منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > منتديات العامة > منتديات اسلامية
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَأَثَرُهَا عَلَى الْعَبْدِ




ساهم بنشر الصفحة
رد
 
أدوات الموضوع
الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَأَثَرُهَا عَلَى الْعَبْدِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده رسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين . أما بعد :
بادئ ذي بدء أسال الله عز وجل أن يلهمنا جميعاً رشد أنفسنا ، وأن يمنَّ علينا جميعاً بالعلم النافع وأن ينفعنا بما علمنا وأن يرزقنا الفقه في دينه ، وأن يوفقنا للعمل الصالح والقول السديد الذي يرضى به عنا تبارك وتعالى .
ثم أيها الإخوة الأكارم : موضوع هذا اللقاء موضوعٌ واسع وله جوانب عديدة ولا أحسب أنني في هذا اللقاء أستطيع أن آتي على بعض مهمات هذا الموضوع ، لكنني سأقف مع بعض الجوانب المتعلقة به من باب التذكير والمدارسة ، وقد قال الله تعالى : {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ } .
وموضوعنا عن « أثر الإيمان بأسماء الله تبارك وتعالى الحسنى في حياة العبد » ؛ وهذا موضوع عظيم ، بل هو أهم الموضوعات وأشرفها وأجلّها على الإطلاق . وسيكون حديثي عن هذا الموضوع في ثلاثة محاور :
 الأول : في بيان شرف هذا العلم وفضله وعظيم مكانته وأنه أشرف العلوم وأجلُّها .
 والمحور الثاني : في بيان بعض القواعد المهمة والأصول العظيمة التي ينبغي أن يكون عليها المسلم في فقهه لهذا الباب وعنايته بهذا العلم العظيم الشريف .
 والمحور الثالث : بذكر شيء من آثار الفقه الصحيح لأسماء الله الحسنى على العبد في عبوديته وسلوكه وآدابه وأخلاقه ومعاملاته وعموم حياته .

 أما شرف هذا العلم فأمرٌ لاشك في تقرره وثبوته وأنه أشرف العلوم وأجلها وأرفعها على الإطلاق ، لأنَّ الأمر كما يُقال : شرف العلم من شرف معلومه ، وليس هناك أشرف ولا أعظم ولا أنبل من العلم بالله ومعرفته سبحانه وتعالى ، بل إن العلم به جل وعلا مقصود للخلق كما يدل على ذلك قول الله تعالى : {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق:12] خلق لتعلموا ، فالعلم بالله وبأسمائه وصفاته أمرٌ مقصود بالخلق والإيجاد ، والله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليعرفوه وليعبدوه ، خلقهم للعلم وللعمل ، خلقهم للعلم كما تدل على ذلك هذه الآية وهي آخر آية في سورة الطلاق ، وخلقهم للعمل كما قال جل وعلا في أواخر سورة الذاريات : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} ، ولهذا قال العلماء : التوحيد نوعان : علمي وعملي .
1. التوحيد العلمي : يتعلق بجانب المعرفة والإثبات. في قوله سبحانه : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } إلى تمام السورة .
2. والعملي : يتعلق بجانب الإرادة والطلب . في قوله سبحانه : {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} إلى تمامها .
فالله جل وعلا خلق الخلق ليعرفوه وليعبدوه . ومعرفة الله سبحانه وتعالى تكون بمعرفة أسمائه جل وعلا وصفاته في ضوء كتابه سبحانه وسنة رسوله صلوات الله وسلامه عليه .
