منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > قسم التربية والتعليم > الفن الادب الشعر > القصص
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


قصة رحاب؟

قصه رحاب قصه رحاب قصة رحاب و رحاب+قصة




ساهم بنشر الصفحة
موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع
¤¤¤منقول ¤¤


مرافىء الأحزان .. قصتي الطويلة الأولى التي

أريد آرائكم عليها ..

الجزء الأول ..

وجع الذكريات

أفاقت رحاب من كابوسها المريع و هي تلهث و تحاول التقاط أنفاسها .. ذلك الكابوس بات كظلها .. لم يفارقها قط منذ حوالي تسع سنوات .. أي من تلك الحادثة ..

فتحت درجها الذي يحاذي فراشها و أخرجت منه مرآة قديمة .. و وضعتها أمامها .. أخذت تتحسس بيديها آثار الزمن الذي غزى وجهها الأبيض اللون .. بكت بحرقة تدمع لها الأعين و تتفطر لها القلوب .. بكت على ما آل إليه حالها .. لكن هل يعيد البكاء شيئا يا ترى ؟

رفعت رأسها و صوبت عينيها نحو صورة تتوسط الحائط .. صورة لفتاة حسناء .. يلفح وجهها شعرها الذهبي الناعم .. عيناها الخضراوتان آية من آياته جل و علا .. بشرتها بيضاء كالثلج .. بقى أن تعرفوا بأن تلك الفتاة هي رحاب نفسها عندما كانت في الثامنة عشر ربيعا .. كانت كفلقة القمر .. و كانت تلقب آنذاك بالحسناء الإفرنجية ..

فاضت عينيها بالدموع .. خنقتها عبرتها .. فاستسلمت لطوفان بكاء مرير .. هاهي الآن تشهد تلاشي جمالها لحظة بلحظة .. أي قلب بشري قادر على تحمل معاناتها .. أطلقت آهات متواصلة تنم عن الألم الذي سكن قلبها منذ كانت في الثامنة عشر من العمر حتى بلغت السابعة و العشرين عاما .. ناجت ربها بصوتها المخنوق : رباه لا أجد لي مكان في هذه الحياة .. لقد ضاقت بي كما ضاقت بوالدي من قبل .. رباه رجوتك أن تأخذني إليك .. رباه خذني إليك ...

وسط ذلك السيل من الدموع سمعت رحابا طرقا غليظا على الباب .. انتفضت و مسحت دموعها المتلألئة على وجنتيها و بصوتها الذي أرهقه البكاء سألت من هناك ؟
جاءها الجواب سريعا و فظا : إنها أنا هيفاء .. افتحي لي الباب .. هل سأنتظر كثيرا ؟؟

و بتثاقل اتخذت رحاب وضعيتها على ذلك المقعد الرمادي و حركت بيديها العجلات متجهة لفتح الباب ..

يا إلهي .. متى سأظل خادمتك .. صرخت هيفاء
أطرقت رحاب رأسها و قالت : ما الذي تريدينه مني ؟

أطلقت هيفاء ضحكات استهزاء و أردفت : و ما لذي سأنتظره من مقعدة .. لا تستطيع حتى السير .. جئت لأخبرك بأن الفطور جاهز و لن ننتظر طويلا .. أفهمت ؟
أعقبت كلماتها الجارحة بصفعها للباب بقوة كادت أن تحطم فيها ذلك البيت المتصدع ..

فزعت الأم من ذلك الصوت و هرولت مسرعة و عندما رأت ابنتها هيفاء أدركت بأنه شجار افتعلته هيفاء مجددا .. نظرت إليها .. فأجابت هيفاء : إنها رحاب يا أمي .. ما عدت أطيق وجودها معنا .. إنها عبء كبير مادي , و معنوي .. الا ترين ذلك ؟؟

نهرتها أمها : كفى .. إنها ابنة المرحومة أختي .. أين تريدينها أن تذهب و لم يعد لها غيرنا ؟؟ ..

أسندت رحاب رأسها إلى كفيها .. اعتادت أن تسمع هذه الأسطوانة بشكل مستمر .. استرجعت شريط ذكرياتها المؤلم .. عندما كانت في الثامنة عشر عاما كانت فتاة مختلفة .. تعيش في منزل ضخم و تحت رعاية والديها اللذين كانا يكنان لها حبا يفوق الوصف .. كانت مدللة تحصل على أي شيء بل كل شيء .. ورثت جمالها و طيبة قلبها من أمها ..

لم تكن في ذلك الوقت مقعدة بل على العكس تماما .. كانت كالفراشة التي يفيض منها عنفوان الشباب ..

لم تكن تلك الفتاة تعرف من هذه الحياة إلا وجهها الجميل .. و لكن كانت للأقدار دور في تغيير مجرى حياتها ..

ففي ذلك اليوم المشئوم خرجت الحسناء من منزلها .. أو قصرها " إن صح التعبير " و ركبت سيارتها الفارهة و توجهت إلى إحدى المكتبات لشراء بعضا من الروايات و القصص التي أدمنت على قراءتها ..

لم تكن تقرأ فقط .. بل كانت لها أنامل ذهبية تكتب بها روائع من الخواطر و الروايات .. قضت هناك أكثر من نصف الساعة .. و عادت مرة أخرى إلى سيارتها و أدارت المفتاح لتسلك الطريق المؤدي إلى كليتها حيث تدرس هناك الأدب العربي ..

لقد اعتادت رحاب أن تسمع الموسيقى الصاخبة و هي تقود سيارتها بسرعة جنونية .. لطالما حُذرت من قبل .. لكن لا جدوى ..

رأت الأضواء تنطلق من هاتفها الذي كان بقربها .. و كأنه قد عجز أن يوصل رنينه إلى أذنيها .. كانت جارتها هند المتصلة .. ضغطت الزر .. ليرد الطرف الآخر بصوت مرتعش ..

رحاب .. لقد انتهى كل شي ..

أخفضت رحاب صوت الموسيقى و أجابت : آلو .. هند لا أسمعك جيدا .. أنا في السيارة ارفعي صوتك قليلا ..

صرخت هند : رحاب لقد شب حريق في منزلكم و امتد إلى مخازنكم و نقلا والدكِ إلى المستشفى ..

و ما هي إلا ثوان حتى سقط الهاتف من يد تلك الصبية و فقدت سيطرتها على المقود ..
و أسندت رأسها إلى مقعد السيارة .. كأنها تعلن بذلك استسلامها لهذا الواقع ..

انتهى بها المطاف على سرير أبيض اللون .. و تحت أجهزة معقدة وكثيرة .. بالكاد كانت تسمع همسات الأطباء الذين انتشروا حولها ..

و كان أحدهم يقول : لقد كانت تقود السيارة بسرعة كبيرة .. و اصطدمت بالرصيف لتنقلب السيارة أكثر من مرة .. إذا نجت من هذه الحادثة فتلك معجزة و رعاية من الرب ..

و حدثت المعجزة فبعد أسبوع فتحت الصبية عينيها لتعلن انتهاء الغيبوبة التي كانت تحت وطأتها .. تمتمت بكلمات لم تكن مفهومة .. لكنها اتضحت بعد قليل من الوقت .. فهي تسأل عن أبيها و أمها ..

مسكينة تلك الفتاة أفاقت لتصبح يتيمة الأبوين .. لتشهد ضياع ثروتها و عجزها عن السير .. لقد خرجت أيضا من ذلك الحادث بكسور في جسمها و أنفها و بعض أسنانها ..

و من تلك النافذة التي تطل على سريرها كانت خالتها و زوجها يتبادلان أطراف الحديث ..

الخالة : أعان الله قلب تلك الفتاة الموجوعة .. كيف سيكون حالها يا ترى ؟
أجابها زوجها : لا بأس ما إن تتعافى سنأخذها لتقطن معنا ..

منذ ذلك الحين عاشت الفتاة في كنف خالتها و زوجها .. و قد اختلفت المعايير كثيرا .. فبعد ذلك القصر الضخم أمست تقطن في بيت قديم و صغير .. و بعد المأكل و الكسوة الفاخرة بالكاد تأكل و تلبس البسيط من الطعام و الملابس .. و السيارة الفارهة بدلت بمقعد متحرك ..و تركت دراستها لتخضع لعلاج نفسي كانت مدته ستة أشهر .. هل تصورتم حياتها الجديدة ؟

فعلا انتهى كل شيء ..

يتبع >>>



الجزء الثاني

واقعها ..

فُتح باب غرفة رحاب .. التفت رحاب إلى القادم .. كانت خالتها أم فراس .. هاهي تتجه نحوها و قد رسمت ابتسامة عطف و حنان على وجهها ..

ألقت التحية و اتخذت موضعها أمام رحاب و أردفت : كيف هو حال بنيتي اليوم ؟؟ ..

ردت رحاب : لازلت حية ..

قطبت أم فراس جبينها و قالت : لا أحب تلك النبرة المتشائمة ..

أدارت رحاب رأسها إلى الجهة الأخرى و قالت : أعلم بأني عبء كبير .. و أنتم بالكاد توفرون لقمة اليوم لكم ..و أنا مقعدة عاجزة عن مساعدتكم .. ليتني احترقت هناك .. ليتني مت في السيارة قبل أن يسعفوني إلى المستشفى .. ليتني لم أعش لأكون عبء على الآخرين ..

بكت رحاب .. و فاضت أنهار الدموع من عينيها المتورمتين ..

كانت لتلك الكلمات الوقع الشديد على قلب خالتها التي تحبها كما تحب أبنائها " هيفاء و فراس "

طوقتها بذراعيها و بذلت جهد كبير لئلا تدمع عينيها فتزيد من الأمر سوء ..

و أردفت : بنيتي أنت لست عبء .. و لا أريدك أن تكرري تلك الكلمات .. فأنت وردة بيتنا و حسناء عائلتنا ..

ردت رحاب بسخرية : وردة ذابلة .. و حسناء مقعدة .. و ماذا بعد ؟؟

نظرت لها خالتها بأسى و مسحت شعرها بحنان و أعقبت ذلك : بنيتي كفاك حزنا .. فلتعلمي أن روحي أبواكِ تحفانك و تتفقدانك .. فلا تحزينهما على حالك .. أريدك أقوى و أصلب ..

حدقت رحاب في وجه خالتها : بالله عليك يا خالة من أين سأجلب تلك القوة ؟ أنا أضعف مخلوق بشري ..

أجابتها : من أمك .. أنت تشبهينها في كل شيء .. فلتستمدي منها القوة و الصلابة .. عديني بالمحاولة ..

أشارت رحاب بالموافقة حتى تسعد قلب خالتها على الأقل ..

استبشرت الخالة و قالت : أما الآن فهيا بنا إلى المطبخ فالجميع بانتظارنا ..

و قادت الخالة رحاب إلى هناك .. و ما أن دخلتا المطبخ حتى جاءهما تعليق على لسان هيفاء ذات الرابعة و العشرين عاما : و أخيرا تفضلت الملكة رحاب و تنازلت لتدخل مطبخنا البسيط .. وتتناول وجبة الإفطار معنا .. أي شرف هذا ؟!!!

رمقت أم فراس ابنتها إشارة منها بأن تلتزم الصمت .. وبعد أن التفوا حول المائدة سألت الأم هيفاء : أين والدك و أخوك ..

أجابتها هيفاء : أبي خرج للتو يقول بأنه تأخر عن عمله .. أما فراس فلم يبت في المنزل .. فقد كان مع أصدقائه كما تعلمين ..

