالهاليهود، فسألت قريش رسول صلى الله عليه وسلم عن الأمور الثلاثة، فنزلت بعدأيام سورة الكهف، فيها قصة أولئك الفتية، وهم أصحاب الكهف، وقصة الرجلالطواف، وهو ذو القرنين، ونزل الجواب عن الروح في سورة الإسراء‏.‏ وتبينلقريش أنه صلى الله عليه وسلم على حق وصدق، ولكن أبي الظالمون إلاكفورًا‏.‏

هذه نبذة خفيفة مما واجه به المشركون دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم،وقد مارسوا كل ذلك جنبا إلى جنب، متنقلين من طور إلى طور، ومن دور إلىدور‏.‏ فمن شدة إلى لين، ومن لين إلى شدة، ومن جدال إلى مساومة، ومنمساومة إلى جدال، ومن تهديد إلى ترغيب، ومن ترغيب إلى تهديد، كانوا يثورونثم يخورون، ويجادلون ثم يجاملون، وينازلون ثم يتنازلون، ويوعدون ثميرغبون، كأنهم كانوا يتقدمون ويتأخرون، لا يقر لهم قرار، ولا يعجبهمالفرار، وكان الغرض من كل ذلك هو إحباط الدعوة الإسلامية، ولَمَّ شَعْثِالكفر، ولكنهم بعد بذل كل الجهود واختبار كل الحيل عادوا خائبين، ولم يبقأمامهم إلا السيف، والسيف لا يزيد الفرقة إلا شدة، ولا ينتج إلا عن تناحريستأصل الشأفة، فاحتاروا ماذا يفعلون‏.‏

*موقف أبي طالب وعشيرته :

أما أبو طالب فإنه لما واجه مطالبة قريش بتسليم النبي صلى الله عليه وسلملهم ليقتلوه، ثم رأي في تحركاتهم وتصرفاتهم ما يؤكد أنهم يريدون قتلهوإخفار ذمته مثل ما فعله عقبة بن أبي معيط، وأبو جهل بن هشام وعمر بنالخطاب جمع بني هاشم وبني المطلب، ودعاهم إلى القيام بحفظ النبي صلى اللهعليه وسلم، فأجابوه إلى ذلك كلهم مسلمهم وكافرهم حَمِيَّةً للجوار العربي،وتعاقدوا وتعاهدوا عليه عند الكعبة‏.‏ إلا ما كان من أخيه أبي لهب، فإنهفارقهم، وكان مع قريش‏.

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
المقاطعة العامة



*ميثاق الظلم والعدوان :

زادت حيرة المشركين إذ نفدت بهم الحيل، ووجدوا بني هاشم وبني المطلبمصممين على حفظ نبى الله صلى الله عليه وسلم والقيام دونه، كائنًا ما كان،فاجتمعوا في خيف بني كنانة من وادى المُحَصَّبِ فتحالفوا على بني هاشموبني المطلب ألا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، ولا يجالسوهم، ولا يخالطوهم، ولايدخلوا بيوتهم، ولا يكلموهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليهوسلم للقتل، وكتبوا بذلك صحيفة فيها عهود ومواثيق ‏(‏ألا يقبلوا من بنيهاشم صلحًا أبدًا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل‏)‏‏.‏ قال ابنالقيم‏:‏ يقال‏:‏ كتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم، ويقال‏:‏ نضر بنالحارث، والصحيح أنه بَغِيض بن عامر بن هاشم، فدعا عليه رسول الله صلىالله عليه وسلم فَشُلَّتْ يده‏.‏

تم هذا الميثاق وعلقت الصحيفة في جوف الكعبة، فانحاز بنو هاشم وبنوالمطلب، مؤمنهم وكافرهم إلا أبا لهب وحبسوا في شعب أبي طالب، وذلك فيمايقال‏:‏ ليلة هلال المحرم سنة سبع من البعثة‏.‏ وقد قيل غير ذلك‏.

*ثلاثة أعوام في شعب أبي طالب :

واشتد الحصار، وقطعت عنهم الميرة والمادة، فلم يكن المشركون يتركون طعامًايدخل مكة ولا بيعًا إلا بادروه فاشتروه، حتى بلغهم الجهد، والتجأوا إلىأكل الأوراق والجلود، وحتى كان يسمع من وراء الشعب أصوات نسائهم وصبيانهميتضاغون من الجوع، وكان لا يصل إليهم شيء إلا سرًا، وكانوا لا يخرجون منالشعب لاشتراء الحوائج إلا في الأشهر الحرم، وكانوا يشترون من العير التيترد مكة من خارجها، ولكن أهل مكة كانوا يزيدون عليهم في السلعة قيمتها حتىلا يستطيعون شراءها‏.‏

وكان حكيم بن حزام ربما يحمل قمحًا إلى عمته خديجة رضي الله عنها وقد تعرضله مرة أبو جهل فتعلق به ليمنعه، فتدخل بينهما أبو البخترى، ومكنه من حملالقمح إلى عمته‏.‏

وكان أبو طالب يخاف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا أخذ الناسمضاجعهم يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضطجع على فراشه، حتى يرىذلك من أراد اغتياله، فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو إخوانه أو بني عمهفاضطجع على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يأتى بعضفرشهم‏.‏

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يخرجون في أيام الموسم،فيلقون الناس، ويدعونهم إلى الإسلام، وقد أسلفنا ما كان يأتى به أبو لهب‏.

*نقض صحيفة الميثاق

مر عامان أو ثلاثة أعوام والأمر على ذلك، وفي المحرم سنة عشر من النبوةنقضت الصحيفة وفك الحصار؛ وذلك أن قريشًا كانوا بين راض بهذا الميثاقوكاره له، فسعى في نقض الصحيفة من كان كارهًا لها‏.‏

وكان القائم بذلك هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤى وكان يصل بني هاشم فيالشعب مستخفيًا بالليل بالطعام فإنه ذهب إلى زهير بن أبي أمية المخزومىوكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب وقال‏:‏ يا زهير، أرضيت أن تأكل الطعام،وتشرب الشراب، وأخوالك بحيث تعلم‏؟‏ فقال‏:‏ ويحك، فما أصنع وأنا رجلواحد‏؟‏ أما والله لو كان معى رجل آخر لقمت في نقضها، قال‏:‏ قد وجدترجلًا‏.‏ قال‏:‏ فمن هو‏؟‏ قال‏:‏ أنا‏.‏ قال له زهير‏:‏ ابغنا رجلًاثالثًا‏.‏

فذهب إلى المطعم بن عدى، فذكره أرحام بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف،ولامه على موافقته لقريش على هذا الظلم، فقال المطعم‏:‏ ويحك، ماذاأصنع‏؟‏ إنما أنا رجل واحد، قال‏:‏ قد وجدت ثانيًا، قال‏:‏ من هو‏؟‏قال‏:‏ أنا‏.‏ قال‏:‏ ابغنا ثالثًا‏.‏ قال‏:‏ قد فعلت‏.‏ قال‏:‏ من هو‏؟‏قال‏:‏ زهير بن أبي أمية، قال‏:‏ ابغنا رابعًا‏.‏

فذهب إلى أبي البخترى بن هشام، فقال له نحوًا مما قال للمطعم، فقال‏:‏ وهلمن أحد يعين على هذا‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ من هو‏؟‏ قال زهير بن أبيأمية، والمطعم بن عدى، وأنا معك، قال‏:‏ ابغنا خامسًا‏.‏

فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم،فقال له‏:‏ وهل على هذا الأمر الذي تدعونى إليه من أحد‏؟‏ قال‏:‏ نعم، ثمسمى له القوم، فاجتمعوا عند الحَجُون، وتعاقدوا على القيام بنقض الصحيفة،وقال زهير‏:‏ أنا أبدأكم فأكون أول من يتكلم‏.‏

فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير عليه حلة، فطاف بالبيت سبعًا، ثمأقبل على الناس، فقال‏:‏ يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشمهلكى، لا يباع ولا يبتاع منهم‏؟‏ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفةالقاطعة الظالمة‏.‏

قال أبو جهل وكان في ناحية المسجد‏:‏ كذبت، والله لا تشق‏.‏

فقال زمعة بن الأسود‏:‏ أنت والله أكذب، مارضينا كتابتها حيث كتبت‏.‏

قال أبو البخترى‏:‏ صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها، ولا نقر به‏.‏

قال المطعم بن عدى‏:‏ صدقتما، وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها‏.‏

وقال هشام بن عمرو نحوًا من ذلك‏.‏

فقال أبو جهل‏:‏ هذا أمر قضى بليل، وتُشُووِر فيه بغير هذا المكان‏.‏

وأبو طالب جالس في ناحية المسجد، إنما جاءهم لأن الله كان قد أطلع رسولهصلى الله عليه وسلم على أمر الصحيفة، وأنه أرسل عليها الأرضة، فأكلت جميعما فيها من جور وقطيعة وظلم إلا ذكر الله عز وجل، فأخبر بذلك عمه، فخرجإلى قريش فأخبرهم أن ابن أخيه قد قال كذا وكذا، فإن كان كاذبًا خلينابينكم وبينه، وإن كان صادقًا رجعتم عن قطيعتنا وظلمنا، قالوا‏:‏ قدأنصفت‏.‏

وبعد أن دار الكلام بين القوم وبين أبي جهل، قام المطعم إلى الصحيفةليشقها، فوجد الأرضة قد أكلتها إلا ‏(‏باسمك اللهم‏)‏، وما كان فيها مناسم الله فإنها لم تأكله‏.‏

ثم نقض الصحيفة وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الشعب، وقدرأي المشركون آية عظيمة من آيات نبوته، ولكنهم كما أخبر الله عنهم‏{‏وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ‏}‏‏[‏القمر‏:‏2‏]‏ أعرضوا عن هذه الآية وازدادوا كفرًا إلى كفرهم ‏.