 ويدل على شرف هذا العلم وفضله أنه ركن من أركان الإيمان بالله ، لأن الإيمان بالله سبحانه وتعالى يقوم على أركان منها إثبات أسماء الرب الحسنى وصفاته العليا الثابتة في كتابه وسنة رسوله صلوات الله وسلامه عليه. والإيمان بالله هو أعظم أركان الإيمان وأجلُّها ؛ بل هو أصل أصول الإيمان وأساسها ، وبقية أصول الإيمان تبع لهذا الأصل ، قال تعالى : {كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [البقرة:285] فبقية أصول الإيمان تبع لأصل أصول الإيمان و هو الإيمان بالله ، والإيمان بالله يكون بالإيمان بوحدانيته في ربوبيته ، ووحدانيته في أسمائه وصفاته ، ووحدانيته في ألوهيته باعتقاد أنه المعبود بحق ولا معبود بحق سواه وصرف العبادة بجميع أنواعها لله وحده مخلصاً له الدين .
 ومما يدل على شرف هذا العلم قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين وغيرهما : ((إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ )) ، فقد أفاد هذا الحديث أن العلم بأسماء الله الحسنى وبما دلت عليه من الصفات العظيمة يترتب عليه ويُثمر فيمن وُفق إليه دخول الجنة ، قد قال عليه الصلاة والسلام : ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ)) وأعظم أصول الإيمان العلم بالله جل وعلا وبما أمر جل وعلا عباده بمعرفته مما يتعلق بعظمته وجلاله وكماله وكبريائه وأنه سبحانه وتعالى المعبود بحق ولا معبود بحقٍّ سواه .
 ومما يدل على شرف هذا العلم وفضله : أنه أساسٌ لكل خير وكل فضيلة ، فهو أساسٌ لسعادة الإنسان وزكاء قلبه وصلاح نفسه وطيب حاله ، بل إن تزكية النفس لا تكون إلا بالعلم بالله وعظمته سبحانه ، كما جاء في أبي داود وغيره عندما ذكر عليه الصلاة والسلام خصالاً ثلاثة منها تزكية العبد نفسه ، فسُئل عليه الصلاة والسلام كيف يزكي نفسه ؟ قال : ((أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَهُ حَيْثُمَا كَانَ)) وهو حديث حسَّنه بعض أهل العلم . فأساس تزكية النفس العلم بالله وأنه معك أينما كنت ، أي بعلمه واطلاعه وأنه جل وعلا لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء .
فقول الرب جل وعلا : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [الشمس:9-10] أساس هذه التزكية العلم بالله سبحانه وبعظمته وكماله وسعة علمه وكمال قدرته ونفوذ مشيئته ؛ فكلما كان العبد على حظٍّ أوفر من العلم بالله كان ذلك أكمل له في زكاة نفسه ، ولهذا قال الله جل وعلا {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } [فاطر:28] ، ولهذا قال بعض أهل العلم : " من كان بالله أعرف كان منه أخوف " ، قال بن القيم رحمه الله : " من كان بالله أعرف كان منه أخوف ، ولعبادته أطلب ، وعن معصيته أبعد " .
فإذاً مما يدل على شرف هذا العلم ومكانته العلية ومنزلته الرفيعة أنه أساسٌ لكل خير ، والعبد كلما ازداد معرفةً بالله وبأسمائه الحسنى وصفاته العليا زاد في الخير والفضل والزكاء والصلاح والفلاح بحسب حظه ونصيبه من المعرفة بالله سبحانه وتعالى .
 ومما يدل على فضل هذا العلم ومكانته أن في القرآن آيات تقرب من الثلاثين آية فيها الأمر بتعلم هذا العلم ولاسيما في خواتيم عدد من الآيات ، مثل ما مرّ معنا في خواتيم سورة الطلاق {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} قال جل و علا {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ } [محمد:19] ، وفي القرآن من هذا القبيل آيات تقرب من الثلاثين آية يأمر جل وعلا فيها بالعلم بأسمائه جل وعلا وصفاته .