ردت الأم بامتعاض : نعم تذكرت .. و الآن هيا لنتناول الإفطار .. بسم الله

في ذلك الوقت كان فراس مع أصدقائه الطائشين قد خرجوا مبكرا ليتسكعوا في الشوارع و يطاردون هذه و يتحرشون بتلك .. يدخنون التبغ .. و يقدمون عروض بتلك السيارة .. للأسف هذا ما انتهى إليه حال شبابنا .. أليسوا هم عماد المجتمع ؟؟ .. أليسوا هم الثروة ؟؟ .. إذا لماذا يكونوا هم من يهدم المجتمع ؟ .. تهدر طاقاتهم بأتفه الأمور .. تائهون .. ضائعون .. باتوا كآلة تقلد الغرب في كل صغيرة و كبيرة .. إن ذلك مؤسف حقا ..

بينما نجد أبي فراس يتعب و يشقى ليكسب قوته و قوت عياله .. يقصر على نفسه ليرضى أبنائه .. لكن من يقدر جهوده يا ترى ؟؟ بالطبع ليس أبنائه .. فقد اعتادوا السخرية من عمل أبيهم و الدنانير القليلة التي يكسبها .. لكن كل ذلك لا يهمه .. فهو سعيد بما يكسب ..

و كان يردد : لا شيء يعادل الرزق الحلال .. حتى ولو كان شحيحا .. الحمد الله على كل حال ..

عند الساعة العاشرة صباحا اعتادت رحاب أن تفتح شباكها المطل على ذلك الشارع القديم في الحي القروي .. كانت تراقب الأطفال كيف يلعبون و يلهون بسعادة .. تمنت لو تعود طفلة و تكون معهم .. كان الأطفال يحبون رحاب حبا جما .. فما أن رأوها حتى تسابقوا للوصول إليها .. تسبقهم ضحكاتهم البريئة التي تبهج رحاب و تسعدها .. تجمعوا حول نافذتها .. لتجود عليهم بقصصها الرائعة .. كانت تلاطف هذا .. و تضحك مع ذاك .. لها قلب طيب قادر على احتواء الأطفال و شقاوتهم .. عندما تكون معهم تنسى أحزانها و آلامها .. وتجد نفسها فتاة أخرى ..

كانت آنذاك أم فراس تنشر الغسيل على سطح المنزل .. حتى وافتها جارتها الثرثارة كما لقبتها نساء الحي ..

فألقت التحية و باغتت أم فراس بسؤالها : هل وافقت ابنتك على العريس المتقدم لخطبتها ؟

أجابت أم فراس : أنا لا أعلم .. لا زالت تفكر ..

قالت الجارة : انه شاب جيد .. يجب أن لا تضيعه من يدها .. كما أنها لم تعد صغيرة .. و رفضها المستمر لكل من يتقدم لها ليس في مصلحتها ..

الأم : لا أستطيع إجبارها على شيء ..

و بخبث أردفت الجارة : أنتم هكذا .. أولادكم هم من يتحكمون بكم ..
قالت الأم : عذرا لدي أعمال كثيرة بانتظاري .. إلى اللقاء ..

توجهت الأم إلى غرفة هيفاء و ما أن فتحت الباب حتى أصفر وجه هيفاء و أغلقت السماعة بارتباك .. نظرت لها الأم بريبة و قالت : من كنت تحادثين ؟ أجابتها هيفاء : زميلتي في العمل .. لأعتذر عن الذهاب اليوم ..

الأم : ولماذا ؟

هيفاء : متعبة قليلا ..

الأم : أردت معرفة رأيك في من تقدم لخطبتك .. ردت هيفاء : لا أريده .. دخله محدود .. و يعيل أمه العجوز ..

اقتربت الأم قليلا و حدقت في وجهها لبرهة .. و أعقبت ذلك بسؤالها : من تريدين إذن ؟؟

يتبع >>>


الجزء الثالث

السكون الذي تتبعه العاصفة


السكون سلطان ذلك البيت القديم .. كل فرد من تلك العائلة توجه لغرفته و أوصد الباب من خلفه .. إلا فراس دائم الغياب عن البيت و رب الأسرة الكادح الذي يفرض عليه عمله العودة في الساعة التاسعة مساءا ..


ساعة الحائط قد قرعت تعلن عن بلوغها السادسة مساءا .. في تلك الغرفة الصغيرة نرى رحاب قد توجهت إلى ربها لأداء صلاتها في محرابها .. تراها خاشعة تتضرع و تناجي ربها .. تجدها غارقة في ذلك العالم الروحاني .. بعيدة عن آلامها و أحزانها .. مطمئنة النفس و السريرة .. صدق الله العظيم حين قال : ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) .. حتى القلوب المحطمة و المتعبة تجد دواءها عنده سبحانه وتعالى ..


من يجدها هكذا لا يصدق أنها رحاب المستهترة التي لا تفقه الإسلام و لا تعرف حقه .. لم تداوم من قبل على أداء الفرائض و العبادات إلا عندما انتقلت إلى بيت خالتها .. فزوج خالتها هو من أرشدها إلى طريق الهدى و الصلاح حتى لا تكون مسلمة فقط بالقول بل بالفعل أيضا ..


في تلك الأثناء سُمع دوي صرخات غلبت ذلك السكون .. فاهتزت له جدران ذلك البيت .. لابد بأنها لا تبشر بالخير ..

فزع كل من في البيت و خرجوا يهرولون قابضين أيديهم على أفئدتهم .. و قد ظهرت على وجوههم آثار الفزع و الهول ..

سيل من الضحكات كانت الرد على كل هذا .. نعم ضحكات كان وراءها ذلك الفتى فراس لازال طائشا غير واع ومقدر لعواقب الأمور .. فهو لا يرى أبعد من أنفه ..

ظل يتصفح الوجوه المذهولة و يسخر و يقول : يا إلهي ألهذه الدرجة أفزعتكم ..

صرخت به والدته : إلا تخجل من نفسك .. كدت أن تقتلني من الفزع .. لماذا فعلت ذلك ؟

أجاب بحدة : جئت أريد بعضا من النقود .. 50 دينارا ..

نظرت له أخته بعصبية : لذلك تصرخ ؟؟ عد من حيث أتيت لقد أجهدت نفسك من أجل لاشيء .. نحن لا نملك ذلك المبلغ .. فقر ألا تعلم ما هو الفقر ؟؟

شد فراس قبضته على يد أخته و هو يقول : لابد أنك تملكينه .. ألست تعملين ؟ إذا أين هي أموالك ..

ردت هيفاء : هل تريدني أن أنفق عليكم .. أموالي لي وحدي و لن أبددها عليكم ..
قالت الأم بانكسار و حسرة بالغين : بني .. ليس لدينا ذلك المبلغ .. كما أن أباك ليس هنا ..

نظر فراس للقلادة التي على جيد أخته ثم قال : أعطني تلك القلادة .. صرخت هيفاء : لا .. لن أعطيك إياها ..

لم ينتظر الفتى كثيرا بل انتزع تلك القلادة بقوة تركت على إثرها جروح و آثار على رقبة هيفاء .. و خرج غانما بصيده .. فما كان بهيفاء إلا أن تصرخ و تسرع لغرفتها ..

تقف الأم عاجزة أمام هذا الموقف .. غارقة في حيرة بالغة هل ذلك الوحش القاسي الذي خرج للتو هو ابنها فراس .. هل يعقل هذا ؟؟

لم يعد لها احترام و تقدير .. بل لم تعد لديها كلمة مسموعة ..هذا الإجحاف و التقصير من الأبناء هل هي عامل من عوامله .. أو سبب من مسبباته ..

شدت رحاب على يد خالتها و طبعت قبلة على رأسها و أردفت : لا تزعجي نفسك يا خالة .. يبدو بأنه لازال طفلا ..

أجابت الأم : طفل ! يبلغ من العمر عشرين عاما .. و تنعتينه بالطفل .. إما آن الأوان ليكبر ..

ردت رحاب : لا عليك لابد أن يعرف بأن ما يفعله هو الخطأ بعينه .. و الآن اذهبي لترتاحي في غرفتك.

تنهدت الأم : كتب علي الشقاء يا ابنتي فمن أين ستأتي الراحة .. و همت تجر أذيال الخيبة و الخذلان .. ثم أقفلت خلفها الباب لعله يستر شيئا من أوجاعها عن الناس ..

أحست رحاب بمعاناة خالتها لقد أعطت من دون مقابل لم تكن تنتظر إلا نتائج عطائها تماما كالفلاح الذي يترقب إثمار جهده و نجاحه ..

كذلك أحست رحاب بضرورة محادثة هيفاء للتخفيف من ثورة غضبها و حتى لا تصب ذلك الغضب على خالتها ..

فاتجهت إلى غرفة هيفاء لكنها سمعت صرخات توبيخ و لوم ..

عجبت رحاب لذلك الأمر من تحادث هيفاء ؟؟ تفقدت الردهة لتستوثق من وجود الهاتف .. لكن الأمر ازداد غرابة بوجود الهاتف هناك ..

ازدادت علامات التعجب و الاستفهام على وجهها .. ذلك اللغز بحاجة لحل و هيفاء هي من تملك ذلك الحل .. عادت الفتاة مرة أخرى لغرفة هيفاء و أسندت رأسها إلى باب الغرفة بعد تردد كبير .. لقد كان نص حديث هيفاء كالتالي ..

تتزوج .. لا .. ألم تقل لي بأنك تحبني .. لقد اتصلت بك لتواسيني لا أن تزيد الأمر سوءا .. أي ظروف تلك التي تتحدث عنها ..

كلمات متقطعة مهزوزة .. غلب عليها البكاء و النحيب ..

شهقت رحاب .. و أردفت : كارثة جديدة على مقربة من البيت .. رباه كيف لخالتي أن تحتمل ..

لم تنتظر طويلا بل فتحت الباب بقوة يسبقها الخوف والوجل على مصير هذه الفتاة ..أردفت رحاب : ألديك هاتف محمول أيضا ..

ارتعبت هيفاء و أغلقت الهاتف و صرخت : من أعطاك الحق لدخول غرفتي من دون استئذان ..

أجابت رحاب :جئت لأخفف عنك .. لكني لم أعلم بأن هناك شخصا آخر يقوم بالمهمة ..

صمتت لبرهة ثم أردفت : دعيني أخبرك شيئا .. لا تكوني تسلية بيد كل من هب و دب .. أنت أكبر من أن تعرضي نفسك عليهم كالسلعة الرخيصة و بأسلوب مبتذل و مهين ..

كوني جوهرة لا يصل لها إلا المثابر و المجد .. ألا تشعري بقيمتك يا فتاة ..

أدارت هيفاء ظهرها غير آبهة لكل ما قد قيل .. و قالت : لست مستعدة لأن أدخل معك في حوار عقيم فأنتي لم تعرفي الحب .. لذلك لن تفهميني يا عانس ..

طأطأت رحاب رأسها و خرجت من تلك الغرفة و قد امتلأت عينيها بالدموع .. استوقفها رنين الهاتف فأسرعت لتجيب و كان الطرف الآخر سارة صديقتها المسافرة التي ستعود بعد غد حتى تشاركهم صيام شهر رمضان واعدة إياها بأخبار سارة تحملها في جعبتها ..

أرجعت رحاب السماعة إلى الهاتف و قد انتابتها بعض مشاعر الفرح اثر تلك المكالمة .. لكن ذاكرتها تأبى السعادة لقد عادت كلمات هيفاء ترن في أذنها ..

بعد ذلك قالت : أنا من عرف الحب حق معرفته يا هيفاء ..

يتبع>>>



الجزء الرابع

الليلة الطويلة

نفضت رحاب عن ذاكرتها غبار الماضي و همت بالذهاب لغرفة خالتها حتى تتفقد أحوالها

طرقت الباب واستأذنت لتدخل ..
رأت خالتها تبكي فصعب عليها حالها .. حركت عجلات الكرسي لتصل إليها ..