*آخر وفد قريش إلي أبي طالب :

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشعب، وجعل يعمل على شاكلته، وقريشوإن كانوا قد تركوا القطيعة، لكنهم لم يزالوا عاملين على شاكلتهم من الضغطعلى المسلمين والصد عن سبيل الله، وأما أبو طالب فهو لم يزل يحوط ابنأخيه، لكنه كان قد جاوز الثمانين من سنه، وكانت الآلام والحوادث الضخمةالمتوالية منذ سنوات لاسيما حصار الشعب قد وهنت وضعفت مفاصله وكسرت صلبه،فلم يمض على خروجه من الشعب إلا أشهر معدودات، وإذا هو يلاحقه المرض ويلحبه، وحينئذ خاف المشركون سوء سمعتهم في العرب إن أتوا بعد وفاته بمنكر علىابن أخيه، فحاولوا مرة أخرى أن يفاوضوا النبي صلى الله عليه وسلم بينيديه، ويعطوا بعض ما لم يرضوا إعطاءه قبل ذلك‏.‏ فقاموا بوفادة هي آخروفادتهم إلى أبي طالب‏.‏

قال ابن إسحاق وغيره‏:‏ لما اشتكى أبو طالب، وبلغ قريشًا ثقله، قالت قريشبعضها لبعض‏:‏ إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا أمر محمد في قبائل قريشكلها، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب، فليأخذ على ابن أخيه، وليعطه منا، واللهما نأمن أن يبتزونا أمرنا، وفي لفظ‏:‏ فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكونإليه شيء فتعيرنا به العرب، يقولون‏:‏ تركوه حتى إذا مات عمه تناولوه‏.‏

مشوا إلى أبي طالب فكلموه، وهم أشراف قومه؛ عتبة بن ربيعة، وشيبة بنربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب، في رجال منأشرافهم وهم خمسة وعشرون تقريبًا فقالوا‏:‏ يا أبا طالب، إنك منا حيث قدعلمت، وقد حضرك ما ترى، وتخوفنا عليك، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك،فادعه فخذ له منا، وخذ لنا منه؛ ليكف عنا ونكف عنه، وليدعنا وديننا وندعهودينه، فبعث أبو طالب، فجاءه فقال‏:‏ يابن أخي، هؤلاء أشراف قومك، قداجتمعوا لك ليعطوك، وليأخذوا منك، ثم أخبره بالذي قالوا له وعرضوا عليه منعدم تعرض كل فريق للآخر‏.‏ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏‏(‏أرأيتم إن أعطيتكم كلمة تكلمتم بها، ملكتم بها العرب، ودانت لكم بهاالعجم‏)‏ ، وفي لفظ أنه قال مخاطبًا لأبي طالب‏:‏ ‏(‏إني أريدهم على كلمةواحدة يقولونها تدين لهم بها العرب، وتؤدى إليهم بها العجم الجزية‏)‏، وفيلفظ آخر قال‏:‏ ‏(‏أي عم، أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم‏؟‏‏)‏ قال‏:‏وإلام تدعوهم‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أدعوهم إلى أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بهاالعرب، ويملكون بها العجم‏)‏، ولفظ رواية ابن إسحاق‏:‏ ‏(‏كلمة واحدةتعطونها تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم‏)‏، فلما قال هذه المقالةتوقفوا وتحيروا ولم يعرفوا كيف يرفضون هذه الكلمة الواحدة النافعة إلى هذهالغاية والحد‏.‏ ثم قال أبو جهل‏:‏ ما هي‏؟‏ وأبيك لنعطيكها وعشر أمثالها،قال‏:‏ تقولون‏:‏ ‏(‏لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه‏)‏‏.‏فصفقوا بأيديهم، ثم قالوا‏:‏ أتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلهًاواحدًا‏؟‏ إن أمرك لعجب‏.‏

ثم قال بعضهم لبعض‏:‏ إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئًا مما تريدون،فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم، حتى يحكم الله بينكم وبينه، ثم تفرقوا‏.‏

وفي هؤلاء نزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِالَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِممِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ وَعَجِبُوا أَن جَاءهُممُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌأَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌوَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىآلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِيالْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏1‏:‏ 7‏]‏‏

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
عام الحزن




*وفاة أبي طالب :

ألح المرض بأبي طالب، فلم يلبث أن وافته المنية، وكانت وفاته في رجب سنةعشر من النبوة، بعد الخروج من الشعب بستة أشهر‏.‏ وقيل‏:‏ توفي في رمضانقبل وفاة خديجة رضي الله عنها بثلاثة أيام‏.‏

وفي الصحيح عن المسيب‏:‏ أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلىالله عليه وسلم وعنده أبو جهل، فقال‏:‏ ‏(‏أي عم، قل‏:‏ لا إله إلا الله،كلمة أحاج لك بها عند الله‏)‏ فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية‏:‏ ياأبا طالب، ترغب عن ملة عبد المطلب‏؟‏ فلم يزالا يكلماه حتى قال آخر شيءكلمهم به‏:‏ على ملة عبد المطلب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏‏(‏لأستغفرن لك ما لم أنه عنه‏)‏، فنزلت‏:‏‏{‏ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّوَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْكَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْأَصْحَابُ الْجَحِيمِ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏113‏]‏ ونزلت‏:‏ ‏{‏إِنَّكَ لَاتَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 56‏]‏‏.‏

ولا حاجة إلى بيان ما كان عليه أبو طالب من الحياطة والمنع، فقد كان الحصنالذي احتمت به الدعوة الإسلامية من هجمات الكبراء والسفهاء، ولكنه بقى علىملة الأشياخ من أجداده، فلم يفلح كل الفلاح‏.‏

ففي الصحيح عن العباس بن عبد المطلب، قال للنبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ماأغنيت عن عمك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏هو في ضَحْضَاح مننار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار‏)‏

وعن أبي سعيد الخدرى أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وذكر عنده عمهفقال‏:‏ ‏(‏لعله تنفعه شفاعتى يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار تبلغكعبيه‏)‏

*خديجة إلى رحمة الله :

وبعد وفاة أبي طالب بنحو شهرين أو بثلاثة أيام على اختلاف القولين توفيتأم المؤمنين خديجة الكبرى رضي الله عنها وكانت وفاتها في شهر رمضان فيالسنة العاشرة من النبوة، ولها خمس وستون سنة على أشهر الأقوال، ورسولالله صلى الله عليه وسلم إذ ذاك في الخمسين من عمره‏.‏

إن خديجة كانت من نعم الله الجليلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم،بقيت معه ربع قرن تحن عليه ساعة قلقه، وتؤازره في أحرج أوقاته، وتعينه علىإبلاغ رسالته، وتشاركه في مغارم الجهاد المر،وتواسيه بنفسها ومالها، يقولرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏آمنت بى حين كفر بى الناس، وصدقتنىحين كذبني الناس، وأشركتنى في مالها حين حرمنى الناس، ورزقنى الله ولدهاوحرم ولد غيرها‏)‏

وفي الصحيح عن أبي هريرة قال‏:‏ أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم ،فقال‏:‏ يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت، معها إناء فيه إدام أو طعام أوشراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها، وبشرها ببيت في الجنة منقَصَبٍ لا صَخَبَ فيه ولا نَصَبَ‏.



*تراكم الأحزان :

وكما اشتدت وطأة أهل مكة على النبي صلى الله عليه وسلم اشتدت على أصحابهحتى التجأ رفيقه أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى الهجرة عن مكة، فخرج حتىبلغ بَرْك الغِمَاد، يريد الحبشة، فأرجعه ابن الدُّغُنَّة في جواره‏.‏
وقعت هاتان الحادثتان المؤلمتان خلال أيام معدودة، فاهتزت مشاعر الحزنوالألم في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لم تزل تتوالى عليهالمصائب من قومه‏.‏ فإنهم تجرأوا عليه وكاشفوه بالنكال والأذى بعد موت أبيطالب، فازداد غمًا على غم، حتى يئس منهم، وخرج إلى الطائف رجاء أنيستجيبوا لدعوته، أو يؤووه وينصروه على قومه، فلم ير من يؤوى ولم يرناصرًا، بل آذوه أشد الأذى، ونالوا منه ما لم ينله قومه‏.‏


قال ابن إسحاق‏:‏ لما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليهوسلم من الأذى ما لم تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاءقريش فنثر على رأسه ترابًا، ودخل بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدىبناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكى، ورسول الله صلى الله عليه وسلميقول لها‏:‏ ‏(‏لا تبكى يابنية، فإن الله مانع أباك‏)‏‏.‏ قال‏:‏ ويقولبين ذلك‏:‏ ‏(‏ما نالت منى قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب‏)‏‏.‏

ولأجل توالى مثل هذه الآلام في هذا العام سمى بعام الحزن، وعرف به في السيرة والتاريخ‏.

*الزواج بسودة رضي الله عنها‏‏ :

وفي شوال من هذه السنة سنة 10 من النبوة تزوج رسول الله صلى الله عليهوسلم سودة بنت زمعة، كانت ممن أسلم قديمًا وهاجرت الهجرة الثانية إلىالحبشة، وكان زوجها السكران بن عمرو، وكان قد أسلم وهاجر معها، فمات بأرضالحبشة، أو بعد الرجوع إلى مكة، فلما حلت خطبها رسول الله صلى الله عليهوسلم وتزوجها، وكانت أول امرأة تزوجها بعد وفاة خديجة، وكانت قد وهبتنوبتها لعائشة رضي الله عنها أخيرًا‏.

*عوامل الصبر والثبات :

وهنا يقف الحليم حيران، ويتساءل عقلاء الرجال فيما بينهم‏:‏ ما هي الأسبابوالعوامل التي بلغت بالمسلمين إلى هذه الغاية القصوى، والحد المعجز منالثبات‏؟‏ كيف صبروا على هذه الاضطهادات التي تقشعر لسماعها الجلود، وترجفلها الأفئدة‏؟‏ ونظرًا إلى هذا الذي يتخالج القلوب نرى أن نشير إلى بعضهذه العوامل والأسباب إشارة عابرة بسيطة‏:‏


1 الإيمان بالله‏:‏

إن السبب الرئيسي في ذلك أولًا وبالذات هو الإيمان بالله وحده ومعرفته حقالمعرفة، فالإيمان الجازم إذا خالطت بشاشته القلوب يزن الجبال ولا يطيش،وإن صاحب هذا الإيمان المحكم وهذا اليقين الجازم يرى متاعب الدنيا مهماكثرت وكبرت وتفاقمت واشتدت يراها في جنب إيمانه طحالب عائمة فوق سَيْلجارف جاء ليكسر السدود المنيعة والقلاع الحصينة، فلا يبالى بشيء من تلكالمتاعب أمام ما يجده من حلاوة إيمانه، وطراوة إذعانه، وبشاشة يقينه ‏{‏فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَفَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏17‏]‏‏.‏

ويتفرع من هذا السبب الوحيد أسباب أخرى تقوى هذا الثبات والمصابرة وهي‏:‏

2 قيادة تهوى إليها الأفئدة‏:‏

فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو القائد الأعلى للأمة الإسلامية، بلوللبشرية جمعاء يتمتع من جمال الخلق، وكمال النفس، ومكارم الأخلاق، والشيمالنبيلة، والشمائل الكريمة، بما تتجاذب إليه القلوب وتتفإني دونه النفوس،وكانت أنصبته من الكمال الذي يحبَّبُ لم يرزق بمثلها بشر‏.‏ وكان على أعلىقمة من الشرف والنبل والخير والفضل‏.‏ وكان من العفة والأمانة والصدق، ومنجميع سبل الخير على ما لم يتمار ولم يشك فيه أعداؤه فضلًا عن محبيهورفقائه، لا تصدر منه كلمة إلا ويستيقنون صدقها‏.‏

اجتمع ثلاثة نفر من قريش، وكان قد استمع كل واحد منهم إلى القرآن سرًا عنصاحبيه، ثم انكشف سرهم، فسأل أحدهم أبا جهل وكان من أولئك الثلاثة‏:‏ مارأيك فيما سمعت من محمد‏؟‏ فقال‏:‏ ماذا سمعت‏؟‏ تنازعنا نحن وبنو عبدمناف الشرف؛ أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذاتحاذينا على الركب، وكنا كَفَرَسىْ رِهَان قالوا‏:‏ لنا نبى يأتيه الوحىمن السماء، فمتى ندرك هذه‏؟‏ والله لا نؤمن به أبدًا، ولا نصدقه‏.‏

وكان أبو جهل يقول‏:‏ يا محمد، إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به، فأنزلالله‏:‏‏{‏ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَبِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏33‏]‏‏.‏

وغمزه صلى الله عليه وسلم الكفار يومًا ثلاث مرات فقال في الثالثة‏:‏‏(‏يا معشر قريش، جئتكم بالذبح‏)‏، فأخذتهم تلك الكلمة حتى إن أشدهم عداوةيرفؤه بأحسن ما يجد عنده‏.‏

ولما ألقوا عليه سَلاَ جَزُورٍ وهو ساجد، دعا عليهم، فذهب عنهم الضحك، وساورهم الهم والقلق، وأيقنوا أنهم هالكون‏.‏

