منتدىمنتدى مزاد بيع وشراءسوق البنك التنقل السريع بين المنتدتياتاختصر وقتك
بوابة نوكيا   بوابة نوكيا > المنتديات الاخرى - Misc Section > منتدى المواضيع المحذوفه(نرجوا مراجعة شروط الحذف الجديدة في الوصف)
تابعنا على الفيس بوك تابعنا على تويتراضفنا لقائمة ال RSS

بوابة نوكيا


سلسلة الاعجاز العلمي لعبد المجيد زنداني ادخل وانظر

زنداني




ساهم بنشر الصفحة
موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع
 
قديم 13-04-2010, 03:08 PM
 
شادي1980
إداري سابق

الحالة:
  شادي1980 غير متصل  
الملف الشخصي
رقم العضوية : 1058364
تاريخ التسجيل : Mar 2010
الدولة : سوريا
المهنة : مساعد الجميع في الشيرنج والشيفرات
الاهتمامات : كسر شفرات الجزيرة والقنوات المشفر
المشاركات : 2,134
عدد النقاط : 2512123
قوة الترشيح : شادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعة
الرصيد المالي : 55066 دينار [كافئني]
المستوى : 35
المستوى القادم : يحتاج 3634 دينار
النشاط : 0
NG10 سلسلة الاعجاز العلمي لعبد المجيد زنداني ادخل وانظر

زنداني


مراحل الجنين
مقدمة:
لقد شهد هذا العصر نهضة علمية في شتى المجالات, ومن ضمن تلك المجالات ما يتعلق بعلم الأجنة ومراحل تخلق الإنسان, هذا العلم الذي كانت معلوماته محل تخمينات عقلية وتصورات ذهنية, حتى ارتقى العلم في القرن الماضي إلى مرحلة الوصف الدقيق القائم على استخدام الأجهزة الحديثة, فظهر للعلم مقدار التخبط الذي كان سائداً في العصور السابقة في مسألة تتعلق بالإنسان نفسه ومراحل تخلقه, لكننا مع ذلك نرى في كتاب الله تعالى بياناً واضحاً لا تشوبه أي شائبة في مسالة تخلق الإنسان, وأنه يتقلب في أطوار ومراحل, لا كما كان سائداً في ذلك الوقت من فكرة الخلق التام وأن الإنسان يخلق خلقاً تاماً من دم الحيض أو من منوي الرجل أو من بييضة المرأة فقط, يقول الله تبارك وتعالى : ?وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً ? [نوح :14]. ولم يقف القرآن العظيم عند هذا الحد , بل ذكر كل تلك الأطوار والمراحل التي يمر بها الإنسان, وأعطى كل طور تسمية خاصة به تصف شكل هذا الطور وأهم التغيرات التي تحدث فيه, مما يدل على أن هذا القرآن نزل بعلم الله ,قال تعالى : ?قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ? [ الفرقان:6] ,ويقول تعالى: ? لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً ? [النساء: 166].

مقدمة تاريخية في علم الأجنة :
مرّ تاريخ علم الأجنة بثلاث مراحل أساسية هي المرحلة الوصفية ومرحلة علم الأجنة التجريبي ومرحلة التقنية واستخدام الأجهزة.
1- المرحلة الوصفية أو علم الأجنة الوصفي:
تعود إلى أكثر من ستة قرون قبل الميلاد وتستمر حتى القرن التاسع عشر. وتم خلالها وصف الملاحظات الخاصة بظاهرة تطور الجنين. وقد وُجدت بعض السجلات المدونة من فترة السلالات الفرعونية الرابعة والخامسة والسادسة في مصر القديمة حيث كان الاعتقاد بأن للمشيمة خواص سحرية خفية. أما اليونان القدماء فهم أول من ربط العلم بالمنطق بفضل تعليلاتهم المنطقية، ولم تُسجَّل منذ عام 200 بعد الميلاد حتى القرن السادس عشر أية معلومات تذكر عن علم الأجنة. ومما كان سائداً آنذاك , المفهوم الخاطئ الذي قال به أرسطو طاليس من أن الجنين يتولد من دم الحيض , وانتقل على مر القرون , وكان علماء المسلمين يرفضون فكرة أن الجنين يتولد من دم الحيض , مستندين إلى قوله تعالى : ? أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى?[القيامة :37] والأحاديث النبوية التي سنورد بعضها في بحثنا هذا .
وأما في القرن السادس عشر وما بعده فقد مهّدت أبحاث "فيساليوس" و"فابريسيوس" و"هارفي" لبدء عصر الفحص المجهري، وتم اكتشاف المنوي من طرق العالمين "هام" و"فان لوفينهوك" عام 1701م. إلا أن اختراع المجهر لم يكن كافياً لبيان تفاصيل تكوين المنوي حيث اعتقد العلماء بأن الإنسان يكون مخلوقاً خلقاً تاماً في المنوي في صورة قزم، وبينما كان فريق من العلماء يرى أن الإنسان يُخلَقٌ خلْقاً تاماً في بيضة، كان فريق آخر يقرر أن الإنسان يُخلق خلقاً تاماً في المنوي, ولم ينته الجدل بين الفريقين إلا حوالي عام 1775م عندما أثبت "سبالانزاني" أهمية كل من الحيوان المنوي والبويضة في عملية التخلق البشري.
2- مرحلة علم الأجنة التجريبي:
بدأت هذه المرحلة في أواخر القرن التاسع عشر حتى الأربعينيات من القرن العشرين حيث قفزت أبحاث العالم "فون باير" بعلم الأجنة من مرحلة التجارب والمشاهدات إلى مرحلة صياغة المفاهيم الجنينية، كما طور العالم "روس هاريسون" تقنية زرع الحبل السري وبدأ "أوتو واربوغ" دراساته عن الآليات الكيميائية للتخلق، ودرس "فرانك راتري ليلي" طريقة إخصاب المنوي للبويضة، كما درس "هانس سبيما" آليات التفاعل النسيجي كالذي يحدث خلال التطور الجنيني، ودرس "يوهانس هولتفرتر" العمليات الحيوية التي تُظهِر بعض الترابط بين خلايا الأنسجة فيما بينها أو بينها وبين خلايا الأنسجة الأخرى.
3- مرحلة التقنية واستخدام الأجهزة:
وتمتد هذه المرحلة من الأربعينيات إلى يومنا هذا، وقد تأثرت تأثراً بالغاً بتطور الأجهزة الطبية مما كان له التأثير القوي على مسار البحوث العلمية. فلقد كان اكتشاف المجهر الإلكتروني وآلات التصوير المتطورة وأجهزة قياس الشدة النسبية لأجزاء الطيف، وكذا ظهور الحاسوب ومجموعة الكشف عن البروتينات والأحماض النووية، كل هذه كانت عوامل سمحت للعلماء بإجراء تجارب كانت تبدو قبل سنوات فقط من الأحلام الخيالية حيث تم التوصل إلى فهم ووصف دقيق لمراحل التخلق الجنيني بفضل كل هذه الأجهزة الحديثة.(1)
المعلومات الجنينية في القرآن والسنة:
لقد وصف القرآن والسنة في القرن السابع الميلادي وبأسلوب رفيع رائع الكثير من هذه المكتشفات المدهشة التي اكتشفها العلم الحديث بأجهزته وأساليب بحثه , فأوضح القرآنأن الإنسان يخلق من مزيج من إفرازات الرجل والمرأة, وأن الكائن الحي الذي ينجم عن الإخصاب يستقر في رحم المرأة على هيئة بذرة ,وأن انغراس كيس الجرثومة (النطفة ) يشبه فعلاً عملية زرع البذرة. ويتضمن القرآن أيضاً معلومات عن المراحل الأخرى , كمرحلة العلقة والمضغة والهيكل العظمي وكساء العظم بالعضلات . ويشير القرآن والسنة إلى توقيت التخلق الجنسي والجنيني واكتساب المظهر البشري, وهذه النصوص تثير الدهشة إذ أنها تشير إلى أحداث التخلق بترتيبها المتسلسل الصحيح وبوصف واضح دقيق(2).
مرحلة النطفة(3) :
يؤكد القرآن الكريم مراحل التخلق البشري في الآيات التالية:?وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ?[المؤمنون: 12-14]. فقسمت الآيات مراحل تطور الجنين الإنساني إلى ثلاث مراحل أساسية, وفصلت بين كل منها بحرف العطف (ثم) الذي يفيد الترتيب مع التراخي, وهذه المراحل هي:
1- مرحلة النطفة .
2- مرحلة التخليق, وتتألف من أربعة أطوار: العلقة, المضغة, العظام, اللحم.
3- مرحلة النشأة .
والنطفة في لغة العرب تطلق على عدة معان منها: القليل من الماء, والذي يعدل قطرة.(4)ويشير إلى ذلك ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: مر يهودي برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث أصحابه, فقالت قريش: حتى جلس ثم قال : يا محمد مم يخلق الإنسان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«يا يهودي من كلٍ يخلق من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة» (5)وتمر النطفة خلال تكونها بالأطوار التالية:
1- الماء الدافق:
يخرج ماء الرجل متدفقاً, ويشير إلى ذلك قوله تعالى:? فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ ? [الطارق :5-6], فأسند القرآن التدفق للماء نفسه مما يشير أن للماء قوة تدفق ذاتية, وأثبت العلم أن من شرط الإخصاب أن تكون منويات الرجل حيوية ومتدفقة ومتحركة, وماء المرأة يخرج متدفقاً, ولابد أن تكون البييضة حيوية متدفقة متحركة حتى يتم الإخصاب. وبما أن لفظ نطفة يأتي بمعنى الكمية القليلة من السائل, فإن هذا المصطلح يغطي ويصف تلك الكميات من السوائل التي تخرج متدفقة لدى كل من الذكر والأنثى .
2- السلالة:
يأتي لفظ سلالة في اللغة بمعانٍ منها: انتزاع الشيء وإخراجه في رفق(6). ويعني أيضاً: السمكة الطويلة(7).ويشير القرآن الكريم إلى ذلك كله في قوله تعالى: ? ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ?[السجدة: 8] , والمراد بالماء المهين هنا ماء الرجل (8), وإذا نظرنا إلى المنوي فسنجده سلالة تستخلص من ماء الرجل, وعلى شكل السمكة الطويلة, ويستخرج برفق من الماء المهين. خلال عملية الإخصاب يرحل ماء الرجل من المهبل ليقابل البويضة في ماء المرأة في قناة البويضات (قناة فالوب) ولا يصل من ماء الرجل إلا القليل ويخترق حيوان منوي واحد البويضة، ويحدث عقب ذلك مباشرة تغير سريع في غشائها يمنع دخول بقية المنويات، وبدخول المنوي في البويضة تتكون النطفة الأمشاج أي البويضة الملقحة (الزيجوت) Zygote , ويشير الحديث النبوي إلى أن الإخصاب لا يحدث من كل ماء الذكر ,يقول الرسولr : «ما من كل الماء يكون الولد»(9) فمن ملايين المنويات لا يلقح البييضة إلا منوي واحد, والوصف النبوي حدد ذلك بدقة .
3- النطفة الأمشاج:
معنى (نطفة أمشاج): أي قطرة مختلطة من مائين, وتعرف علمياً بالزيجوت, ويشير القرآن الكريم إلى ذلك بقوله تعالى:? إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً? [الإنسان: 2], وكلمة نطفة اسم مفرد, وكلمة أمشاج صفة في صيغة جمع, وقواعد اللغة العربية تجعل الصفة تابعة للموصوف في الإفراد والتثنية والجمع, مما جعل المفسرين يقولون: النطفة مفردة لكنها في معنى الجمع.(10) فكلمة (أمشاج) من الناحية العلمية دقيقة جداً, وهي صفة جمع تصف كلمة نطفة المفردة التي هي عبارة عن كائن واحد يتكون من أخلاط متعددة تحمل صفات الأسلاف والأحفاد لكل جنين.
نتاج تكوين النطفة الأمشاج:
أ الخلق: وهو البداية الحقيقية لوجود الكائن الإنساني, فالمنوي يوجد فيه (23) حاملاً وراثياً, كما يوجد في البييضة(23) حاملاً وراثياً, فاختلاطهما يشكل خلية بداخلها (46) حاملاً وراثياً, فتخلق أول خلية إنسانية .
ب التقدير (البرمجة الجينية): بعد ساعات من تخلق أول خلية إنسانية تبدأ عملية التقدير, فتتحدد فيها الصفات التي ستظهر على الجنين في المستقبل, والصفات التي ستظهر في الأجيال القادمة, وهكذا يتم تقدير أوصاف الجنين وتحديدها, وقد أشار القرآن الكريم إلى هاتين العمليتين المتعاقبتين(الخلق والتقدير) في قوله تعالى: ? قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ? [عبس: 17-19]
ج تحديد الجنس:
ويتضمن التقدير الذي يحدث في النطفة الأمشاج تحديد الذكورة والأنوثة, وإلى هذا تشير الآية: قال تعالى :?وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى? [النجم:45-46], فإذا كان المنوي الذي نجح في تلقيح البييضة يحمل الكروموسوم (y) كانت النتيجة ذكراً, وإذا كان ذلك المنوي يحمل الكروموسوم(x) كانت النتيجة أنثى .
4- الحرث:
في نهاية مرحلة النطفة الأمشاج ينغرس كيس الجرثومة في بطانة الرحم بما يشبه انغراس البذرة في التربة في عملية حرث الأرض, وإلى هذا تشير الآية في قوله تعالى:? نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ? [البقرة:223], وبهذا الانغراس يبدأ طور الحرث, وذلك في اليوم السادس من عمر النطفة, وقد استخدم القرآن مصطلح (حرث) وهو أكثر مناسبة من مصطلح(انغراس) الذي يستخدمه علماء الأجنة.وطور الحرث هو آخر طور في مرحلة النطفة, وبنهايته تنتقل النطفة إلى مرحلة العلقة في اليوم الخامس عشر .
وصف الرحم بأنه (( القرار المكين )):
وصف الله تعالى المكان الذي تستقر فيه النطفة بوصفين جامعين معبرين, فقال تعالى: ?ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ? [ المؤمنون:13] , فكلمة (قرار) في اللغة تعني : استقر واستراح (11), فهذه الكلمة تشير إلى العلاقة بين الجنين والرحم, فالرحم مكان لاستقرار الجنين, ومعروف أن من طبيعة الجسم طرد أي جسم خارجي, لكن الرحم يؤوي الجنين ويغذيه, ويوفر له أسباب الاستقرار. وكلمة (مكين) تعني مثبت بقوة (12), وهي تشير إلى العلاقة بين الرحم وجسم الأم , فالرحم يقع في وسط الجسم وهو محاط بالعظام والأربطة والعضلات التي تثبته بقوة في الجسم, فهو موقع مثالي لتخلق الجنين ونموه. فهذان اللفظان جامعان ومعبران عن كل المعاني السابقة .

مرحلة التخلق البشري:
وتمتد هذه المرحلة من الأسبوع الثالث إلى نهاية الأسبوع الثامن, وتتألف من أربعة أطوار: العلقة والمضغة والعظام واللحم.طور العلقة (13): وردت كلمة علقة في اللغة بالمعاني التالية:
أ‌- علقة مشتقة من (علق) وهو: الالتصاق والتعلق بشيء ما .
ب‌- العلقة: دودة في الماء تمتص الدماء, وتعيش في البرك, وتتغذى على دماء الحيوانات التي تلتصق بها.
ج- العلق: الدم عامة والشديد الحمرة أو الغليظ أو الجامد(14), وتطلق أيضاً على الدم الرطب(15).
وسنلاحظ كيف تتجلى كل هذه المعاني للعلقة فيما توصل إليه العلم الحديث. فبعد عملية الحرث تبدأ عملية تعلق الجنين بالمشيمة وذلك حوالي اليوم الخامس عشر, وهذا يتفق مع المعنى الأول للعلقة وهو (التعلق بالشيء), ويأخذ الجنين في هذا الطور شكل الدودة, ويبدأ في التغذي من دماء الأم مثلما تفعل الدودة العالقة إذ تتغذى على دماء الحيوانات, ويحاط الجنين بمائع مخاطي تماماً مثلما تحاط الدودة بالماء, وهذا يتطابق مع المعنى الثاني من معاني العلقة في اللغة, وتكون الدماء محبوسة في الأوعية الدموية حتى وإن كان الدم سائلاً, ولا يبدأ الدم في الدوران حتى نهاية الأسبوع الثالث, وبهذا يأخذ الجنين مظهر الدم الجامد أو الغليظ مع كونه رطباً, وهذا ينطبق مع المعنى الثالث من معاني العلقة, فاشتملت كلمة علقة على الملامح الأساسية الخارجية والداخلية لهذا الطور.

طور المضغة(16):
يكون الجنين في اليومين 23- 24 في نهاية مرحلة العلقة, ثم يتحول إلى مرحلة المضغة في اليومين 25- 26 , ويكون هذا التحول سريعاً جداً, وتأخذ الفلقات في الظهور لتصبح معلماً بارزاً لهذا الطور, ويصف القرآن الكريم هذا التحول السريع للجنين من طور العلقة إلى المضغة باستخدام حرف العطف(ف) الذي يفيد التتابع السريع للأحداث.
معنى كلمة مضغة: من معاني مضغة في اللغة:
أ – شيء لاكته الأسنان(17).
ب- تقول العرب: مضغ الأمور, وتعني صغارها(18).
ج- ذكر عدد من المفسرين أن المضغة في حجم ما يمكن مضغه(19).
وقد أوضح علم الأجنة الحديث مدى الدقة في التعبير عن هذا الطور بلفظ (مضغة) لعدة أمور:
1– ظهور الفلقات في هذا الطور يعطي مظهراً يشبه مظهر طبع الأسنان في المادة الممضوغة, وتبدو وهي تتغير باستمرار مثلما تتغير آثار طبع الأسنان في شكل مادة تمضغ حين لوكها .
2- تتغير أوضاع الجنين نتيجة تحولات في مركز ثقله مع تكون أنسجة جديدة, ويشبه ذلك تغير وضع وشكل المادة حينما تلوكها الأسنان .
3 – وكما تستدير المادة الممضوغة قبل أن تبلع, فإن ظهر الجنين ينحني ويصبح مقوساً شبه مستدير مثل حرف (C) .
4-ويكون طول الجنين حوالي (1) سم في نهاية هذه المرحلة, وذلك مطابق للوجه الثاني من معاني كلمة مضغة (وهو الشيء الصغير من المادة) وهذا المعنى ينطبق على حجم الجنين الصغير؛ لأن جميع أجهزة الإنسان تتخلق في مرحلة المضغة, فيكون أصغر حجم لإنسان تخلقت جميع أجزائه . وينطبق المعنى الثالث الذي ذكره المفسرون للمضغة (في حجم ما يمكن مضغه) على حجم الجنين, ففي نهاية الطور يكون طول الجنين (1) سم, وهذا تقريباً أصغر حجم لمادة يمكن أن تلوكها الأسنان. ووجد العلماء أن الفلقات سرعان ما تتمايز إلى خلايا تتطور إلى أعضاء مختلفة, وبعض هذه الأعضاء والأجهزة تتكون في مرحلة المضغة, والبعض الآخر في مراحل لاحقة, وإلى هذه المعنى تشير الآية الكريمة: ? ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَة ?[الحج: 5] .