 ومما يدل على فضل هذا العلم ومكانته العلية : أنه قاعدة الدين التي عليها يُبنى وأساسه ؛ فلا قبول لعمل ولا انتفاع بطاعة إلا إذا كانت قائمة على هذا الأصل ، قال تعالى : {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} [المائدة:5] قال تعالى : {وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً } [الإسراء:19] ، وقال تعالى : {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [النحل:97] فالإيمان بالله وبما أمر جل وعلا عباده بالإيمان به أساسٌ لقبول الأعمال ، وهو الذي يصحح الأعمال ولا تكون مقبولةً إلا به. إلى غير ذلك من الوجوه التي يُعلم من خلالها مكانة هذا العلم الشريف ومنزلته العلية .

 المحور الثاني في هذا اللقاء : في ذكر بعض القواعد والأصول التي لابد منها في فقه هذا الباب حتى يسلم طالب العلم من الانحراف والزلل والخطأ في هذا الباب .
وينبغي أن يُعلم هنا أن الخطأ في أسماء الله جل وعلا وصفاته ليس كالخطأ في أي اسم آخر ، فالأمر فيه خطورة بالغة ، الخطأ في أسماء الله وصفاته في غاية الخطورة ، سواءً كان الخطأ بأن يُثبت فيها أو يُدخل فيها ما ليس منها ، أو ينفي منها ما هو ثابت ؛ الأخطاء التي تقع في هذا الباب راجعة إلى هذين الخطأين : إما بنفي الثابت ، أو إثبات المنفي . إما بأن يُثبت فيها - أي الأسماء والصفات - ما لا دليل عليه ولا مستند من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه و سلم ، أو أن يُخرج منها ما هو ثابت في كتاب الله وسنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه . الخطأ في هذا الباب يرجع إلى هذين الجانبين .
ولنتأمل خطورة هذا الأمر من خلال سياقين في كتاب الله ، كل سياق منها متعلق بأحد هذين الجانبين :
 الأول : قول الله سبحانه { وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ } [فصلت:22-24] هؤلاء خطؤهم في باب الأسماء والصفات من جهة نفي الثابت ، فالثابت أن الله سبحانه وتعالى عليم ، أحاط علماً بكل شيء ، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ، وسع كل شيء علما ، يعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون ، يعلم السر وأخفى ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، وأحاط بكل شيء علما ، أحصى كل شيءٍ عددا . وهؤلاء وقعوا في خطأ عقَدِيٍّ خطير ما هو ؟ قال : {وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ} ، وتأمل فإن هؤلاء لم ينفوا العلم عن الله من أصله ، لم يقولوا : إنه ليس ذا علم ، وإنما نفوا علمه جل وعلا بكثير مما يعملون فأرْداهم هذا الاعتقاد {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ} ، ومن هنا تعلم أن نفي شيء من أسماء الله وصفاته بأيِّ مبرِّر كان وأيِّ مسوغ أُفتُرض فإنه هلاك للإنسان ومُردٍ له {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ} .
يتبع

 والسّياق الآخر يتعلق بإثبات المنفي في هذا الباب ، ومما نفاه جل وعلا عن نفسه ما جاء في قوله {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } [الإخلاص:3] فنزّه نفسه عن الوالد وعن الولد ، الأصل والفرع {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } ، فانظر خطورة من أثبت ما نفاه الله { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا }[مريم:88-91]
ما نوع الخطأ هنا ؟ إثبات ما نفاه الله . والخطأ الأول نفي ما أثبته الله ؛ أولئك نفوا العلم والعلم ثابت ، ولم ينفوا العلم من أصله قالوا : لا يعلم كثيرا ، فنفوا الثابت ، وهؤلاء أثبتوا المنفي . و كلٌّ من الخطأين سواء بإثبات المنفي أو نفي الثابت في غاية الخطورة ، والخطأ في أسماء الله جل وعلا وصفاته هو أخطر ما يكون وأضر ما يكون على الإنسان ، وهو سبب للردى والهلاك ، ولهذا قال أهل العلم : " إن الفساد في جانب الاعتقاد في أسماء الله وصفاته شؤمٌ على صاحبه " ؛ لأنه يفضي بصاحبه إلى فساد في عبادته ، وفساد في سلوكه ، وفساد في معاملته وكل ذلكم مستفاد من قوله { وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ } .
ولهذا قال أهل العلم : إن المناهج المنحرفة التي ينجُم عنها تعطيل الصفات وجحدها وعدم إثباتها شؤمٌ على أصحابها وسببٌ لانحلالهم وانحرافهم وتردِّيهم في أودية الهلاك ، بينما إذا سلِم العبد من ذلك وأثبت ما أثبته الله وما أثبته رسوله عليه الصلاة والسلام ، ونفى ما نفاه الله وما نفاه عنه رسوله عليه الصلاة والسلام ومضى في هذا الباب بسدادٍ واعتدال في ضوء الكتاب والسنة ومنهج سلف الأمة ؛ فإنه بإذن الله تبارك وتعالى يصح له الاعتقاد ويصِحُّ له العمل . و إن تيسر لنا سعة في الوقت أضرب أمثلة توضح المقصود وتبين المراد بإذن الله تبارك وتعالى ، وأحيانا لا يتضح المقال إلا بالأمثلة التوضيحية التي تبين المراد .
فالمقصود الآن بيان أن الخطأ في أسماء الله جل وعلا وصفاته ليس كالخطأ في أي اسم آخر ، ولهذا قال جل وعلا {وَلله الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف:180] ؛ تأمل التهديد لهؤلاء والوعيد لمن يُلحد في أسماء الله جل وعلا وصفاته . والإلحاد في أسماء الله وصفاته : بالعدول بها عن مرادها ومقصودها ؛ لأن الإلحاد : هو الميل والعدول ، والملحِد الذي عدل عن الحق ومال عنه وانحرف ، والإلحاد في أسماء الله جل وعلا بالعدول بها عن الحق الثابت لها ؛ إما بجحدها ونفيها وتعطيلها ، وإما بتحريفها عن معناها وصرفها عن مدلولها ، أو بأن يُدخِل فيها ما ليس منها ، أو بأن يُخرج منها ما هو ثابت لها ، أو بأن يشبِّه الله بخلقه - تعالى الله عن ذلك – {وَللهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} [النحل:60] ، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11] ، {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم:65] ، {وَلَم يَكُن لَه كُفْؤا أحد } [الإخلاص:4] . فكل ذلكم إلحاد وعدول بأسماء الله وصفاته عن الحق الثابت له ، ولهذا فإن ابن القيم رحمه الله في كتابه "بدائع الفوائد" لما ذكر أنواع الإلحاد في أسماء الله وصفاته ختم ذلك بقوله : " فجَمَعَهم الإلحاد ، وتفرَّقت بهم طرقه " .
الشاهد : أن الواجب على المسلم أن يحذر من ذلك ؛ أن يحذر من الخطأ في أسماء الله جل وعلا وصفاته ، لأن الله عز وجل تهدد هؤلاء وتوعدهم {وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} تهددهم وأمَر بأن تُترك طريقهم وأن تُجتنب سبيلهم وأن يُحذر مسلكهم ، لأن في الحذر والاجتناب لمسلك هؤلاء سلامة الإنسان ، وفي دخول الإنسان في مسلك هؤلاء عطبه وهلاكه والعياذ بالله .
ويعين المسلم في سيره سيراً صحيحاً في هذا الباب أن يتبصر في أسسٍ ثلاثة تنير له الطريق وتهديه إلى سواء السبيل ليكون كلامه في هذا الباب كلاما عدلا ، لا شطط فيه ولا انحراف .
 الأساس الأول : أنه لا أحد أعلم بالله من الله {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ } [البقرة:140] .
 والأساس الثاني : لا أحد أعلم بالله من خلق الله من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو أعلم الخلق بالله ، وقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : ((إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا))، فهو أعلم خلق الله بالله .
 والأساس الثالث : أن الله تبارك وتعالى غيبٌ لم نَرَه .