ودعا على عتبة بن أبي لهب فلم يزل على يقين من لقاء ما دعا به عليه حتى إنه حين رأي الأسد قال‏:‏ قتلنى والله محمد وهو بمكة‏.‏

وكان أبي بن خلف يتوعده بالقتل‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏بل أنا أقتلك إن شاءالله‏)‏، فلما طعن أبيًا في عنقه يوم أحد وكان خدشًا غير كبير كان أبييقول‏:‏ إنه قد كان قال لى بمكة‏:‏ أنا أقتلك، فو الله لو بصق على لقتلنيوسيأتي‏.‏

وقال سعد بن معاذ وهو بمكة لأمية بن خلف‏:‏ لقد سمعت رسول الله صلى اللهعليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏إنهم أي المسلمين قاتلوك‏)‏ ففزع فزعًا شديدًا، وعهدألا يخرج عن مكة، ولما ألجأه أبو جهل للخروج يوم بدر اشترى أجود بعير بمكةليمكنه من الفرار، وقالت له امرأته‏:‏ يا أبا صفوان، وقد نسيت ما قال لكأخوك اليثربي‏؟‏ قال‏:‏ لا والله ما أريد أن أجوز معهم إلا قريبًا‏.‏

هكذا كان حال أعدائه صلى الله عليه وسلم،أما أصحابه ورفقاؤه فقد حل منهممحل الروح والنفس، وشغل منهم مكان القلب والعين، فكان الحب الصادق يندفعإليه اندفاع الماء إلى الحُدور، وكانت النفوس تنجذب إليه انجذاب الحديدإلى المغناطيس‏.‏

فصورته هيولى كل جسم ** ومغناطيس أفئدة الرجال

وكان من أثر هذا الحب والتفاني أنهم كانوا ليرضون أن تندق أعناقهم ولا يخدش له ظفر أو يشاك شوكة‏.‏

وطيء أبو بكر بن أبي قحافة يومًا بمكة، وضرب ضربًا شديدًا، دنا منه عتبةبن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفين ويحرفهما لوجهه، ونزا على بطن أبيبكر، حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوهمنزله، ولا يشكون في موته، فتكلم آخر النهار فقال‏:‏ ما فعل رسول الله صلىالله عليه وسلم‏؟‏ فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه، ثم قاموا وقالوا لأمه أمالخير‏:‏ انظرى أن تطعميه شيئًا أو تسقيه إياه، فلما خلت به ألحت عليه،وجعل يقول‏:‏ ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ فقالت‏:‏ والله لاعلم لى بصاحبك، فقال‏:‏ اذهبى إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجتحتى جاءت أم جميل فقالت‏:‏ إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله، قالت‏:‏ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلىابنك ذهبت، قالت‏:‏ نعم، فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعًا دنفًا، فدنتأم جميل وأعلنت بالصياح، وقالت‏:‏ والله إن قومًا نالوا هذا منك لأهل فسقوكفر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم، قال‏:‏ فما فعل رسول الله صلىالله عليه وسلم‏؟‏ قالت‏:‏ هذه أمك تسمع، قال‏:‏ فلا شيء علىك منها،قالت‏:‏ سالم صالح، فقال‏:‏ أين هو‏؟‏ قالت‏:‏ في دار ابن الأرقم، قال‏:‏فإن لله على ألا أذوق طعامًا ولا أشرب شرابًا أو آتى رسول الله صلى اللهعليه وسلم، فأمهلتا حتى إذا هدأت الرِّجْل، وسكن الناس خرجتا به، يتكئعليهما، حتى أدخلتاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وسننقل نوادر الحب والتفإني في مواضع شتى من هذا الكتاب، ولا سيما ما وقع في يوم أحد، وما وقع من خبيب وأمثاله‏.‏

3 الشعور بالمسئولية‏:‏

فكان الصحابة يشعرون شعورًا تامًا ما على كواهل البشر من المسئولية الفخمةالضخمة، وأن هذه المسئولية لا يمكن عنها الحياد والانحراف بحال، فالعواقبالتي تترتب على الفرار عن تحملها أشد وخامة وأكبر ضررًا عما هم فيه منالاضطهاد، وأن الخسارة التي تلحقهم وتلحق البشرية جمعاء بعد هذا الفرار لايقاس بحال على المتاعب التي كانوا يواجهونها نتيجة هذا التحمل‏.‏

4 الإيمان بالآخرة‏:‏

وهو مما كان يقوى هذا الشعور الشعور بالمسئولية فقد كانوا على يقين جازمبأنهم يقومون لرب العالمين، ويحاسبون على أعمالهم دقها وجلها، صغيرهاوكبيرها، فإما إلى النعيم المقيم، وإما إلى عذاب خالد في سواء الجحيم،فكانوا يقضون حياتهم بين الخوف والرجاء، يرجون رحمة ربهم ويخافون عذابه،وكانوا ‏{‏يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىرَبِّهِمْ رَاجِعُونَ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏60‏]‏، وكانوا يعرفون أن الدنيابعذابها ونعيمها لا تساوى جناح بعوضة في جنب الآخرة، وكانت هذه المعرفةالقوية تهون لهم متاعب الدنيا ومشاقها ومرارتها؛ حتى لم يكونوا يكترثونلها ويلقون إليها بالًا‏.‏

5 القرآن‏:‏

وفي هذه الفترات العصيبة الرهيبة الحالكة كانت تنزل السور والآيات تقيمالحجج والبراهين على صدق مبادئ الإسلام التي كانت الدعوة تدور حولهابأساليب منيعة خلابة، وترشد المسلمين إلى أسس قدر الله أن يتكون عليهاأعظم وأروع مجتمع بشرى في العالم وهو المجتمع الإسلامى وتثير مشاعرالمسلمين ونوازعهم على الصبر والتجلد، تضرب لذلك الأمثال، وتبين لهم مافيه من الحكم ‏{‏أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّايَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُوَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَاللّهِ قَرِيبٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏214 ‏]‏ ‏{‏الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنيُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْفَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَصَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏1‏:‏ 3‏]‏‏.‏

كما كانت تلك الآيات ترد على إيرادات الكفار والمعاندين ردًا مفحمًا، ولاتبقى لهم حيلة، ثم تحذرهم مرة عن عواقب وَخِيمَة إن أصروا على غيهموعنادهم في جلاء ووضوح، مستدلة بأيام الله، والشواهد التاريخية التي تدلعلى سنة الله في أوليائه وأعدائه، وتلطفهم مرة، وتؤدى حق التفهيم والإرشادوالتوجيه حتى ينصرفوا عما هم فيه من الضلال المبين‏.‏

وكان القرآن يسير بالمسلمين في عالم آخر، ويبصرهم من مشاهد الكون وجمالالربوبية، وكمال الألوهية، وآثار الرحمة والرأفة، وتجليات الرضوان مايحنون إليه حنينًا لا يقوم له أي عقبة‏.‏

وكانت في طى هذه الآيات خطابات للمسلمين، فيها ‏{‏يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمبِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌمُّقِيمٌ‏}‏ ‏[‏ التوبة‏:‏21 ‏]‏، وتصور لهم صورة أعدائهم من الكفرةالطغاة الظالمين يحاكمون ويصادرون، ثم ‏{‏يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِعَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏48‏]‏‏.‏

6 البشارات بالنجاح‏:‏

ومع هذا كله كان المسلمون يعرفون منذ أول يوم لاقوا فيه الشدة والاضطهادبل ومن قبله أن الدخول في الإسلام ليس معناه جر المصائب والحتوف، بل إنالدعوة الإسلامية تهدف منذ أول يومها إلى القضاء على الجاهلية الجهلاءونظامها الغاشم، وأن من نتائجها في الدنيا بسط النفوذ على الأرض، والسيطرةعلى الموقف السياسي في العالم لتقود الأمة الإنسانية والجمعية البشرية إلىمرضاة الله، وتخرجهم من عبادة العباد إلى عبادة الله‏.‏

وكان القرآن ينزل بهذه البشارات مرة بالصراحة وأخرى بالكناية ففي تلكالفترات القاصمة التي ضيقت الأرض على المسلمين، وكادت تخنقهم وتقضى علىحياتهم كانت تنزل الآيات بما جرى بين الأنبياء السابقين وبين أقوامهمالذين قاموا بتكذيبهم والكفر بهم، وكانت تشتمل هذه الآيات على ذكر الأحوالالتي تطابق تمامًا أحوال مسلمى مكة وكفارها، ثم تذكر هذه الآيات بما تمخضتعنه تلك الأحوال من إهلاك الكفرة والظالمين، وإيراث عباد الله الصالحينالأرض والديار‏.‏ فكانت في هذه القصص إشارات واضحة إلى فشل أهل مكة فيالمستقبل، ونجاح المسلمين مع نجاح الدعوة الإسلامية‏.‏

وفي هذه الفترات نزلت آيات تصرح ببشارة غلبة المؤمنين، قال تعالى‏:‏‏{‏وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْلَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ فَتَوَلَّعَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَأَفَبِعَذَابِن َا يَسْتَعْجِلُونَ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءصَبَاحُ الْمُنذَرِينَ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏171‏:‏ 177‏]‏،وقال‏:‏‏{‏سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏45‏]‏،وقال‏:‏ ‏{‏جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ‏}‏‏[‏ص‏:‏11]‏‏.‏ ونزلت في الذين هاجروا إلى الحبشة‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَهَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِيالدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْيَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏41‏]‏‏.‏ وسألوه عن قصة يوسف فأنزل الله فيطيها‏:‏ ‏{‏لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌلِّلسَّائِلِينَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏7‏]‏‏.‏ أي فأهل مكة السائلون يلاقون مالاقى إخوانه من الفشل، ويستسلمون كاستسلامهم، وقال وهو يذكر الرسل‏:‏‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْأَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْرَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنبَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ‏}‏‏[‏إبراهيم‏:‏13، 14‏]‏‏.‏وحينما كانت الحرب مشتعلة بين الفرس والرومان،وكان الكفار يحبون غلبة الفرس لكونهم مشركين، والمسلمون يحبون غلبةالرومان لكونهم مؤمنين بالله والرسل والوحى والكتب واليوم الآخر، وكانتالفرس يغلبون ويتقدمون، أنزل الله بشارة بغلبة الروم في بضع سنين، ولكنهلم يقتصر على هذه البشارة الواحدة، بل صرح ببشارة أخرى، وهي نصر اللهللمؤمنين حيث قال‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِاللَّه‏}‏ ‏[‏الروم‏: ‏4، 5‏]‏‏.‏

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه يقوم بمثل هذه البشارات بين آونةوأخرى، فكان إذا وافي الموسم، وقام بين الناس في عُكاظ، ومَجَنَّة، وذىالمَجَاز لتبليغ الرسالة، لم يكن يبشرهم بالجنة فحسب، بل يقول لهم بكلصراحة‏:‏ ‏(‏يأيها الناس، قولوا‏:‏ لا إله إلا الله تفلحوا، وتملكوا بهاالعرب، وتدين لكم بها العجم، فإذا متم كنتم ملوكًا في الجنة‏)‏‏.‏

وقد أسلفنا ما أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم عتبة بن ربيعة حين أرادمساومته على رغائب الدنيا، وما فهمه ورجاه عتبة من ظهور أمره عليه الصلاةوالسلام‏.‏

وكذلك ما أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم آخر وفد جاء إلى أبي طالب، فقدصرح لهم أنه يطلب منهم كلمة واحدة يعطونها تدين لهم بها العرب، ويملكونالعجم‏.‏