طور العظام(20):
مع بداية الأسبوع السابع يبدأ الهيكل العظمي الغضروفي في الانتشار في الجسم كله، فيأخذ الجنين شكل الهيكل العظمي وتكَوُّن العظام هو أبرز تكوين في هذا الطور حيث يتم الانتقال من شكل المضغة الذي لا ترى فيه ملامح الصورة الآدمية إلى بداية شكل الهيكل العظمي في فترة زمنية وجيزة، وهذا الهيكل العظمي هو الذي يعطي الجنين مظهره الآدمي. ومصطلح العظام الذي أطلقه القرآن الكريم على هذا الطور هو المصطلح الذي يعبر عن هذه المرحلة من حياة الحُمَيل تعبيراً دقيقاً يشمل المظهر الخارجي، وهو أهم تغيير في البناء الداخلي وما يصاحبه من علاقات جديدة بين أجزاء الجسم واستواء في مظهر الحُمَيل ويتميز بوضوح عن طور المضغة الذي قبله، قال تعالى: ?فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا ? [المؤمنون: 14].
طور الكساء باللحم(21):
يتميز هذا الطور بانتشار العضلات حول العظام وإحاطتها بها كما يحيط الكساء بلابسه.وبتمام كساء العظام بالعضلات تبدأ الصورة الآدمية بالاعتدال، فترتبط أجزاء الجسم بعلاقات أكثر تناسقاً، وبعد تمام تكوين العضلات يمكن للجنين أن يبدأ بالتحرك.
تبدأ مرحلة كساء العظام باللحم في نهاية الأسبوع السابع وتستمر إلى نهاية الأسبوع الثامن، وتأتي عقب طور العظام كما بين ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: ?فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًاً ? [المؤمنون: 14].ويعتبر هذا الطور الذي ينتهي بنهاية الأسبوع الثامن نهاية مرحلة التخلق، كما اصطلح علماء الأجنة على اعتبار نهاية الأسبوع الثامن نهاية لمرحلة الحُمَيل (EMBRYO) ثم تأتي بعدها مرحلة الجنين (FETUS) التي توافق مرحلة النشأة، كما جاء في قوله تعالى: ?فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ? [المؤمنون: 14].
مرحلة النشأة(22):
كلمة (نشأة) مشتقة من الفعل (نشأ) ومن معانيها:
1- بدأ(23).
2- نما(24).
3- ارتفع, ربا(25).
يبدأ هذا الطور بعد مرحلة الكساء باللحم، أي من الأسبوع التاسع، ويستغرق فترة زمنية يدل عليها استعمال حرف العطف (ثم) الذي يدل على فاصل زمني بين الكساء باللحم والنشأة خلقاً آخر، قال تعالى: ?فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ? [المؤمنون: 14]. وإذا كانت فترة النشأة تبدأ من الأسبوع التاسع, فإن المعاني السابقة للنشأة لا تبدأ في الوضوح إلا فيما بعد, كما أن نمو الأعضاء يظهر في الأسبوع الحادي عشر, وتستمر مرحلة النشأة حتى نهاية الحمل, أي الأسبوع الثامن والثلاثين.
وفي خلال هذه المرحلة تتم عدة عمليات هامة في نمو الجنين تندرج بجلاء تحت الوصفين الذين جاءا في قوله تعالى: ? ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ?[المؤمنون: 14] ويمكن بيانهما فيما يلي:
أ- النشأة: ويتضح بجلاء في سرعة معدل النمو من الأسبوع التاسع مقارنة بما قبله من المراحل.
ب- خلقاً آخر: هذا الوصف يتزامن مع الأول ويدل على أن الحُمَيل قد تحول في مرحلة النشأة إلى خلق آخر.
* ففي الفترة ما بين الأسبوعين التاسع والثاني عشر تبدأ أحجام كل من الرأس والجسم والأطراف في التوازن والاعتدال, وتتخذ ملامح الوجه المقاييس البشرية المألوفة, وهذا داخل في قوله تعالى: ? الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ? [الانفطار:7-8] , وتدل الآية على التسوية والتعديل, فالتسوية تكون في طور العظام, وأما التعديل فقد بينته الآية التي تليها: ? فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ? .
* وفي الأسبوع الثاني عشر يتحدد جنس الجنين بظهور الأعضاء التناسلية الخارجية, وهي آخر مراحل تحديد الجنس, وقد كانت المرحلة الأولى في النطفة (ويقدر في النطفة الأمشاج), والمرحلة الثانية وهي تمايز غدتي التناسل على شكل خصيتين أو مبيضين, وتكون في طور الكساء باللحم, ثم المرحلة الثالثة وهي في الأسبوع الثاني عشر .
* وفي نفس الأسبوع يتطور بناء الهيكل العظمي من العظام الغضروفية اللينة إلى العظام الكلية الصلبة، كما تتمايز الأطراف، ويمكن رؤية الأظافر على الأصابع.
* يظهر الشعر على الجلد في هذا الطور.
* يزداد وزن الجنين بصورة ملحوظة.
* تتطور العضلات الإرادية وغير الإرادية.
* تبدأ الحركات الإرادية في هذا الطور.
وتصبح الأعضاء والأجهزة مهيأة للقيام بوظائفها.
* وفي هذه المرحلة يتم نفخ الروح؛ طبقاً لما دلت عليه نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة ويمكن التعرف على نفخ الروح بمشاهدة ظاهرة النوم واليقظة في الجنين التي تدل نصوص قرآنية ونبوية عديدة على ارتباطها بالروح, يقول الله تعالى: ? اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ? [الزمر: 42] ويقول الله تعالى : ? وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ?[الأنعام:60]. وكان رسول الله r يقول عند استيقاظه: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور»(26). وعلى هذا يمكننا أن نعتبر ظاهرة النوم دليلاً على نفخ الروح في الجنين ودليلاً على وجودها . وتمتد هذه المرحلة(مرحلة النشأة خلقاً آخر) من الأسبوع التاسع إلى أن يدخل الجنين مرحلة القابلية للحياة خارج الرحم.
ج- طور القابلية للحياة:
تبدأ تهيئة الجنين للحياة خارج الرحم في الأسبوع الثاني والعشرين وتنتهي في الأسبوع السادس والعشرين عندما يصبح الجهاز التنفسي مؤهلاً للقيام بوظائفه ويصبح الجهاز العصبي مؤهلاً لضبط حرارة جسم الجنين. وتعادل الأسابيع الستة والعشرون تقريباً ستة أشهر قمرية، وقد قدّر القرآن الكريم أن مرحلة الحمل والحضانة تستغرق ثلاثين شهراً فقال تعالى: ?وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا?[الأحقاف: 15] وبين أيضاً أن مدة الحضانة تستغرق عامين في قوله تعالى: ?وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ? [لقمان: 14]. وبذلك تكون مدة الحمل اللازمة ليصبح الجنين قابلاً للحياة هي ستة أشهر قمرية، وقبل الأسبوع الثاني والعشرين الذي يبدأ منه هذا الطور يخرج سقطاً في معظم الأجنة.
د- طور الحضانة الرحمية:
يدخل الجنين بعد الشهر السادس فترة حضانة تتم في الرحم، فلا تنشأ أجهزة أو أعضاء جديدة فكلها قد وجدت وأصبحت مؤهلة للعمل، ويقوم الرحم فيها بتوفير الغذاء والبيئة الملائمة لنمو الجنين وتستمر إلى طور المخاض والولادة.
ه: طور المخاض أو الولادة:
تنتهي الحضانة الرحمية بولادة الجنين, وقد ورد ذلك في الآية الكريمة: ? ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ?[عبس:20], والتي من معانيها تيسير طريق الجنين لتيسر الولادة حيث تبدو قناة الولادة في وضعها الطبيعي ممراً يصعب مرور الجنين منه, إلا أن عوامل كثيرة تسهل عملية الولادة, ومن هذه العوامل ما يلي:
1- هرمون ريلاكسين: وهو هرمون يفرزه المبيضان والمشيمة, ويؤدي إلى تراخي أربطة مفاصل الحوض, وتليين عنق الرحم.
1- تقلصات الرحم: وهي تبدأ في الجزء العلوي من الرحم, الذي يتكون من نسيج العضلات المتقلصة المتحركة النشطة, الذي يؤمن القوة اللازمة لدفع الوليد خلال الجزء السفلي الساكن الرقيق من الرحم .
2- أغشية السلى: وهي عبارة عن كيس الماء الأمنيوني الذي يحيط بالجنين ويسهل انزلاقه. وتبرز هذه الأغشية الممتلئة بالسائل المخاطي على شكل كيس مائي من خلال عنق الرحم مع كل تقلص من تقلصاته, وتعمل على تسهيل تمدده .وتؤمن هذه الأغشية بعد أن تتمزق سطحاً لزجاً ناعماً ينزلق الجنين عليه .
آلية (هندسة) المخاض:
يتغير وضع الجنين عند مروره عبر تجويف الحوض الذي له شكل غير منتظم, وهذه التغيرات التي تطرأ على الوضع العكسي, هي على سبيل المثال: النزول، والانثناء، والدوران الداخلي، والتمدد, واسترجاع الوضع الطبيعي, والدوران الخارجي, وتساهم العناصر المذكورة آنفاً بسبل شتى في تسهيل مرور الجنين عبر قناة الولادة وصدق الله القائل : ? ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ?[عبس:20] .
الخلاصة:
ومما تقدم يتضح أن كلمة (أنشأناه) بحسب استعمالها في القرآن الكريم تشمل أوضح التطورات والتغيرات الخارجية والداخلية في الملامح خلال المرحلة السادسة من التخلق البشري وتنطبق المعاني الثلاثة لكلمة: (نشأة) بشكل بين ومفهوم على هذه المرحلة:
فما ورد بمعنى (بدأ) يصف لنا بداية عمل الأعضاء والأجهزة المختلفة حيث نجد أن الكلية قد بدأت في تكوين البول, وبدأ مخ العظام في تكوين خلال الدم, وتبدأ حويصلات الشعر في الظهور في الأسبوع العاشر, وما إلى ذلك, وأما معنى:(نما) فإنه يبين النمو السريع والتطور الشامل في أعضاء وأجهزة الجسم خلال هذه المرحلة, وأما المعنى:(ارتفع وربا) فإنه يصف تلك الزيادة الواضحة والسريعة جداً في طول الجنين ووزنه, والتي تبدأ في الأسبوع الثاني عشر. ولذا فإن مصطلح:(نشأة) ينطبق بصورة دقيقة ومناسبة للغاية في وصف هذه المرحلة من مراحل الجنين.

خاتمة:
تعتبر المصطلحات الواردة في القرآن الكريم معبرة بدقة عن التطورات التي تقع في المراحل المختلفة للتخلق, فهي تصف هذه الأحداث حسب تسلسلها الزمني, كما تصف التغيرات التي تطرأ على هيئة الجنين مع التخلق في كل مرحلة وصفاً دقيقاً.
وما كان في وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرف هذه الحقائق عن التخلق البشري في القرن السابع الميلادي لأن معظمها لم يكتشف إلا في القرن العشرين, ويحق للمسلمين وغيرهم أن يشهدوا بأن هذه الحقائق أوحيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الله سبحانه وتعالى الخالق العليم بكل شيء من أطوار خلقنا وسائر شئوننا المختلفة وكل ما يحيط بنا من عوالم هذا الكون الواسع.



البصمات


على الرغم من أن الله سبحانه وتعالى خلق الناس جميعاً مشتركين في وحدة الخلق ووحدة البنية والتركيب ووحدة وظائف كيمياء الخلية فالناس جميعاً من لحم ودم وعظم ... أصلهم جميعاً من تراب، ومع هذا التطابق والتشابه في الخلق والصوت وشكل العظم والرائحة فقد انفرد كل منا في تفاعله الكيماوي مع نفسه، لينفرد ببصماته التي يحملها وحده دون سائر البشر.وتعرف "البصمة" بصفة عامة بأنها ذلك الخاتم الإلهي الذي ميز الله تعالى به كل إنسان عن غيره بحيث أصبح لكل إنسان خاتمه (بصمته) المميزة له في الصوت والرائحة والعينين والأذن ... الخ. أما "بصمة الإبهام" فهي الخطوط البارزة التي تحيط بها خطوط مختفية تأخذ أشكالاً مختلفة على جلد أطراف الأصابع والكفين من الداخل، وهذه الخطوط تترك أثرها على كل جسم تلمسه، وعلى الأسطح الملساء بشكل خاص. والمثير للتأمل حقاً هو كيف تتنوع وكيف تتشكل البصمات، بل كيف تتنوع وتتشكل الوجوه والأجسام وكيف تتباين الألوان والصفات، فكلها آيات لله في خلقه, إن الإنسان كله بصمات، فبصماته توجد في اليد والقدم والشفتين والأذنين والدم واللعاب والشعر والعيون وغيرها ... لقد كانت البصمة ولا تزال سراً من أسرار عظمة الله عز وجل في خلقه ليثبت قوله: ?صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ?.[ النحل: 88] فما أعظمها من آية تؤكد قدرة الخالق(1) ! وتتكون بصمة الإبهام لدى الجنين في الأسبوع الثالث عشر (الشهر الرابع) وتبقى إلى أن يموت الإنسان، وإذا حفظت الجثة بالتحنيط أو في الأماكن الثلجية تبقى البصمة كما هي لآلاف السنين دون تغيير في شكلها ....وحتى إذا ما أزيلت جلدة الأصابع لسبب ما، فإن الصفات نفسها تظهر في الجلد الجديد، كما أن بصمة الرجل تختلف عن بصمة المرأة ففي الرجل يكون قطر الخطوط أكبر منه عند المرأة بينما تتميز بصمة المرأة بالدقة وعدم وجود تشوهات تقاطعية. ومن الذين اهتموا بدراسة البصمات الباحث الألماني (ج. س. أ. مايو) الذي أعلن بعد ذلك في عام 1856م أن الخطوط البارزة في بنان الإنسان تبقى ثابتة لا تتغير ولا تتبدل منذ ولادته وحتى وفاته. ودلل على قوله هذا بتجربة عملية إذ أخذ طبعة بنانه اليمنى ثم عاد بعد مضي أربعين عاماً وأخذ طبعة نفس البنان ثانية فوجد أنه لا يزال كما هو لم يطرأ عليه شيء من التعديل أو التغيير. وكذلك فعل الحاكم الإنجليزي (هرتشل) في مقاطعة البنغال عندما قارن بين بصمتين له واحدة وعمره 27 سنة والأخرى وعمره82 سنة فلم يلحظ أي تغيير يذكر(2).
البصمة وتسوية البنان:
يقول الله تعالى في سورة القيامة: ?أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ? [القيامة : 3- 4]. قال القرطبي: نبه بالبنان على بقية الأعضاء وأيضاً فإنها أصغر العظام فخصها بالذكر لذلك قال القتبي والزجاج: وزعموا أن الله لا يبعث الموتى ولا يقدر على جمع العظام فقال الله تعالى: بلى قادرين على أن نعيد السلاميات على صغرها ونؤلف بينها حتى تستوي ومن قدر على هذا فهو على جمع الكبار أقدر, وقال ابن عباس وعامة المفسرين: المعنى: ?عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ? أي نجعل أصابع يديه ورجليه شيئاً واحداً كخف البعير أو كحافر الحمار وكظلف الخنزير ولا يمكنه أن يعمل به شيئاً ولكنا فرقنا أصابعه حتى يأخذا بها ما شاء, وكان الحسن يقول:جعل لك أصابع فأنت تبسطهن وتقبضهن ولو شاء لجمعهن فلم تتق الأرض إلا بكفيك, وقيل: أي نقدر أن نعيد الإنسان في هيئة البهائم فكيف في صورته التي كان عليها كقوله تعالى: ? وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ*عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ ?[ الواقعة: 60- 61] (3) والبنان: هو نهاية الإصبع. والسؤال الآن: لماذا اختار الله في الرد عليهم التدليل على قدرته الفائقة بتسوية البنان، ولم يستدل على قدرته سبحانه مثلاً بخلق العظام أو إعادة المخ .... الخ، وهل البنان أشد تعقيداً من خلق أي عضو آخر؟ قد يكون السر في هذا هو أن الله تعالى أراد أن يوقفك على حقيقة مادية علمية ثابتة في جسمك لم يكتشفها العلم إلا في العصر الحديث. لقد أثارت الإشارة في الآيات الكريمة من سورة القيامة انتباه المفسرين ودهشتهم حيث أقسم الله تعالى باليوم الآخر وبالنفس الباقية على فطرتها التي تلوم صاحبها على كل معصية أو تقصير، لقد أقسم الله تعالى بهما على شيء عظيم يعدّ ركناً من أركان العقيدة الإسلامية ألا وهو الإيمان ببعث الإنسان بعد موته وجمع عظامه استعداداً للحساب والجزاء، ثم بعد أن أقسم الله تعالى على ذلك بين أن ذلك ليس مستحيلاً عليه لأن من كان قادراً على تسوية بنان الإنسان هو قادر أيضاً على جمع عظامه وإعادة الحياة إليها. ولكن الشيء المستغرب لأول نظرة تأمل في هذا القسم هو القدرة على تسوية البنان، والبنان جزء صغير من تكوين الإنسان، لا يدل بالضرورة على القدرة على إحياء العظام وهي رميم، لأن القدرة على خلق الجزء لا تستلزم بالضرورة القدرة على خلق الكل. وبالرغم من محاولات المفسرين إلقاء الضوء على البنان وإبراز جوانب الحكمة والإبداع في تكوين رؤوس الأصابع من عظام دقيقة وتركيب الأظافر فيها ووجود الأعصاب الحساسة وغير ذلك، إلا أن الإشارة الدقيقة لم تُدرك إلا في القرن التاسع عشر الميلادي عند اكتشاف حقيقة اختلاف البصمة من شخص لآخر.
البصمة والحقائق العلمية
في عام 1823م اكتشف عالم التشريح التشيكي ) بركنجي(Purkinje حقيقة البصمات ووجد أن الخطوط الدقيقة الموجودة في رؤوس الأصابع (البنان) تختلف من شخص لآخر، ووجد أن هناك أنواعاً من هذه الخطوط: أقواس أو دوائر أو عقد أو على شكل رابع يدعى المركبات، لتركيبها من أشكال متعددة.
وفي عام 1858 م أي بعد 35 عاماً، أشار العالم الإنكليزي )وليم هرشلWilliam (Hersch إلى اختلاف البصمات باختلاف أصحابها، مما جعلها دليلاً مميزاً لكل شخص. وفي عام 1877م اخترع الدكتور "هنري فولدز" (Henry Faulds) طريقة وضع البصمة على الورق باستخدام حبر المطابع. وفي عام 1892م أثبت الدكتور "فرانسيس غالتون (Francis Galton) إن صورة البصمة لأي أصبع تعيش مع صاحبها طوال حياته فلا تتغير رغم كل الطوارئ التي قد تصيبه، وقد وجد العلماء إن إحدى المومياء المصرية المحنّطة احتفظت ببصماتها واضحة جلية. وأثبت جالتون أنه لا يوجد شخصان في العالم كله لهما نفس التعرجات الدقيقة وقد أكد أن هذه التعرّجات تظهر على أصابع الجنين وهو في بطن أمه عندما يكون عمره بين 100 و120 يوماً. وفي عام 1893م أسس مفوّض اسكتلند يارد، (إدوارد هنري (Edward Henry نظاماً سهلاً لتصنيف وتجميع البصمات، لقد اعتبر أن بصمة أي إصبع يمكن تصنيفها إلى واحدة من ثمانية أنواع رئيسية، واعتبر أن أصابع اليدين العشرة هي وحدة كاملة في تصنيف هوية الشخص. وأدخلت في نفس العام البصمات كدليل قوي في دوائر الشرطة في اسكتلند يارد. ثم أخذ العلماء منذ اكتشاف البصمات بإجراء دراسات على أعداد كبيرة من الناس من مختلف الأجناس فلم يعثر على مجموعتين متطابقتين أبداً(4).
إن البصمات تخدم في إظهار هوية الشخص الحقيقية بالرغم من الإنكار الشخصي أو افتراض الأسماء، أو حتى تغير الهيئة الشخصية من خلال تقدم العمر أو المرض أو العمليات الجراحية أو الحوادث.