ثم أردفت : يا خالة يجب أن تخبري عمي بالأمر .. لا تجملي له صورة فراس و تصفينه بالابن البار .. أنه لا يعرف عن طيشه و تصرفاته المخجلة شيئا .. أنت بذلك تدمرينه يا خالة .. يجب أن يقف أحد في وجهه ليرشده و ينصحه .. سكوتك لن ينفعه ..

ردت الأم : بنيتي .. ربما أخطأت لكن ذلك كان حرصا مني على فراس ووالده .. إن عرف والده بكل هذا .. ستحل الكارثة .. و سأخلق عداوة بين الأب و ابنه .. فأنت تعلمين أبا فراس ..
يا إلهي هل كنت على صواب أم خطأ ..

لم تشأ رحاب أن تزعج خالتها أكثر .. فتناست ما فعلته هيفاء قبل قليل

و أردفت : خالة .. أنسيت أن بعد غد هو أول أيام الشهر الفضيل ؟

أجابت الأم : أوه , ذكرتني .. لم نستعد له جيدا هذا العام حتى أن راتب أبي فراس لم يستلمه إلى الآن ..

قاطعت رحاب خالتها قائلة : نستعد لشهر رمضان بالأعمال الصالحة لتقربنا أكثر من الله .. لا بأطباق الطعام وما شابه .. حتى لا نجحد هذا الشهر حقه يجب أن تكون لنا نية صادقة و نظرة واعية لهذا الشهر .. ولا بأس بعد ذلك أن نفكر بالنواحي الأخرى ..

انه شهر الغفران للذنوب .. وليس شهر التنويع في الطعام ..

ثم اقتربت رحاب من خالتها و قبلتها و أردفت : كل عام وأنت أقرب إلى الله ..

فابتسمت الخالة و قالت : أنا فخورة بك يا رحاب .. ليت أبنائي مثلك .. بل ليت البشر مثلك عزيزتي ..

قطع حديثهم دخول أبو فراس .. فألقى التحية وقال : رحاب كيف حالك ؟

أجابت رحاب : بخير ما دمت بخير يا عماه .. أنا سأستأذن الآن .. قاطعها قائلا : إلى أين ؟ ابقي معنا قليلا ..

ردت رحاب : أنت منهك و يجب أن ترتاح ..

خرجت رحاب من الغرفة و توجهت رأسا لغرفتها لتتجنب أية مشاحنات بينها و بين هيفاء ..

نظرت أم فراس إلى زوجها .. كانت تود أن تخبره ولكن ..

قطع تفكيرها قائلا : عيناك تقولان الكثير .. أفصحي عما يخالجك عزيزتي .. و لا تكتمي أي شيء عني ..
قالت : هو أمر أود إخبارك به لكن رجوتك أن لا تغضب و تأخذ الأمر بحكمة و روية كما عهدتك ..

أجابها : لقد أفزعتني .. ما ذا هناك ؟

أخبرته بعد ذلك بكل ما كتمته من تصرفات فراس و طيشه .. إلا أنه شاط غضبا .. و أقسم أن لا يعود إلا وفراس معه ..

سمعت رحاب الجدال بين زوج خالتها و خالتها .. فأسرعت بذلك الكرسي .. وخرجت من غرفتها لتجد خالتها تبكي و تندب حظها العاثر .. فاستقرت بقربها لمواساتها ..

بعد ثوان فُتح باب غرفة هيفاء و أطلت منه .. ثم أردفت : أليس من الظلم أن أعيش هنا ؟؟ مشاكل و مشاجرات دائمة ..

قذفت تلك الكلمات غير آبهة لما قد حصل ..

رمقتها رحاب ثم قالت : أهذا ما استطاعت شفتاك قوله ؟

ردت هيفاء : تركت كل شي لك يا حكيمة .. و اتجهت لغرفتها و هي تتمتم متى ستتغير حياتي متى ؟

مكثت رحاب مع خالتها .. تنتظران نهاية أحداث هذه الليلة الطويلة التي تأبى أن تنتهي ..

حتى بلغت الساعة الواحدة .. عند ذلك الوقت فتح الباب .. وهاهو أبو فراس قد وفى بوعده و أحضر فراس معه .. كانت عيناه تقدح شررا ..

بعد ذلك أدخله غرفته و أقفل الباب عليه مزمجرا : سأعيد تربيتك مرة أخرى .. و دخل الأخير غرفته .. فهرولت أم فراس لتدخل من بعده ..

أطفأت رحاب المصابيح و توجهت لغرفتها بعد ليلة حافلة بالعواصف ..

في الصباح أفاقت رحاب على جدال آخر .. لم تشأ الخروج لاسيما أن فراس دائما يذكرها بأنها ضيفة و لا يحق لها أن تحشر أنفها فيما لا يعنيها ..

لهذا آثرت المكوث في غرفتها لتكمل روايتها الأخيرة التي شارفت على الانتهاء .. لم تكن تعرض ما تكتبه إلا على صديقتها سارة فقط ..

باشرت بكتابة الإهداء ..

إلى كل من حلم و مل الحلم ..
إلى من زج نفسه في دوامة الوهم

أهدي ( كيمياء النفس البشرية )

رحـــــــــــــــــــــــ ــــــــاب

يتبع >>>



الجزء الخامس ..

وعادت العاصفة


في صبيحة أول أيام شهر رمضان المبارك .. أفاقت رحاب بعد ليلتين مضنيتين غلب عليهما الشجار و الصراخ بين فراس ووالده .. و أمسى منزلهم على كف عفريت .. الجميع خائف مما سيحدث .. فالأب أصبح وحشا يضرب و يصرخ .. و هذا أمر غريب عليه .. حتى أنه أخذ إجازة من عمله ليتفرغ لتربية ابنه كما يردد دائما ..

عندما خرجت رحاب من غرفتها مرت بالقرب من غرفة هيفاء و كان الباب مفتوحا آنذاك ..

فألقت نظرة سريعة على الغرفة .. وجدت هيفاء تضع المساحيق على وجهها .. و تحولت إلى لوحة زيتية متعددة الألوان .. عجبت رحاب لهذا الأمر .. ما الذي يدعوا هيفاء للتزين في هذا الصباح وبدون مناسبة ؟!!!

قطع تفكير رحاب صوت الهاتف النقال الخاص بهيفاء ..

عندها أجابت هيفاء عليه : أنا قادمة .. وخرجت من غرفتها و رأت رحاب أمامها فثارت ثائرتها .. و بدأت في الشتم و الصراخ ..

حتى أن أمها سمعت بذلك و أتت مسرعة : كفى .. أباك لم ينم طوال الليل .. كفاك صراخا .. ثم إلى أين عساك ذاهبة و هذه المساحيق قد غزت وجهك ..

ردت هيفاء : إلى صديقتي .. كما تعلمين تغير وقت العمل .. فهذا هو أول أيام شهر رمضان
الأم : ها أنت تعرفين ذلك .. فهل ستخرجين هكذا ؟؟

فأخرجت هيفاء من حقيبتها النقاب ووضعته على وجهها .. وولت هاربة من أية أسئلة أخرى ..

تنهدت الأم وعادت إلى المطبخ مرة أخرى .. رحاب لا تزال في مكانها تأخذها الظنون .. ثم أبعدت عن رأسها كل ذلك و قررت أن تذهب لقراءة القرآن في غرفتها فذلك أفضل ..

أفاق الأب من غفوته التي لم تستمر إلا سويعات قليلة .. واتجه إلى غرفة فراس و بحوزته مفاتيح الغرفة .. أصبح مزاجه معكرا و لم يعرف الابتسامة من ليلتين تقريبا ..

صب غضبه على مقبض الباب و فتحه بقوة .. لـ ــ ــكن .. استوقفته رائحة غريبة ..

وقف قليلا ثم قال : نعم .. إنها رائحة سجائر ..

ثم نظر لفراس المتسمر في مكانه و سأل : أليست تلك رائحة سجائر ؟؟

قفز فراس من مكانه و أجاب : لا بد بأنها آتية من الخارج .. سأغلق النافذة ..

لكن الأب بدأ يفتش الغرفة و قلبها رأسا على عقب حتى وجد ضالته .. سجائر حديثة الاستعمال !! ماذا يعني هذا ؟؟ لا .. هل يمكن هذا ..

توقف الأب لبرهة في مكانه .. و ما هي إلا لحظات و باغت فراس بصفعة صرخ على إثرها فراس و سقط على الأرض ..
أسرعت رحاب و خالتها ووقفتا أمام باب الغرفة .. لا تمتلكان الجرأة للدخول أو حتى التحدث ..

انتصب فراس ووقف مرة أخرى .. وصرخ : لماذا ضربتني ؟

الأب : اصمت .. هل وصلت بك الحقارة أن تفطر في شهر رمضان و على ماذا ؟؟ على سجائر حقيرة
!!
و ما أن أتم جملته حتى شهقت رحاب و خالتها غير مصدقتين هذا الأمر .. هل يعقل هذا ؟؟ يا أبا فراس قل غير ذلك ..

لكن صوت فراس جاء مؤكدا : نعم أنا لا أصوم .. و لا أصلي و لا أؤدي عباداتكم تلك .. لمن أفعل كل هذا ؟؟ لمن حرمني السعادة و أحاطني بجدران الفقر و الحاجة ؟؟ أبي عندما أكون غنيا سأصلي له و أصوم و أفعل ما تريده .. لكن الآن لا .. و لن تجبرني على ذلك ..

صعق الأب .. فقد جاءت كلمات ابنه كالسكاكين التي قطعت فؤاده و آلمته

.. صرخ : أنت تكفر !! استغفر ربك ..

أجاب مستهزأ : و ماذا يعني ذلك .. دينك و مبادئك لم يفيدوني بشيء .. كلماتك التي حشوت بها آذاننا لم يعد لها مفعول كما في السابق .. كنا أطفال نصدق أكاذيب قيمك ..

وها قد كبرت و أصبحت واعيا لكل ما تقوله .. لا تضحك على نفسك و علينا .. هل تعتقد فعلا بأن لنا ربا كالأغنياء ؟؟

جاءه الجواب كالسهم الذي اخترق قلبه .. و انتابته حالة هستيرية ..

و أخذ يزمجر : لا تدنس هذا البيت بقذارة كلماتك .. اخرج ولا تعد .. لم يعد لي ابن اسمه فراس ..

خرج فراس سعيدا ضاحكا : و من أخبركم بأني سأعود ؟؟

لم تعد قدما الأب تساعدانه على الوقوف .. هوى على الأرض .. و أسعف بعد ذلك إلى المستشفى ووضع تحت العناية القصوى .. لقد أصيب بأزمة قلبية كادت أن تنهي حياته .. لولا لطف الله ..

مكثت الأم معه .. بعد أن أوصت رحاب بهيفاء ..

بقت رحاب تفكر بما حصل لهم .. لم تستطع أن تصدق ما حدث ..أبهذه السهولة يا فراس تقذف كلماتك الشيطانية ..

يا إلهي هل الفقر حقا هو السبب ؟؟ لكن هناك الكثير من هم أشد فقرا .. لكن تجدهم شاكرين لله ..

تذكرت رحاب كلمات قرأتها في السابق لكنها لم تدرك ما ترمي إليه .. و أخذت تتمتم : حقا .. ما أن دخل الفقر بيتا حتى قال له الكفر خذني معك ..

الآن فقد أدركت المغزى ..

تذكرت رحاب المسئولية الكبرى الملقاة على عاتقها .. هيفاء .. ماذا عساك تخفين عنا ؟؟ و ما سر تلك التصرفات الغريبة ..