وقال خباب بن الأرت‏:‏ أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد برده وهوفي ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت‏:‏ ألا تدعو الله، فقعد،وهو محمر وجهه، فقال‏:‏ ‏(‏لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دونعظامه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسيرالراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله زاد بيان الراوى والذئب علىغنمه‏)‏ وفي رواية‏:‏ ‏(‏ولكنكم تستعجلون‏)‏

ولم تكن هذه البشارات مخفية مستورة، بل كانت فاشية مكشوفة، يعلمها الكفرة،كما كان يعلمها المسلمون، حتى كان الأسود بن المطلب وجلساؤه إذا رأواأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تغامزوا بهم، وقالوا‏:‏ قد جاءكم ملوكالأرض الذين يرثون كسرى وقيصر، ثم يصفرون ويصفقون‏.‏

وأمام هذه البشارات بالمستقبل المجيد المستنير في الدنيا، مع ما فيه منالرجاء الصالح الكبير البالغ إلى النهاية في الفوز بالجنة كان الصحابةيرون أن الاضطهادات التي تتوالى عليهم من كل جانب، والمصائب التي تحيط بهممن كل الأرجاء ليست إلا‏:‏ ‏(‏سحابة صيف عن قليل تقشع‏)‏‏.‏

هذا ولم يزل الرسول صلى الله عليه وسلم يغذى أرواحهم برغائب الإيمان،ويزكى نفوسهم بتعليم الحكمة والقرآن، ويربيهم تربية دقيقة عميقة، يحدوبنفوسهم إلى منازل سمو الروح، ونقاء القلب، ونظافة الخلق، والتحرر منسلطان الماديات، والمقاومة للشهوات، والنزوع إلى رب الأرض والسموات، ويذكىجمرة قلوبهم، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويأخذهم بالصبر على الأذى،والصفح الجميل، وقهر النفس‏.‏ فازدادوا رسوخًا في الدين،وعزوفا عنالشهوات، وتفانيًا في سبيل المرضاة، وحنينًا إلى الجنة، وحرصًا على العلم،وفقهًا في الدين، ومحاسبة للنفس، وقهرًا للنزعات وغلبة على العواطف،وتسيطرًا على الثائرات والهائجات، وتقيدًا بالصبر والهدوء والوقار‏.

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
المرحلة الثالثة: دعوة الإسلام خارج مكة



*الرسول صلى الله عليه وسلم في الطائف :

في شوال سنة عشر من النبوة ‏[‏في أواخر مايو أو أوائل يونيو سنة 619 م‏]‏خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، وهي تبعد عن مكة نحو ستينميلًا، سارها ماشيًا على قدميه جيئة وذهوبًا، ومعه مولاه زيد بن حارثة،وكان كلما مر على قبيلة في الطريق دعاهم إلى الإسلام، فلم تجب إليه واحدةمنها‏.‏

فلما انتهي إلى الطائف عمد ثلاثة إخوة من رؤساء ثقيف، وهم عبد ياليلومسعود وحبيب أبناء عمرو بن عمير الثقفي، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله،وإلى نصرة الإسلام، فقال أحدهم‏:‏ هو يَمْرُط ثياب الكعبة ‏[‏أي يمزقها‏]‏إن كان الله أرسلك‏.‏ وقال الآخر‏:‏ أما وَجَدَ الله أحدًا غيرك، وقالالثالث‏:‏والله لا أكلمك أبدًا، إن كنت رسولًا لأنت أعظم خطرًا من أن أردعليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغى أن أكلمك‏.‏ فقام عنهم رسولالله صلى الله عليه وسلم وقال لهم‏:‏ ‏[‏إذ فعلتم ما فعلتم فاكتمواعني‏]‏‏.‏

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أهل الطائف عشرة أيام، لا يدعأحدًا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه، فقالوا‏:‏ اخرج من بلادنا‏.‏ وأغروا بهسفهاءهم، فلما أراد الخروج تبعه سفهاؤهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به، حتىاجتمع عليه الناس، فوقفوا له سِمَاطَيْن ‏[‏أي صفين‏]‏ وجعلوا يرمونهبالحجارة، وبكلمات من السفه، ورجموا عراقيبه، حتى اختضب نعلاه بالدماء‏.‏وكان زيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شِجَاج في رأسه، ولم يزل بهالسفهاء كذلك حتى ألجأوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة على ثلاثة أميالمن الطائف، فلما التجأ إليه رجعوا عنه، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلمإلى حُبْلَة من عنب فجلس تحت ظلها إلى جدار‏.‏ فلما جلس إليه واطمأن، دعابالدعاء المشهور الذي يدل على امتلاء قلبه كآبة وحزنًا مما لقى من الشدة،وأسفًا على أنه لم يؤمن به أحد، قال‏:‏

‏(‏اللهم إليك أشكو ضَعْف قُوَّتِى، وقلة حيلتى، وهوإني على الناس، ياأرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تَكِلُنى‏؟‏ إلى بعيديَتَجَهَّمُنِى‏؟‏ أم إلى عدو ملكته أمري‏؟‏ إن لم يكن بك عليّ غضب فلاأبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات،وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سَخَطُك، لكالعُتْبَى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك‏)‏‏.‏

فلما رآه ابنا ربيعة تحركت له رحمهما، فدعوا غلامًا لهما نصرانيًا يقالله‏:‏ عَدَّاس، وقالا له‏:‏خذ قطفًا من هذا العنب، واذهب به إلى هذاالرجل‏.‏ فلما وضعه بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مد يده إليهقائلًا‏:‏ ‏(‏باسم الله‏)‏ ثم أكل‏.‏

فقال عداس‏:‏ إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول اللهصلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من أي البلاد أنت‏؟‏ وما دينك‏؟‏ قال‏:‏ أنانصراني من أهل نِينَوَى‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ من قريةالرجل الصالح يونس بن مَتَّى‏)‏‏.‏ قال له‏:‏ وما يدريك ما يونس ابنمتى‏؟‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ذاك أخي، كان نبيًا وأنانبي‏)‏، فأكب عداس على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويديه ورجليهيقبلها‏.‏

فقال ابنا ربيعة أحدهما للآخر‏:‏ أما غلامك فقد أفسده عليك‏.‏ فلما جاءعداس قالا له‏:‏ ويحك ما هذا‏؟‏ قال‏:‏ يا سيدى، ما في الأرض شيء خير منهذا الرجل، لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلا نبى، قالا له‏:‏ ويحك يا عداس ،لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه‏.‏

ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق مكة بعد خروجه من الحائطكئيبًا محزونًا كسير القلب، فلما بلغ قرن المنازل بعث الله إليه جبريلومعه ملك الجبال، يستأمره أن يطبق الأخشبين على أهل مكة‏.‏

وقد روى البخاري تفصيل القصة بسنده عن عروة بن الزبير، أن عائشة رضي اللهعنها حدثته أنها قالت للنبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ هل أتى عليك يوم كانأشد عليك من يوم أحد‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏لقيت من قومكِ ما لقيت، وكان أشد مالقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يالِيل بن عبد كُلاَل،فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنابقَرْنِ الثعالب وهو المسمى بقَرْنِ المنازل فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابةقد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال‏:‏ إن الله قد سمع قولقومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئتفيهم‏.‏ فناداني ملك الجبال، فسلم عليّ ثم قال‏:‏ يا محمد، ذلك، فما شئت،إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين أي لفعلت، والأخشبان‏:‏ هما جبلا مكة‏:‏أبو قُبَيْس والذي يقابله، وهو قُعَيْقِعَان قال النبي صلى الله عليهوسلم‏:‏ بل أرجو أن يخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله عز وجل وحدهلا يشرك به شيئا‏)‏‏.‏

وفي هذا الجواب الذي أدلى به الرسول صلى الله عليه وسلم تتجلى شخصيته الفذة، وما كان عليه من الخلق العظيم لا يدرك غوره‏.‏

وأفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم واطمأن قلبه لأجل هذا النصر الغيبىالذي أمده الله عليه من فوق سبع سموات، ثم تقدم في طريق مكة حتى بلغ وادىنخلة، وأقام فيه أيامًا‏.‏ وفي وادى نخلة موضعان يصلحان للإقامة السَّيْلالكبير والزَّيْمَة لما بهما من الماء والخصب، ولم نقف على مصدر يعين موضعإقامته صلى الله عليه وسلم فيه‏.‏

وخلال إقامته صلى الله عليه وسلم هناك بعث الله إليه نفرًا من الجن ذكرهمالله في موضعين من القرآن‏:‏ في سورة الأحقاف‏:‏ ‏{‏وَإِذْ صَرَفْنَاإِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّاحَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِممُّنذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِنبَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّوَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِوَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْعَذَابٍ أَلِيمٍ‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏29‏:‏ 31‏]‏‏.‏

وفي سورة الجن‏:‏ ‏{‏قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَالْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَىالرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا‏}‏ إلى تمامالآية الخامسة عشر ‏[‏ الجن‏: ‏1: 15‏]‏‏.‏

ومن سياق هذه الآيات وكذا من سياق الروايات التي وردت في تفسير هذا الحادثيتبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم حضور ذلك النفر من الجن حينحضروا وسمعوا، وإنما علم بعد ذلك حين أطلعه الله عليه بهذه الآيات، وأنحضورهم هذا كان لأول مرة، ويقتضى سياق الروايات أنهم وفدوا بعد ذلكمرارًا‏.‏

وحقًا كان هذا الحادث نصرًا آخر أمده الله من كنوز غيبه المكنون بجنودهالتي لا يعلمها إلا هو، ثم إن الآيات التي نزلت بصدد هذا الحادث كانت فيطيها بشارات بنجاح دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن أي قوة من قواتالكون لا تستطيع أن تحول بينها وبين نجاحها‏:‏ ‏{‏وَمَن لَّا يُجِبْدَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِندُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏32]‏،‏{‏وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَننُّعْجِزَهُ هَرَبًا‏}‏ ‏[‏الجن‏:‏12‏]‏‏.‏

أمام هذه النصرة، وأمام هذه البشارات، أقشعت سحابة الكآبة والحزن واليأسالتي كانت مطبقة عليه منذ أن خرج من الطائف مطرودًا مدحورًا، حتى صمم علىالعود إلى مكة، وعلى القيام باستئناف خطته الأولى في عرض الإسلام وإبلاغرسالة الله الخالدة بنشاط جديد وبجد وحماس‏.‏

وحينئذ قال له زيد بن حارثة‏:‏ كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك‏؟‏ يعنى قريشًا،فقال‏:‏ ‏(‏يا زيد، إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا، وإن الله ناصردينه، ومظهر نبيه‏)‏‏.‏ وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا دنا منمكة مكث بحِرَاء، وبعث رجلًا من خزاعة إلى الأخنس بن شَرِيق ليجيره،فقال‏:‏ أنا حليف، والحليف لا يجير ، فبعث إلى سهيل بن عمرو، فقال سهيل‏:‏إن بني عامر لا تجير على بني كعب، فبعث إلى المطعم بن عدى، فقال المطعم‏:‏نعم ، ثم تسلح ودعا بنيه وقومه ، فقال‏:‏ البسوا السلاح، وكونوا عند أركانالبيت، فإني قد أجرت محمدًا، ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏أن ادخل، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه زيد بن حارثة حتى انتهيإلى المسجد الحرام، فقام المطعم بن عدى على راحلته فنادى‏:‏ يا معشر قريش،إني قد أجرت محمدًا فلا يهجه أحد منكم، وانتهي رسول الله صلى الله عليهوسلم إلى الركن فاستلمه، وطاف بالبيت، وصلى ركعتين، وانصرف إلى بيته،ومطعم بن عدى وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته‏.‏

وقيل‏:‏ إن أبا جهل سأل مطعمًا‏:‏ أمجير أنت أم متابع مسلم‏؟‏‏.‏ قال‏:‏ بل مجير‏.‏ قال‏:‏ قد أجرنا من أجرت‏.‏

وقد حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم للمطعم هذا الصنيع، فقال في أسارىبدر‏:‏ ‏(‏لو كان المطعم بن عدى حيًا ثم كلمنى في هؤلاء النتنى لتركتهمله‏)‏‏.