فإذا عُلمت هذه الأسس الثلاثة تحصَّل منها الطريق السداد في هذا الباب ، وهو أن الواجب على المسلم أن يكون كلامه في هذا الباب معتمداً فيه على كتاب الله سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وأن يكون عمدته في هذا الباب كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام ، كما قال أحد السلف : " ندور مع السنة حيث دارت " ، هذا هو الواجب ، أن يدور المسلم مع كتاب الله وسنة النبي عليه الصلاة والسلام حيث دارت ، أي ما ثبت في الكتاب والسنة أثبتناه ، وما نُفي في الكتاب والسنة نفيناه . قال الإمام أحمد رحمه الله : " نصِف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم لا نتجاوز القرآن و الحديث " ، ومن تجاوز القرآن والحديث لا يُحصِّل بهذا التجاوز إلا الضلال ، ولهذا قال ابن أبي العز رحمه الله في مقدمة شرحه للعقيدة الطحاوية : " كيف يُرام الوصول إلى علم الأصول بغير ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام " لأن هذا غير ممكن . وكان شيخ الإسلام عليه رحمة الله كثيرا ما يقول : " من فارق الدليل ضل السبيل ، و لا دليل إلا ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم " .
فإذا مضى المسلم في هذا الباب معتمدا على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم معتصماً بهما فلن يضل ، قال صلى الله عليه وسلم : ((تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي)) .
ولهذا فإن مذهب أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات يتلخص في : أنهم يُثبِتون لله ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ولا تمثيل ، وينفون عن الله ما نفاه عن نفسه وما نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم . كما قال الإمام أحمد : "لا نتجاوز القرآن و الحديث " هذا نهجهم .
وهذه الأمور الأربعة - التحريف ، والتعطيل ، والتكييف ، والتمثيل - محاذير يجب على كل مسلم أن يكون منها على حذر وأن يبتعد عنها :
 لا يعطل شيئا من أسماء الله وصفاته ، والتعطيل هو النفي .
 ولا يحرِّف شيئا منها بصرفه عن معناه وحرفه عن مدلوله .
 ولا يمثِّل شيئا من أسماء الله وصفاته بصفات المخلوقين ، فالله جل وعلا ليس كمثله شيء ، والممثِّل هو الذي يقول : سمع الله كسمعنا وبصر الله كبصرنا والله يقول {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ، والتمثيل كفر بالله والممثل المشبِّه كافر بالله جل وعلا . ولهذا قال بعض السلف - وهو نُعيم بن حماد شيخ الإمام البخاري - قال : "الممثِّل يعبد صنما - الذي يمثل الله جل وعلا بالمخلوقات هذا يعبد صنما ، لأن الله عز وجل منزه عن ذلك - والمعطل يعبد عدما " الذي يجحد الصفات وينفيها ولا يثبتها في الحقيقة هو يعبد العدم ، فيكون المسلم حذِراً من ذلك .
 وحذِراً من التكييف ، لا يحاول أن يعرف كيفية صفات الله ، فالكيف مجهول كما قال ذلك مالك وغيره من أئمة السلف ، قالوا : " أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف " لأن الكيف مجهول ، فيحذر المسلم من ذلك .
وأهل السنة منهجهم في هذا الباب : إثبات بلا تمثيل ، وتنزيه بلا تعطيل ؛ على حد قوله سبحانه وتعالى { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } أثبت جل وعلا لنفسه السمع والبصر بعد نفي المثلية ؛ فدل ذلك على أن إثبات الصفات لله جل وعلا على الوجه اللائق بجلاله وكماله مع تنزيهه عن مماثلة المخلوقين هو الصواب الذي لا صواب غيره ، والحق الذي لا حق غيره ، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة وهو الذي يجب أن يكون عليه كل مسلم .

 انتقلُ إلى المحور الثالث في هذا الموضوع وهو : أثر المعرفة الصحيحة بأسماء الله تبارك وتعالى وصفاته على العبد في حياته وعبوديته وفي أخلاقه ومعاملته وفي عموم أحواله .