بصمة الإبهام وتفردها في عالم الأحياء:
لا يستثنى الإبهام عن غيره من الأصابع في تفرده ببصمته الخاصة التي لا تشبه غيرها من البصمات كما سيأتي بيان ذلك، أي إن كل أصبع له بصمته الفريدة التي وهبها له الخالق سبحانه غير أنه لما كان لكل إنسان عشرة أصابع في كلتا يديه في الغالب رأى العلماء أن اتخاذ أصبع واحد في أبحاثهم أجدى في الوصول للنتائج المرجوة، وإذا أمعنا النظر في سطح الجلد الذي يكسو أصابع اليدين والقدمين وكذلك الكعبين وباطن القدمين نلاحظ إنه يتألف من خطوط بارزة تسمى بالخطوط الحليمية Papillary Ridges وأن هذه الخطوط تتوالى وتتمادى وتأخذ لنفسها أشكالاً مختلفة وتبدو منفصلة عن بعضها بخطوط أخرى منخفضة يطلق عليها اسم "الخطوط الأخدودية" Furrows ويمكن تشبيهها بالأخاديد التي تتركها سكة المحراث على الأرض. وإذا تأملنا الخطوط الحليمية ملياً بواسطة عدسة مجسمة نجد أن قممها تحتوي على صفوف من فتحات بالغة الصغر تظهر وكأنها فوهات براكين وتدعى المسام.ومزية البصمة الأساسية الثبات والفردية بشكل مطلق، وتبقى الخطوط الحليمية كما هي إلا في بعض الأمراض مثل الجذام في آخر مراحله والإفرنجي، ولذلك فإن البصمات لا تتكرر حتى في حالة التوأم ولومن بييضة واحدة. وقد حاول عدد من المجرمين في الولايات المتحدة الأمريكية وفى مدينة شيكاغو بصورة خاصة محو هذا الخاتم الإلهي !! بمحو أو تغيير أو تحريف لأشكال الخطوط الحليمية في رؤوس أصابعهم مستخدمين طرقاً مختلفة ولكن محاولاتهم باءت جميعها بالفشل. وقد حصر غالتون أمر التعرف على بصمة الأصابع في نظام معين يقضي على أن لكل بصمة 12 ميزة خاصة، ومن الطريف أن من بين المليون الأول من البصمات التي حصلت عليها شرطة لندن لم يعثر على بصمتين متشابهتين في أكثر من سبع مميزات من بين المميزات (الأثني عشر). ولابد أن توجد في كل بصمة أنواع من المميزات بأعداد متفاوتة وقد يتجاوز عددها في بصمة الإصبع الواحدة الخمسين. وقد يصل إلى المائة وربما وجدنا في مساحة صغيرة من الجزء الوسطي للإصبع أكثر من عشر منها(5).



نظرية الاحتمال:
طور هذه النظرية البروفيسور سايمون نيوكومب "Simon New Comb" وهى تعتمد على أساس متين كجدول الضرب أو أي قاعدة حسابية ولها صلة بمبدأ الريبة Principles of Uncertainty الذي صوره لنا العالم الألماني هايزنبرج""Heisenberg. ويقول بول كيرك Baul Kirk"" أستاذ العلوم الجنائية في جامعة كاليفورينا إن نظرية الاحتمال هي المفتاح الوحيد لتفسير الأدلة الطبيعية، ولنحاول تطبيق هذه النظرية على تطابق بصمتين تطابقاً كاملاً من حيث النوع والشكل والموضع، لنفرض أن أحدنا عمد لأخذ انطباع لإبهامه الأيمن والتقط صورة فوتوغرافية لهذا الانطباع ثم كبرها عدة مرات كي يستطيع تحديد الميزات الخطية في بصمته, ولنفرض أنه بعد أن قام بهذا العمل وجد فيها خمساً وأربعين ميزة، ترى ما هي فرصة العثور على بصمة أخرى سواء في بقية أصابعه العشرة أو أصابع يدي أي إنسان يعيش حالياً على وجه البسيطة تحتوي على نفس الميزات بالضبط من حيث العدد والأشكال والمواضع النسبية؟ أو بتعبير آخر فرصة وجود نسخة طبق الأصل من بصمته تلك؟ أو بمعنى ثالث هل يمكن أن تتكرر نفس البصمة مرتين وفى وقت واحد مع ما فيها من تفاصيل ذاتية فريدة بالغة الدقة؟ إن كل ذي خبرة في الموضوع يستطيع الإجابة على هذه التساؤلات قائلاً بثقة تامة وبكل بساطة – إن فرصة تكرر بصمتين في آن واحد هي نفس فرصة العثور على حبة معينة من الرمال تقبع بمكان ما في الصحراء الكبرى أو الربع الخالي. صحيح من الطبيعي إنه بمقدورنا أن نجد بصمة أخرى من نفس النوع أو الزمرة وقد نجد فيها نقطة زاوية أو مراكز مشابهة أو مماثلة أو أننا قد نجد كذلك النقطتين معاً وربما صادفنا ليس نفس العدد من الخطوط بين النقطتين آنفتي الذكر فحسب بل ونفس العدد من المميزات أيضاً أي خمس وأربعون ميزة, ولكن الشيء الذي يستحيل أن نصادفه وبالتأكيد هو نفس الميزات الحليمية من حيث المواضع النسبية, وعندما يستبعد الخبراء احتمال وجود بصمتين متطابقتين في آن واحد لهذه الدرجة من التطرف إنما يستندون إلى قوانين ونظريات ومن بينها نظرية الاحتمال المشار إليها أعلاه. وقد قدر غالتون أن هناك أقل من فرصة واحدة من 64 مليار لوجود بصمة واحدة مطابقة للأخرى، وهذا الرقم بالطبع أضعاف عدد سكان الكرة الأرضية في هذا اليوم, وقد بنى تقديره هذا على أساس الميزات الرئيسية الأربعة التي سبق التحدث عنها فإذا أخذنا الميزة الأولى من بصمة ما نجد أن احتمال وجود ميزة أخرى مطابقة لها في نفس الموضع هو = 1/16, وإذا تابعنا تقدير الاحتمالات يتضح لنا أن وجود بصمتين متطابقتين هي بعيدة جداً إن لم نقل مستحيلة. ولعل من أطرف الشروح المبسطة المتعلقة بتطبيق نظرية الاحتمال على البصمات وربما من أقربها للأذهان هو ذلك الشرح الذي كان نشره (بيرت وينوورث) في الثلاثينيات وسأحاول فيما يلي تقديم القسم الأكبر منه مع قليل من التصرف ...يقول البروفسور وينوورث: إذا قبلنا تقدير بلتازار بأن تكرار المميزة هو مرة واحدة في كل أربع مرات فإننا سنجد عندما نرفع الرقم (4) إلى القوة 45 بأن لدينا الرقم التالي وهو أكثر من سيبتليون :1.208.925.818.995.600.694.706.176 ولكي أبين ما يعني Septillion فإني أقدم الإيضاح التالي: لنفترض أن شخصاً حاول أن يعد السيبتليون بوضع جرات قلم على الورق بمعدل ثلاث جرات في الثانية فإنه في ظرف سنة واحدة سيتمكن من وضع ( 94.674.444) جرة فقط، وبما أن هذه المهمة شاقة جداً، لذا سيجد من الضرورة الاستعانة بجهد كل شخص على وجه الكرة الأرضية دون استثناء أحد إطلاقاً وحتى الأطفال والمرضى سيضطر لإجبارهم على وضع جرات أقلامهم على الورق بمعدل ثلاث جرات في الثانية وذلك بدون توقف للنوم والراحة, ومع أن عدد سكان العالم يبلغ 1.5 مليار أو أكثر، وعلى الرغم من استخدام ذلك العدد الهائل من الصفوف البشرية فإن جهودهم المجتمعة لن تنهي المهمة إلا بعد ثمانية ملايين من السنين وبالتحديد بعد (8.512.862 سنة), وطبعاً يحاول بلتازار أن يظهر لنا بشكل نظري إنه يمكن العثور على بصمتين متطابقتين عند شخصين مختلفين ولكن فقط مرة في فترة أطول من تلك التي يقدرها الفلكيون لازمة لبرود الشمس، وبالتالي فإن العثور على مميزات متطابقة في انطباعين صادرين عن شخصين مختلفين كل منهما بنفس الموضع هي استحالة مطلقة، وإني ألفت النظر قبل أن أتابع بحثي إلى أن هناك عدداً من النقاط المميزة في البصمة التي أتحدث عنها ولم أتمكن من الإشارة إليها بالأرقام كالعادة – لأن كمية الحبر كانت محدودة ولأن الضغط كان خفيفاً !! ولذا لم أستطع الدلالة إلا على خمس وأربعين ميزة فقط، وهي كافية على كل حال ...لقد قدر غالتون أن ثمة أقل من فرصة من أربع وستين ملياراً لتكرار بصمة واحدة مرتين في وقت واحد، ترى إذا قبلنا هذا التقدير، فماذا ستكون فرصتنا للعثور على مثيل مطابق لجميع بصمات الأصابع العشرة؟
لقد تبين لي من الحساب أنه ستكون هناك فرصة واحدة من (1.152.291.904.606.846.976× 9010) وهذا الرقم يفوق جميع الإدراك البشري, ولقد اعتمد بلتازار في تقديره على الحقيقة المعروفة وهي أن المعدل الوسطي من التفاصيل الدقيقة في بصمة الإصبع الواحدة هو 100 ميزة، ومع وجود هذه الميزات المائة فإن فرصة تكرار إصبع واحدة تحمل مائة ميزة هي واحدة من رقم يتألف من 61 عدداً، وقد حسبت ذلك بصورة مفصلة فتبين لي أننا نستطيع أن نعبر عن فرصة التكرار بكسر يتألف من عدد واحد كصورة ومن الرقم التالي كمخرج
1.606.974.174.171.729.761.809.705.564.167.
968.221.676.069.604.401.795.301.376
وإذا بلغ الفضول بأحدنا لمعرفة احتمالية تكرر جميع البصمات العشرية كمجموعة فما عليه ألا أن يضرب هذا الرقم بنفسه تسع مرات(6)0 وهذا الكلام يناقض نظرية الاحتمال والصدفة، والحقيقية أنه ليست هناك صدفة ولكن هناك خلق وتصوير وتسوية بنان، ليست هناك صدفة ولكن هناك مشيئة الخالق الواحد الذي يعلم ولا نعلم من علمه إلا ما يشاء. لقد جاء في الموسوعة البريطانية ما ترجمته: "قام المشرحون الأوائل بشرح ظاهرة الأثلام في الأصابع، ولكن لم يكن تعريف البصمات معتبراً حتى عام 1880م عندما قامت المجلة العلمية البريطانية (الطبيعة: Nature) بنشر مقالات للإنكليزيين "هنري فولدز" و"وليم جايمس هرشل" يشرحان فيها وحدانية وثبوت البصمات، ثم أثبتت ملاحظتهم على يد العالم الإنكليزي "فرانسيس غالتون" الذي قدم بدوره النظام البدائي الأول لتصنيف البصمات معتمداً فيه على تبويب النماذج إلى أقواس، أو دوائر، أو عقد. لقد قام نظام "غالتون" خدمة لمن جاء بعده، إذ كان الأساس الذي بنى عليه نظام تصنيف البصمات الذي طوره "إدوارد هنري" والذي أصبح "هنري" فيما بعد المفوض الحكومي الرئيسي في رئاسة الشرطة في لندن". وذكرت الموسوعة البريطانية أيضاً: "أن البصمات تحمل معنى العصمة – عن الخطأ – في تحديد هوية الشخص، لأن ترتيب الأثلام أو الحزوز في كل إصبع عند كل إنسان وحيداً ليس له مثيل ولا يتغير مع النمو وتقدم السن.
وجه الإعجاز:
القرآن لم يذكر لا بصمات ولا جلد ولا أي شيء آخر غير العظام التي تتكون منها أطراف الأصابع والأصابع نفسها: ?أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ? [القيامة : 3، 4]. ومن هنا كان لابد من معرفة البشرية بأن هذا الرجل الأمي جاء في زمن لم تكن فيه هذه التقنيات والوسائل الحديثة فمن أين له كل هذه المعرفة بهذه الأمور الدقيقة؟ فلو أردت أن أتحدى شخصاً ينكر عليّ القدرة على تصميم شكل بعينه لقلت له: بل أنا قادر على ذلك بل أنا قادر على أن لا أترك فيه أي خلل ومن هنا كان كلامي عاماً ولم أتحداه بشيء خارج عن فهمه أما أن أذكر بنانه من دون سابق مناسبة كأن يكون المتحدي إنسان جاهل لا يعي ما البنان فهنا تكمن المعجزة حيث ذكرت لفظة ليس لي بها علم ولا للمتحدي كذلك، فإذا فهمت هذا كان ما بعده أيسر، فاختيار لفظة البنان في معرض الحديث عن قدرة الخالق في إحياء الموتى هي التي تعجز مدارك السامعين، ولو رجعنا لأقوال المفسرين لما وجدنا قولاً يطابق مدلول الآية ولا ما كشف عنه العلم الحديث وهذا يؤكد إن الذي نطق بها إنما نطق بوحي يوحى، وإن الذي نطق بها لا ينطق عن الهوى. قال سبحانه وتعالى: ?يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ?.[النور:24]، وأعتقد أن شهود الأيدي والأرجل على الإنسان يوم القيامة هو آثار بصمات أصابع الأيدي والأرجل في الأماكن التي عصوا الله فيها .بعد أن أنكر كفار قريش البعث يوم القيامة وأنه كيف لله أن يجمع عظام الميت، رد عليهم رب العزة بأنه ليس قادر على جمع عظامه فقط بل حتى على خلق وتسوية بنانه، هذا الجزء الدقيق الذي يعرّف عن صاحبه والذي يميز كل إنسان عن الآخر مهما حصل له من الحوادث. ويلاحظ أيضاً التوافق والتناغم التام بين القرآن والعلم الحديث في تبيان حقيقة البنان، ولهذا فلا غرابة أن يكون البنان إحدى آيات الله تعالى التي وضع فيها أسرار خلقه، والتي تشهد على الشخص بدون التباس فتصبح أصدق دليل وشاهد في الدنيا والآخرة، كما تبرز معها عظمة الخالق جل ثناؤه في تشكيل هذه الخطوط على مسافة ضيقة لا تتجاوز بضعة سنتيمترات مربعة, وهذا ما دلت عليه الكشوف والتجارب العلمية منذ أواخر القرن التاسع عشر ترى أليس هذا إعجازاً علمياً رائعاً، تتجلى فيه قدرة الخالق سبحانه، القائل في كتابه: ?سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ? [فصلت: 53].