شهقت رحاب .. أخشى أن تكون ... و بترت جملتها على الفور ..
من تراه سيساعدني عليها .. فلسانها سليط وحاد كالسيف .. ولا أستطيع إخبار خالتي بما يحدث .. فالظروف تمنعني من ذلك ..

حسنا .. يبدو بأني في ورطة كبيرة ..

أحست رحاب ببعض الجوع .. فألقت نظرة على الساعة .. لقد كانت الرابعة عصرا .. ولم تعد تلك الفتاة بعد ..

قلقت رحاب .. ولكن قلقها تفاقم عندما سمعت طرقا على باب المنزل .. فانتفضت مذعورة .. من تراه يطرق الباب ؟؟


الجزء السادس

هل سيبتسم القدر ؟

خافت رحاب كثيرا .. إنها المرة الأولى التي تبقى بمفردها في المنزل .. و هذا الطرق على الباب يزيد الأمر سوءا .. هل أذهب أم أبقى ؟؟

لعله شيئا مهما .. عن هيفاء مثلا أو حتى فراس .. حسنا سأذهب الآن ..

تنهدت بعمق بعد ذلك توقف صوت طرق الباب ..
شعرت رحاب ببعض الارتياح .. لكن عادت الطرقات بشكل أقوى من السابق ..
أسرعت رحاب و استقرت خلف الباب بعد أن لفت خمارها جيدا
و سألت : من الطارق ؟ جاء الصوت ناعما و مألوفا : أنا يا رحاب ..

ابتهجت رحاب و أسرعت لتفتح الباب .. كان الطارق صديقتها سارة ..
يبدو بأنها عادت من ألمانيا ..

استقبلتها رحاب و قد فاضت دموع الفرح في مآقيها .. سارة كم اشتقت إليك ..

سارة صديقة رحاب منذ المدرسة الابتدائية لقد كانتا ثنائيا رائعا ..
سارة تزوجت منذ أربع أعوام مضت و لم تنجب إلى الآن ..
متشابهتان في طباع كثيرة لكن سارة لا ترتدي الحجاب كما كانت رحاب في السابق ..

فرحاب ارتدت الحجاب بعد أن انتقلت إلى بيت خالتها .. و شعرت بعد ذلك بأهميته و فائدته .. فأصبحت سعيدة بارتدائه .. وكم مرة حاولت رحاب أن تقنع صديقتها به لكن لا فائدة تذكر
جلست سارة على الأريكة و كانت رحاب بجانبها .. و بعد أحاديث طويلة قالت سارة : أحمل لك أخبار سارة ..

ابتسمت رحاب : حقا .. هل حصل و أخذت تنظر لبطنها ..

لكن سارة أشارت بالنفي ثم قالت : يا عزيزتي .. تلك الأخبار تخصك أنت و لست أنا ..

فتحت رحاب عينيها : حقا !!
أجابتها سارة : نعم .. أتذكرين يا رحاب روايتك " كيف تموت الملائكة " ؟؟

أومأت رأسها إيجابا ..

فأتمت سارة حديثها : لقد انتهيت من قراءتها عندما كنت مسافرة و لقد التقينا هناك بمجموعة من معارف زوجي .. كان أحدهم صاحب دار من دور النشر الضخمة ..
فعرضت روايتك عليه .. و لم يستطيع إخفاء دهشته بما أبدعته يديك ..
رحاب لقد أعجبته روايتك و أراد أن ينشرها لك ..
و ستقبضين بالمقابل مبلغ لا بأس به ..

فتحت رحاب ثغرها غير مصدقة هل من المعقول .. أن يتحقق حلمي بعد كل تلك السنوات .. تمنيت ذلك سابقا و لكن بعد كل ما حدث لي ..
لم أتوقع أن يبتسم لي القدر مرة أخرى .. و يفتح لي باب من أبواب أحلامي قد أغلقته بالشمع الأحمر ..

هزت سارة رحاب : رحاب .. رحاب .. فيما أنت شاردة ؟؟

نفضت رحاب عن رأسها كل تلك الذكريات و أجابت : في أحلام الماضي ..

سارة : إذا .. هل أنت موافقة ؟؟

رحاب : هل أنت موقنة بإعجابه بها ؟؟

سارة : بالتأكيد ..

رحاب : إذا أنا موافقة ..

تحدثتا كثيرا .. وضحكتا كثيرا .. لكن توقفت سارة فجأة عن الضحك .. و كأنها تذكرت شيئا ..

نظرت لها رحاب بقلق : أهناك شيء آخر ؟

صمتت رحاب ثم استطردت قائلة : نعم .. أريد أن أخبرك بأمر .. لكـ ــ

إذا أخبريني ( قالت رحاب )

بدت سارة متلعثمة و مترددة لكنها تغلبت على كل هذا
و قالت : رحاب أتذكرين .. إيـــ إياد ؟؟

صعقت رحاب و أحست بأن دوامة الزمان تدور بها وتعيدها إلى ذلك الشاب ..
بكت وهاجت : و هل تعتقدين لوهلة بأني نسيته ؟

إيـــــــــــــــاد .. من عساه يكون ؟ و ما هي حكايته مع رحاب ؟؟

يتبع >>>






الجزء السابع

هشمتني الذكريات


أفاقت رحاب من دوامة الذكريات تلك .. نظرت لصديقتها نظرة ملئوها العتاب و اللوم و أردفت : لم يا سارة ذكرتني به ؟ لماذا ؟ و أجهشت بالبكاء ..

كانت سارة نادمة على ما قالته .. ليتها ابتلعت لسانها قبل أن ينطق و يعذب صديقتها كالسوط تماما ..
و يعيدها إلى ذكريات هشمتها من قبل ..

أسرعت سارة لتعانق صديقتها بحزن قائلة : أنا آسفة يا عزيزتي .. لم أكن أعلم بأنك لازلت تعانين بسببه ..

كان إياد هو أحد جيران رحاب القدامى ..
كانا يحبان بعضهما كثيرا و كان سيخطبها لو لا تلك الحادثة ..
كانا يطلق عليهما روميو و جولييت ..
كانت أصدق قصة حب عرفها الناس .. لكنه بعد الحادثة حطم كل هذا ..
و سافر لخارج البلاد .. ولى وهرب .. لم يكترث لمشاعرها .. كأن الذي بينه و بينها خيط مهترىء قطعه وولى بالفرار ..

أوقفت رحاب طوفان بكائها و مسحت دموعها التي أغرقت بها كفيها ..
و قالت : لقد طعنني و هرب .. لم أكن أعلم بأني عشت في وهم طوال سنوات حياتي تلك .. نعم كان وهم الحب .. لم أعد أناسبه .. وماذا يريد بعاجزة مثلي .. و دفنت نظراتها في الأرض ..

سارة : لا تبكي يا رحاب .. فطرت قلبي .. ليتني لم أذكر اسمه .. بل ليتني لم آتي إلى هنا حتى أزعجك هكذا ..

تمالكت رحاب نفسها وقالت : لكن ما الذي كنت تريدين قوله ؟؟

أجابت سارة : لاشيء .. فقط رأيته هناك في ألمانيا

قطع حديثهما دخول هيفاء المنزل و بحوزتها أكياس كثيرة .. ودخلت غرفتها و صفعت الباب من خلفها دون أن تعيرهما أي اهتمام ..

ثارت رحاب ودت لو تهشم رأس تلك اللامبالية ..
وضعت يداها على عجلات مقعدها و همت مسرعة إليها ..
بينما وقفت سارة في حيرة من أمرها .. عاجزة عن فعل أي شيء ..

أمسكت رحاب مقبض الباب و اندفعت مسرعة إلى الداخل ..

دهشت هيفاء و نظرت إليها نظرة ملؤها الغضب : هل جننتِ ؟

ردت رحاب : أين كنت طوال هذا الوقت ؟

رفعت هيفاء حاجبها مستهترة : و من أنتِ حتى أخبرك ؟

تقدمت رحاب قليلا و أجابت : أنا المسئولة عنك الآن .. فيجب أن تعرفي أن أباك في المستشفى و معه والدتكِ .. و أعطوني الحق بأن أتدبر أموركِ ..

لم تهتم هيفاء بالتفاصيل كثيرا .. بل حركت كرسي رحاب و أخرجته ..

وقبل أن تغلق الباب قالت : أنت واهمة .. كوني مسئولة عن نفسك أولا ثم على الآخرين .. و أغلقت الباب ..

أدركت رحاب أن مسئوليتها بالفعل شاقة .. كيف لها أن تسيطر على تلك الفتاة .. كان الله في عونك يا رحاب .. كيف ستتدبرين أمورك الآن ؟!

تذكرت صديقتها و عادت إليها تجر أذيال الخيبة .. بعدها استأذنت سارة لان الوقت تأخر و هاهي الساعة السادسة مساءا ..

غادرت الصديقة و غادرت رحاب بدورها الردهة متوجهة لغرفتها لتؤدي صلاتها ..

و بعد أن فرغت .. ذهبت لتتصل بزوج خالتها و خالتها للاطمئنان عليهما ..

رحاب : مرحبا .. هل يمكنني مكالمة المريض محمد جاسم محمد في جناح رقم ** غرفة رقم * ؟

الموظفة : بالتأكيد .. تفضلي

و بعد أن وصل الخط بينهما ..

تحدثت رحاب مع خالتها و اطمأنت على حال زوج خالتها و طلبت محادثته ..

رحاب : مساء الخير يا عمي

أبا فراس : مساء النور يا عزيزتي

رحاب : كيف هو حالك الآن ؟

صمت أبو فراس قليلا ثم قال بنبرة ضعف و حزن : الحمد الله
ب
رحاب : ننتظر عودتك .. فالمنزل موحش من دونك ..

أبا فراس : آه .. يا بنتي

أدركت رحاب عمق معاناة عمها فقالت : أنت لم تقصر في واجبك و الله يهدي من يشاء

أبا فراس : لم أصدق ما حدث .. ليته كان حلما .. بل ليته كان كابوسا ..

أحست رحاب بأن مواصلة الحديث سيتعب عمها .. فأنهت المكالمة سريعا .. و من ثم ذهبت للمطبخ لتجهز العشاء و عند خروجها و جدت هيفاء تستعد للخروج مرة أخرى .. لا .. وبهذا الوقت !!

صرخت : إلى أين ؟

لكن لا حياة لمن تنادي .. أدركت بأن هذه الفتاة تستغل الفرصة و تخرج كما تشاء ..

أمسكت بيدها.. توسلتها أن تبقى .. قبلت يدها لتعود عن ذلك الجنون .. لكن محاولاتها باءت بالفشل ..

انتزعت هيفاء يدها قائلة : يبدو بأنك ستبقين بمفردك كثيرا يا عزيزتي ..

و قبل أن تخرج ابتسمت ابتسامة صفراء و قالت : لا تنتظريني .. فسأتأخر كثيرا ..

و أغلقت الباب .. لتغلق آخر أمل لإصلاح نفسها ..

يتبع >>>



الجزء الثامن

لست مجرما .. صدقوني

ضجيج غزى تلك الأزقة و سيارات الشرطة ملئت المكان .. رفع حاجبيه مستغربا ..
ماذا هناك يا ترى ؟!!

اقترب قليلا .. اتسعت حدقتا عينيه أكثر .. و أطلق ساقيه للرياح قاصدا شقة صديقه ..
ما الذي يجعل سيارات الشرطة تحيط بالمبنى ؟!!

ركض بسرعة قياسية .. تخطى الدرج في ثوان معدودة وقلبه يدق بقوة .. وصل إلى الشقة .. لكن ..