*عرض الإسلام علي القبائل والأفراد :

في ذى القعدة سنة عشر من النبوة في أواخر يونيو أو أوائل يوليو سنة 619 معاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة؛ ليستأنف عرض الإسلام علىالقبائل والأفراد، ولاقتراب الموسم كان الناس يأتون إلى مكة رجالا، وعلىكل ضامر يأتين من كل فج عميق لأداء فريضة الحج، وليشهدوا منافع لهم،ويذكروا اسم الله في أيام معلومات، فانتهز رسول الله صلى الله عليه وسلمهذه الفرصة، فأتاهم قبيلة قبيلة يعرض عليهم الإسلام ويدعوهم إليه ، كماكان يدعوهم منذ السنة الرابعة من النبوة ، وقد بدأ يطلب منهم من هذه السنةالعاشرة أن يؤووه وينصروه ويمنعوه حتى يبلغ ما بعثه الله به‏.

*القبائل التي عرض عليها الإسلام :

قال الزهرى‏:‏ وكان ممن يسمى لنا من القبائل الذين أتاهم رسول الله صلىالله عليه وسلم، ودعاهم وعرض نفسه عليهم‏:‏ بنو عامر بن صَعْصَعَة،ومُحَارِب بن خَصَفَة، وفزارة، وغسان، ومرة، وحنيفة، وسليم، وعَبْس، وبنونصر، وبنو البَكَّاء، وكندة، وxxx، والحارث بن كعب، وعُذْرَة، والحضارمة،فلم يستجب منهم أحد‏.‏

وهذه القبائل التي سماها الزهرى لم يكن عرض الإسلام عليها في سنة واحدةولا في موسم واحد، بل إنما كان ما بين السنة الرابعة من النبوة إلى آخرموسم قبل الهجرة‏.‏ ولا يمكن تسمية سنة معينة لعرض الإسلام على قبيلةمعينة، ولكن الأكثر كان في السنة العاشرة‏.‏

أما كيفية عرض الإسلام على هذه القبائل، وكيف كانت ردودهم على هذا العرض فقد ذكرها ابن إسحاق، ونلخصها فيما يلي‏:‏

1 بنو xxx‏:‏ أتى النبي صلى الله عليه وسلم إلى بطن منهم يقال لهم‏:‏ بنوعبد الله، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، حتى إنه ليقول لهم‏:‏ ‏(‏يابني عبد الله، إن الله قد أحسن اسم أبيكم‏)‏، فلم يقبلوا منه ما عرضعليهم‏.‏

2 بنو حنيفة‏:‏ أتاهم في منازلهم فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، فلم يكن أحد من العرب أقبح عليه ردًا منهم‏.‏

3 وأتى إلى بني عامر بن صعصعة‏:‏ فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، فقالبَيْحَرَة بن فِرَاس ‏[‏رجل منهم‏]‏‏:‏ والله، لو إني أخذت هذا الفتى منقريش لأكلت به العرب، ثم قال‏:‏ أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهركالله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏الأمر إلى الله،يضعه حيث يشاء‏)‏، فقال له‏:‏ أفَتُهْدَفُ نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهركالله كان الأمر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك، فأبوا عليه‏.‏

ولما رجعت بنو عامر تحدثوا إلى شيخ لهم لم يواف الموسم لكبر سنه، وقالواله‏:‏ جاءنا فتى من قريش من بني عبد المطلب يزعم أنه نبى، يدعونا إلى أننمنعه ونقوم معه، ونخرج به إلى بلادنا، فوضع الشيخ يديه على رأسه ثمقال‏:‏ يا بني عامر وهل لها من تَلاَف‏؟‏ هل لذُنَابَاها من مَطْلَب‏؟‏والذي نفس فلان بيده ما تَقَوَّلَها إسماعيلى قط، وإنها لحق، فأين رأيكمكان عنكم‏؟‏‏.

*المؤمنون من غير أهل مكة :

وكما عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام على القبائل والوفود، عرضعلى الأفراد والأشخاص، وحصل من بعضهم على ردود صالحة، وآمن به عدة رجالبعد هذا الموسم بقليل، وهاك نبذة منهم‏:‏

1 سويد بن الصامت‏:‏

كان شاعرًا لبيبًا، من سكان يثرب، يسميه قومه ‏[‏الكامل‏]‏ لجلده وشعرهوشرفه ونسبه، جاء مكة حاجًا أو معتمرًا، فدعاه رسول الله صلى الله عليهوسلم إلى الإسلام، فقال‏:‏ لعل الذي معك مثل الذي معى‏.‏ فقال له رسولالله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏وما الذي معك‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ حكمة لقمان‏.‏قال‏:‏ ‏(‏اعرضها عليَّ‏)‏‏.‏ فعرضها، فقال له رسول الله صلى الله عليهوسلم‏:‏ ‏(‏إن هذا لكلام حسن، والذي معى أفضل من هذا؛ قرآن أنزله اللهتعالى عليّ، هو هدى ونور‏)‏، فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلمالقرآن، ودعاه إلى الإسلام، فأسلم، وقال‏:‏ إن هذا لقول حسن‏.‏ فلما قدمالمدينة لم يلبث أن قتل في وقعة بين الأوس والخزرج قبل يوم بعاث‏.‏والأغلب أنه أسلم في أوائل السنة الحادية عشرة من النبوة‏.‏

2 إياس بن معاذ‏:‏

كان غلامًا حدثا من سكان يثرب، قدم في وفد من الأوس، جاءوا يلتمسون الحلفمن قريش على قومهم من الخزرج، وذلك قبيل حرب بعاث في أوائل سنة 11 منالنبوة؛ إذ كانت نيران العداوة متقدة في يثرب بين القبيلتين وكان الأوسأقل عددًا من الخزرج فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقدمهمجاءهم، فجلس إليهم، وقال لهم‏:‏ ‏(‏هل لكم في خير مما جئتم له‏؟‏‏)‏فقالوا‏:‏ وما ذاك‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أنا رسول الله، بعثنى إلى العباد، أدعوهمإلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا، وأنزل عليّ الكتاب‏)‏، ثم ذكرلهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن‏.‏ فقال إياس بن معاذ‏:‏ أي قوم، هذاوالله خير مما جئتم له، فأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع رجل من الوفد حفنة منتراب البطحاء فرمى بها وجه إياس، وقال‏:‏ دعنا فلعمرى لقد جئنا لغير هذا،فصمت إياس، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرفوا إلى المدينة منغير أن ينجحوا في عقد حلف مع قريش‏.‏

وبعد رجوعهم إلى يثرب لم يلبث إياس أن هلك، وكان يهلل ويكبر ويحمد ويسبح عند موته، فلا يشكون أنه مات مسلمًا‏.‏

3 أبو ذر الغفاري‏:‏

وكان من سكان نواحي يثرب، ولعله لما بلغ إلى يثرب خبر مبعث النبي صلى اللهعليه وسلم بسويد بن الصامت وإياس بن معاذ، وقع في أذن أبي ذر أيضًا، وصارسببًا لإسلامه‏.‏

روى البخاري عن ابن عباس قال‏:‏ قال أبو ذر‏:‏ كنت رجلًا من غفار، فبلغناأن رجلًا قد خرج بمكة يزعم أنه نبى، فقلت لأخي‏:‏ انطلق إلى هذا الرجلوكلمه، وائتنى بخبره، فانطلق فلقيه، ثم رجع، فقلت‏:‏ ما عندك‏؟‏ فقال‏:‏والله، لقد رأيت رجلًا يأمر بالخير، وينهي عن الشر، فقلت له‏:‏ لم تشفنىمن الخبر، فأخذت جرابًا وعصا، ثم أقبلت إلى مكة، فجعلت لا أعرفه، وأكره أنأسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم وأكون في المسجد‏.‏ قال‏:‏ فمر بى عليّ‏.‏فقال‏:‏ كأن الرجل غريب‏؟‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ نعم‏.‏ فقال‏:‏ فانطلق إلىالمنزل، فانطلقت معه لا يسألنى عن شيء ولا أسأله ولا أخبره‏.‏ فلما أصبحتغدوت إلى المسجد لأسأل عنه، وليس أحد يخبرنى عنه بشيء‏.‏ قال‏:‏ فمر بىعليّ فقال‏:‏ أما نال للرجل يعرف منزله بعد‏؟‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏فانطلق معي، قال‏:‏ فقال‏:‏ ما أمرك‏؟‏ وما أقدمك هذه البلدة‏؟‏ قال‏:‏قلت له‏:‏إن كتمت عليّ أخبرتك، قال‏:‏ فإني أفعل، قال‏:‏ قلت له‏:‏ بلغناأنه قد خرج هاهنا رجل يزعم أنه نبى الله، فأرسلت أخي يكلمه فرجع ولم يشفنىمن الخبر، فأردت أن ألقاه‏.‏

فقال له‏:‏ أما إنك قد رشدت‏.‏ هذا وجهي إليه، ادخل حيث أدخل فإني إن رأيتأحدًا أخافه عليك قمت إلى الحائط كإني أصلح نعلى، وامض أنت‏.‏ فمضى ومضيتمعه حتى دخل، ودخلت معه على النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏فقلت له‏:‏اعرضعليّ الإسلام‏.‏ فعرضه، فأسلمت مكإني ، فقال لي‏:‏ ‏(‏يا أبا ذر، اكتم هذاالأمر، وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل‏)‏‏.‏ فقلت‏:‏ والذي بعثكبالحق لأصرخن بها بين أظهرهم، فجئت إلى المسجد، وقريش فيه ، فقلت‏:‏ يامعشر قريش، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ،فقالوا‏:‏ قوموا إلى هذا الصابئ‏.‏ فقاموا، فضربت لأموت، فأدركنى العباسفأكب عليّ، ثم أقبل عليهم فقال‏:‏ ويلكم تقتلون رجلًا من غفار‏؟‏ ومتجركموممركم على غفار، فأقلعوا عنى‏.‏ فلما أن أصبحت الغد، رجعت، فقلت مثل ماقلت بالأمس‏.‏ فقالوا‏:‏ قوموا إلى هذا الصابئ، فصنع بي ما صنع بالأمس،فأدركني العباس، فأكب عليّ وقال مثل مقالته بالأمس‏.‏

4 طُفَيْل بن عمرو الدَّوْسى‏:‏

كان رجلًا شريفًا، شاعرًا لبيبًا، رئيس قبيلة دوس، وكانت لقبيلته إمارة أوشبه إمارة في بعض نواحى اليمن، قدم مكة في عام 11 من النبوة، فاستقبلهأهلها قبل وصوله إليها، وبذلوا له أجل تحية وأكرم تقدير، وقالوا له‏:‏ ياطفيل، إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا، وقد فرقجماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر، يفرق بين الرجل وأبيه، وبينالرجل وأخيه ، وبين الرجل وزوجه، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخلعلينا، فلا تكلمه ولا تسمعن منه شيئًا‏.‏