أكل زيت الزيتون والادهان به


مقدمة:


قال العلماء لله أن يقسم بما يشاء من مخلوقاته ولا يقسم إلا بعظيم، وقد أقسم الله تعالى بأشياء كثيرة، ومنها الزيتون، فقال تعالى: ?وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ?[التين:1], والمؤمن بطبيعة الحال يستجيب لأوامر الله ورسولهr طواعية ودون إكراه، ولعلها الصفة التي بها يكون مؤمناً؛ لقوله تعالى: ?إِنمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ?[النور: 51]، وهذه صفة المؤمنين عامة دون استثناء، لأنهم علموا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما يوحى إليه من ربه الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى، ولذا كان استسلامهم لأوامره وتسليمهم له نابعاً من هذا المعنى، فلا يمكن أن يكون المرء مطيعاً ويستحق الثواب الجزيل وهو لا يطيع سيده؛ بل ويتمرد عليه ويعصيه، لأنه القائل: ?هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ?[النجم: 32], قال البيضاوي: أعلم بأحوالكم منكم(1)، أي صانع الصنعة أعلم بها من كل أحد، ومن هنا كانت طاعة المؤمن لربه توحي له بأن الله الخالق الذي بيده كل شيء، هو لا شك أعلم بما ينفعنا في الدنيا والآخرة، فلا شيء له نفع إلا ودلنا عليه، ولا ضار إلا وحذرنا منه ونهاها عنه، ومن هنا كان المؤمنون ومازالوا يُقدِمون على تناول بعض المواد التي ورد فيها نص شرعي -يأمر بتناوله- حرصاً منهم على إتيان الأوامر، وبالمقابل فهم يجتنبون ما نهى عنه الشرع طاعة وامتثالاً، وفي هذا الموضوع كان الزيتون محور الحديث، لنعرف ما الذي ذكره الشرع فيه وما علاقته من الناحية الصحية من حيث الربط بين النص الوارد في الحديث وبين حقيقة ما توصل إليه العلم التجريبي اليوم, قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة »(2)


الزيتون صبغ للآكلين:
يقول الله تعالى: ?اللهُ نُورُ السمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزجَاجَةُ كَأَنهَا كَوْكَبٌ دُري يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيةٍ وَلَا غَرْبِيةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلناسِ وَاللهُ بِكُل شَيْءٍ عَلِيمٌ? [النور : 35]، وقال الله تعالى: ?وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدهْنِ وَصِبْغٍ للآكِلِينَ? [المؤمنون : 20].
يقول ابن منظور: الصبْغُ والصباغُ ما يُصْطَبَغُ به من الإِدامِ، وصِبْغٍ للآكِلِين يعني دُهْنَه, وقال الفراء: الآكلونَ يَصْطَبِغُون بالزيت فجعل الصبْغَ الزيت نفسَه, وقال الزجاج: أَراد بالصبْغ الزيتونَ، وقال الأَزهري: وهذا أَجود القولين لأَنه قد ذكر الدهن قبله، وقوله تَنْبُتُ بالدهْن أَي تنبت وفيها دُهْن ومعها دُهْن كقولك جاءني زيد بالسيف أَي جاءني ومعه السيف وصَبَغَ اللقمةَ يَصْبُغُها صَبْغاً دَهَنها وغمَسها وكل ما غُمِسَ فقد صُبِغَ والجمع صِباغ(3)، وقد مر معنا الحديث: «كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة », وفي هذا الحديث أمران:
الأول: الأمر بأكل الزيت، وكذلك الزيتون لأنه أصل له.
والثاني: الأمر بالادهان به، والادهان لا شك يكون بالزيت.
قال القرطبي في قوله تعالى: ?وصبغ للآكلين? يقال: صبغ وصباغ مثل دبغ ودباغ ولبس ولباس, وكل إدام يؤتدم به فهو صبغ، وأصل الصبغ ما يلون به الثوب, وشبه الإدام به لأن الخبز يلون بالصبغ إذا غمس فيه، وقال مقاتل: الأدم الزيتون والدهن الزيت, وقد جعل الله تعالى في هذه الشجرة أدماً ودهناً فالصبغ على هذا الزيتون(4)، وقال البغوي: هي كثيرة البركة وفيها منافع كثيرة لأن الزيت يسرج به وهو أضوأ وأصفى، وهو إدام وفاكهة ولا يحتاج في استخراجه إلى إعصار بل كل أحد يستخرجه، وهي شجرة تورق من أعلاها إلى أسفلها(5).
وقال ابن عاشور في التحرير والتنوير: وتخصيصها بالذكر مع طي كون الناس منها يأكلون تنويه بشأنها وإيماء إلى كثرة منافعها لأن من ثمرتها طعاماً وإصلاحاً ومداواة ومن أعوادها وقود وغيره(6).
قال الزين العراقي: والمراد بالادهان دهن الشعر به (وقيده في رواية بدهن شعر الرأس) وعادة العرب تدهن شعورهم لئلا تشعث، لكن لا يحمل الأمر به على الإكثار منه ولا على التقصير فيه بل بحيث لا تشعث رأسه فقط (فإنه) يخرج (من شجرة مباركة) لكثرة ما فيها من القوى النافعة أو لأنها تنبت بالأرض المقدسة التي بورك فيها ويلزم من بركة هذه الشجرة بركة ما يخرج منها من الزيت(7).
وقال ابن القيم: الزيت حار رطب في الأولى, وغلط من قال: يابس والزيت بحسب زيتونه فالمعتصر من النضيج أعدله وأجوده ومن الفج فيه برودة ويبوسة ومن الزيتون الأحمر متوسط بين الزيتين ومن الأسود يسخن ويرطب باعتدال, وينفع من السموم ويطلق البطن ويخرج الدود, والعتيق منه أشد تسخيناً وتحليلاً, وما استخرج منه بالماء فهو أقل حرارة وألطف وأبلغ في النفع, وجميع أصنافه ملينة للبشرة وتبطئ الشيب، وماء الزيتون المالح يمنع من تنفط حرق النار ويشد اللثة, وورقه ينفع من الحمرة والنملة والقروح الوسخة والشرى ويمنع العرق, ومنافعه أضعاف ما ذكرنا(8).
وكما يقول الدكتور نظمي خليل أبو العطا: وهي تحتوي على الأحماض الدهنية الأمينية ومنها الفنيل والإنين الذي يعطي التيروزين (وهو مشتق من الألانين) وهو من الأحماض العطرية الأساسية و(الفنيل الأنين يعطي التيروزين) وهو من الأحماض الميلاينين في الجلد وهذه الصبغة (الميلانين) هي التي تصبغ البشر حسب كميتها في الجلد؛ فإذا كانت صبغة كثيفة أعطت الجلد الأسود، وإذا خفت أعطت اللون الأصفر وإذا غابت تماماً (شذوذ ومرض) أعطت اللون الأبيض للشعر والجلد والرموش ولهذا الصبغة (الميلانين) أهمية كبيرة للإنسان فالسودان والنبوي، والأفريقي يعيشون في منطقة شديدة الحرارة ساطعة الشمس وهذا يتطلب حماية للناس، هذه الحماية تتوفر بتوفر اللون الأسود (الميلانين)، وهذا ملحوظ في الشخص القمحي اللون عندما يقف في الشمس طويلاً فإنه يسمر، لآن الاسمرار وسيلة دفاع عن الجلد ضد الشمس, وهذا سبق علمي خطير، حيث أن شجرة الزيتون تعطي الزيت والأحماض الأمينية، ومنها الأحماض المسئولة عن إعطاء اللون الأسود (الصبغ الجلدي)(9).
الزيتون عبر التاريخ:
رافقت شجرة الزيتون الإنسان منذ أن خلق، فلقد اكتشف الجيولوجيون وعلماء الآثار بقايا أشجار وحبوب زيتون، تعود إلى المرحلة التي بدأ فيها الإنسان يصقل الحجر ويبني الأكواخ ويزرع الأرض.
ويقال إن البابليون هم أول من زرع شجرة الزيتون بشكلها الحالي عن طريق التطعيم، وذكر في كافة الأديان الأخرى والحضارات القديمة, واليونانيون جعلوها رمزاً للقوة والعظمة والحكمة والنصر، فى حين جعلها المسيحيين رمزاً للدين والآلام لأن السيد المسيح تألم على جبل الزيتون, وأخيراً جعلت رمزاً للصحة والطعام اللذيذ، ولقد تضاعفت الدراسات على منافع زيت الزيتون منذ عدة عقود لأن الطلب والبحث عنه ازداد والدول المنتجة له (إيطاليا، فرنسا، أسبانيا، اليونان) تبذل جهوداً لكي يكون هذا الزيت أشهى وألذ وأصفى، وكذلك بسبب أنه يقدم الغذاء الشافي.
ويبلغ عدد أنواع أشجار الزيتون حوالى مئة وخمسين نوعاً، ويتراوح ارتفاعها بين خمسة أمتار واثني عشر متراً، وهي تحتاج إلى مناخ معتدل فى فصل الشتاء وجاف فى الصيف، وإلى كمية كبيرة من الأمطار في فصلي الخريف والربيع، وهي ظروف مناخية لا تتوفر إلا فى محيط البحر المتوسط، وتتمتع شجرة الزيتون بأوراق دائمة الخضرة، تتجدد كل ثلاث سنوات وهي تنمو ببطء وكأنها تستخلص فوائد الأرض على مهل وبتركيز(10).
الزيتون والعلم الحديث:
لأول مرة في التاريخ اجتمع ستة عشر من أشهر علماء الطب في العالم في مدينة روما في الحادي والعشرين من شهر أبريل عام 1997م ليصدروا توصياتهم وقراراتهم الموحدة حول موضوع "زيت الزيتون وغذاء حوض البحر المتوسط", وأصدر هؤلاء العلماء توصياتهم في بيان شمل أكثر من ثلاثين صفحة استعرضوا فيها أحدث الأبحاث العلمية في مجال زيت الزيتون وغذاء حوض البحر المتوسط, وأكدوا في بيانهم أن تناول زيت الزيتون يسهم في الوقاية من مرض شرايين القلب التاجية وارتفاع كولسترول الدم، وارتفاع ضغط الدم، ومرض السكر، والبدانة، كما أنه يقي من بعض السرطانات فحتى عام 1986م لم يأبه أحد من الباحثين الأمريكيين والأوروبيين بزيت الزيتون، وما أن طلع علينا الدكتور غرندي في دراسته التي ظهرت عام 1985م، والتي أثبت فيها أن زيت الزيتون يخفض كولسترول الدم حتى توالت الدراسات والأبحاث وركزت اهتمامها حول فوائد زيت الزيتون، وتستكشف يوماً بعد يوم المزيد من أسرار هذا الزيت المبارك(11)، كما دهش الباحثون حديثاً حينما اكتشفوا أن سكان جزيرة كريت في البحر المتوسط هم أقل الناس إصابة بأمراض القلب والسرطان في العالم أجمع, ودهشوا أكثر حينما عرفوا أن أهالي جزيرة كريت يستهلكون زيت الزيتون أكثر من أي شعب آخر ، فحوالي 33 % من السعرات الحرارية التي يتناولونها يومياً تأتي من زيت الزيتون.
يقول الدكتور"ويليام كاستللي" مدير دراسة فارمنجهام الشهيرة: "إن هناك زيتاً واحداً يتمتع بأطول سجل من سلامة الاستعمال في التاريخ هو زيت الزيتون, فلقد تناول زيت الزيتون أجيال وأجيال، وامتاز هؤلاء بصحة الأبدان وندرة جلطة القلب عندهم, وهذا السجل الحافل بمآثر زيت الزيتون يجعلنا نطمئن لاستعماله، ونقبل عليه بشغف كبير".
ويقول الدكتور" أهرنس"من جامعة كوفلر بنيويورك: "إننا ندرك تماماً أن استعمال سكان حوض البحر المتوسط لزيت الزيتون كمصدر أساسي للدهون في الغذاء هو السبب وراء ندرة مرض شرايين القلب التاجية عندهم"(12).
ورد في كتاب (8 أسابيع للوصول إلى الصحة العامة)(13): يحتوي الزيتون على الأحماض الدهنية غير المشبعة، وحيدة الرابطة المزدوجة، وهو ما يميزه عن بقية الزيوت وأنه يجب استبدال كل أنواع الدهون التي يتناولها الإنسان، وخاصة بعد سن الأربعين بزيت طازج، حيث ثبت ومن خلال التجارب المستفيضة أنه سبب في علاج كثير من الأمراض بإذن الله ومن هذه الأمراض ما يلي:
زيت الزيتون والإرضاع:
ذلك المولود المخلوق الجديد الذي خرج لتوه إلى هذه الحياة، فإنه يتغذى في بطن أمه وبعد خروجه بما تغذت به أمه فإن هي أحسنت اختيار غذائها منحته مما اختارت الخير الكثير، وأنشأته على الغذاء السليم, ففي دراسة حديثة نشرت في شهر فبراير 1996 من جامعة برشلونة الإسبانية، وأجريت على 40 مرضعاً، أخذت منهن عينات من حليب الثدي، وجد الباحثون أن معظم الدهون الموجودة في حليب الثدي كانت من نوع (الدهون اللامشبعة الوحيدة) Monounsaturated Fats ويعتبر هذا النوع من الدهون بحق من أفضل الدهون التي ينبغي أن يتناولها الإنسان, وهو النوع الذي يشتهر به زيت الزيتون, ويعزو الباحثون سبب تلك الظاهرة إلى كثرة تناول النساء في إسبانيا لزيت الزيتون(14).
أمراض الكبد:
زيت الزيتون الأسود الصافي نجده مسجلاً فى دستور الأدوية فى فرنسا، فهو دواء معترف به رسمياً(15), يذيب الدهون ويساعد في تقوية الكبد، وعلاج الكبد الدهني، وبذلك يزيد من النشاط ومن ناحية أخرى فقد ذكر الكتاب أن الدواء المعروف في الأسواق باسم Essential Fort يحتوي على نسبة عاليةٍ من زيت الزيتون، وهو الذي يوصف أساسياً لمرضى الكبد، كما أنه يحسن من وظائف الكبد، وخاصة أنه مضاد للسموم، ومن هنا فهو يزيد من قدرة الكبد على القيام بإزالة السمية Detoxication(16).
سرطان الأمعاء:
وفي بحث علمي(17) توصل إلى أن استخدام زيت الزيتون في طهي الطعام قد يمنع سرطان الأمعاء. ويقول الفريق الطبي الذي أجرى التجربة إن النتائج أظهرت أن لزيت الزيتون فوائد وقائية، الأمر الذي يفسر سبب كون الغذاء المتوسطي غذاء صحياً.
ويقول رئيس الفريق البروفسور ميجيل جاسول: إن هذه الدراسة تقدم دليلاً على أن غذاءاً يحتوي على خمسة بالمائة من زيت الزيتون يقي من الإصابة بالسرطان مقارنة بزيت زهرة العصفر، وتوصل علماء بريطانيون إلى أدلة جديدة تثبت المنافع الوقائية لزيت الزيتون في علاج سرطان الأمعاء الذي يذهب ضحيته حوالي 20 ألف شخص سنوياً في بريطانيا وحدها .
ووجد باحثون وأطباء في جامعة أوكسفورد الإنجليزية أن زيت الزيتون يتفاعل في المعدة مع حامض معوي ويمنع الإصابة بمرض سرطان الأمعاء والمستقيم والجدير بالإشارة أن سرطان الأمعاء هو من أكثر أمراض السرطان شيوعاً في بريطانيا بعد سرطان الرئة، لكن معالجته ممكنة إذا أكتشف في وقت مبكر.
وبحثت الدراسة في نسبة الإصابة بمرض سرطان الأمعاء في ثمانية وعشرين بلداً في العالم، يقع معظمها في أوربا، إضافة إلى الولايات المتحدة والبرازيل وكولومبيا وكندا والصين, ووجد الباحثون أن عوامل غذائية تلعب دوراً هاماً في إصابة الشخص، وأن الأشخاص الذين يأكلون كميات كبيرة من اللحم والسمك أكثر عرضة للإصابة بالمرض من الأشخاص الذين يأكلون الخضروات والحبوب, ووجد العلماء أيضاً أن خطر الإصابة بمرض سرطان الأمعاء تقل مع تناول وجبات غذائية غنية بزيت الزيتون, ويعزو العلماء ذلك إلى أن الوجبات الغذائية التي تحتوي على كميات كبيرة من اللحم يمكنها أن تزيد من إفراز حامض الصفراء أو حامض ديأوكسيسيكليك، الذي بدوره يقلل من فعالية أنزيم خاص يعتقد بأنه يلعب دوراً هاماً في تجدد خلايا الأنسجة المبطنة للأمعاء, ويعتقد العلماء أن انخفاض الأنزيم الخاص، الذي يسمى ديامين أوكسيداس، قد يكون سبب تزايد الخلايا السرطانية في الأمعاء, وهنا وجد العلماء الدور المهم الذي يقوم به زيت الزيتون في خفض المادة الحامضية الضارة الناتجة عن تناول كميات كبيرة من اللحم وزيادة إفراز الأنزيم الذي يقي من تكاثر الخلايا الغير عادية والسرطانية .
وقال أحد الباحثين إن الدراسة الجديدة تؤكد أن البلدان التي تستهلك فيها كميات كبيرة من زيت الزيتون لديها حالات سرطان أمعاء ومستقيم أقل نسبياً عما كان يعتقد، أخذين بنظر الاعتبار جوانب أخرى من العادات الغذائية لتلك البلدان. وقالت متحدثة باسم مؤسسة التغذية البريطانية إنه في السابق كانت فوائد زيت الزيتون تقتصر على أمراض القلب، ولكن منذ شيوع فوائده في محاربة الأمراض الأخرى أزداد وعي الناس بأهميته وأزداد استخدامه في الطعام(18).