رجال شرطة ؟ إسعاف ؟ باب الشقة مفتوح على مصراعيه .. ماذا يعني كل هذا ؟؟

اندفع مسرعا إلى الداخل .. أوقفه أحد رجال الشرطة .. صرخ .. ما الذي تفعلونه هنا ؟؟

ألقى الضابط نظرة على الباب الرئيسي .. حيث الضجيج .. و زمجر بصوته الغليظ : من أنت ؟..
أجاب : أنا فراس صديق صاحب هذه الشقة .. ماذا هناك ؟

أشار الملازم للشرطي بترك فراس يدخل ..
ثم اقترب منه قائلا : لقد وقعت جريمة قتل هنا ..

دهش فراس و راح يتفقد الغرف بجنون .. يا إلهي .. وليد .. وليد
انكب على جسده و أخذ يصرخ : من الذي فعل بك هذا ؟

قطع صراخه كلمات الضابط .. نعم و نحن نتساءل .. من الذي فعل به هذا .. ولماذا ؟؟

- إذا أنت فراس القاطن معه في نفس الشقة ؟
- صمت فراس و لم ينبس ببنت شفة ..

زمجر الضابط .. سألتك لما لا تجيب ؟
و بشفة مهزوزة قال : نعم .. أنا هو ..

اقترب منه الملازم و حدق في عينيه .. كان شكله مرعبا .. فارع الطول .. ضخم البنية .. عريض المنكبين .. أحس فراس بأنه في موقف صعب .. لا يحسد عليه ..

قال الملازم .. أنت القاتل .. فقد سمعنا بأنك تشاجرت مع الضحية ووصل الأمر لعراك .. وتدخل الجيران لإيقافه .. و أنت هددت الضحية بقتله .. أليس ذلك صحيحا ؟

تجمد فراس في مكانه .. ثم صرخ .. نعم حدث كل هذا .. لكني لم أقتله .. أيقتل المرء منا صديقه ؟

لكن الضابط باغته بجملة .. كانت كفيلة بالقضاء عليه ..
أنت الوحيد الذي لك مصلحة في قتله ؟ لقد سرقت أمواله .. صح ؟

هوى فراس على الأرض قائلا .. سرقت أمواله نعم .. تشاجرت معه نعم ..
لكن قتلته .. لا لا ..

لقد عدت الآن لإصلاح ما جرى بيننا .. لم أقتله .. صدقني ..

ابتسم الضابط ابتسامة صفراء .. ثم قال : هذا ما يقوله المجرمون دائما ..
أدلة كثيرة ضدك .. موقفك جدا ضعيف ..
جميع سكان المبنى يشيرون بإصبع الاتهام إليك .. يا شرطي .. خذه إلى السيارة ..

صعق فراس .. لا لم أقتله .. لم لا تصدقني .. لست مجرما ..

امسكه الشرطي و أخذه إلى السيارة .. كان يقاوم .. يزمجر ..يبكي .. و تارة يضحك ..

المسكين لم يدرك بعد بأنه المتهم الوحيد في جريمة قتل كفيلة بأن تنهي حياته ..


في ذلك المنزل و في الردهة تحديدا .. كانت رحاب جالسة بجوار الهاتف .. تنتظر مجيء هيفاء ..

لم تستطع البقاء كثيرا على هذا الحال ..

بحثت في دليل الهاتف عن رقم تلك الشركة التي تعمل فيها هيفاء ..

حصلت على الرقم .. وضغطت الأزرار بسرعة و لهفة ..
تبادلت أطراف الحديث مع موظف يعمل هناك .. أقفلت السماعة ..
ومعالم الدهشة بادية على وجهها ..

أخذت تتمتم ..استقالت منذ ثلاثة أشهر مضت !!
إن لم تكن تذهب إلى عملها .. فإلى أين تذهب إذا ؟؟

يتبع >>>


الجزء التاسع

انكشف المستور


فتح باب تلك الزنزانة .. وقذف بداخلها فراس .. لم يستطع بعد أن يستوعب ماذا جرى ؟ هل ما يراه من الواقع أم من رؤى الوسنان ..

و بضياع هوى بجسده على الأرض .. أسند رأسه إلى الجدار ..
أخذ يتصفح الوجوه .. كانت مقززة .. مخيفة ..
و بعد أن فقد صوابه صرخ بحالة هستيرية : هل سأبيت هنا ؟

قهقه أحدهم .. وعلق الآخر .. و أين تريد أن تبيت يا صغيري .. في فندق ؟؟

ضحك الجميع .. بينما كان فراس يريد البكاء ..

قضى معظم الليل جالسا .. بعدها استسلم للنعاس و رقد على ذلك السرير المهترىء .. يسمونه سرير .. لكن شكله يوحي بشيء آخر ..

في المقابل كان الأمر مختلف لدى رحاب .. فلم يغمض لها جفن ..

القلق سلب النوم من عينيها .. أفكار متضاربة تكاد تفجر رأسها .. تود لو تكذب كل ما سمعته .. لكن ..

سمعت صوتا خفيفا قادم من الباب الرئيسي .. انتفضت .. بعد لحظات .. اقتحم هذا الشخص الظلام و ظهرت ملامح وجهه شيئا فشيئا ..

إن كنتم تسألون عن القادم .. فقد كانت هيفاء ..

مشاعر رحاب متضادة .. فهي سعيدة بعودتها سالمة .. و خائفة من ما قد سمعته ..

فتحت هيفاء عينيها بتعجب كبير .. أوه ألازلت هنا ؟!!

أجابت رحاب .. و أين تريدين مني أن أذهب .. بالمناسبة كيف هو عملك ؟

رمقتها هيفاء و بتلعثم قالت : جيد .. لكن لما السؤال ؟

أجابت رحاب : حقا !! هل أنت متأكدة ..
صمتت قليلا ثم قالت : فضح أمرك يا عزيزتي .. ثلاثة أشهر تخرجين من الصباح ولا تعودين إلا متأخرة بحجة العمل .. إلى أين تذهبين ؟

أجابت هيفاء : إلى عملي بالطبع ..

رحاب : كاذبة

هيفاء : ماذا ؟؟

رحاب : نعم كاذبة .. اتصلت للشركة التي تعملين فيها ..
أخبروني بأنك استقلت منذ ثلاثة أشهر ..
إذا أين كنت تغيبين طوال ذلك الوقت ..
و من أين لك كل هذه العطور و الملابس و الساعات و المصوغات الذهبية ..
ضيفي إلى ذلك بأن ضعف راتبك لا يساوي جميع هذه الأكياس التي تحملينها بيديك الآن
هل تظنني ساذجة .. لكني لازلت أسأل من أين لك هذا ؟ و كيف ؟

هيفاء : ليس من شأنك .. هم أشخاص يحبوني و لا يبخلون علي بأي شيء ..
وانصرفت لغرفتها ..

أسرعت رحاب بذلك المقعد .. لكن هيفاء كانت أسرع .. و أقفلت الباب من خلفها ..

صرخت رحاب .. ذقت ذرعا بتصرفاتك .. طفح الكيل ..
لن أتحمل مسئوليتك أكثر .. و سأحادث خالتي لتجد حلا معك
.. و اتجهت بدورها لغرفتها ..

امتدت خيوط الشمس .. و أصرت أن تدخل الغرفة و تضيئها .. و تبدد العتمة ..

نهض أبو فراس و قد تحسنت حالته .. التفت إلى أم فراس فوجدها تصلي صلاة الصبح ..

نهض هو الآخر ليؤدي صلاته .. و بعد أن فرغا من ذلك .. عاد أبو فراس لفراشه تساعده في ذلك زوجته ..

نظر إليها ممتنا .. و أردف : أشكرك عزيزتي ..

ثم ارتسمت ابتسامة عذبة على شفاهها ..
وجلست على المقعد المجاور للسرير زوجها ..
كانت سعيدة لتعافي زوجها لكنها في الوقت ذاته محطمة من الأعماق
.. تنزف بعمق .. طعنها فراس و طعن والده و فوق ذلك طعن تربيتهما له ..

نظر أبو فراس للهاتف قائلا : أود الاطمئنان على الفتاتين ..
أجابته زوجته : ليس الآن .. لازال الوقت مبكرا .. و لا تتهرب من تناول الإفطار ..

أشاح بوجهه إلى الزاوية الأخرى رافضا الطعام ..
لكنها أعادته قائلة : أتشيح بوجهك عني ؟
لم أكن أعلم بأني مزعجة لهذا الحد ..

أجابها بسرعة : لا تقولي مثل هذه الكلمات .. أنت غالية علي كثيرا ..
و دفعت الطعام إليه قائلة : إذا كُل ..



فتحت رحاب عينيها .. أخذت تستعيد الأحداث .. حدث تلو الآخر .. شيئا ما قطع شرودها .. كان الهاتف ..

استجمعت قوتها و جلست على مقعدها و همت مسرعة لرفع السماعة
.. كانت تأمل أن تحادث خالتها .. لكن جاء الصوت مغاير لما توقعته ..

رحاب رافعة حاجبيها : سارة ؟
سارة : نعم أنها أنا .. هل نسيت صوتي يا فتاة ؟
رحاب : و هل أستطيع ؟
سارة :أعلم بأني أزعجتك .. لكن هذا الناشر أزعجني هو الآخر بسيل من الاتصالات ..
يريد توقيع العقد ..
رحاب : و هل هذا وقته ؟
سارة : رحاب .. لن يستغرق الأمر سوى ساعة
رحاب : حسنا .. سأرى ..
سارة : رحاب .. لدي ما أقوله لك ؟
رحاب : ماذا هناك ؟


يتبع >>>


الجزء العاشر

لقاء من دون ميعاد


سارة : هناك من أزعجني أيضا باتصالاته ..
يريد محادثتكِ ..

رحاب : من ؟

سارة : إياد
..
رحاب : ماذا ؟ يريد محادثتي .. لماذا ؟
لم أعد أعني له شيء و لم يعد يعني لي شيء ..

سارة : هل أنت متأكدة ؟

رحاب : نعم .. و أن أردتي التأكد أكثر.. سأقسم على ذلك ..

سارة : حسنا .. حسنا .. لا داعي لكل هذا .. هل سأصطحبك اليوم ؟

رحاب : إلى أين ؟

سارة و قد فرغ صبرها : هل نسيت؟ إلى الناشر لتوقيع العقد ..

رحاب : آه .. تذكرت .. لكن هناك أمر ..

سارة : ما هو ؟

رحاب : لا أستطيع ترك هيفاء لمفردها ..

سارة بسخرية : و هل هي طفلة .. ثم إنها لا تجلس في المنزل إلا نادرا ..

رحاب : حسنا .. سنذهب اليوم .. إذا وافق عمي ..

سارة : أراك على خير ..

رحاب : إلى اللقاء ..

ما أن وضعت رحاب السماعة حتى تلقت اتصال هاتفي آخر من عمها أبو فراس يخبرها بقدومه اليوم .. فسعدت له و أخبرته عن الناشر ..فبارك لها بسعادة كبيرة ..

في المقابل ُأخذ فراس للتحقيق معه ..
امتثل أمام الضابط ..
نظر إليه الضابط و سأله : هل لازلت تدعي البراءة ؟؟

توسله فراس و قبل يده قائلا : سيدي .. أنا لم أقتله .. أنا أخاف من ظلي ..
فكيف لي أن أقتله ؟

رد الضابط : ولكن هناك أدلة كثيرة تشيد بفعلتك
.. فشهادة الحارس تؤكد بأنك من كان يتردد على الشقة ..
و أنت المشتبه الوحيد .. فاعترف .. و إلا ..