يقول طفيل‏:‏ فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئًا، ولاأكلمه، حتى حشوت أذنى حين غدوت إلى المسجد كُرْسُفًا؛ فرقًا من أن يبلغنىشيء من قوله، قال‏:‏ فغدوت إلى المسجد فإذا هو قائم يصلى عند الكعبة، فقمتقريبًا منه، فأبي الله إلا أن يسمعنى بعض قوله، فسمعت كلامًا حسنًا، فقلتفي نفسى‏:‏ واثكل أمي، والله إني رجل لبيب شاعر؛ ما يخفي عليّ الحسن منالقبيح، فما يمنعنى أن أسمع من هذا الرجل ما يقول‏؟‏ فإن كان حسنًا قبلته،وإن كان قبيحًا تركته، فمكثت حتى انصرف إلى بيته فاتبعته، حتى إذا دخلبيته دخلت عليه، فعرضت عليه قصة مقدمى، وتخويف الناس إياي، وسد الأذنبالكرسف، ثم سماع بعض كلامه، وقلت له‏:‏ اعرض عليّ أمرك، فعرض عليّالإسلام، وتلا عليّ القرآن‏.‏ فوالله ما سمعت قولًا قط أحسن منه، ولاأمرًا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت له‏:‏ إني مطاع في قومى،وراجع إليهم، وداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لى آية، فدعا‏.‏

وكانت آيته أنه لما دنا من قومه جعل الله نورًا في وجهه مثل المصباح،فقال‏:‏ اللهم في غير وجهي‏.‏ أخشى أن يقولوا‏:‏ هذه مثلة، فتحول النورإلى سوطه، فدعا أباه وزوجته إلى الإسلام فأسلما، وأبطأ عليه قومه فيالإسلام، لكن لم يزل بهم حتى هاجر بعد الخندق، ومعه سبعون أو ثمانون بيتًامن قومه، وقد أبلى في الإسلام بلاء حسنًا، وقتل شهيدًا يوم اليمامة‏.‏

5 ضِمَاد الأزدى‏:‏

كان من أزْدِ شَنُوءَة من اليمن، وكان يرقى من هذا الريح، قدم مكة فسمعسفهاءها يقولون‏:‏ إن محمدًا مجنون، فقال‏:‏ لو إني أتيت هذا الرجل لعلالله يشفيه على يدى، فلقيه، فقال‏:‏ يا محمد، إني أرقى من هذا الريح، فهللك‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن الحمد لله نحمدهونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادى له، وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله‏.‏ أمابعد‏)‏‏.‏

فقال‏:‏ أعد عليّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله صلى الله عليهوسلم ثلاث مرات، فقال‏:‏ لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء،فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن قاموس البحر، هات يدك أبايعك علىالإسلام، فبايعه‏.‏

*ست نسمات طيبة من أهل يثرب :

وفي موسم الحج من سنة 11 من النبوة يوليو سنة 620م وجدت الدعوة الإسلاميةبذورًا صالحة، سرعان ما تحولت إلى شجرات باسقات، اتقى المسلمون في ظلالهاالوارفة لفحات الظلم والعدوان حتى تغير مجرى الأحداث وتحول خط التاريخ‏.‏

وكان من حكمته صلى الله عليه وسلم إزاء ما كان يلقى من أهل مكة من التكذيبوالصد عن سبيل الله أنه كان يخرج إلى القبائل في ظلام الليل، حتى لا يحولبينه وبينهم أحد من أهل مكة المشركين‏.‏

فخرج ليلة ومعه أبو بكر وعلى، فمر على منازل ذُهْل وشيبان بن ثعلبة ،وكلمهم في الإسلام‏.‏ وقد دارت بين أبي بكر وبين رجل من ذهل أسئلة وردودطريفة، وأجاب بنو شيبان بأرجى الأجوبة، غير أنهم توقفوا في قبولالإسلام‏.‏

ثم مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعقبة منى، فسمع أصوات رجال يتكلمونفعمدهم حتى لحقهم، وكانوا ستة نفر من شباب يثرب كلهم من الخزرج، وهم‏:‏

1 أسعد بن زُرَارة ‏[‏من بني النجار‏]‏‏.‏

2 عوف بن الحارث بن رفاعة ابن عَفْراء ‏[‏من بني النجار‏]‏‏.‏

3 رافع بن مالك بن العَجْلان ‏[‏من بني زُرَيْق‏]‏‏.‏

4 قُطْبَة بن عامر بن حديدة ‏[‏من بني سلمة‏]‏‏.‏

5 عُقْبَة بن عامر بن نابي ‏[‏من بني حَرَام بن كعب ‏]‏‏.‏

6 جابر بن عبد الله بن رِئاب ‏[‏من بني عبيد بن غَنْم ‏]‏‏.‏

وكان من سعادة أهل يثرب أنهم كانوا يسمعون من حلفائهم من يهود المدينة،إذا كان بينهم شيء، أن نبيًا من الأنبياء مبعوث في هذا الزمان سيخرج،فنتبعه، ونقتلكم معه قتل عاد وإرم‏.‏

فلما لحقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم‏:‏ ‏(‏من أنتم‏؟‏‏)‏قالوا‏:‏ نفر من الخزرج، قال‏:‏ ‏(‏من موالى اليهود‏؟‏‏)‏ أي حلفائهم،قالوا‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏أفلا تجلسون أكلمكم‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ بلى، فجلسوامعه، فشرح لهم حقيقة الإسلام ودعوته، ودعاهم إلى الله عز وجل، وتلا عليهمالقرآن‏.‏ فقال بعضهم لبعض‏:‏ تعلمون والله يا قوم، إنه للنبى الذي توعدكمبه يهود، فلا تسبقنكم إليه، فأسرعوا إلى إجابة دعوته، وأسلموا‏.‏

وكانوا من عقلاء يثرب، أنهكتهم الحرب الأهلية التي مضت قريبًا، والتي لايزال لهيبها مستعرًا، فأملوا أن تكون دعوته سببًا لوضع الحرب، فقالوا‏:‏إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أنيجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناكإليه من هذا الدين ، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك‏.‏

ولما رجع هؤلاء إلى المدينة حملوا إليها رسالة الإسلام، حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيه ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

*استطراد زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة :

وفي شوال من هذه السنة سنة 11 من النبوة تزوج رسول الله صلى الله عليهوسلم عائشة الصديقة رضي الله عنها وهي بنت ست سنين وبني بها بالمدينة فيشوال في السنة الأولى من الهجرة وهي بنت تسع سنين‏.

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
الإسراء والمعراج



وبينما النبي صلى الله عليه وسلم يمر بهذه المرحلة، وأخذت الدعوة تشقطريقًا بين النجاح والاضطهاد، وبدأت نجوم الأمل تتلمح في آفاق بعيدة، وقعحادث الإسراء والمعراج‏.‏ واختلف في تعيين زمنه على أقوال شتى‏:‏

1 فقيل‏:‏ كان الإسراء في السنة التي أكرمه الله فيها بالنبوة، واختاره الطبرى‏.‏

2 وقيل‏:‏ كان بعد المبعث بخمس سنين، رجح ذلك النووى والقرطبى‏.‏

3 وقيل‏:‏ كان ليلة السابع والعشرين من شهر رجب سنة 10 من النبوة‏.‏

4 وقيل‏:‏ قبل الهجرة بستة عشر شهرًا، أي في رمضان سنة 12 من النبوة‏.‏

5 وقيل‏:‏ قبل الهجرة بسنة وشهرين، أي في المحرم سنة 13 من النبوة‏.‏

6 وقيل‏:‏ قبل الهجرة بسنة، أي في ربيع الأول سنة 13 من النبوة‏.‏

وَرُدَّتِ الأقوالُ الثلاثة الأول بأن خديجة رضي الله عنها توفيت في رمضانسنة عشر من النبوة، وكانت وفاتها قبل أن تفرض الصلوات الخمس‏.‏ ولا خلافأن فرض الصلوات الخمس كان ليلة الإسراء‏.‏ أما الأقوال الثلاثة الباقيةفلم أجد ما أرجح به واحدًا منها، غير أن سياق سورة الإسراء يدل على أنالإسراء متأخر جدًا‏.‏

وروى أئمة الحديث تفاصيل هذه الوقعة، وفيما يلي نسردها بإيجاز‏:‏

قال ابن القيم‏:‏ أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم بجسده على الصحيح منالمسجد الحرام إلى بيت المقدس، راكبًا على البُرَاق، صحبة جبريل عليهماالصلاة والسلام، فنزل هناك، وصلى بالأنبياء إمامًا، وربط البراق بحلقة بابالمسجد‏.‏

ثم عرج به تلك الليلة من بيت المقدس إلى السماء الدنيا، فاستفتح له جبريلففتح له، فرأي هنالك آدم أبا البشر، فسلم عليه، فرحب به ورد عليه السلام،وأقر بنبوته، وأراه الله أرواح السعداء عن يمينه، وأرواح الأشقياء عنيساره‏.‏

ثم عرج به إلى السماء الثانية، فاستفتح له، فرأي فيها يحيى بن زكريا وعيسىابن مريم، فلقيهما وسلم عليهما، فردا عليه ورحبا به، وأقرّا بنبوته‏.‏

ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فرأي فيها يوسف، فسلم عليه فرد عليه ورحب به، وأقر بنبوته‏.‏

ثم عرج به إلى السماء الرابعة، فرأي فيها إدريس، فسلم عليه، فرد عليه، ورحب به، وأقر بنبوته‏.‏

ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فرأي فيها هارون بن عمران، فسلم عليه، فرد عليه ورحب به، وأقر بنبوته‏.‏

ثم عرج به إلى السماء السادسة، فلقى فيها موسى بن عمران، فسلم عليه، فرد عليه ورحب به، وأقر بنبوته‏.‏

فلما جاوزه بكى موسى، فقيل له‏:‏ ما يبكيك ‏؟‏ فقال‏:‏ أبكى؛ لأن غلامًا بعث من بعدى يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتى‏.‏

ثم عرج به إلى السماء السابعة، فلقى فيها إبراهيم عليه السلام، فسلم عليه، فرد عليه، ورحب به، وأقر بنبوته‏.‏

ثم رفع إلى سدرة المنتهى، فإذا نَبْقُها مثل قِلاَل هَجَر، وإذا ورقها مثلآذان الفيلة، ثم غشيها فراش من ذهب، ونور وألوان، فتغيرت، فما أحد من خلقالله يستطيع أن يصفها من حسنها‏.‏ ثم رفع له البيت المعمور، وإذا هو يدخلهكل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون‏.‏ ثم أدخل الجنة، فإذا فيها حبائلاللؤلؤ، وإذا ترابها المسك‏.‏ وعرج به حتى ظهر لمستوى يسمع فيه صَرِيفالأقلام‏.‏