وهذا موضوعٌ حافل لأنك تحتاج في هذا الموضوع أن تقف عند كل اسم من أسماء الله جل وعلا وتبيِّن الآثار والعبوديات التي يقتضيها ويستوجبها إيمان العبد بهذا الاسم ، والأمر كما قال أهل العلم : كل اسم من أسماء الله تبارك وتعالى له عبودية هي من موجبات الإيمان بهذا الاسم .
وبهذا يُعلم أن ازدياد العبد من المعرفة بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا مع فقهها فقهاً صحيحاً يعود عليه في أخلاقه وآدابه ومعاملاته وسلوكه وجميع شؤونه بالآثار والثمار النافعة ، وتتحقق له زكاة نفسه وصلاح حاله بحسب ما يكون عليه من المعرفة بالله جل وعلا وأسمائه وصفاته ، قد مرّ معنا قول الله عز وجل {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} .
يتبع

ولنقف على بعض الأمثلة للتوضيح :
 إيمانك بأن الله سبحانه وتعالى عليم ، وتقرأ في القرآن آيات كثيرة جداً فيها إثبات علم الله ، بل كثير من الآيات تُختم بهذا المعنى { وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } ، {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } ، {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} آيات كثيرة في القرآن تُختم بهذا المعنى سواء في مقام الترغيب أو في مقام الترهيب . وآيات تقرر هذا المعنى {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى } ، {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} ، {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ } [الحديد:4] ، آيات كثيرة جداً في القرآن تقرر هذا المعنى ، وتجد آيات الوعيد تُختم به ، وآيات الوعد تُختم به { الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ } [الشعراء:218-219] فهذا يفيدك أن علمك بأن الله سبحانه عليم تحتاج إليه وإلى استحضاره في مقام العبادة وفعل الصالحات لتُخلِص ، لتصدُق ، لتحسِن الإقبال على الله جل وعلا في عبادته ، وتحتاج إليه أيضا في باب المنهيات لأنه أعظم رادع وأكبر زاجر ، بل يقول الشيخ الشنقيطي في بعض كتبه : " اتفق أهل العلم على أن أعظم واعظ وأكبر زاجر الإيمان بأن الله على كل شيء عليم " أكبر زاجر وأعظم رادع للإنسان إيمانه بأن الله بكل شيء عليم ، وكلما كان العبد يستحضر ذلك ؛ علم الله به ، اطلاعه عليه ، أنه سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ، فهذا أكبر زاجر للعبد عن مقارفة الذنوب وغشَيان الآثام والوقوع فيها .
وضرب مثال فقط للتقريب - ولله المثل الأعلى - قال : لو تصورنا أن أمير بلد ذا بطش وذا شدة وذا قوة وذا نكال وعنده نساؤه وحريمه وتهدد من يقع في شيء من الأذى أو التعدي في شيء من حريمه أن يعاقبه بأشد عقوبة وأن يوقع به أشد نكاية ، ووضع من يراقب ومن يتابع و من يُخبر ، يقول : الإنسان الذي يكون في مثل هذه الحال تجده يمنع نفسه خوفاً منه ، وهو مخلوق مثله وقاصر وضعيف ؛ فما بال الإنسان عندما يحقق الإيمان بعلم الله سبحانه وتعالى ؟! أو كيف حال الإنسان عندما يحقق الإيمان بعلم الله سبحانه وتعالى به واطلاعه عليه ؟ مع علمه بكمال قدرته وشدة بطشه وشدة عقوبته وما توعد الله سبحانه وتعالى به أهل الذنوب والمعاصي ؛ فإذا استحضر العبد علم الله جل وعلا واطلاعه فهذا أكبر زاجر .