صرخ فراس : و إلا ماذا ؟ ستقتلونني و أنا بريء ؟؟

قال الضابط : و من يثبت هذا ؟

لا إراديا و بعفوية صرخ : الله ..

لكنه بتر جملته على الفور .. و تذكر فعلته ..
الآن يا فراس تستجدي و تناجي ربك .. في وقت معضلتك ؟؟
بعد أن فعلت ما فعلته .. وقلت ما قلته ..

أعاد الشرطي فراس مرة أخرى خلف القضبان .. ليعيد التفكير بكل ما قد فعله ..

في منزل أبي فراس ..
تجهزت رحاب لتذهب للناشر ..
ارتدت الخمار جيدا و بينما هي أمام المرآة

شهقت هيفاء : إلى أين ؟ هل أنت أيضا تخرجين ؟

أحست رحاب بغصة في قلبها ..
و أردفت : و هل أنا غير البشر .. لكي لا أستحق أن أخرج ؟

ضحكت هيفاء : بالضبط .. لقد أصبت كبد الحقيقة ..

و أشاحت بوجهها و توجهت لغرفتها ..

نادتها رحاب : أباك سيأتي اليوم إلى المنزل .. أرجو أن تكوني هنا ..

صدمت هيفاء و عضت شفتيها قائلة في نفسها : لا .. ليس بهذه السرعة ..

وصلت سارة و ساعدت رحاب على ركوب السيارة ..
و بعد توقيع العقد ..
اقترحت سارة على رحاب الذهاب إلى مطعم لتناول وجبة الغداء ..

كان مطعم واسع .. مكشوف .. مليء بالناس ..
اتخذتا لهما طاولة .. كانت رحاب تخرج لأول مرة بعد تلك الحادثة ..

نظرت لها سارة قائلة : ما رأيك بالمكان ؟
أومأت برأسها رحاب : جميل جدا ..
سارة بدهشة : ألا يذكرك بشيء ؟؟
رحاب : اممممم .. لا
سارة : أنه مطعم " القمر "
رحاب غير مصدقة : أنت تمزحين ..

سارة : أنه هو .. لكن اشتراه شخص آخر و أجرى عليه الكثير من التعديلات ليبدو هكذا
رحاب : هذا المطعم يحمل الكثير من الذكريات لي ..
سارة وهي تغمز : ذكريات جميلة مع إياد .. أليس كذلك
رحاب بسخرية : أسوء الذكريات كانت لي معه ..

وبينما هم كذلك .. شخص ما وقف إلى جانب رحاب ..

رفعت عينيها شيئا فشيئا ..
ولكنها لم تصدق ما رأته .. همست : إياد ؟

إياد : نعم .. أنه أنا .. لم أتغير كثيرا ..
كذلك أنتي لم تتغيري .. لازلت جميلة .. كما عهدتك ..
بل بدوت أجمل بالحجاب ..

رحاب لسارة : هيا لنعد إلى المنزل ..

إياد بحزن : ألا تريدين رؤيتي يا رحاب ؟

رحاب و قد تهاوت الدموع على وجنتيها : و منذ متى يريد المرء منا رؤية قاتله ..

إياد : و هل أنا قاتلك يا رحاب .. تعز على دموعك تلك ..
أرجوك لا تبكي ..

رحاب و قد فرغ صبرها : هيا يا سارة ..

و أمسكت سارة بمقعد رحاب ..
لكن إياد أوقفها قائلا : سارة .. هل لك أن تتوقفي قليلا

ثم نظر لرحاب : لماذا تفعلين بي هكذا يا رحاب .. أنا لست فقط أحبك .. أنا أذوب في عشقك .. لا تذبحيني رجاءا ..

صرخت رحاب : دعني و شأني لا أريد رؤية وجهك .. سارة هل ستعذبيني أكثر ؟؟

عندها تابعت سارة سيرها و أعادت رحاب إلى منزلها ..

تاركين خلفهما رجل محطم ..
تنهد إياد : لماذا يا رحاب .. لماذا ؟

يتبع >>>


الجزء الحادي عشر

الضربة القاضية

عادت رحاب إلى منزلها بعد أن اجتاحتها نوبة حزن عميقة ..
و ذكريات الماضي كلها تجلو في ذاكرتها و كأنها حدثت للتو ..

آه يا إياد .. كم أخلصت لذلك الحب الذي جمعنا .. لكنك أنت من ضيعته .. ربما لأني لم أعد أناسبك .. و لم أعد أرضي غرورك .. تبا لهذه الحياة

و الآن ما الذي تريده ؟ و بماذا تود محادثتي ؟

دخلت رحاب المنزل و الحزن يعتصر قلبها .. و يال المفاجأة !!

كان زوج خالتها جالس مع خالتها يتبادلان أطراف الحديث ..

و يبدو على زوج خالتها علامات التعب و الإرهاق بالرغم من الابتسامة التي يداري فيها حزنه و ألمه ..

شهقت !! ثم أسرعت تجر تلك العجلات ..
لتقذف برأسها المثقل بالهموم في حضن خالتها .. و بكت من دون أن تشعر ..

بكت ما فعله فراس .. بكت مرض عمها .. بكت ضعف خالتها .. بكت تصرفات هيفاء ..
بكت حبها الضائع .. بكت عجزها و قلة حيلتها ..

كل ذلك دار في ذهن رحاب .. كانت تود أن تنسى كل تلك الهموم و الأحزان .. لكن لا مفر

ُدهشا .. وتبادلا النظرات .. فزعت خالتها : ما بالك يا رحاب ؟

رفعت رحاب رأسها باستغاثة بدت في عينيها الخضراوات : فقط لا تتركوني وحيدة ..

و عادت لتدفن رأسها في حضن خالتها .. كانت تصرخ من الأعماق ..
لقد عانت المسكينة خلال الأيام الفائتة .. و ربما عودة إياد مرة أخرى سلبتها قوتها ..
نعم إياد هو نقطة ضعفها .. و يبدو بأن حبه لم يزل بعد في قلبها ..

في تلك الزنزانة المعتمة التي أمست وكرا لأنواع كثيرة من الحشرات ..
ربما لأول مرة تراها ..

كان المكان قذرا .. و ينبعث منه رائحة نتنة .. و الأسوأ من ذلك ..
الأشخاص الذين يجلسون في ذلك المكان ..

كان فراس يجلس بحزن كبير بقرب الباب .. و الدموع تتهاوى على وجنتيه ..
صوت ما قطع شروده

" لماذا تبكي الآن ؟ لم يعد ينفع الندم .. تقتل النفس التي حرمها الله ثم تندم ؟!! "

كان ذلك صوت السجان العجوز .. كان نحيلا .. و كأن الأيام قد سرقت منه أشياء كثيرة ..

صرخ فراس : لا .. أنا لم أقتل .. لما لا تصدقوني ..

السجان : أن كنت تقول الحقيقة فسيكون الله معك .. لا تجزع

نكس فراس رأسه .. فكيف ينتظر فضل رب هو أجحده و نكره .. استغفر الله ..

تنهد السجان بعمق ثم أردف : لولاه عز وجل لكنت قد جننت ..
سبحانه لا يضل من يستنجد به ..

قال فراس : يبدو أن وراءك حكاية ..

قال السجان : حكاية .. و يالها من حكاية !!

فراس : بنيتك .. شكلك .. أسلوبك .. لا يدل على أنك سجان ..

السجان : لقد جار علي هذا الزمن كثيرا .. سلبني قوتي و رباطة جأشي ..

صمت قليلا ثم أكمل : كنت أبا لثلاثة أولاد .. أحبهم أكثر من نفسي .. لكن الله قد اختارهم

فراس : ما الذي حدث لهم ؟؟

استرسل السجان في حديثه : لقد أصابهم مرض السرطان .. واحد تلو الآخر ..
أكل أجسادهم .. و سلب أرواحهم ..

كنت أتلقى العزاء فيهم واحد بعد الآخر .. أقف على قبورهم لا أستطيع أن أحميهم من هذا المرض ..

كنت أريد أن أقدم لهم عمري كله .. فقط لأجدهم بقربي .. بجانبي ..
ينادوني أبي .. يقبلوني كل صباح

يخبروني عن مشاكلهم .. أحزانهم .. كنت أتمنى لو أرى حتى شجارهم ..
لكن ما حدث قد حدث ..

و هوت من عينيه دمعة ساخنة .. مسحها على الفور و أكمل :
بعت كل شيء .. منزلي الذي أسكن فيه .. الذي يحمل أجمل الذكريات لي معهم ..
كذلك بعت السيارة التي كنت أوصلهم بها إلى المدرسة .. و إلى مدينة الملاهي ..

اقترضت من البنك .. لكن كل هذه الأموال لم تستطع أن تفيدهم بشيء ..
أو حتى أن تبقيهم على وجه الحياة

ها قد تركوني وحيدا أصارع الأحزان لمفردي .. آه .. الحمد الله على كل حال ..

فراس بتعجب : ألا زلت تحمده ؟

السجان : و لو حدث لي أضعاف ما حدث .. سأظل أحمده .. و أشكر فضله .. كانوا أمانة في عنقي و الآن انتقلوا إلى رحمته ..

هذا امتحان منه و يجب أن يمتلئ قلبي بالصبر لأنجح في هذا الامتحان

ثم رفع رأسه للأعلى قائلا : أرجو أن تسامحني يا رب ..

فراس : على ماذا ؟

السجان العجوز : على أي خطيئة عملتها من دون أن أدرك ..

أسند فراس رأسه للحائط و أغمض عينيه و بدأ في التفكير في أمر هذا الرجل الغريب ..

ثم أخذ يخاطب نفسه : غريب !! ليس بغريب بل أنت الغريب يا فراس ..
أتدرك حجم ما فعلته في حق أهلك و في حق نفسك !!

هل ما فعلته صواب ؟ أم تراه خطأ .. لم أعد أستطيع التمييز ..


في الردهة كان الجميع منهمكين في أحاديثهم ..
و بعد فترة سأل أبو فراس : أين هيفاء ؟

نهضت أم فراس و توجهت لغرفة هيفاء
و عادت كما ذهبت قائلة : ليست في غرفتها ..

قلقت رحاب كثيرا .. كانت تود لو تخبرهم بما تفعله هيفاء .. لكن وجه ذلك المسكين المنهك .. منعها من الحديث ..


استأذنت و توجهت لغرفتها ..
فتحت أحد الأدراج و أخرجت قلادة ذهبية على شكل قلب ..
نحت عليه حرفها و حرف إياد

ضمتها إلى صدرها و بكت ..

أعادت شريط الذكريات .. عندما قدم لها إياد القلادة و أقسم على أن لا يتزوج مخلوقة غيرها ..

سألته آنذاك بدلال : و أن فعلت و تزوجت غيري .. ماذا أفعل بك ؟

عندها أجاب : اقتليني .. و قطعي قلبي قطعة قطعة ..فأنا لم أحب و لن أحب غيرك ..

أفاقت من كل ذلك قائلة : ليتني أستطيع قتلك .. أو حتى قتل حبك من أعماقي ..

تنهدت بعمق ثم قالت : آه .. لم لا تنسينه يا رحاب .. أنسيت أنه متزوج .. و ربما لديه أطفال أيضا

و لن يفكر بك كزوجة و أنتي على هذا الحال ..إنسي أحلامك .. إنسي ..



وصلت الساعة العاشرة مساءا و لم تعد هيفاء بعد .. قلق الجميع ..
وقرر أبو فراس الخروج للبحث عنها في الشركة التي تعمل بها ..

لكن رحاب صرخت : لا .. تذهب إلى هناك ..
تعجب لأمرها ثم قال : و لم لا ..