ثم عرج به إلى الجبّار جل جلاله، فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى،فأوحى إلى عبده ما أوحى، وفرض عليه خمسين صلاة، فرجع حتى مرّ على موسىفقال له‏:‏ بم أمرك ربك‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏بخمسين صلاة‏)‏‏.‏ قال‏:‏ إن أمتك لاتطيق ذلك، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فالتفت إلى جبريل، كأنهيستشيره في ذلك، فأشار‏:‏ أن نعم إن شئت، فعلا به جبريل حتى أتى به الجبارتبارك وتعالى، وهو في مكانه هذا لفظ البخاري في بعض الطرق فوضع عنه عشرًا،ثم أنزل حتى مر بموسى، فأخبره، فقال‏:‏ ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فلميزل يتردد بين موسى وبين الله عز وجل، حتى جعلها خمسًا، فأمره موسىبالرجوع وسؤال التخفيف، فقال‏:‏ ‏(‏قد استحييت من ربي، ولكني أرضىوأسلم‏)‏، فلما بعد نادى مناد‏:‏ قد أمضيت فريضتى وخففت عن عبادى‏.‏انتهي‏.‏

ثم ذكر ابن القيم خلافًا في رؤيته صلى الله عليه وسلم ربه تبارك وتعالى،ثم ذكر كلامًا لابن تيمية بهذا الصدد، وحاصل البحث أن الرؤية بالعين لمتثبت أصلًا، وهو قول لم يقله أحد من الصحابة‏.‏ وما نقل عن ابن عباس منرؤيته مطلقًا ورؤيته بالفؤاد فالأول لا ينافي الثاني‏.‏

ثم قال‏:‏ وأما قوله تعالى في سورة النجم‏:‏ ‏{‏ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى‏}‏‏[‏النجم‏:‏8‏]‏ فهو غير الدنو الذي في قصة الإسراء، فإن الذي في سورةالنجم هو دنو جبريل وتدليه، كما قالت عائشة وابن مسعود، والسياق يدل عليه،وأما الدنو والتدلى في حديث الإسراء فذلك صريح في أنه دنو الرب تباركوتعالى وتدليه، ولا تعرض في سورة النجم لذلك، بل فيه أنه رآه نزلة أخرىعند سدرة المنتهى‏.‏ وهذا هو جبريل، رآه محمد صلى الله عليه وسلم علىصورته مرتين‏:‏ مرة في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى، والله أعلم‏.‏انتهى‏.‏

وقد جاء في بعض الطرق أن صدره صلى الله عليه وسلم شق في هذه المرة أيضًا،وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الرحلة أمورًا عديدة‏:‏

عرض عليه اللبن والخمر، فاختار اللبن، فقيل‏:‏ هديت الفطرة أو أصبت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك‏.‏

ورأي أربعة أنهار يخرجن من أصل سدرة المنتهى‏:‏ نهران ظاهران ونهرانباطنان، فالظاهران هما‏:‏ النيل والفرات، عنصرهما‏.‏ والباطنان‏:‏ نهرانفي الجنة‏.‏ ولعل رؤية النيل والفرات كانت إشارة إلى تمكن الإسلام من هذينالقطرين، والله أعلم‏.‏

ورأى مالكًا خازن النار، وهو لا يضحك، وليس على وجهه بشر ولا بشاشة، وكذلك رأي الجنة والنار‏.‏

ورأى أكلة أموال اليتامى ظلمًا لهم مشافر كمشافر الإبل، يقذفون في أفواههم قطعًا من نار كالأفهار، فتخرج من أدبارهم‏.‏

ورأى أكلة الربا لهم بطون كبيرة لا يقدرون لأجلها أن يتحولوا عن أماكنهم، ويمر بهم آل فرعون حين يعرضون على النار فيطأونهم‏.‏

ورأى الزناة بين أيديهم لحم سمين طيب، إلى جنبه لحم غث منتن، يأكلون من الغث المنتن، ويتركون الطيب السمين‏.‏

ورأى النساء اللاتى يدخلن على الرجال من ليس من أولادهم، رآهن معلقات بثديهن‏.‏

ورأى عيرًا من أهل مكة في الإياب والذهاب، وقد دلهم على بعير نَدَّ لهم،وشرب ماءهم من إناء مغطى وهم نائمون، ثم ترك الإناء مغطى، وقد صار ذلكدليلًا على صدق دعواه في صباح ليلة الإسراء‏.‏

قال ابن القيم‏:‏ فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم في قومه أخبرهمبما أراه الله عز وجل من آياته الكبرى، فاشتد تكذيبهم له وأذاهمواستضرارهم عليه، وسألوه أن يصف لهم بيت المقدس، فجلاه الله له، حتىعاينه، فطفق يخبرهم عن آياته، ولا يستطيعون أن يردوا عليه شيئًا، وأخبرهمعن عيرهم في مسراه ورجوعه، وأخبرهم عن وقت قدومها، وأخبرهم عن البعير الذييقدمها، وكان الأمر كما قال، فلم يزدهم ذلك إلا نفورًا، وأبي الظالمون إلاكفورًا ‏.‏

يقال‏:‏ سُمى أبو بكر رضي الله عنه صديقًا؛ لتصديقه هذه الوقعة حين كذبها الناس‏.‏

وأوجز وأعظم ما ورد في تعليل هذه الرحلة هو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِنُرِيَهُمِنْ آيَاتِنَا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 1‏]‏ وهذه سنة الله في الأنبياء، قال‏:‏‏{‏وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِوَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏75‏]‏، وقال لموسى عليهالسلام‏:‏ ‏{‏لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏23‏]‏، وقدبين مقصود هذه الإراءة بقوله‏:‏ ‏{‏وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ‏}‏فبعد استناد علوم الأنبياء إلى رؤية الآيات يحصل لهم من عين اليقين ما لايقادر قدره، وليس الخبر كالمعاينة، فيتحملون في سبيل الله ما لا يتحملغيرهم، وتصير جميع قوات الدنيا عندهم كجناح بعوضة لا يعبأون بها إذا ماتدول عليهم بالمحن والعذاب‏.‏

والحكم والأسرار التي تكمن وراء جزئيات هذه الرحلة إنما محل بحثها كتبأسرار الشريعة، ولكن هنا حقائق بسيطة تتفجر من ينابيع هذه الرحلةالمباركة، وتتدفق إلى حدائق أزهار السيرة النبوية على صاحبها الصلاةوالسلام والتحية أرى أن أسجل بعضًا منها بالإيجاز‏:‏

يرى القارئ في سورة الإسراء أن الله ذكر قصة الإسراء في آية واحدة فقط، ثمأخذ في ذكر فضائح اليهود وجرائمهم، ثم نبههم بأن هذا القرآن يهدى للتى هيأقوم، فربما يظن القارئ أن الآيتين ليس بينهما ارتباط، والأمر ليس كذلك،فإن الله تعالى يشير بهذا الأسلوب إلى أن الإسراء إنما وقع إلى بيتالمقدس؛ لأن اليهود سيعزلون عن منصب قيادة الأمة الإنسانية؛ لما ارتكبوامن الجرائم التي لا مجال بعدها لبقائهم على هذا المنصب، وإن الله سينقلهذا المنصب فعلا إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ويجمع له مركزى الدعوةالإبراهيمية كليهما، فقد آن أوان انتقال القيادة الروحية من أمة إلى أمة؛من أمة ملأت تاريخها بالغدر والخيانة والإثم والعدوان، إلى أمة تتدفقبالبر والخيرات، ولا يزال رسولها يتمتع بوحى القرآن الذي يهدى للتى هيأقوم‏.‏

ولكن كيف تنتقل هذه القيادة، والرسول يطوف في جبال مكة مطرودًا بينالناس‏؟‏ هذا السؤال يكشف الغطاء عن حقيقة أخرى، وهي أن عهدًا من هذهالدعوة الإسلامية قد أوشك إلى النهاية والتمام، وسيبدأ عهد آخر جديد يختلفعن الأول في مجراه، ولذلك نرى بعض الآيات تشتمل على إنذار سافر ووعيد شديدبالنسبة إلى المشركين ‏{‏ وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةًأَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُفَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنبَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًَابَصِيرًا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏16، 17‏]‏ وبجنب هذه الآيات آيات أخرى تبينللمسلمين قواعد الحضارة وبنودها ومبادئها التي يبتنى عليها مجتمعهمالإسلامى، كأنهم قد أووا إلى أرض امتلكوا فيها أمورهم من جميع النواحى،وكونوا وحدة متماسكة تدور عليها رحى المجتمع، ففيه إشارة إلى أن الرسولصلى الله عليه وسلم سيجد ملجأ ومأمنًا يستقر فيه أمره، ويصير مركزًا لبثدعوته في أرجاء الدنيا‏.‏ هذا سر من أسرار هذه الرحلة المباركة، يتصلببحثنا فآثرنا ذكره‏.‏

ولأجل هذه الحكمة وأمثالها نرى أن الإسراء إنما وقع إما قبيل بيعة العقبة الأولى أو بين العقبتين، والله أعلم‏.

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
*بيعة العقبة الأولى :

قد ذكرنا أن ستة نفر من أهل يثرب أسلموا في موسم الحج سنة 11 من النبوة،ووعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بإبلاغ رسالته في قومهم‏.‏

وكان من جراء ذلك أن جاء في الموسم التالي موسم الحج سنة 12 من النبوة،يوليو سنة 621م اثنا عشر رجلًا، فيهم خمسة من الستة الذين كانوا قد التقوابرسول الله صلى الله عليه وسلم في العام السابق والسادس الذي لم يحضر هوجابر بن عبد الله بن رِئاب وسبعة سواهم، وهم‏:‏

1 معاذ بن الحارث، ابن عفراء من بني النجار ‏[‏من الخزرج‏]‏

2 ذَكْوَان بن عبد القيس من بني زُرَيْق‏.‏ ‏[‏من الخزرج‏]‏

3 عبادة بن الصامت من بني غَنْم ‏[‏من الخزرج‏]‏

4 يزيد بن ثعلبة من حلفاء بني غنم ‏[‏من الخزرج‏]‏

5 العباس بن عُبَادة بن نَضْلَة من بني سالم ‏[‏من الخزرج‏]‏

6 أبو الهَيْثَم بن التَّيَّهَان من بني عبد الأشهل ‏[‏من الأوس‏]‏‏.‏

7 عُوَيْم بن ساعدة من بني عمرو بن عَوْف ‏[‏من الأوس‏]‏‏.‏

الأخيران من الأوس، والبقية كلهم من الخزرج‏.‏

التقى هؤلاء برسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة بمنى فبايعوه بيعة النساء، أي وفق بيعتهن التي نزلت بعد الحديبية‏.‏

روى البخاري عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏‏(‏تعالوا بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا،ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولاتعصوني في معروف، فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًافعوقب به في الدنيا، فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله،فأمره إلى الله؛ إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه‏)‏‏.‏ قال‏:‏ فبايعته وفينسخة‏:‏ فبايعناه على ذلك‏.

*سفير الإسلام في المدينة :

وبعد أن تمت البيعة وانتهى الموسم بعث النبي صلى الله عليه وسلم مع هؤلاءالمبايعين أول سفير في يثرب؛ ليعلم المسلمين فيها شرائع الإسلام، ويفقههمفي الدين، وليقوم بنشر الإسلام بين الذين لم يزالوا على الشرك، واختارلهذه السفارة شابًا من شباب الإسلام من السابقين الأولين، وهو مُصْعَب بنعُمَيْر العبدرى رضي الله عنه‏.