ولهذا ذكر ابن رجب رحمه الله في بعض كتبه : أن أعرابياً راود أعرابية في الصحراء وقال لها : نحن في مكان لا يرانا إلا الكواكب - يعني من أي شيء تخافين ؟ - قالت : أين مكوكبها ؟ فكف الرجل وامتنع . وذكر أن رجلاً أكره امرأة على نفسها وقال لها غلقي الأبواب ، فغلَّقت الأبواب ، قال : أغلقت جميع الأبواب ؟ قالت : نعم إلا باب واحد . قال : أي باب ؟ قالت : الباب الذي بيننا وبين الله - هذا ما يمكن أن يُغلق - فكف الرجل .
كلما كان العبد مستحضراً لعلم الله سبحانه وتعالى به واطلاعه عليه كان ذلك أكبر زاجرٍ له وأكبر رادع .
 إذا ضممت إلى ذلك إيمانك بأن الله سميع ، يسمع جل وعلا جميع الأصوات ، وسع سمعه الأصوات كما قالت عائشة رضي الله عنها في قصة المجادلة قالت : (( الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات لما نزل قوله تعالى : {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} تقول عائشة أنا كنت في البيت ، و كانت تجادل النبي صلى الله عليه وسلم في زوجها ، فكنت أسمع بعض كلامها ويخفى عليَّ بعضه وعندما أنهت كلامها نزل قول الله {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} ، ولو أن الناس بل الإنس والجن من زمن آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها قاموا جميعاً في صعيد واحد وسألوا الله في لحظة واحدة لسمِعَهم جل وعلا أجمعين ، لو أنهم في لحظة واحدة في دقيقة واحدة كل الأولين والآخرين اجتمعوا في صعيد واحد وسألوا وكلٌّ بلغته وكلٌّ بلهجته وكلٌّ يذكر حاجته لسمعهم تبارك وتعالى أجمعين دون أن يختلط عليه صوت بصوت ولا لغة بلغة ولا حاجة بحاجة ، قال جل وعلا في الحديث القدسي : ((يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ)) .
فهو جل وعلا بصير بالعباد ، يرى جل وعلا جميع المبصَرات ، يرى جميع الكائنات ، يرى سبحانه وتعالى من فوق سبع سموات دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ويرى جريان الدم في عروقها ويرى كل جزء من أجزاءها ، بصير جل وعلا لا تخفى عليه خافية .
 فإذا استحضر الإنسان علم الله وسمعه وبصره وأنه جل وعلا خبير ، يا بني– انظر وصية لقمان – {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّـهُ إِنَّ اللَّـهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ } [لقمان:16] ، والخبير : الذي يعلم بواطن الأشياء وخفايا الأمور {إِنَّ اللَّـهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} .
وانظر التربية على العقيدة وعلى الإيمان بالله وأسمائه وصفاته من لقمان الحكيم – يا بني – يربي ابنه على العقيدة الصحيحة وعلى المعرفة بالله وبعظمته وأسمائه وصفاته واطلاعه {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّـهُ إِنَّ اللَّـهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ } يعلِّمه ذلك و يلقنه الاعتقاد لينشأ على عقيدة صحيحة ، أنظروا الفرق في التربية بين هذا النهج المبارك ونهج الإنسان عندما يربي أبناءه بتخويفهم بشخصه وربطهم بعقوبته هو ، مثل أن يقول الوالد لولده : " انتبه لا تفعل كذا أنا أراقبك ، أنا أتابعك ، وين ما تروح أنا عيني معك " ، في يوم من الأيام يكتشف هذا الابن أن هذا التهديد غير صحيح وأن والده ما يستطيع أن يتابعه ، فينشأ عنده شيء من الخلل لأن الشيء الذي رُبيَ عليه تبين له عدم صحته ، بينما إذا رُبّي الابن على العقيدة والمراقبة لله والمعرفة به جل وعلا وبأسمائه وصفاته هذا أمر آخر {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّـهُ إِنَّ اللَّـهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} . فهذا يبين لنا الأثر المبارك على علم العبد بأسماء الله جل وعلا وصفاته .