رحاب بارتباك : لان .. لان .. اه تذكرت .. لان الشركة لا تفتح إلى هذا الوقت ..

أزداد غيضه : إذا .. أين هي الآن ؟؟

أحست رحاب بأنها قد زادت الأمر سوءا .. لكنها أخبرت هيفاء بقدوم والديها ..
فلم تأخرت ..ثم قررت الذهاب لغرفة هيفاء لعلها تجد شيئا يدل عليها ..

و بينما هي ذاهبة أستوقفها زوج خالتها : إلى أين ؟
رحاب : لغرفة هيفاء .. ربما أجد شيئا يدل على مكانها ..
و تبعتها خالتها إلى هناك ..

أخذت رحاب تفتش هنا و هناك ..
و في نفس الوقت وجدت خالتها رسالة ملقاة على أرض الغرفة
فقدمتها إلى رحاب ..

فتحتها رحاب و قرأت ما جاء فيها ..
صدمت أكبر صدمة تلقتها في حياتها .. و أخذت تتمتم .. هيفاء ؟
كل ذلك يصدر منك ..

سألتها خالتها : ما الأمر .. أخبريني ؟

رحاب بتلعثم : لا شيء .. ورقة عادية ..

الخالة بعتاب : أتخفين على خالتك ؟ معالم وجهك كلها تغيرت ..
أخبريني ما الموجود في هذه الورقة ..



قدم أبو فراس : هل وجدتم شيئا ؟؟
سحبت الخالة الورقة و قدمتها لزوجها قائلة : و جدنا هذه الورقة ..

أخذها ثم باشر بالقراءة :

رحاب .. أخبريهم أن لا يبحثوا عني ..
لأني لن أعود إلى الجحيم بعد أن حصلت على الجنة ..
وعندما تهدد جنتي بالزوال فسأبيع الجميع لأجلها ..

فرياض زوجي الذي تزوجت منه منذ ثلاثة أشهر بزواج عرفي ..
هددني بأنه سيتزوج فتاة أخرى بمستوى عائلته..

و سيمزق الورقة التي تربط بيننا .. وينكر علاقته بي ..

و الآن بعد اكتشافك حقيقتي و مع قدوم أبي ستحرمونني منه .. أعلم بذلك ..
سأذهب لأحمي زواجي .. سأتوسل له أن يبقيني معه و لو حتى خادمة تحت قدميه ..
لن تروا وجهي مرة أخرى ..

و أن كنتم تحبوني .. ادعوا لي بأن يبقى رياض معي

وداع لا لقاء فيه ..
هيفاء

و ما أن أتم قراءة آخر كلمة .. حتى سقط على الأرض .. و توقفت آخر أنفاسه ..
فارق الحياة للأبد .. و كانت تلك الضربة القاضية ..


يتبع >>>



الجزء الثاني عشر

قلوب محطمة

مضت خمس أيام على موت أبي فراس .. لكن الحزن لا يزال يسكن قلبي رحاب و خالتها

يصعب على رحاب أن تنسى ذلك الشخص العظيم ..
الذي احتضنها و أسكنها في منزله .. و أطعمها و لم يضجر منها لوهلة
عاملها كابنته تماما ..
آه من ابنته ..

هيفاء .. لم ترد أخبار عنها أو عن مكانها كفراس تماما و كأن الأرض قد انشقت و ابتلعتهما

الحزن يعتصر قلب المسكينة والدتهم و يكاد يقضي عليها ..

انتهت أيام العزاء .. ولم يحضر أي منهم ..

أنه والدهم .. فلماذا فعلوا به هكذا .. "قالت الخالة"

واستها رحاب قائلة : لا تتعبي نفسك .. أراك شاحبة .. ارتاحي في غرفتك .. فذلك أفضل ..
كانت الخالة تهذي .. يسألون عنهم .. فماذا أخبرهم ؟؟ أنهم ليسوا أبنائي .. ليسوا أبنائي

في الزنزانة .. كانت يجلس فراس بالقرب من الباب .. و كالعادة التي جرت مؤخرا .. يستمع إلى القرآن من فم ذلك السجان العجوز ..
و بعد أن يفرغ يحادثه و يسأله في أمور كثيرة .. لم يكن يناقش فيها والده

بدا مؤخرا شارد الذهن دائما .. يواظب على الصلاة .. يبكي كثيرا .. و تعلمون ماذا أيضا .. قد أقلع عن التدخين وواظب على الصيام بالرغم من أن شهر رمضان قد انتهى ..

سارة التي لم تفارق صديقتها رحاب في محنتها ..
جاءت اليوم و في يديها ظرف قدمته لرحاب ..

سألت رحاب : ما هذا ؟

سارة : افتحيه ..
فتحته رحاب فوجدت بداخله مبلغ كبير من المال ..
فأغلقت الظرف مرة أخرى و أعادته إلى سارة ..

سارة : لماذا ؟

رحاب بحزن : لا تخافي .. سنكون بخير .. دعي أموالك بحوزتك ..
كانت تمتلك رحاب عزة نفس كبيرة ..
فهي لم تكن تقبل أي شيء كانت تقدمه لها سارة ..

قاطعتها سارة : لكنها ليست أموالي .. أعرف عنادك .. أنها أموالك أنت
.. ثمن قصتك .. أنسيتي ؟

رحاب : أحقا ما تقوليه ؟

سارة : بالطبع .. و هذا وصل الاستلام و توقيع الناشر .. و قد وقعت بالنيابة عنك ..
تبعا لظروفك ..

أخذت رحاب الأموال بارتياح.. و ابتسمت بعد خمس أيام من الحزن و الشقاء ..
كانت سعيدة بتحقيق حلمها و نشرها لأحدى رواياتها ..
كذلك المال جاء في موعده .. فهم بحاجة ماسة إليه ..

نظرت رحاب لسارة التي لم تكن على طبيعتها .. كانت متوترة .. شاردة

قطعت رحاب شرودها : أهناك شيء ؟

أجابتها سارة : بالله عليك يا رحاب لا تغضبي مني ..

رحاب باستغراب : و لما الغضب ؟

سارة : لان إياد يلح على كثيرا أن أعطيك هذه الرسالة و أقنعك بمقابلته .. و بالمناسبة فقد أوصاني بتعزيتك منذ اليوم الأول .. لكني أجلت هذا الحديث إلى الآن ..

رحاب بعصبية : ألم ننتهي منه بعد.. ما الذي يريده مني ..

سارة و هي تقدم الرسالة : اقرئي و ستعرفين ..

رفضت رحاب : لا أريد قراءة أي شيء ..

ترجتها سارة : و ما الذي ستخسرينه إذا قرأتي ؟

رحاب كانت مترددة .. لكن بعد الإلحاح الشديد من صديقتها .. قبلت بقراءة الرسالة .. كذلك لا أخفي عليكم بأنها تريد معرفة سبب عودة إياد بعد كل تلك السنوات ..
و لماذا يطاردها الآن ..

أخذت الرسالة و همت بفتحها .. كانت تحتوي على أبيات من الشعر كالآتي :

عيناكِ كنهري أحـزانِ

نهري موسيقى.. حملاني

لوراءِ، وراءِ الأزمـانِ

نهرَي موسيقى قد ضاعا

سيّدتي.. ثمَّ أضاعـاني

الدمعُ الأسودُ فوقهما

يتساقطُ أنغامَ بيـانِ

عيناكِ وتبغي وكحولي

والقدحُ العاشرُ أعماني

وأنا في المقعدِ محتـرقٌ

نيراني تأكـلُ نيـراني

أأقول أحبّكِ يا قمري؟

آهٍ لـو كانَ بإمكـاني

فأنا لا أملكُ في الدنيـا

إلا عينيـكِ وأحـزاني

سفني في المرفأ باكيـةٌ

تتمزّقُ فوقَ الخلجـانِ

ومصيري الأصفرُ حطّمني

حطّـمَ في صدري إيماني

أأسافرُ دونكِ ليلكـتي؟

يا ظـلَّ الله بأجفـاني

يا صيفي الأخضرَ ياشمسي

يا أجمـلَ.. أجمـلَ ألواني

هل أرحلُ عنكِ وقصّتنا

أحلى من عودةِ نيسانِ؟

أحلى من زهرةِ غاردينيا

في عُتمةِ شعـرٍ إسبـاني



يا حبّي الأوحدَ.. لا تبكي

فدموعُكِ تحفرُ وجـداني

إني لا أملكُ في الدنيـا

إلا عينيـكِ ..و أحزاني

أأقـولُ أحبكِ يا قمـري؟

آهٍ لـو كـان بإمكـاني

فأنـا إنسـانٌ مفقـودٌ

لا أعرفُ في الأرضِ مكاني

ضيّعـني دربي.. ضيّعَـني

إسمي.. ضيَّعَـني عنـواني

تاريخـي! ما ليَ تاريـخٌ

إنـي نسيـانُ النسيـانِ

إنـي مرسـاةٌ لا ترسـو

جـرحٌ بملامـحِ إنسـانِ

ماذا أعطيـكِ؟ أجيبيـني

قلقـي؟ إلحادي؟ غثيـاني

ماذا أعطيـكِ سـوى قدرٍ

يرقـصُ في كفِّ الشيطانِ

أنا ألـفُ أحبّكِ.. فابتعدي

عنّي.. عن نـاري ودُخاني

فأنا لا أمـلكُ في الدنيـا

إلا عينيـكِ... وأحـزاني

ابتسمت رحاب ابتسامة صغيرة .. تذكرت كيف كان يحب
قصائد الشاعر نزار القباني و كيف كان يحفظها عن ظهر قلب ..
و كيف كانت تختلف معه بأنها تفضل شعراء آخرين ..
يا إلهي .. حقا لم يتغير ..

اقتربت منها سارة و همست : ما الذي في الرسالة

فزعت رحاب ثم أردفت : أي لعبة يلعبها إياد ؟
و ما الذي يريده مني ؟؟

سارة و هي تغمز : أنه سيموت أن لم يلقاك غدا .. هكذا أخبرني ..

رحاب بسخرية : سيموت ؟ مسكين ..
و ما الذي يريد قوله لي ؟ أخبريه أن لا يحلم بلقائي ..

سارة : رحاب .. يبدو بأنه يريد أن يحدثك في أمر مهم ..
أرى ملامح التعب بادية على وجهه .. يبدو بأنه مهموم ..

رحاب بجدية : و ما دخلي في ذلك .. أخبريه بما قلته لك ..

سارة : و لكن ..

رحاب : سارة .. لن أعيد الحديث مرة أخرى

سارة باستسلام : كما تشائين ..

و هناك ..

السجان : عندما تضيق بك هذه الحياة .. فقط قل يا رب .. فإنه سيكون معك ..
فراس بندم : لقد أخطأت كثيرا .. أنا خجل من ربي ..
أنا إنسان حقير .. ناكر لنعمته .. أعطاني
أبا عظيما .. أما حنونة .. صحة وعافية .. منزلا يضمني ..
ما الذي أريده أكثر ؟؟

السجان : قل يا رب ..
فراس و الدموع تملأ عينيه : يــــــــــــــــــــــــ ـا رب
السجان : ثق بأن الله لا يضيع عبده ..
فراس : أعلم .. لأنه وضعك في طريقي لأعود للصواب .. حتى محنتي هذه
أعتقد بأنها لم تأتي إلا لمصلحتي أنا .. يا لي من عبد غافل



كانت رحاب جالسة تطعم خالتها التي ترفض الطعام ..

رحاب : أن لم تأكلي .. لن آكل إي شيء ..
الخالة : لم يعد لي غيرك .. اعتني بنفسك .. و لا تأبهي لي ..
الحياة لم أعد أريدها بعد أبي فراس ..