*النجاح المغتبط :

نزل مصعب بن عمير على أسعد بن زُرَارة، وأخذا يبثان الإسلام في أهل يثرب بجد وحماس، وكان مصعب يُعْرَف بالمقرئ‏.‏

ومن أروع ما يروى من نجاحه في الدعوة أن أسعد بن زرارة خرج به يومًا يريددار بني عبد الأشهل ودار بني ظَفَر، فدخلا في حائط من حوائط بني ظفر،وجلسا على بئر يقال لها‏:‏ بئر مَرَق، واجتمع إليهما رجال من المسلمينوسعد بن معاذ وأُسَيْد بن حُضَيْر سيدا قومهما من بني عبد الأشهل يومئذعلى الشرك فلما سمعا بذلك قال سعد لأسيد‏:‏ اذهب إلى هذين اللذين قد أتياليسفها ضعفاءنا فازجرهما، وانههما عن أن يأتيا دارينا، فإن أسعد بن زرارةابن خالتي، ولولا ذلك لكفيتك هذا‏.‏

فأخذ أسيد حربته وأقبل إليهما، فلما رآه أسعد قال لمصعب‏:‏ هذا سيد قومهقد جاءك فاصدق الله فيه، قال مصعب‏:‏ إن يجلس أكلمه‏.‏ وجاء أسيد فوقفعليهما متشتمًا، وقال‏:‏ ما جاء بكما إلينا‏؟‏ تسفهان ضعفاءنا‏؟‏ اعتزلاناإن كانت لكما بأنفسكما حاجة، فقال له مصعب‏:‏ أو تجلس فتسمع، فإن رضيتأمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره، فقال‏:‏ أنصفت، ثم ركز حربته وجلس،فكلمه مصعب بالإسلام، وتلا عليه القرآن‏.‏ قال‏:‏ فو الله لعرفنا في وجههالإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتهلله، ثم قال‏:‏ ما أحسن هذا وأجمله‏؟‏كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين‏؟‏

قالا له‏:‏ تغتسل، وتطهر ثوبك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلى ركعتين‏.‏فقام واغتسل، وطهر ثوبه وتشهد وصلى ركعتين، ثم قال‏:‏ إن ورائى رجلًا إنتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرشده إليكما الآن سعد بن معاذ ثم أخذحربته وانصرف إلى سعد في قومه، وهم جلوس في ناديهم‏.‏ فقال سعد‏:‏ أحلفبالله لقد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم‏.‏

فلما وقف أسيد على النادى قال له سعد‏:‏ ما فعلت‏؟‏ فقال‏:‏ كلمت الرجلين،فوالله ما رأيت بهما بأسًا، وقد نهيتهما فقالا‏:‏ نفعل ما أحببت‏.‏

وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه وذلك أنهم قدعرفوا أنه ابن خالتك لِيُخْفِرُوك‏.‏ فقام سعد مغضبًا للذى ذكر له، فأخذحربته، وخرج إليهما، فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدًا إنما أراد منه أنيسمع منهما، فوقف عليهما متشتمًا، ثم قال لأسعد بن زرارة‏:‏ والله يا أباأمامة، لولا ما بينى وبينك من القرابة ما رُمْتَ هذا منى، تغشانا في دارنابما نكره‏؟‏

وقد كان أسعد قال لمصعب‏:‏ جاءك والله سيد من ورائه قومه، إن يتبعك لميتخلف عنك منهم أحد، فقال مصعب لسعد بن معاذ‏:‏ أو تقعد فتسمع‏؟‏ فإن رضيتأمرًا قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره، قال‏:‏ قد أنصفت، ثم ركز حربتهفجلس‏.‏ فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن، قال‏:‏ فعرفنا والله فيوجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتهلّله، ثم قال‏:‏ كيف تصنعون إذاأسلمتم‏؟‏ قالا‏:‏ تغتسل، وتطهر ثوبك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلىركعتين‏.‏ ففعل ذلك‏.‏

ثم أخذ حربته فأقبل إلى نادى قومه، فلما رأوه قالوا‏:‏ نحلف بالله لقد رجع بغير الوجه الذي ذهب به‏.‏

فلما وقف عليهم قال‏:‏ يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمرى فيكم‏؟‏قالوا‏:‏ سيدنا وأفضلنا رأيًا، وأيمننا نقيبة، قال‏:‏ فإن كلام رجالكمونسائكم علىّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله‏.‏ فما أمسى فيهم رجل ولاامرأة إلا مسلمًا ومسلمة، إلا رجل واحد وهو الأُصَيْرِم تأخر إسلامه إلىيوم أحد، فأسلم ذلك اليوم وقاتل وقتل، ولم يسجد لله سجدة، فقال النبي صلىالله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏عمل قليلًا وأجر كثيرًا‏)‏‏.‏

وأقام مصعب في بيت أسعد بن زرارة يدعو الناس إلى الإسلام، حتى لم تبق دارمن دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من دار بني أميةبن زيد وخَطْمَة ووائل‏.‏ كان فيهم قيس بن الأسلت الشاعر وكانوا يطيعونهفوقف بهم عن الإسلام حتى كان عام الخندق سنة خمس من الهجرة‏.‏

وقبل حلول موسم الحج التالى أي حج السنة الثالثة عشرة عاد مصعب بن عميرإلى مكة يحمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشائر الفوز، ويقص عليهخبر قبائل يثرب، وما فيها من مواهب الخير، وما لها من قوة ومنعة‏.

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
*بيعة العقبة الثانية :

في موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من النبوة يونيو سنة 622م حضر لأداءمناسك الحج بضع وسبعون نفسًا من المسلمين من أهل يثرب،جاءوا ضمن حجاجقومهم من المشركين، وقد تساءل هؤلاء المسلمون فيما بينهم وهم لم يزالوا فييثرب أو كانوا في الطريق‏:‏ حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلميطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف‏؟‏

فلما قدموا مكة جرت بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم اتصالات سرية أدتإلى اتفاق الفريقين على أن يجتمعوا في أوسط أيام التشريق في الشعب الذيعند العقبة حيث الجمرة الأولى من منى، وأن يتم الاجتماع في سرية تامة فيظلام الليل‏.‏

ولنترك أحد قادة الأنصار يصف لنا هذا الاجتماع التاريخي الذي حول مجرىالأيام في صراع الوثنية والإسلام‏.‏ يقول كعب بن مالك الأنصاري رضي اللهعنه‏:‏

خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة من أوسطأيام التشريق، فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول اللهصلى الله عليه وسلم لها، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حَرَام أبو جابر، سيدمن ساداتنا، وشريف من أشرافنا، أخذناه معنا وكنا نكتم من معنا من قومنا منالمشركين أمرنا فكلمناه وقلنا له‏:‏ يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا،وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدًا‏.‏ثم دعوناه إلى الإسلام، وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلمإيانا العقبة، قال‏:‏ فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبًا‏.‏

قال كعب‏:‏ فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليلخرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، نتسلل تسللالقَطَا، مستخفين، حتى اجتمعنا في الشِّعْب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعونرجلًا، وامرأتان من نسائنا؛ نُسَيْبَة بنت كعب أم عُمَارة من بني مازن بنالنجار،وأسماء بنت عمرو أم منيع من بني سلمة‏.‏

فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا، ومعهعمه‏:‏ العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضرأمر ابن أخيه، ويتوثق له، وكان أول متكلم‏.



*بداية المحادثة وتشريح العباس لخطورة المسئولية :

وبعد أن تكامل المجلس بدأت المحادثات لإبرام التحالف الدينى والعسكرى،وكان أول المتكلمين هو العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليهوسلم، تكلم ليشرح لهم بكل صراحة خطورة المسئولية التي ستلقى على كواهلهمنتيجة هذا التحالف‏.‏ قال‏:‏

يا معشر الخزرج وكان العرب يسمون الأنصار خزرجًا، خزرجها وأوسها كليهما إنمحمدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينافيه،فهو في عز من قومه ومنعة في بلده‏.‏ وإنه قد أبي إلا الانحياز إليكمواللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممنخالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك‏.‏ وإن كنتم ترون أنكم مُسْلِمُوه وخاذلوهبعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه‏.‏ فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده‏.‏

قال كعب‏:‏ فقلنا له‏:‏ قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت‏.‏

وهذا الجواب يدل على ما كانوا عليه من عزم صميم، وشجاعة مؤمنة، وإخلاصكامل في تحمل هذه المسئولية العظيمة، وتحمل عواقبها الخطيرة‏.‏

وألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بيانه، ثم تمت البيعة‏.

*بنود البيعة :

وقد روى ذلك الإمام أحمد عن جابر مفصلًا‏.‏ قال جابر‏:‏ قلنا‏:‏ يا رسول الله، علام نبايعك‏؟‏ قال‏:‏

‏(‏على السمع والطاعة في النشاط والكسل‏.‏

وعلى النفقة في العسر واليسر‏.‏

وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏.‏

وعلى أن تقوموا في الله، لا تأخذكم في الله لومة لائم‏.‏

وعلى أن تنصرونى إذا قدمت إليكم، وتمنعونى مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة‏)‏‏.‏

وفي رواية كعب التي رواها ابن إسحاق البند الأخير فقط من هذه البنود،ففيه‏:‏ قال كعب‏:‏ فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلا القرآن،ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام، ثم قال‏:‏ ‏(‏أبايعكم على أن تمنعوني مماتمنعون منه نسائكم وأبناءكم‏)‏‏.‏ فأخذ البراء ابن مَعْرُور بيده ثمقال‏:‏ نعم، والذي بعثك بالحق نبيًا، لنمنعنك مما نمنع أُزُرَنا منه،فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحرب وأهل الْحَلْقَة، ورثناهاكابرًا عن كابر‏.‏

قال‏:‏ فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبوالهيثم بن التَّيَّهَان، فقال‏:‏ يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجالحبالًا، وإنا قاطعوها يعنى اليهود فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهركالله إن ترجع إلى قومك وتدعنا‏؟‏

قال‏:‏ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال‏:‏ ‏(‏بل الدَّمُالدَّمُ، والهَدْمُ الْهَدْمُ، أنا منكم وأنتم منى، أحارب من حاربتم،وأسالم من سالمتم‏)‏‏.

*التأكيد من خطورة البيعة :

وبعد أن تمت المحادثة حول شروط البيعة، وأجمعوا على الشروع في عقدها قامرجلان من الرعيل الأول ممن أسلموا في مواسم سنتى 11 و 12 من النبوة، قامأحدهما تلو الآخر؛ ليؤكدا للقوم خطورة المسئولية، حتى لا يبايعوه إلا علىجلية من الأمر، وليعرفا مدى استعداد القوم للتضحية، ويتأكدا من ذلك‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ لما اجتمعوا للبيعة قال العباس بن عبادة بن نَضْلَة‏:‏هل تدورن علام تبايعون هذا الرجل‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم، قال‏:‏ إنكم تبايعونهعلى حرب الأحمر والأسود من الناس‏.‏ فإن كنتم ترون أنكم إذا نَهََكَتْأموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلا أسلمتموه، فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزىالدنيا والآخرة‏.‏ وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه علىنَهْكَة الأموال وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة‏.‏

قالوا‏:‏ فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يارسول الله إن نحن وفينا بذلك‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏الجنة‏)‏‏.‏ قالوا‏:‏ ابسط يدك،فبسط يده فبايعوه‏.‏

وفي رواية جابر ‏[‏قال‏]‏‏:‏ فقمنا نبايعه،فأخذ بيده أسعد بن زرارة وهوأصغر السبعين فقال‏:‏ رويدا يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد الإبلإلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتلخياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه، وأجركم علىالله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر لكم عند الله‏.

فلام بان10 فليم بان10 العب بان10 فلم بان10 العب_سيرة ألعب سيرة العب سيرة منيبرك صور بان10 العبسيرة العبسيره لعبسىرة الع ب سيرة فلام بان10 فيلم بان10
الساعة الآن 12:42 AM.