سرطان الجلد:
اكتشف علماء يابانيون أن تعريض الجلد لزيت الزيتون ذي النوعية الجيدة بعد التعرض للشمس يقلص من احتمالات الإصابة بسرطان الجلد، وكشف الباحثون عن أن زيت الزيتون ذا الدرجة العالية يساعد على إبطاء ظهور آثار السرطان على الجلد ويقلل من حجم الأورام السرطانية إذا ما نُشر على الجلد, وقد وضع الباحثون، بقيادة الدكتور ماسماميتسو إتشيهاشي من كلية الطب في جامعة كوبي، الفئران تحت ضوء الشمس ثلاث مرات في الأسبوع, وبعد خمس دقائق من تعريضها لأشعة الشمس، قاموا بدهن مجموعة من الفئران بزيت الزيتون العادي وأخرى بزيت الزيتون الجديد ذي الدرجة العالية، وثالثة لم تُعرض إلى نوع من زيت الزيتون, وبعد ثمانية عشر أسبوعاً بدأت أورام سرطانية بالظهور على مجموعة الفئران التي لم تعرض إلى زيت الزيتون، أما الفئران التي عُرضت لزيت الزيتون العادي فكانت أفضل حالاً قليلاً, غير أن مجموعة الفئران التي عُرضت لزيت الزيتون الجديد ذي الدرجة العالية لم تظهر عليها أي آثار لسرطان الجلد إلا بعد أربعة وعشرين أسبوعاً, كذلك فإن الأورام التي ظهرت على فئة الفئران الأخيرة كانت أصغر وأقل كثافة، بل أنها ألحقت ضرراً أقل بتركيبة مادة "دي أن أي" في الجلد(19).
ويعتبر زيت الزيتون غنياً بالمواد المانعة للتأكسد التي يُعتقد أنها تمتص التأثيرات الضارة للإشعاعات فوق البنفسجية، لكنه لا يمنع الأشعة فوق البنفسجية من اختراق الجلد.
سرطان الثدي:
أثبتت دراسه أجريت فى اليابان أن النساء اللاتي يتناولن زيت الزيتون أكثر من مره باليوم يقللن من خطر إصابتهن بسرطان الثدى بنسبة 25% بالمقارنة مع النساء اللاتي لا يتناولنه بانتظام وفى هذا الصدد يقول الدكتور ديميتريوس استاذ الصحة العامة بكلية هارفارد-والذي أسهم بإجراء الدراسة-: أن الدراسات قد أشارت إلى أن تناول زيت الزيتون لا يساعد على تفاقم الإصابة بأورام الثدي الذي تنشطها الكيماويات مثلما تفعل بعض الأنواع الأخرى من الدهون، ولسنوات طويلة ينظر العلماء إلى زيت الزيتون على أنه يقي من سرطان الثدي، وذلك من ملاحظة صحة سكان البحر الأبيض المتوسط، إلا أنهم لم يعرفوا كيفية حدوث ذلك الآن، وأجرى الباحثون تجربة مختبرية (أي في أنبوب اختبار) في المعمل لمعرفة تأثير حامض زيت الزيتون oleic acid - وهو المُكون الرئيسي في زيت الزيتون – المثبط لنشاط أحد أهم الجينات المسببة لسرطان الثدي وهي جين HER2. حيث تتشكل هذه الكلمة من أوائل كلمات human epidermal growth factor receptor 2، وتعني مُسْتقبِل عامل النمو البشري، وهو بروتين مغروس في سطح الخلية كالهوائي يستقبل "عامل النمو growth factor" لتكاثر ونمو الخلية الطبيعي، يصَنع هذا البروتين جينٌ موجودٌ في نواة الخلية، وهناك نسختان من جين HER2في كل خلية سليمة من خلايا الثدي، لضبط نمو الخلايا من ناحية الانقسام والتصحيح الذاتي، وعندما يحدث اضطراب في إحدى خلايا الثدي، ويتكون نسخ عديدة من جين HER2، تتشكل أعداد كبيرة من مستقبلات عامل النمو البشري على سطح خلايا الثدي السرطانية، وبذلك يزداد نمو وانقسام الخلايا في الثدي بسرعة، ويؤدي إلى تشكيل الورم السرطاني.. -وهذا النوع هو أشرس أنواع سرطان الثدي؛ لأن سرطان الثدي ليس نوعاً واحداً، بل هو أنواع مختلفة- حدث أن أدت إضافة حامض زيت الزيتون إلى تخفيض مستوى الجين السرطاني بنسبة 46%، ولكن من ناحية ثانية، يبدو أن حامض زيت الزيتون يقوي فاعلية عقار (Trastuzumab) هيرسيبتين Herceptin الذي يخفض الورم السرطاني، يقول الباحث الأسباني: أنا أسباني، وأتناول كثيراً من زيت الزيتون، وأنا سعيد بهذه النتائج(20).
أمراض القلب:
لبعض أنواع الدهون أهمية كبيرة للجسم ولها العديد من المنافع, إنها مجموعة الدهون التي تعرف بالأحماض الدهنية الأساسية Essential Fatty Acids (EFAs) وعلى العكس تماماً من الدهون الحيوانية ودهون منتجات الحليب فإن الأحماض الدهنية الأساسية قد تكون ضرورية لتقليل مخاطر بعض الحالات المرضية مثل الإصابة بأمراض القلب والجلطة .
ويحتل زيت الزيتون مرتبة مهمة ضمن هذه المجموعة من الدهون فشعوب حوض البحر الأبيض المتوسط تستخدم الكثير منه وهذا قد يكون السبب في كثير من الأحيان في أن شعوب هذه البلدان مثل سكان جنوب إيطاليا واليونان لا تعاني من زيادة ملحوظة في أمراض القلب وتصلب الشرايين. كما بين التقرير الذي نشر مؤخراً في المجلة الطبية البريطانية- لا نسيت- أن الكثير من الزيوت النباتية لها نفس التأثير إن لم يكن أفضل من زيت الزيتون وعلى المدى البعيد مثل زيت اللفت rapeseed. فهل إن زيت الزيتون في واقع الأمر له ما له من مواصفات فريدة في الحد من الإصابة ببعض الأمراض أم أن العملية لا تعدو أن تكون ما حضي به زيت الزيتون من إعلام كبير في الآونة الأخيرة؟ في دراسة حالة مجموعة من الأشخاص الذين بدلوا غذائهم المعتاد إلى نمط الغذاء الذي يتبعه سكان حوض البحر المتوسط وتبين أن السبب في أن مثل هؤلاء الأشخاص قد تقلصت عندهم فرصة الإصابة بنوبة قلبية ثانية ليس بسبب زيت الزيتون بل بسبب زيت المارجارين الموجود في زيت اللفت rapeseed. ومهما كان من أمر، تبقى الحقيقة الماثلة للعيان أن سكان حوض البحر المتوسط أقل فرصة للإصابة بأمراض القلب وتصلب الشرايين من غيرهم وأن زيت الزيتون هو الزيت الأكثر استخداماً ضمن الغذاء اليومي لهؤلاء من زيت اللفت(21).
منع تجلط الدم:
أكد باحثون من اسبانيا وجود فوائد عديدة لزيت الزيتون، وقالت الدراسة بأن عناصر تعرف باسم مركبات الفينول توجد في زيت الزيتون وأطعمة أخرى ربما تكون مسؤولة عن فوائد متعددة للجسم لأنها تحتوى مواد مضادة للأكسدة وللالتهابات وتعمل على منع تجلط الدم.
وأظهرت التجارب المعملية التي أجراها فرانسيسكو بيريس جيمينيز من مستشفى يونيفريستاريو ريينا صوفيا في قرطبة وزملاؤه أن هذا المركب المعروف يمكن أن يحسن أداء الأوعية الدموية القلبية ويوفر حماية للقلب .وقارن جيمينيز وفريقه بين تأثير تناول زيت زيتون غني بالفينول وبين زيت زيتون منزوع منه معظم مركبات الفينول على مجموعة من 21 متطوعاً يعانون من ارتفاع في مستوى الكوليسترول في الدم .وقام الباحثون بقياس قدرة الأوعية الدموية للمشاركين في الدراسة على الاستجابة للتغيرات السريعة في تدفق الدم بعد تناول وجبة غنية بالدهون تحتوى على زيت زيتون غني بالفينول أو النوع الآخر المنزوع منه معظم مركبات الفينول .وخلص الباحثون إلى أن استجابة الأوعية الدموية وأداءها لوظائفها تحسن خلال الساعات الأربع الأولى بعد تناول وجبة تحتوي على زيت زيتون غني بمركبات الفينول. لكن لم يكن هناك فرق في أداء الأوعية الدموية لوظائفها قبل وبعد تناول المتطوعين لوجبة تحتوي على زيت زيتون منزوع منه معظم مركبات الفينول(22).
أمراض أخرى:
أجرى الدكتور"ويليامز"-من جامعة ستانفورد الأمريكية- دراسة على 76 شخصاً غير مصاب بأية أمراض قلبية لمعرفة تأثير زيت الزيتون على ضغط الدم فوجد الباحثون أن ضغط الدم قد انخفض بشكل واضح عند الذين تناولوا زيت الزيتون في غذائهم اليومي, وكان انخفاض ضغط الدم أشد وضوحاً عند الذين تناولوا 40 جراماً من زيت الزيتون يومياً (23).
كما أن مرض السكر يكون بسبب نقص أو غياب في إفراز الأنسولين من البنكرياس، مما يؤدي إلى زيادة مستوى السكر في الدم وقد أوصى الاتحاد الأمريكي لمرضى السكر، المصابين بمرض السكر بتناول حمية تعطى فيه الدهون بنسبة 30 % من الحريرات على ألا تتجاوز نسبة الدهون المشبعة ( كالدهون الحيوانية ) عن 10 % , وأن تكون باقي الدهون على شكل زيت زيتون وزيت ذرة، أو زيت دوار الشمس (24), ويقي القلب من أمراض الشرايين والكوليسترول الضار, ويحمي من ارتفاع ضغط الدم, ويسهل من عملية الهضم. ويخفض نسبة الإصابة بسرطان الثدي ويقي من ارتفاع السكر فى الدم (لمرضى السكر) ويحمى من ضعف الذاكرة ومفيد للبشرة ويدخل فى كثير من المراهم وكريمات العناية بالبشرة والشعر ويستخدم ككمادات وعلى الريق وللتدليك للآلام والأرق النفسي والاجهاد, ويستخدم للمحافظة على الجلد والمعادن وإطالة عمر الأزهار المقطوفة (25).
فوائد أخرى لزيت الزيتون:
ذكرت دائرة المعارف الصيدلانية الشهيرة " مارتندل " أن زيت الزيتون مادة ذات فعل ملين لطيف ، ويعمل كمضاد للإمساك, كما أن زيت الزيتون يلطف السطوح الملتهبة في الجلد، ويستعمل في تطرية القشور الجلدية الناجمة عن الأكزيما وداء الصدف(26)، وإذا شرب بالماء الحار سكن المغص، ويعالج القولون، ويطرد الديدان، ويفتت الحصى ويصلح الكلى، والاحتقان به يسكن المفاصل، ويعالج أوجاع الظهر، ويمنع الشيب ويصلح الشعر ويمنع سقوطه، ويقطع العفن ويشد الأعضاء، والاكتحال به يقلع البياض ويحد البصر، وينفع من الجرب السلاق(27).
حفظ زيت الزيتون ؟
يؤثر الهواء والرطوبة وأشعة الشمس سلباً في زيت الزيتون عند تخزينه، لذا فالأواني المنزلية لا تصلح، إلا إذا كانت معتمة لمنع تعرض الزيت للضوء، يجب ضبط درجة حرارة الزيتون المخزن ما بين 10 - 15 درجة مئوية، لأنه بارتفاع درجة الحرارة تتعرض الزيوت والدهون للأكسدة الذاتية ، وهو ما يزيد من حموضتها، ويفسد تركيبها، فتتحول إلى مواد سامة، تؤثر سلباً على الكبد والكلى والأوعية الدموية، كما إن زيت الزيتون من الزيوت التي ترتفع فيها درجة حرارة عم التشبع لذلك يسبب تعرضها للأكسدة في وقت قصير جداً .. ناهيك عن الانحلال السريع والتحلل المائي أثناء استخدامه في الغلي، ولذلك فزيت الزيتون غير صالح للغلي، ولو استخدم مرة أو مرتين فإن خواصه الغذائية تضعف لأن تكرار الغلي قد تسلبه صفاته المميزة(28).
وجه الإعجاز:
زيت الزيتون هبة الله تعالى للإنسان. عرف القدماء بعضاً من فوائده، وأدرك الطب الحديث- منذ سنوات معدودات- بعضاً آخر منها, والحقيقة أن الأمريكان يغبطون سكان حوض البحر الأبيض المتوسط على غذائهم، فهم يعرفون أن مرض شرايين القلب التاجية أقل حدوثاً في إيطاليا وأسبانيا وما جاورهما مما هو عليه في شمال أوروبا والولايات المتحدة, ويعزو الباحثون ذلك إلى كثرة استهلاك زيت الزيتون عند سكان حوض البحر المتوسط، واعتمادهم عليه كمصدر أساسي للدهون في طعامهم بدلاً من السمنة (المرجرين) والزبدة وأشباهها.
يقول كتاب Heart Owner Handbook الذي أصدره معهد تكساس لأمراض القلب حديثاً: إن المجتمعات التي تستخدم الدهون اللامشبعة الوحيدة (وأشهرها زيت الزيتون) في غذائها كمصدر أساسي للدهون تتميز بقلة حدوث مرض شرايين القلب التاجية، فزيت الزيتون عند سكان اليونان وإيطاليا وإسبانيا يشكل المصدر الأساسي للدهون في غذائهم، وهم يتميزون بأنهم الأقل تعرضاً لمرض شرايين القلب وسرطان الثدي في العالم أجمع, وليس هذا فحسب، بل إن الأمريكيين الذين يحذون حذو هؤلاء يقل عندهم حدوث مرض شرايين القلب(29).
ما تقدم خلاصة الخلاصة لأبحاث حديثة ودقيقة كلها تؤكد أهمية هذا النبات وفوائده، بعد أن كان ينتج بكميات قليلة ولا يؤبه له ولكن نتائج هذه الأبحاث كانت كالدعاية له فصار الطلب عليه كثيراً وارتفعت أسعاره كثيراً، وقد أمرنا نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بتناوله والإدهان به قبل أربعة عشر قرناً من الزمان رحمة بأمته وبالمؤمنين لئلا تصيبهم الأمراض التي ربما تعوقهم عن طاعة ربهم، وحثنا عليه بقوله: « كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة »(30) يأمرنا بتناوله وهو غير شاك ولا يخاف أن تظهر بعد أيام أو أشهر أمراض أو عاهات جراء تناوله، ولا شك أن الذي يأمرك بأمر هو غير متيقن منه فأنه يضع لنفسه نوعاً من الإحترازات والتحوطات بأن يحيل الخبر إلى قائله أو يخبرك بأن هذا العلاج في طور التجربة كما تفعل كثير من مراكز الأبحاث اليوم، فالسؤال إذن من الذي أخبر نبينا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بهذه النتائج المبهرة لزيت الزيتون في زمن لم تكن فيه أي من وسائل البحوث والتقنية المتوفرة اليوم، لا في بلاد الحجاز ولا في أي مكان من العالم؟ لا شك أننا لو تأملنا قليلاً ودققنا في الأمر سنصل إلى نتيجة واحدة هي أن الذي أخبره هو خالق السموات والأرض الذي وعده ووعدنا في كلامه المنزل من عنده بأنه سيجعل لكل زمن آية تدل عليه وعلى أنه واحد لا شريك له في ملكه ولا في علمه، وليكون هذا المبلّغ عنه رجل أمي لا يحسن القراءة ولا الكتابة؛ ليكون أدعى إلى الناس أن يؤمنوا به ويصدقوه، قال تعالى: ?وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيد?[سبأ: 6] وقال تعالى: ?وَأَتَيْنَاكَ بَالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ? [الحجر: 64].








اعلانات

NSFX

قديم 13-04-2010, 03:12 PM  
كاتب الموضوع شادي1980
إداري سابق


الحالة:

الملف الشخصي
رقم العضوية : 1058364
تاريخ التسجيل : Mar 2010
الدولة : سوريا
المهنة : مساعد الجميع في الشيرنج والشيفرات
الاهتمامات : كسر شفرات الجزيرة والقنوات المشفر
المشاركات : 2,134
عدد النقاط : 2512123
قوة الترشيح : شادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعة
الرصيد المالي : 55066 دينار [كافئني]
المستوى : 35
المستوى القادم : يحتاج 3634 دينار
النشاط : 0