رحاب بحزن : أنا أيضا لم يعد لي أحد غيرك .. فهل ستتركينني وحيدة ؟

عانقت الخالة رحاب و بقيت تبكي قائلة : ربما كتب علي فراق الأحبة ..

ثم رفعت رأسها قائلة : بالله عليك يا بنيتي .. أخبريني الحقيقة ..
لقد ربيناكم معا .. أنت و فراس و هيفاء ..
فما الذي جرى ؟؟

هل قصرنا في شيء ؟ لماذا يحدث هذا منهم ؟؟
لقد قضوا على والدهم .. و سيقضون علي أيضا ..

رحاب : ما هذا الحديث يا خالة .. أنت نعم الأم .. و عمي كان نعم الأب ..
و كان هذا لحسن حظي ..

أما عن فراس و هيفاء فهم في غفلة .. سرعان ما سيفيقان منها ..
سيعودون .. ثقي بي ..

الخالة : و ما الذي سيعيدهم ؟؟

رحاب : تربيتكم ستعيدهم ..

بعد ذلك توجهت الخالة إلى المطبخ لتغسل الأطباق التي لم تلمس ..

شردت رحاب قليلا .. ما الذي يريده إياد ؟؟ و لماذا يصر على مقابلتي ؟؟

هل ستلتقي رحاب إياد فعلا ؟؟


يتبع >>>


الجزء الأخير

مرافىء الأحزان

في الصباح الباكر .. اتجه الشرطي للزنزانة .. و أخذ فراس إلى الضابط ..
و هناك وقف فراس بخوف شديد ..

ابتسم الضابط له .. فعجب فراس لأمر الضابط
إنها المرة الأولى التي يراها فيه يبتسم له ..

بعد أن رأى الضابط علامات التعجب بادية على وجه فراس ..
قال : كنت أشعر بأنك بريء ..
اتسعت حدقتا عينيه ثم قال : نعم أنا بريء ..
أجابه الضابط : بعد تحرياتنا المكثفة .. اكتشفنا أن صديقك كان على علاقة بفتاة التي كانت تسكن بجواره ..
قال فراس : ريم ؟؟
الضابط : نعم هي .. و ما إن اكتشف أخاها الأمر حتى قضى على آخر أنفاسه .. و انتقلا إلى مدينة أخرى .. صديقتها أخبرتنا بالأمر بعد ضغط كبير .. المهم أنك تستطيع مغادرة السجن .. لأنه لا حاجة لوجودك هنا .. بعد أن أعترف المجرم ووقع في أيدي العدالة ..

و ربت على كتفه قائلا : نأسف للإزعاج الذي سببناه لك ..

ارتسمت ابتسامة عريضة على وجه فراس .. و خر ساجدا لله ..
ثم وقف و قبل الضابط قائلا : لقد تعلمت الكثير .. فالشكر لكم أنتم .. طبعا من بعد الله ..

صوت رنين الهاتف قد هز أركان ذلك المنزل القديم .. توجهت رحاب مسرعة إليه و هي تجر عجلات مقعدها ..
و رفعت السماعة قائلة : مرحبا ..
سارة : رحاب أنا أحتاجك ..
رحاب بفزع : ماذا هناك ؟؟
سارة : سأمر عليك الآن .. كوني جاهزة ..

و أغلقت الهاتف و هي تتمتم .. سامحيني يا رحاب .. لكن كل ما أفعله لأجلك ..

خافت رحاب كثيرا .. ما الذي حدث لسارة ؟؟ هي لم تعطني فرصة لأفهم ما بها ..

استأذنت رحاب من خالتها و جهزت نفسها بسرعة ..

و بعد عشر دقائق من المكالمة وصلت سارة لمنزل رحاب .. و أركبتها السيارة ..
في السيارة .. كانت رحاب فزعة جدا ..

رحاب : أخبريني .. ماذا حصل ؟
سارة : سأخبرك حال ما نصل ..
رحاب : نصل ؟؟ إلى أين ؟
سارة : ستعرفين عما قريب ..

كانت سارة صامتة معظم الوقت .. كما أنها لم تواجه رحاب .. فكانت تنظر إلى الطريق معظم الوقت .. و في الوقت نفسه كانت رحاب تبتهل و تدعو الله أن لا تكون سارة في مشكلة كبيرة ..

توقفت السيارة عند نفس المطعم الذي جلستا فيه المرة السابقة ..

رحاب : و لماذا هنا بالذات ؟
سارة : أعطني يدك .. هيا ..

ساعدت سارة رحاب على النزول و جلستا على نفس الطاولة أيضا ..

رحاب : نفس الطاولة أيضا ؟؟
كانت سارة صامتة ..

رحاب و قد فرغ صبرها : هلا أخبرتني ماذا هناك ؟؟

لم تكمل حديثها إلا وقد رأت إياد قادم باتجاههم ..

زمجرت رحاب في وجه صديقتها : أهذا من أفزعتني لأجله ؟؟
سارة بخجل : هو من طلب مني ذلك .. أنه يريدك في أمر هام ..
رحاب : لا أريد .. لا أريد البقاء .. أعيديني للمنزل ..

وصل إياد و ألقى التحية ثم قال : هل يمكنني الجلوس ؟؟
أشاحت رحاب بوجهها للطرف الآخر ..
و أجابت سارة عوضا عنها : بالتأكيد .. تفضل ..

جلس إياد مقابل لرحاب .. أخذ ينظر إليها طويلا ..
ثم قال :كيف هو حالك ؟
رحاب بسخرية : لازلت حية .. لم أمت بعد ..
ثم أدارت بوجهها لسارة قائلة : هل ستعيدينني أم ماذا ؟


أمسك إياد بيدها .. و بسرعة انتزعتها منه ..
و بعصبية قالت : دعني .. أنا الآن متحجبة .. ألا ترى ذلك ..

نكس إياد رأسه قائلا : أنا آسف .. و لكن هلا نظرتي إلي قليلا .. أنا لم أعد إلا لأجلك ..

نظرت إليه رحاب و قد بدا على وجهها علامات الاستفهام ..
و أكمل حديثه : دعيني أتحدث دون مقاطعة .. نعم أنا هنا من أجلك ..
لست الوحيدة التي تعذبت و تألمت .. أنا تعذبت أكثر ..
بعد تلك الحادثة .. أنا لم أتخل عنك .. و كيف أتخلى عن قلبي ؟
لكن أهلي عارضوا الزواج .. حاربت من أجلك .. لكن لا فائدة ..

هددوني بالطرد .. بقطع المصروف .. كنت سأحتمل هذا كله .. إن كان في مصلحة زواجنا

لكني فكرت في الأمر مليا .. أن خالفتهم .. من أين سنعيش و ننفق .. و أين سنسكن ؟
لو فعلت و تزوجتك .. كنت سأضيعك و أضيع نفسي ..

فقررت أن أسافر .. و لا تتصوري لوهلة بأن هذا القرار كان سهلا ..
سافرت لأكون طبيبا .. كان والدي في منتهى السعادة يعتقد بأني بذلك
سأنساك .. لكنه كان مخطئا .. فأنا لم أفكر في السفر و الدراسة إلا لأجلك ..
درست و اختصرت السنوات .. كان أمامي هدف واحد .. هو العودة لك و أنا طبيب .. لأعالجك .. و نعيش معا .. عدت لأتزوجك يا رحاب ..

تفاجأت رحاب مما قد سمعته ثم قالت : و لكني سمعت بأنك تزوجت ..

قال : لا يوجد فتاة تستحق أن تحل محلك .. و أشار إلى قلبه قائلا:
أنت هنا .. منذ سنوات .. و ستبقي ما دمت حي على وجه هذه الأرض ..

قالت رحاب بحزن : هل أنت متأكد .. بأنك تريدني و أنا هكذا ؟؟
ابتسم إياد : بالتأكيد .. لا تخافي سأعالجك .. أم لا تثقين بي .. أنا طبيب ماهر ..

تنهدت رحاب بعمق : يكفي .. هل أنا أحلم ؟
صرخ إياد : هل تتزوجيني يا رحاب ؟

نكست رحاب رأسها : تأخرت .. لا يمكن أن أترك خالتي بمفردها .. حتى و لو كان من أجل حلم عمري ..

ابتسم إياد : أعلم بما ستقولينه .. لذلك سنأخذها معنا .. وسنسافر ..
رحاب : دعني أفكر ..
إياد : ألم تعدي تحبيني ؟
رحاب :ما الذي تقوله ؟
إياد : إذا دعينا نحقق حلم قد بلغ عشرة أعوام ..
رحاب تقاطعه :بل تسعة ..
إياد : لقد بلغ اليوم عشرة .. لا تجادليني .. أنا أحسبهم يوم بيوم .. و ساعة بساعة ..

ابتسمت رحاب بعد سنوات مضنية لم تذق فيها إلا العذاب .. يبدو بأن وقت الفرح قد حان ..

سارة و رحاب و إياد غادروا المطعم .. متجهين لمنزل رحاب ..

في تلك الأثناء .. دخل شخص المنزل .. كانت تعتقد الخالة بأنه رحاب .. لكن يا المفاجأة .. كان فراس ركض بسرعة لحضن أمه ..
و أخذ يبكي و يقبل يدها قائلا : أنا آسف .. أعتذر .. أرجوك سامحيني ..
كانت أمه تبكي : سامحتك يا بني .. فقط كن معي ..

رفع فراس رأسه و كأنه يبحث عن شيئا : أين والدي ؟
صمتت الأم قليلا ثم أخبرته بكل ما حدث ..


اشتعل غيضا و أحس بأن الدنيا تدور من حوله .. بكى طويلا ..لعله يكفر عن ذنبه .. ثم اتجه مسرعا لغرفته ..
خاطبته أمه : إلى أين ؟؟
أجابها : إلى الصلاة ..

بعد يومين تم عقد زواج رحاب على إياد .. كان الجميع مسرورين بما فيهم فراس الذي اعتذر لرحاب عن كل ما كان يفعله ..

كان الجميع متوجه إلى خارج المنزل لوداع رحاب و إياد ..
كان في هذه الأثناء شخص يقف بحزن كبير لا يجروء على الدخول للمنزل ..
أظن بأنك عرفتموها .. أنها هي هيفاء و الدموع تهاوت على وجنتيها
قائلة : هل أجد لي مكان بينكم ؟؟

انتهت قصة رحاب .. هل تعتقدون بأن هناك حب كهذا الحب ؟؟
أم كل ذلك لا يمكن حدوثه إلا في حكاية كحكايتنا هذه ؟
أعتقد بأن البشر في كل أنحاء هذا العالم .. عند حصولهم على قلب طيب كرحاب .. سيمتلأ هذا الكون بالحب و العطاء
قصه رحاب قصه رحاب قصة رحاب و رحاب+قصة
وهل يوجد حياه بدون حب شكرا على الاداء الرائع والله تستحقين 10 ستارز
قصه رحاب قصه رحاب قصة رحاب و رحاب+قصة
شكراً علي الموضوع
الحب اجمل شئ
قصه رحاب قصه رحاب قصة رحاب و رحاب+قصة
مافي اجمل من الحب لك تقيمي
قصه رحاب قصه رحاب قصة رحاب و رحاب+قصة
ا[COLOR="rgb(255, 0, 255)"][COLOR="rgb(255, 0, 255)"]لحب آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآ ه من الحب♥ شي كبير يستحق التضحيه ومشكر ه على هاذآ الابداع وتستحقين من يحبك[/color][/color]
قصه رحاب قصه رحاب قصة رحاب و رحاب+قصة
يسلمو قصة رائعه تقبلي مروري
قصه رحاب قصه رحاب قصة رحاب و رحاب+قصة