 عندما تؤمن بأن الله تواب وتستحضر هذا المعنى ؛كم يفتح لك هذا من أبواب الخير !! وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : ((لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ)) هذا أشد فرح يُتصوَّر في الناس ، يقول عليه الصلاة والسلام هذا الفرح الذي هو أشد فرح يُتصور الله عز وجل أشد فرحاً بتوبة عبده إذا تاب من هذا براحلته .
فإذا آمن الإنسان بأن الله تواب وأنه يتوب على عباده ويعفو عن السيئات { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [الزمر:53] تجد القنوط يزول واليأس الذي يستولي عليه من كثرة ذنوبه يذهب ويعظم إقباله على ربه سبحانه وتعالى راجياً منه جل وعلا أن يتوب عليه .
والتواب اسم من أسمائه جل وعلا ، وتوبته على عبده هي توبةٌ على العبد بالتوفيق للتوبة ، وتوبة على العبد بقبول التوبة ، وكل ذلك فضلٌ من التواب سبحانه {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ } [التوبة:118] بتوفيقهم للتوبة ، الذي يوفِّق للتوبة هو التواب ، والذي يقبل التوبة هو التواب سبحانه وتعالى . فإذا عرف أن ربه تواب يقبل التوبة عن عباده ويدعو إلى التوبة {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً } هكذا يقول الله في القرآن {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [النور:31] ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَـاتِكُمْ} [التحريم:8] فيدعو إلى التوبة جل وعلا ، والآيات التي فيها الدعوة للتوبة والأحاديث كثيرة جداً ، مهما كان الذنب ومهما بلغ الجرم ، وحذَّر جل وعلا عباده من القنوط من رحمته سبحانه وتعالى .
وهكذا إذا مضى العبد في هذا الباب يعرف الأسماء ويعرف الصفات ويحقق الآثار والعبوديات التي تقتضيها ؛ يرى الخير والسعادة واللذة في حياته ، والنبي عليه الصلاة والسلام يربط بين العقيدة والشريعة ((قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ )) ، والعقيدة هي أساس صلاح الإنسان في عبادته وسلوكه ومعاملته وجميع شؤونه . ولهذا تجد أحاديث الاعتقاد تربط في الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر ، الربط بين العقيدة وبين العمل ؛ يقول عليه الصلاة والسلام : ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَافْعَلُوا)) ، ((يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ )) .
تجد الأحاديث الكثيرة التي تربط بين العقيدة والعمل ، العقيدة والشريعة ؛ مما يبين للمسلم أن المسلك القوام والمنهج السديد في هذا الباب أن يقوِّي جانب المعرفة بالله سبحانه وتعالى ، وأن يجتهد في معرفة المعاني ثم يحقق العبوديات المتعلقة بتلك الأسماء ، وما من اسم من أسماء الله جل وعلا إلا له عبودية هي من مقتضيات وموجبات ذلك الاسم .
وأهل العلم لهم في هذا الباب مؤلفات عديدة ، ولي أنا محاولة في هذا الباب في كتاب طُبع مؤخراً أو قريباً بعنوان [فقه الأسماء الحسنى] أوضحتُ فيه كثيراً من جوانب هذا الموضوع ، ومعاني الأسماء الحسنى ، وأيضا مقتضياتها والعبودية التي تختص بها ، والآثار التي يقتضيها ذلك الإيمان ، والثمار التي يجنيها العبد .
وأسال الله الكريم رب العرش العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يصلح شأننا أجمعين ، وأن يرزقنا الفقه في دينه ، وأن يوفقنا لاتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وأن يصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأن يصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأن يصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا ، وأن يجعل الحياة زيادة لنا في كل خير والموت راحة لنا من كل شر ، وأن يغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنه تبارك وتعالى سميع قريب مجيب .
وصلى الله وسلم وبارك وأنعم على عبد الله ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .

جــــــــــزاااااااك الله خيــــــــــــرًا






















بارك الله فيك
وجزاك الله خيرا
مودتي لكـ