شادي1980 غير متصل

رد: سلسلة الاعجاز العلمي لعبد المجيد زنداني ادخل وانظر


الإعجاز العلمي في أحاديث تحنيك المولود
مقدمة:
اهتم الدين الإسلامي الحنيف بالصحة اهتماماً بالغاً, فجاءت لذلك كثير من الأحكام العامة والخاصة والتي من شأنها المحافظة على الصحة العامة للإنسان.
ولقد بدأ هذا الاهتمام بصحة الإنسان من حين ولادته, فلقد اهتم الإسلام اهتماماً عظيماً برعاية الطفولة والأمومة في مراحلها كلها اهتماماً لا يدانيه ما تتحدث عنه منظمات الأمم المتحدة وحقوق الإنسان ومنظمات الصحة العالمية.
ومن ذلك الاهتمام تشريع أحكام تتعلق بالمولود ومنها ترديد الأذان والإقامة في أذنيه بعد ولادته مباشرة؛ ليكون أول ما يصل إلى سمعه ذكر الله تعالى والأذان والإقامة، ومن تلك الأحكام تحنيكه بالتمر أو ما شابهه, إلى غير ذلك من الأحكام التي تتعلق بالمولود, وقد صنف علماء الشريعة العديد من الكتب في هذا الموضوع, ومن أشهرها كتاب ((تحفة المودود بأحكام المولود)) للإمام ابن القيم رحمة الله عليه.
وقد كشف العلم الحديث عن فوائد تحنيك المولود, وأثبت أن له دوراً وقائياً وعلاجياً للمولود, وسنعرض في هذا البحث لشيء من هذه الفوائد في ضوء الاكتشافات العلمية الحديثة, ولكن بعد بيان شيء من الأحاديث الواردة في ذلك.
الأحاديث الواردة في تحنيك المولود:
يظهر اهتمام الدين الإسلامي بتحنيك المولود من خلال الروايات المتعددة التي تذكر حرص النبي r على تحنيك حديثي الولادة, حتى أصبح ذلك سنة ثابتة عنه r, فعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم, فأتي بصبي فبال عليه فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله"(1), وفي رواية البخاري: "أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع صبياً في حجره يحنكه فبال عليه فدعا بماء فأتبعه"(2) .
وعن أسماء رضي الله عنها: أنها حملت بعبد الله بن الزبير, قالت: فخرجت وأنا متم, فأتيت المدينة فنزلت بقباء فولدته بقباء, ثم أتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فوضعته في حجره, ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه, فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم حنكه بتمرة ثم دعا له وبرك عليه وكان أول مولود في الإسلام(3).
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: ولد لي غلام فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فسماه إبراهيم, فحنكه بتمرة ودعا له بالبركة ودفعه إليّ(4).
وعن أنس رضي الله عنه قال: لما ولدت أم سليم قالت لي: يا أنس انظر هذا الغلام فلا يصيبنّ شيئاً حتى تغدو به إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحنكه, فغدوت به فإذا هو في حائط وعليه خميصة حريثية وهو يسم الظهر الذي قدم عليه في الفتح(5).
وفي رواية أخرى عنه أنه قال: ذهبت بعبد الله بن أبي طلحة الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولد, ورسول الله صلى الله عليه وسلم في عباءة يهنأ بعيراً له فقال: "هل معك تمر" فقلت: نعم, فناولته تمرات فألقاهن في فيه فلاكهن ثم فغر فا الصبي فمجه في فيه, فجعل الصبي يتلمظه, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حب الأنصار التمر", وسماه عبد الله(6).
يقول صاحب اللسان: «الحَنَكُ من الإنسان والدابة باطن أَعلى الفم من داخل, والتَّحْنِيك أَن تمضغ التمر ثم تدلُكه بحَنَك الصبي داخل فمه, يقال منه حَنَكْتُه وحَنَّكْتُه فهو مَحْنوك ومُحَنَّك»(7).
وقال النووي: «اتفق العلماء على استحباب تحنيك المولود عند ولادته بتمر, فإن تعذر فما في معناه وقريب منه من الحلو, فيمضغ المحنك التمر حتى تصير مائعة بحيث تبتلع ثم يفتح فم المولود ويضعها فيه ليدخل شيء منها جوفه»(8), ويقول أيضاً في فوائد هذه الأحاديث: «ومنها كون التحنيك بتمر وهو مستحب, ولو حنك بغيره حصل التحنيك ولكن التمر أفضل»(9).
ويقول ابن حجر: «والتحنيك مضغ الشيء ووضعه في فم الصبي ودلك حنكه به, يصنع ذلك بالصبي ليتمرن على الأكل ويقوى عليه, وينبغي عند التحنيك أن يفتح فاه حتى ينزل جوفه, وأولاه التمر فإن لم يتيسر تمر فرطب و إلا فشيء حلو, وعسل النحل أولى من غيره, ثم ما لم تمسه نار كما في نظيره مما يفطر الصائم عليه»(10).
تحنيك المولود في ضوء الاكتشافات العلمية الحديثة:
إن مستوى سكر الجلوكوز في دم الأطفال اليافعين والبالغين يتراوح ما بين 70-120ملليجرام لكل 100ملليلتر من الدم في حالة الصيام, ويرتفع بعد الأكل أو شرب مواد سكرية إلى أقل من 180ملليجرام خلال ساعة, ثم يعود ليهبط لمستواه خلال ساعتين. أما بالنسبة للمولودين حديثاً فإن مستوى السكر في الدم يكون منخفضاً, وكلما كان وزن المولود أقل كلما كان مستوى السكر منخفضاً, وبالتالي فإن مواليد الخداج -وزنهم أقل من 2.5كجم- يكون مستوى السكر لديهم منخفضاً جداً, بحيث يكون في كثير من الأحيان 20 ملليجرام لكل 100 ملليلتر من الدم.
وأما المواليد أكثر من 2.5كجم فإن مستوى السكر في الدم لديهم يكون عادة فوق 30 ملليجرام, ويعتبر هذا المستوى -30 ملليجرام أو أقل عند من يكون وزنهم أكثر من 2.5كجم, أو 20 ملليجرام أو أقل عند المواليد الخداج- هبوطاً شديداً في مستوى سكر الدم, ويؤدي ذلك إلى الأعراض الآتية:
1. أن يرفض المولود الرضاعة.
2. ارتخاء العضلات.
3. توقف متكرر في عملية التنفس وحصول ازرقاق في الجسم.
4. اختلاجات ونوبات من التشنج.
وقد يؤدي ذلك إلى مضاعفات خطيرة مزمنة وهي:
1. تأخر في النمو.
2. تخلف عقلي.
3. شلل دماغي.
4. إصابة السمع أو البصر أو كليهما.
5. نوبات صرع متكررة (تشنجات).
وإذا لم يتم معالجة الحالة في حينها قد تنتهي بالوفاة، رغم أن علاجها سهل وهو إعطاء سكر الجلوكوز مذاباً في الماء إما بالفم إذا كان المولود قادراً على البلع, أو بواسطة الوريد إذا لم يكن قادراً على البلع, مع معالجة الإنتانات والأمراض الأخرى المصاحبة، مع توفير الأكسجين بالحضانات وخاصة لدى مواليد الخداج(11).
وجه الإعجاز:
إن قيام الرسول صلى الله عليه وسلم بتحنيك الأطفال المواليد بالتمر بعد أن يأخذ التمرة في فيه ثم يحنكه بما ذاب من هذه التمرة بريقه الشريف فيه حكمة بالغة, فالتمر يحتوي على السكر (الجلوكوز) بكميات وافرة وخاصة بعد إذابته بالريق الذي يحتوي على أنزيمات خاصة تحول السكر الثنائي (سكروز) إلى سكر أحادي, كما أن الريق ييسر إذابة هذه السكريات وبالتالي يمكن للطفل المولود أن يستفيد منها.
وبما أن معظم أو كل المواليد يحتاجون للسكر (الجلوكوز) بعد ولادتهم مباشرة فإن إعطاء الطفل التمر المذاب يقي الطفل من مضاعفات نقص السكر الخطيرة والتي أشرنا إليها فيما سبق.
إن استحباب تحنيك الطفل بالتمر هو علاج وقائي ذو أهمية بالغة, وهو إعجاز طبي لم تكن البشرية تعرفه وتعرف مخاطر نقص السكر، وإن المولود -وخاصة إذا كان خداجاً- يحتاج دون ريب بعد ولادته مباشرة إلى أن يعطى محلولاً سكرياً, وقد دأبت مستشفيات الولادة والأطفال على إعطاء المولودين محلول الجلوكوز ليرضعه المولود بعد ولادته مباشرة, ثم بعد ذلك تبدأ أمه بإرضاعه.
إن هذه الأحاديث الشريفة المتعلقة بتحنيك الأطفال تفتح آفاقاً مهمة جداً في وقاية الأطفال وخاصة الخداج من أمراض خطيرة جداً بسبب إصابتهم بنقص سكر الجلوكوز في دمائهم, وأيضاً فإن إعطاء المولود مادة سكرية مهضومة جاهزة يوضح إعجازاً طبياً لم يكن معروفاً في زمنه صلى الله عليه وسلم ولا في الأزمنة التي تلته حتى اتضحت الحكمة من ذلك الإجراء في القرن العشرين(12).
الإعجاز العلمي في الحديث النبوي:
"ما من كل الماء يكون الولد, وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء"
مقدمة:
في هذا الحديث النبوي كشف لحقيقة علمية تتعلق بخلق الإنسان في داخل أعماق الرحم, وهي مسألة علمية لم يتوصل إليها العلم الحديث إلا في وقت متأخر, وذلك بعد التطور الهائل في علم الأجنة, واستخدام أحدث الأجهزة الطبية. ولقد أخبر بها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في وقت مبكر, ليكون في هذا سبقاً علمياً لكل هذه الاكتشافات العلمية.
وفي هذا البحث سنعرض لهذا الحديث بشيء من الشرح, ونبين مطابقته للاكتشافات العلمية الحديثة, وبيان وجه الإعجاز العلمي في ذلك.
"ما من كل الماء يكون الولد" :
أخبر النبي r بهذا الحديث في سياق الإجابة على سؤال علمي بحت, وهذا السؤال يتعلق بالعزل, والذي كان أشهر موانع الحمل في ذلك الوقت, فعن أبي سعيد الخدري t قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل؟ فقال r: "ما من كل الماء يكون الولد, وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء".(1)
يقول العيني: « "إذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء" وهذه الألفاظ كلها مصرحة بأن العزل لا يرد القدر»(2), ويقول المناوي: «"إذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء" فإذا أراد خلق الولد من المني لم يمنعه العزل, بل يكون وإن عزل, وهذا قاله لما سئل عن العزل فأخبر أنه لا يغني حذر من قدر»(3).
ففي هذا الحديث إخبار عن حقيقتين علميتين, الحقيقة الأولى تتعلق بتخصيب البويضة, وعدد المنويات التي تقوم بهذه العملية, والحقيقة العلمية الثانية تتعلق باحتمال وقوع الحمل مع العزل, وأنه لا راد لأمر الله تعالى. والعزل هو أن يجامع فإذا قارب الإنزال نزع وأنزل خارج الفرج(4).
وجاء في حديث آخر أن النبي سئل عن العزل فقال: "لا عليكم أن لا تفعلوا ما كتب الله خلق نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون"(5), وفيه يقول النووي: «معناه ما عليكم ضرر في ترك العزل؛ لأن كل نفس قدر الله تعالى خلقها لابد أن يخلقها سواء عزلتم أم لا, وما لم يقدر خلقها لا يقع سواء عزلتم أم لا, فلا فائدة في عزلكم فإنه إن كان الله تعالى قدر خلقها سبقكم الماء فلا ينفع حرصكم في منع الخلق»(6).
"ما من كل الماء يكون الولد" في ضوء الاكتشافات العلمية الحديثة:
كشف العلم الحديث أن عدد منويات الرجل في القذفة الواحدة يتراوح من مائتين إلى ثلاثمائة مليون منوي, وأن منوياً واحداً فقط هو الذي يقوم بتلقيح البويضة.
ويقول الدكتور ليزلي أرى في كتابه Developmenetal Anatomy (الطبعة السابعة): أن التجارب على الثدييات أثبتت أن واحداً بالمائة من المني فقط يكفي لتلقيح البويضة. ومن المقرر طبياً أن عشرين مليوناً من المنويات في القذفة الواحدة هي الحد الأدنى للإخصاب, ورغم أنه يقرر طبياً أيضاً أن هناك حالات حمل كثيرة بأقل من هذه الكمية, كما يمكن أن تحقن كمية المني الناقصة المنويات إلى الرحم مباشرة Artificia Insemination وهي الطريقة المسماة "بالتلقيح الصناعي", وهذه الطريقة تستخدم أحياناً لمن يشكون العقم ويكون السبب في ذلك قلة المنويات في مني الزوج(7).
فأول ما تخرج المنويات يكون عشرين بالمائة منها غير صالح للتلقيح, ثم يموت في المهبل عدد كبير منها, ثم يموت على عنق الرحم عدد آخر, ثم تذهب مجموعة منها إلى غير مكان البويضة فتهلك, ولا يصل في النهاية إلى البويضة إلا ما يقرب من خمسمائة منوي فقط, وهنا يقع اختبار وانتقاء واصطفاء آخر لمنوي واحد فقط من بين هؤلاء ليتم به تلقيح البويضة.

بييضة المرأة تحيط بها المنويات

وفي البويضة كذلك اصطفاء وانتقاء, إذ يبلغ عدد البويضات في مبيض الأنثى وهي لا تزال جنيناً في بطن أمها ستة ملايين بويضة أولية, ولكن كثيراً منها يذوب ويموت قبل خروجها إلى الدنيا, ثم تستمر في اندثارها حتى إذا بلغت الفتاة المحيض لم يبق منها إلا ثلاثين ألفاً فقط. وفي كل شهر تنمو مجموعة من هذه البويضات, ولكن لا يكتمل النمو إلا لواحدة فقط, وفي حياة المرأة التناسلية لا يزيد ما تفرزه المرأة عن أربعمائة بويضة فقط, فهناك اصطفاء وانتقاء للمنوي, وهناك اصطفاء وانتقاء للبويضة أيضاً.
ليس هذا فحسب بل إن هنالك اصطفاءاً وانتقاءاً للحمل أيضاً, تقول مجلة Medicine Digest عدد يناير 1981م: أن 78% من جميع حالات الحمل تسقط طبيعياً, وأن ما يقرب من 50 % يسقط قبل أن تعلم المرأة أنها حامل؛ ذلك لأن الرحم يلفظ الكرة الجرثومية بعد علوقها مباشرة, فتظن الأم أن الدم الذي جاءها في موعد الحيضة أو بعده بقليل هو دم الطمث الذي كانت تنتظره ولا تعلم أنه دم سقط(8).
"وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء" في ضوء الاكتشافات العلمية الحديثة:
من وسائل منع الحمل وسائل قديمة معروفة مثل العزل, ومنها وسائل حديثة مثل حبوب منع الحمل, واللولب الذي يدخل إلى الرحم، والموانع الميكانيكية لدى المرأة والرجل, والمراهم واللبوس المهبلي (التحاميل), وأخيراً عملية التعقيم بقطع قناتي الرحم وربطهما حتى لا تتمكن الحيوانات المنوية من الوصول إلى البويضة.
يقول كتاب تنظيم الحمل Humamnferliliy control عن العزل أنها وسيلة شائعة منذ أقدم العصور, ويقول المؤلفان: «إن نسبة الفشل بهذه الطريقة تبلغ 22%»(9).
يقول الدكتور محمد علي البار: «ونحن نعلم الآن أن لكل وسيلة من وسائل منع الحمل نسبة تفشل فيها, فرغم هذه الموانع يحصل الحمل إذا قدر الله ذلك, بل لقد جاءتني إحدى المريضات وأخبرتني أنها أجرت عملية تعقيم بقطع قناتي الرحم وربطهما في لندن, ثم لم تلبث بضعة أشهر إلا وهي حامل, وذلك مقرر في الكتب والمجلات الطبية. وتصل نسبة فشل هذه العملية 55 % إذا كانت العملية عن طريق المهبل, ولكنها تهبط إلى واحد بالمائة إذا أجريت العملية عن طريق فتح البطن وبواسطة جراح ماهر. وسجل كثير من الباحثين نسبة فشل تصل إلى 3.7 % مع جراحين مهرة, بل لقد سجلت حالة حمل بعد عملية استئصال للرحم، وعليه فإن الحديث النبوي الشريف إعجاز كامل في تقرير هذه الحقيقة العلمية»(10).
وجه الإعجاز:
الحديث النبوي "ما من كل الماء يكون الولد" صريح في أنه ليس من كل الماء (المني) يكون الولد, وإنما من جزء يسير منه, وأنى لمن عاش قبل أربعة عشر قرناً أن يعلم هذه الحقيقة التي لم تعرف إلا في القرن العشرين إذا لم يكن علمه قد جاء من لدن العليم الخبير, وقد دلت على معنى هذا الحديث آية قرآنية كريمة, قال تعالى: ?وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ?[المؤمنون: 12], والسلالة من معانيها الخلاصة التي يتم استخلاصها من الشيء(11), فالمني حصلت له عملية استخلاص, فمن 200-300 مليون منوي لم يلقح البييضة إلا منوي واحد, وهذا متطابق مع ما اكتشفه العلم الحديث.
وأما الشق الآخر للحديث "وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء" فهو إعجاز واضح جلي لا يتصوره إلا من درس وسائل منع الحمل ونسبة النجاح فيها, فقد أثبتت الدراسات الحديثة أن كل الموانع الموجودة في عصرنا ليست ناجحة 100%, وأنه توجد معها حالات حمل بنسب متفاوتة.
هذه الإشارات النبوية الرائعة والتي كانت بكل تأكيد غيباً لا يستطيع أحد أن يراه أو يحسه في العصور الأولى، فأكثر ما كان يعرفه الإنسان في عصر النبوة الأول عن الحمل والولادة، ما هو ظاهر منه يروه بأعينهم ويلمسوه بأيدهم, ولم يكن أحد منهم يعرف كيف تتم عملية التلقيح والإخصاب, كل هذا يشهد بأن كل ما كان يخبر به النبي r إنما هو وحي أوحاه إليه الخالق العليم.
السواك بين الشريعة والطب
مقدمة:
اهتم الدين الإسلامي بالنظافة والجمال اهتماماً بالغاً, حتى قال النبي r: "إن الله جميل يحب الجمال"(1), فشرعت كثير من الأحكام التي تحافظ على نظافة الفرد والمجتمع.
ومن تلك الأحكام المحافظة على نظافة الفم والأسنان من خلال بعض الممارسات الشرعية, ومنها استخدام السواك (عود الأراك), وقد جاءت مجموعة من الأحاديث التي تندب إلى استخدام السواك في مناسبات متعددة ومستمرة.
وقد كشف العلم اليوم عن فائدة هذا السواك (عود الأراك), وما له من مزايا وخصائص يتفوق بها على كل الأدوات المستخدمة اليوم في تنظيف الفم والأسنان, ومن هنا يتجلى وجه الإعجاز في الأمر باستخدام هذا العود العجيب, ومن خلال هذا البحث سنتحدث عن شيء من هذه الفوائد التي كشفت عنها الأبحاث الجديدة في هذا المجال.
السواك في الشريعة الإسلامية:

السواك في اللغة مأخوذ من ساك الشيء سوكاً بمعنى دلكه, والسِّواك ما يُدْلَكُ به الفم من العيدان, والسِّواكُ كالمِسْواك, والجمع سُوُكٌ(2).
وفي الشرع: استعمال عود أو نحوه في الأسنان لتذهب الصفرة وغيرها عنها(3).
وهو سنة مؤكدة عن النبي r, فعن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب عليّ"(4), ولذلك كان يكثر النبي r من الحث عليه, فعن أنس t قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكثرت عليكم في السواك"(5), والسواك من سنن الفطرة, والفطرة هي ما جبل عليه الإنسان في أصل خلقته, فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عشر من الفطرة: قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظفار وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء", قال زكريا: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة(6).
والسواك يرضي الرب سبحانه وتعالى ويطهر الفم, فعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب"(7), وهو من سنن الوضوء, قال أبو هريرة t عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء"(8), ويستحب عند القيام للصلاة, فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة"(9), وهو من الوظائف المستحبة في يوم الجمعة, فعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "غسل يوم الجمعة على كل محتلم, وسواك, ويمس من الطيب ما قدر عليه"(10).
ويتأكد أيضاً عند الاستيقاظ من النوم, وفي القيام لصلاة الليل, فعن ابن عمر رضي الله عنهما: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا ينام إلا والسواك عنده, فإذا استيقظ بدأ بالسواك"(11), وعن حذيفة t قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك"(12), وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بت عند خالتي ميمونة فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد, فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى السماء فقال: ?إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ? [آل عمران: 190], ثم قام فتوضأ واستن فصلى إحدى عشرة ركعة, ثم أذن بلال فصلى ركعتين ثم خرج فصلى الصبح.(13), ولذلك كان أهله يحرصون على وضع السواك قريباً من الماء الذي يتوضأ به, فعن عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوضع له وضوءه وسواكه فإذا قام من الليل تخلى ثم استاك"(14), يقول النووي: «فيه استحباب السواك عند القيام من النوم»(15).
ويستحب عند قراءة القرآن الكريم, فعن سمرة t قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طيبوا أفواهكم بالسواك فإنها طرق القرآن"(16), وعن علي رضي الله عنه أنه أمر بالسواك وقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن العبد إذا تسوك ثم قام يصلي قام الملك خلفه فتسمع لقراءته فيدنو منه أو كلمة نحوها, حتى يضع فاه على فيه فما يخرج من فيه شيء من القرآن إلا صار في جوف الملك فطهروا أفواهكم للقرآن"(17).
وكان أول ما يبدأ به النبي r عند دخوله إلى البيت هو السواك, فعن عائشة رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك"(18), وفي هذا الحديث يقول النووي: «فيه بيان فضيلة السواك في جميع الأوقات وشدة الاهتمام به وتكراره والله أعلم»(19).
وكان آخر ما ختم به النبي r حياته هو السواك, عن عائشة رضي الله عنها قالت: "دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا مسندته إلى صدري ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به, فأبدّه رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره, فأخذت السواك فقضمته ونفضته وطيبته ثم دفعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فاستن به, فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استن استناناً قط أحسن منه, فما عدا أن فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يده أو إصبعه ثم قال: "في الرفيق الأعلى" ثلاثا ثم قضى, وكانت تقول مات بين حاقنتي وذاقنتي"(20) .
يقول النووي: «والمستحب أن يستاك بعود متوسط لا شديد اليبس يجرح, ولا رطب لا يزيل, ويستحب أن يمر السواك أيضاً على طرف أسنانه وكراسي أضراسه وسقف حلقه إمراراً لطيفاً ويستحب أن يبدأ في سواكه بالجانب الأيمن من فيه»(21).
ويستحب غسل السواك بعد استخدامه, فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يستاك فيعطيني السواك لأغسله فأبدأ به فأستاك ثم أغسله وأدفعه إليه"(22).
ووردت أحاديث أخرى تدل على تسويك اللسان, فعن أبي بردة عن أبيه قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فوجدته يستن بسواك بيده يقول أع أع والسواك في فيه كأنه يتهوع"(23), وعن أبي موسى قال: "دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وطرف السواك على لسانه"(24), يقول ابن حجر: «جعل السواك على طرف لسانه كما عند مسلم والمراد طرفه الداخل كما عند أحمد يستن إلى فوق, ولهذا قال هنا كأنه يتهوع, والتهوع التقيؤ, أي له صوت كصوت المتقيء على سبيل المبالغة, ويستفاد منه مشروعية السواك على اللسان طولاً, أما الأسنان فالأحب فيها أن تكون عرضاً, وفيه حديث مرسل عند أبي داود وله شاهد موصول عند العقيلي في الضعفاء, وفيه تأكيد السواك وأنه لا يختص بالأسنان»(25), ومن هنا ظهر معنى قوله على طرف لسانه أنه الطرف الداخلي؛ لأن هذا الجزء إن وضعت عليه شيئاً دفعك إلى الميل للتقيؤ, وهذا ما حدث مع رسول الله في قوله: "أع أع"(26).
السواك (عود الأراك) والأبحاث العلمية الجديدة:

لقد أثبتت الأبحاث وجود ما لا يقل عن 182 نبتة أو شجرة مختلفة الفصائل والتي تستخدم أعوادها لتحضير السواك, من هذه الأشجار يوجد ما لا يقل عن 158 نبتة في قارة أفريقيا وحدها, وأشهر هذه الأشجار على الإطلاق وأكثرها شيوعاً واستخداماً هي شجرة الأراك.(27), واسمها العلمي هو السلفادورا برسيكا, وهي تنمو في مناطق عديدة حول مكة وفي المدينة المنورة وفي اليمن وفي أفريقيا, وهي شجرة قصيرة، لا يزيد قطر جذعها عن قدم، أطرافها مغزلية، أوراقها لامعة, جذوعها مجعدة, ولونها بني فاتح, والجزء المستعمل هو لب الجذور, ولاستعماله تجفف ثم يحفظ في مكان بعيد عن الرطوبة, وقبل استعماله يدق بواسطة آلة حادة ثم يبدأ في استعماله, وإذا كان جافاً يغمس في الماء ثم تسوك به الأسنان, ويظل استعماله هكذا حتى إذا ضعفت وتآكلت يوقف استعماله ثم يقطع هذا الجزء ويستعمل جزء آخر وهكذا(28).
ويؤكد الباحثون أنه عند وضع عود أراك وفحص قطاع عرضي منه -وذلك بعد غليه ونقعه في مزيج يتألف من مقادير متساوية من الماء والكحول والجلسرين- إذ يلحظ الباحثون أن ثمة ثلاث طبقات متعاقبة:
1 – طبقة خارجية وهي عبارة عن نسيج فليني.
2 – طبقة وسطى وهي عبارة عن نسيج خشبي، وهما يشكلان الجزء الخارجي الذي يحمي الطبقة الثالثة.
3 – طبقة داخلية وهي عبارة عن ألياف سليلوزية رائعة البناء, فالألياف هنا تترتب وفق نظام دقيق في حزم متراصة بجوار بعضها أشبه ما يكون بفصوص ثمرة الليمون, تنطوي كل حزمة على عشرات الليفات الدقيقة لتكون معاً أكمل فرشاة طبيعية لدرء الخطر المحدق بالأسنان(29).
والفم هو المدخل الرئيسي لأعضاء الجسم الداخلية، ويمكن إدراك المخاطر التي يمكن أن تصيب هذه الأجهزة سواءاً الجهاز التنفسي العلوي أو الرئتان أو الجهاز الهضمي إذا ما أصيب الفم، وعلاوة على ذلك فإن الجهاز العصبي المتصل بالأسنان وبمنطقة الوجه يمثل خطورة كبيرة على الإنسان إذا هو أقرب المناطق إلى الجهاز العصبي المركزي الرئيسي –المخ- لذا كانت آلامه لا تحتمل, من هنا تتضح الأهمية القصوى لاهتمام الرسول r بتنظيف الفم والعناية به(30).
وقد ثبت تكون لويحة جرثومية (Bacterial plaque) تلتصق بالأسنان في غلالة رقيقة من اللعاب التي تسبح فيه، وهذه اللويحة أو الطبقة تتكون سريعاً حتى بعد تلميع الأسنان في أقل من ساعة، ويزداد سمكها ويحدث فيها ترسبات رخوة كلما تركت من غير إزالة، وقد ثبت أن هذه اللويحة الجرثومية التي تتكون على الأسنان هي المسئولة عن أمراض اللثة ونخر الأسنان، لما تحويه من عدد هائل من الجراثيم؛ إذ يصل عددها داخل هذه اللويحة إلى حوالي مائة بليون جرثومة في الجرام الواحد، وهذا يوضح لنا حكمة حث النبي صلى الله عليه وسلم أمته على دوام استعمال السواك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيحين إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك، لأن ركود اللعاب أثناء النوم، أحد العوامل التي تشجع تكاثر الجراثيم وازدياد ترسباتها في هذه اللويحة, كما أن هذه اللويحة ليس لها علاقة بالأكل وفضلات الطعام فهي دائمة التكوين، لذا نفهم الحكمة من ترغيب النبي صلى الله عليه وسلم وحضّه على السواك وملازمته له حتى أثناء الصيام(31).
وهذه اللويحة الجرثومية (طبقة البلاك) في أفواهنا تشتمل على أعداد ميكروبية هائلة تقدر بنحو 300 مليون خلية في كل ملليجرام, وبالتالي فإنها تعتبر خطراً حقيقياً يزحف على الأسنان, فثمة سلالات بكتيرية من أمثال الاستربتوكوكس واللاكتوباسلس ونحوها لا تزال تطلق أنزيماتها المحللة للبقايا السكرية حتى تحولها إلى سكريات أبسط كالجلوكوز ثم تمضي عاملة عليها بغية تحويلها إلى أحماض عضوية كاللاكتيك والبيروفيك والخليك والبروبيونيك. ولا يخفى ما لهذه الأحماض من قدرة على إذابة الجزء الصلب الملاصق لمينا الأسنان محدثة فجوة تسويس الحامض, وعندها يبدأ سطح السن في التآكل ممهداً لدخول موجات جديدة من البكتريا المحللة إلى أعماق أبدع حتى يصل الهدم إلى منتهاه. إذاً فميكانيكية التسوس تكمن في تكون البلاك, وبدون البلاك لا يحدث تسوس وعند الرغبة في القضاء على التسوس يجب القضاء على البلاك.
إن اللويحة الجرثومية (طبقة البلاك) هي التي تحتضن ملايين الميكروبات -إن هي أهملت ولم تطرح عاجلاً– فإن ميكروباتها تقتنص الفرصة ولا تزال تتآزر بل تتآمر مع فضلات الطعام التي تنتشر هنا وهناك على سطوح الأسنان حتى تفرخ المؤامرة التهاباً في اللثة, وهذه المواد السامة الناتجة عن الالتهابات لا تلبث أن تقوم بتفتيت الأنسجة الليفية الضامة في اللثة حول الأسنان مكونة بؤراً صديدية عفنة تحت اللثة وفيما بين العظام وجذور الأسنان. وهنا تحدث الكارثة فلا تزال تلك البؤر الصديدية تمتلئ بخليط من صديد ممزوج بخلايا ميتة وميكروبات وفضلات طعام حتى تصاب اللثة باليوريا وتغدو الأسنان عرضة للسقوط. وإن بكتريا البؤرة الصديدية وسمومها كثيراً ما تتسرب – عبر الدماء– إلى أجهزة الجسم والأعضاء فتصيبها في الصميم. وهناك تقارير علمية حديثة تفيد أن أنواعاً من الجراثيم الفموية مثل بكتريا (بورفيروموناز جينجيا فالس) تستطيع التسرب إلى الشرايين القلبية وإحداث عطب بجدرانها على نحو يوفر الفرصة لانسدادها ولو بعد حين. وتفيد تقارير أخرى أن معظم المصابين بقرح المعدات يوجد بأفواههم عدد هائل من بكتريا (هليوكوباكتربيلوري) وهي نوع مشاغب يستطيع التسرب إلى المعدة والتشبث بجدرانها وإحداث ثقوب دقيقة فيها تتسع شيئاً فشيئاً حتى تتقرح المعدات. بالإضافة إلى تقارير أخرى تفيد أن خطر البكتريا الفموية يمكن أن يبلغ الدماغ حيث تنتج إنزيمات تزيد من تراكم الدهنيات بشرايين الرقبة السباتية حتى يقل الإرواء الدموي للخلايا المخية مما يهدد بكارثة في المخ توشك على الوقوع. ليس هذا فحسب فخطر البكتريا الفموية يمكن أن يمتد إلى العيون والرئتين والى المرارة والجلد والكليتين وإلى مفاصل البدن أيضاً, وتظل آثار البؤرة الصديدية تمتد إلى أجزاء الجسم المختلفة، على أن هذا كله يمكن حظره إذا أزيلت طبقة البلاك التي هي السبب الرئيسي لكل ذلك وبالتالي منع لائحة الأمراض السابق ذكرها من الحدوث(32).
وللسواك فوائد طبية كثيرة للفم والأسنان؛ حيث يحتوي على مادة مضادة للجراثيم شبيهة بالبنسلين؛ وهي ذات تأثير شديد في القضاء على الجراثيم، وثبت بالبحث أنه يقضي على خمسة أنواع على الأقل من الجراثيم الممرضة والموجودة بالفم أهمها البكتريا السبحية (Streptococci) والتي تسبب بعض أنواع الحمى الروماتزمية، وقد أثبت ذلك الباحثان (براون وجاكوب) عام 1979 م. كما وجد في السواك مادة السيليس التي تجرف الفضلات، وتزيح القلح وتساعد على تلميع الأسنان، كما يتوافر فيه بكثرة حمض العفص (Tannic acid)؛ وهو قاتل للجراثيم ومطهر قوي ويشفي جروح اللثة والتهاباتها. وقد وجد به أيضا مادة من مركب أميني (Trimethyl Amine)؛ وهي تخفض من الأس الأيدروجيني للفم -وهو أحد العوامل المهمة لنمو الجراثيم-؛ وبالسواك تقل فرصة نمو هذه الجراثيم الموجودة بأعداد هائلة(33).
وقد أجريت دراسة سريرية على مستعملي السواك، ثبت خلالها أن السواك يزيل اللويحة الجرثومية قبل عتوها وتأثيرها على الأنسجة، وتكرار السواك يومياً إلى قبل الصلاة يوصل إلى درجة عالية من نظافة الفم، وأن التهابات اللثة التي كانت موجودة قبل البحث قد تحسنت، وأوصى الباحثون باستخدام السواك الدائم للوقاية من أمراض الفم والأسنان(34).
وفي البحث العلمي الذي أجراه الدكتور مشاري بن فرج العتيبي, وبعد مقارنة تأثير سواك أعواد الأراك مع فرشاة الأسنان فيما يخص صحة اللثة والقدرة على إزالة طبقات اللويحة السنية المتواجدة في الشق اللثوي وعلى أسطح الأسنان فقد ظهرت النتائج التالية:
· وجد أن انخفاض معدلات ومستويات تواجد اللويحة السنية (Dental plaque), والتي كانت في مرحلة استخدام السواك (عود الأراك) كانت أعلى مما وجد خلال مرحلة فرشاة الأسنان.
· كذلك فقد وجد أن انخفاض معدلات ومستويات المقاييس الخاصة بصحة اللثة (Gingivalinflamations), والتي كانت في مرحلة استعمال السواك كانت تفوق ما وجد خلال مرحلة استعمال فرشاة الأسنان, ولقد كان ذلك الانخفاض واضحاً وبفارق كبير لصالح السواك.
وفي هذا البحث قام الدكتور مشاري أيضاً بدراسة مقارنة حول تأثير استخدام السواك (عود الأراك) وفرشاة الأسنان على عدد من أنواع البكتيريا الفموية المتواجدة ضمن اللويحة اللثوية بالشق اللثوي, وباستخدام تقنية الحامض النووي الوراثي تمت دراسة مدى تأثير استخدام السواك (عود الأراك) على مستويات البكتيريا الفموية وللمرة الأولى على مستوى العالم, ولقد لوحظ أنه بعد نهاية مرحلة استخدام السواك كان المشاركون يحملون عدداً أقل من البكتيريا المسماة Actinomycetemcomitan)ِِActinobacillus ) واختصارها (A.a) إذا ما قورن بالعدد قبل بداية هذه المرحلة, ووجد أن الفارق هنا يعتبر فارقاً إحصائياً حقيقياً (P<0.05). وهذه النتيجة تؤكد أن استخدام أعواد السواك تقلل من تواجد هذا النوع من البكتيريا الفموية (A.a) والتي تعتبر من أشرس أنواع الميكروبات, والسبب الرئيسي لعدد كبير من أمراض اللثة والعظم المحيط بها.(35)
ولقد أثبتت النتائج أن لخلاصة السواك (عود الأراك) تأثيراً قاتلاً على البكتيريا الفموية المسماة Actinomycetemcomitan)ِِActinobacillus ) واختصارها (A.a), ويقول الدكتور مشاري بن فرج: «وهذه المعلومة تسجل للمرة الأولى على مستوى المعرفة الطبية, وهذا يعتبر حقاً نطالب بحفظه في المحافل العالمية, ففي الصحن المحتوي على تلك البكتيريا نجد أن نمو هذه البكتيريا يتوقف كلياً إذا أصبح على بعد 10ملم من قطعة عود الأراك المغروسة في منتصف الوسط الحاوي للبكتيريا النامية, وهذا يعني أن نمو هذه البكتيريا قد تأثر بوجود عود الأراك الذي أبطل نموها, أو استطاع أن يعطل عملية النمو التي تقوم بها هذه البكتيريا في الظروف الملائمة لذلك»(36).
وأثبتت التجارب المخبرية قدرة خلاصة السواك (عود الأراك) على حماية الخلايا الإنسانية المناعية (Monocytes) من الموت, فيما لو تم تعريضها إلى سموم أشرس أنواع البكتيريا الفموية (A.a). ففي هذه التجربة تم تعريض الخلايا البشرية المناعية إلى سموم هذه البكتيريا مرة بدون إضافة أي مادة أخرى, ومرة أخرى في وجود خلاصة سواك عود الأراك 80% لمدة 60 دقيقة, ولقد تم قراءة مؤثرات السموم عن طريق دراسة إفرازات إنزيم اللاكتيت ديهايدروجينيز (LDH- activity) الذي يفرز من الخلايا الانسانية الميتة, ومن هذه التجربة نلاحظ أن وجود عصارة مسواك عود الأراك كان لها تأثير قوي جداً في حماية الخلايا البشرية عند تعريضها لسموم البكتيريا من الموت المحقق الذي كان ظاهراً من خلال التجربة حينما وضعت الخلايا مع السموم لوحدها وكان مصيرها الموت, وبهذا فإننا نرى أنها تعمل كالجهاز المناعي, وتعمل على تقوية قدرة هذه الخلايا على التغلب على السموم التي تعترضها. وهذا يعتبر مفتاحاً جديداً للعديد من أبواب البحث والتقصي لتبيان السبب الحقيقي وراء هذا التأثير(37).
و أكد د. طارق الخوري احتواء السواك على الكلورايد مع السيليكا, وهي مواد تزيد بياض الأسنان، وعلى وجود مادة صمغية تغطي الميناء وتحمي الأسنان من التسوس، كما إن احتواءه على الفيتامين ج وتراي ميثيل أمين يعمل على التئام جروح اللثة وعلى نموها السليم، كما تبين وجود مادة كبريتية تمنع التسوس(38).
ومادة التراي ميثيل أمين تخفض من الأس الايدروجيني للفم -وهو أحد العوامل الهامة لنمو الجراثيم-, وبالتالي فإن فرصة نمو هذه الجراثيم تكون قليلة.
والسواك يحتوي على فيتامين ج ومادة السيتوستيرول، والمادتان من الأهمية بمكان كبير في تقوية الشعيرات الدموية المغذية للثة، وبذلك يتوفر وصول الدم إليها بالكمية الكافية، علاوة على أهمية فيتامين ج في حماية اللثة من الالتهابات. ويحتوي السواك على مادة راتنجية تزيد من قوة اللثة(39).
وقد قام نخبة من أكبر علماء طب الأسنان في العالم بإجراء بحوث وتجارب كلفت أموالاً طائلة -ولا تزال- حينما حاولوا استخلاص تلك المواد الفعالة الموجودة في السواك ووضعوها في معجون أسنان يسمى Qualimeswaks أنتجته الشركة العالمية السويسرية (فارما بازل ليمتد) وطرح في الأسواق ولكن وجدوا أنه لا يقوم بنفس ما يقوم به عود الأراك, ويرجع السبب في ذلك إلى عدة أمور, فإلى جانب ثراء عود الأراك بالمكونات الكيميائية فهو يحتوي على عناصر أخرى لا تظهر إلا بعد التفاعل مع لعاب الفم, وكانت المفاجأة حين عثروا في اللعاب على مركبات جديدة لم يسبق التعرف عليها في خلاصة الأراك المعملية, وبعد تجارب تحليلية دقيقة توصلوا إلى أن هذه المركبات الجديدة هي في الأصل من مكونات الأراك الطبيعية ولكنها مقيدة بمركبات أخرى, فلا يظهر تأثيرها إلا بفعل إنزيمات اللعاب حتى تصول وتجول بين جحافل البكتريا الفموية الضارة فيمكنها القضاء على 97% من أفراد الميكروبات في زمن محدود. علاوة على الدور العكسي الذي تحدثه إنزيمات اللعاب صوناً للمادة الفعالة الزائدة من الضياع, فإذا زادت عن حاجة الفم وما أن تغيرت حموضة الفم بفعل نشاط الميكروبات حتى ينقلب الحال فتنشط إنزيمات اللعاب ويتحرر جزء من المادة الفعالة التي سرعان ما تبيد البكتريا الضارة بحكمة واقتدار.
أضف إلى ذلك القوة الحيوية الثلاثية التي يتميز بها عود الأراك, وهي قوى ميكانيكية وكيميائية وحيوية, فقد أثبتت تجارب وأبحاث أن الأفواه وثنايا الضروس تعتبر محاضن مثالية لنمو وتكاثر الميكروبات, فعندما ابتكروا معاجين أسنان مزودة بمواد مطهرة ومانعة للعفونة وصنوفاً من المضادات الحيوية قاتلة للميكروبات لم تلبث أن عارضها أطباء الأسنان بعد أن كشفوا عن مسئوليتها المباشرة للإخلال بالتوازن الطبيعي الدقيق, أو بمعنى آخر أن هذه المواد لها آثار جانبية. أما عود الأراك فيمكنه القيام بكل تلك الوظائف وغيرها دون الإخلال بالتوازن الطبيعي لجسم الإنسان بل بالعكس فهو يساعد الجسم على الوصول إلى أفضل درجات التوازن الطبيعي الممكنة. أضف إلى ذلك حالات تسمم الأطفال الأمريكان الناتجة عن بلع مادة الفلورايد الموجودة في المعجون(40).
تسويك اللسان:
يلاحظ بالعين المجردة أن اللسان بكامل سطحه العلوي به شقوق واضحة غائرة, ولا شك أن هذه الشقوق يلتصق بها الكثير من بقايا فتات الطعام والشراب الدقيقة مما ينتج عنه بعد ذلك تعفنها وخروج رائحة كريهة.
وقد ثبت علمياً أن اللسان أخصب مكان في الفم لنمو شتى أنواع البكتريا الضارة من جراء هذا التعفن, لاسيما المنطقة الخلفية (قاعدة اللسان)؛ لأن المنطقة الأمامية من اللسان تحتكّ دائماً بالأسنان وسقف الفم مما يعمل على تنظيفها من هذه البكتريا بصفة دائمة, كما أن شقوق الحليمات الذوقية التي تغلفها تعتبر أقل غوراً وأقل تجعداً, بعكس المنطقة الخلفية (قاعدة اللسان) التي تفتقد لهذا, فشقوقها أكثر غوراً وتجعداً, ولا شك أن هذه البكتريا الضارة تندفع إلى داخل جسم الإنسان مع أي وجبة قادمة وقد تسبب هذه البكتريا بعض التقرحات للسان.
أما كيفية تنظيف اللسان فقد ورد في موقع .animated-teeth.com وهو أحد المواقع العلمية المتخصصة في أمراض الفم والأسنان قولهم حول أفضل الطرق لتنظيف وصيانة الفم والأسنان:
«هناك طرق متعددة يمكن من خلالها تنظيف المنطقة الخلفية للسان, لكن كل منها لها نفس الهدف، وهو قشط البكتيريا والأوساخ التي تجمعت على سطح اللسان. عندما تنظف لسانك، ليست المشكلة في الطريقة التي اخترت استعمالها ولكن يجب عليك أن تحاول تنظيف المنطقة الخلفية البعيدة في لسانك. لا تتفاجأ إذا وجدت شعوراً بالغثيان (رغبة في التقيؤ)، إن شعورك بالغثيان هو رد فعل طبيعي سوف يزول مع الوقت»(41).

وجه الإعجاز:
لقد جاء الإسلام ليعلم الناس طرقاً معقولة لتنظيف أفواههم, وذلك في وقت كانوا فيه يستخدمون أساليب علاوة على قذاراتها، فإنها تلوث الأسنان وقد تضر بها.
فمنذ عهد الرومان وحتى العصور الوسطى انتشرت عادة المضمضة بالبول، حيث كانت نبيلات الرومان يفضلن البول الآتي من أسبانيا، فإن لم يتيسر استعضن عنه ببول الثيران, وقد كان ذلك شائعاً حتى القرن السادس عشر(42).
وكان بعض الأطباء في أوربا يوصون بمضغ قلب حية أو ثعبان أو فأرة مرة كل شهر من أجل نقاء أسنانهم(43).
وفي هذه الأجواء جاء الإسلام ليأمر أتباعه بمجموعة من الوصايا تفوق كل ما توصل إليه الطب الحديث من أمور للوقاية من نخر الأسنان والمحافظة على صحة الفم ونظافته، فأنّى للّويحة السنية التي تسبب نخر الأسنان وتقيحات اللثة أن تتشكل لدى مسلم يلتزم بالسِّواك عند وضوئه وصلاته، وعند قيامه من النوم، وبعد طعامه.
وكشف العلم أن أهم أوقات السواك هو عند الاستيقاظ من النوم؛ لأن بعض النخرات تحدث في الفم خلال النوم، كما تترسب بعض المركبات من اللعاب محدثة القلح على الأسنان بسبب ركودة اللعاب أثناء النوم، لذا رأينا أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل ليتهجد يشوص فاه بالسواك(44).
وقد جاء في الأحاديث العديد من المناسبات التي كان الرسول r يستخدم فيها السواك, وهي حالات مستمرة ودائمة طوال اليوم والليلة, وهذا يتناسب مع التراكم المستمر للويحة السنية (طبقة البلاك), وبالتالي فإن الأسنان تحتاج إلى تنظيف مستمر.
وإن تعاليم الإسلام وتوجيهات رسول الله r في استعمال السواك تماثل تماماً ما ترنو إليه مهنة طب الأسنان الحديثة، ألا وهو ضرورة إزالة اللويحة الجرثومية وهي بكر قبل نضوجها وازدياد عتوها على الأنسجة الرخوة والصلبة.
وقد أكد العلم الحديث فاعلية سواك الأراك في القضاء على الجراثيم والبكتيريا التي تسبب التسوس وأمراض اللثة، كما قال الدكتور كينت كيوديل أمام المؤتمر الثاني والخمسين للجمعية الدولية لأبحاث الأسنان في أتلانتا الأمريكية: «أنه لوحظ أن الذين يستعملون السواك يتمتعون بأسنان سليمة، وأن بعض الشركات في بريطانيا والهند تصنع معاجين تدخل بها مواد مأخوذة من السواك»(45).
ومن خلال المقارنة بين السواك وبين الفرشاة والمعجون يتضح لنا أن للسواك فوائد صحية للفم والأسنان تفوق ما استحدث من أدوات وأدوية تستعمل في نظافة الفم والأسنان.
وكان النبي r يستخدم السواك على لسانه, وهذا يتطابق تماماً مع الإرشادات الطبية والتي تؤكد ضرورة تنظيف اللسان.
إن هذا كله يشهد بأن ما جاء به رسول الله r من أفعال وأحكام وتوجيهات إنما هي تشريعات إلهية أوحاها إليه العليم الحكيم, وهي أحكام نافعة محاطة بالحكمة, قال تعالى: ?وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ?[الحشر: 7].


الإعجاز العلمي في النهي عن الشرب واقفاً

مقدمة:
لقد أنعم الله تعالى على البشرية بالدين الإسلامي الحنيف, وأرسل رسوله محمد r هادياً ومعلماً، فكان الإسلام هو الدين الوحيد الذي جمع بين الدنيا والآخرة على أكمل الوجوه، واهتم الإسلام بالروح والجسد ولم يفضل واحداً على الآخر، فجاءت أحكامه كالعلاج الشافي المتكامل، وبذلك يعيش المسلم في حياة قوامها التوازن بين روحه وجسده.
ولا يتسع المجال هنا لحصر الأمثلة على ذلك, ولكننا سنتناول جانباً من الجوانب التي تتعلق بصحة الجهاز الهضمي لدى الإنسان, وذلك من خلال الأحاديث النبوية الواردة في النهي عن الأكل والشرب واقفاً, وقد جاءت المعارف العلمية الحديثة لتثبت الفائدة الصحية من هذا التوجيه النبوي العظيم.
الأحاديث النبوية الواردة في الأكل والشرب واقفاً:
جاءت مجموعة من الأحاديث النبوية في الأكل والشرب واقفاً, وبعض هذه الأحاديث تنهى عن الشرب والأكل واقفاً, وبعض هذه الأحاديث تدل على جواز هذا الأمر, وسنعرض هذه الأحاديث, ونذكر أقوال العلماء المسلمين في الجمع بين هذه الأحاديث النبوية.
أولاً: الأحاديث الواردة في النهي عن الشرب والأكل واقفاً:
عن قتادة عن أنس t عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه نهى أن يشرب الرجل قائماً", قال قتادة: فقلنا: فالأكل؟, فقال: ذاك أشر أو أخبث.(1), وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر عن الشرب قائما"(2), وعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يشربن أحد منكم قائماً, فمن نسي فليستقيء"(3), وعن أبي هريرة t عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل رآه يشرب قائماً: "قئ", قال:لم, قال: "أتحب أن تشرب مع الهر", قال: لا, قال: "فقد شرب معك شر منه, الشيطان"(4).
ثانياً: الأحاديث الواردة في جواز الشرب والأكل قائماً:
عن النزال قال: أتي علي رضي الله عنه على باب الرحبة بماء فشرب قائماً, فقال: إن ناساً يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم, وإني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فعل كما رأيتموني فعلت.(5), وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "شرب النبي صلى الله عليه وسلم قائماً من زمزم"(6), وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا نأكل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام.(7), وفي رواية أخرى: كنا نشرب ونحن قيام ونأكل ونحن نسعى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم(8).
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب قائماً وقاعداً"(9), وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب قائماً وقاعداً, ويصلي حافياً ومنتعلاً, وينصرف عن يمينه وعن شماله"(10)وعن أم سليم رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب من فم قربة قائماً"(11).
أقوال العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث:
ترددت أقوال العلماء في هذه الأحاديث, فمنهم من قال بالترجيح, ومنهم من قال بالجمع بين هذه الأحاديث, وهذا هو الطريق الأمثل, ومنهم من قال بالنسخ, فجعل أحاديث الجواز ناسخة لأحاديث النهي, وهذا بعيد, يقول النووي رحمه الله: «هذه الأحاديث أشكل معناها على بعض العلماء حتى قال فيها أقوالاً باطلة وزاد حتى تجاسر ورام أن يضعف بعضها وادعى فيها دعاوى باطلة لا غرض لنا في ذكرها, وليس في هذه الأحاديث بحمد الله تعالى إشكال ولا فيها ضعف بل كلها صحيحة, والصواب فيها أن النهي فيها محمول على كراهة التنزيه, وأما شربه صلى الله عليه وسلم قائماً فبيان للجواز فلا إشكال ولا تعارض, وهذا الذي ذكرناه يتعين المصير إليه, وأما من زعم نسخاً أو غيره فقد غلط غلطاً فاحشاً, وكيف يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع بين الأحاديث لو ثبت التاريخ وأنى له بذلك والله أعلم, فإن قيل كيف يكون الشرب قائماً مكروهاً وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم, فالجواب: أن فعله صلى الله عليه وسلم إذا كان بياناً للجواز لا يكون مكروهاً بل البيان واجب عليه صلى الله عليه وسلم. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "فمن نسي فليستقيء" فمحمول على الاستحباب والندب, فيستحب لمن شرب قائماً أن يتقيأه لهذا الحديث الصحيح الصريح؛ فإن الأمر إذا تعذر حمله على الوجوب حمل على الاستحباب»(12), ويقول ابن حجر رحمه الله: «ثبت الشرب قائماً عن عمر أخرجه الطبري, وفي الموطأ أن عمر وعثمان وعلياً كانوا يشربون قياماً, وكان سعد وعائشة لا يرون بذلك بأساً, وثبتت الرخصة عن جماعة من التابعين, وسلك العلماء في ذلك مسالك: أحدها الترجيح وأن أحاديث الجواز أثبت من أحاديث النهي, وهذه طريقة أبي بكر الأثرم, المسلك الثاني دعوى النسخ وإليها جنح الأثرم وابن شاهين فقررا على أن أحاديث النهي على تقدير ثبوتها منسوخة بأحاديث الجواز بقرينة عمل الخلفاء الراشدين ومعظم الصحابة والتابعين بالجواز, وقد عكس ذلك ابن حزم فادعى نسخ أحاديث الجواز بأحاديث النهي متمسكاً بأن الجواز على وفق الأصل وأحاديث النهي مقررة لحكم الشرع فمن ادعى الجواز بعد النهي فعليه البيان فإن النسخ لا يثبت بالاحتمال, وأجاب بعضهم بأن أحاديث الجواز متأخرة لما وقع منه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع, وإذا كان ذلك الأخير من فعله صلى الله عليه وسلم دل على الجواز, ويتأيد بفعل الخلفاء الراشدين بعده, المسلك الثالث الجمع بين الخبرين بضرب من التأويل, فقال أبو الفرج الثقفي في نصره الصحاح والمراد بالقيام هنا: المشي, يقال قام في الأمر إذا مشى فيه, وقمت في حاجتي إذا سعيت فيها وقضيتها, ومنه قوله تعالى: ?إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِما?[آل عمران: 75], أي مواظباً بالمشي عليه, وجنح الطحاوي إلى تأويل آخر وهو حمل النهي على من لم يسم عند شربه, وهذا أن سلم له في بعض ألفاظ الأحاديث لم يسلم له في بقيتها, وسلك آخرون في الجمع حمل أحاديث النهي على كراهة التنزيه وأحاديث الجواز على بيانه, وهي طريقة الخطابي وابن بطال في آخرين, وهذا أحسن المسالك وأسلمها وأبعدها من الاعتراض, وقد أشار الأثرم إلى ذلك أخيراً, فقال: إن ثبتت الكراهة حملت على الإرشاد والتأديب لا على التحريم, وبذلك جزم الطبري وأيده بأنه لو كان جائزاً ثم حرمه أو كان حراماً ثم جوزه لبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بياناً واضحاً, فلما تعارضت الأخبار بذلك جمعنا بينها بهذا, وقيل إن النهي عن ذلك إنما هو من جهة الطب مخافة وقوع ضرر به, فإن الشرب قاعداً أمكن وأبعد من الشرق وحصول الوجع في الكبد أو الحلق, وكل ذلك قد لا يأمن منه من شرب قائماً»(13).
الأكل والشرب قائماً من منظور علمي:
كشفت الأبحاث الطبية الحديثة عن بعض أضرار الأكل والشرب قائماً, يقول الدكتور عبد الرزاق الكيلاني: «إن الشرب وتناول الطعام جالساً أصح وأسلم وأهنأ وأمرأ؛ حيث تكون الأعضاء ساكنة, والمعدة مستريحة, فيسيل الماء من فمها على جدرانها بلطف وتؤدة, بينما إذا شرب واقفاً فإن الماء يتساقط من فمها إلى قعرها فيصدمه صدماً, وإذا استمر الحال على ذلك مدة طويلة فقد تسترخي المعدة وتهبط, فيسوء هضمها للطعام»(14).
ويرى الدكتور إبراهيم الراوي أن الإنسان في حالة الوقوف يكون متوتراً ويكون جهاز التوازن في مراكزه العصبية في حالة فعالية شديدة حتى يتمكن من السيطرة على جميع عضلات الجسم لتقوم بعملية التوازن والوقوف منتصباً, وهي عملية دقيقة ومعقدة يشترك فيها الجهاز العصبي والعضلي في آن واحد مما يجعل الإنسان غير قادر على تحصيل الطمأنينة العضوية التي تعتبر من أهم الشروط المرجوة عند الطعام والشراب، هذه الطمأنينة يحصل عليها الإنسان في حالة الجلوس حيث تكون الجملة العصبية والعضلية في حالة من الهدوء والاسترخاء وحيث تنشط الأحاسيس وتزداد قابلية الجهاز الهضمي لتقبل الطعام والشراب وتمثله بشكل صحيح.
ويؤكد د. الراوي أن الطعام والشراب قد يؤدي تناوله في حالة الوقوف –القيام- إلى إحداث انعكاسات عصبية شديدة تقوم بها نهايات العصب المبهم المنتشرة في بطانة المعدة، وإن هذه الانعكاسات إذا حصلت بشكل شديد ومفاجئ فقد تؤدي إلى انطلاق شرارة النهي العصبي الخطير inhibition vagal لتوجيه ضربتها القاضية للقلب، فيتوقف محدثاً الإغماء أو الموت المفاجئ.
كما أن الاستمرار على عادة الأكل والشرب واقفاً تعتبر خطرة على سلامة جدران المعدة وإمكانية حدوث تقرحات فيها, حيث لاحظ الأطباء الشعاعيون أن قرحات المعدة تكثر في المناطق التي تكون عرضة لصدمات اللقم الطعامية وجرعات الأشربة بنسبة تبلغ 95% من حالات الإصابة بالقرحة.
كما أن حالة عملية التوازن أثناء الوقوف ترافقها تشنجات عضلية في المريء تعيق مرور الطعام بسهولة إلى المعدة ومحدثة في بعض الأحيان آلاماً شديدة تضطرب معها وظيفة الجهاز الهضمي وتفقد صاحبها البهجة والاطمئنان عند تناوله لطعامه وشرابه(15).
وجه الإعجاز:
في توجيه نبوي رشيد جاء النهي عن الشرب والأكل واقفاً, وجاءت أحاديث أخرى لتدل على جواز ذلك عند الحاجة, فكان في هذا التوجيه سبق علمي, فهاهو العلم اليوم يطالعنا بالمشاكل الصحية التي تصاحب من يداوم على الأكل أو الشرب واقفاً, وأن هذه العادة من العادات الخاطئة والتي لا تتناسب مع القواعد الصحية.
فمن أين تأتى للنبي محمد صلى الله عليه وسلم أن يخبر بهذا الأمر العظيم في ذلك العصر قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام؟.
إن في هذا لدليلاً واضحاً على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم, وأن كل ما كان يخبر به إنما هو وحي من الخالق العليم, نزل به الروح الأمين على قلب خير المرسلين ليكون هادياً للعالمين.
الإعجاز الطبي في حديث: "قيلوا فإن الشيطان لا يقيل"
مقدمة:
يقول الحق تبارك وتعالى في كتابه الحكيم:?وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ?[الروم: 23], فالنوم آية من آيات الله في خلقه، وصفة أساسية من صفات الإنسان، وضرورة من ضرورات حياته، فكل إنسان ينام، لا يشذ عن ذلك أحد حتى الأنبياء والرسل، لا يستطيع الإنسان أن يمتنع عن النوم إلا في حدود زمنية محدودة لا يستطيع بعدها المقاومة، فيسقط نائماً مهما كانت المؤثرات من حوله.
ومن ذلك النوم في وسط النهار والذي يسمى القيلولة, والقيلولة وقفة قصيرة في مسير الحياة اليومية، ومحطة عابرة في صلب زحمتها وصخبها، أو قيظ حرها وسكونها, فترة يخلد فيها الإنسان إلى السكينة للاسترخاء والاستراحة، أو للتأمل والتفكير، أو لتفريغ شحنات الهواجس والقلق.
وتطالعنا كتب السنة النبوية بالعديد من الأحاديث التي تشير إلى أن القيلولة من العادات التي حافظ عليها رسول الله r وندب أصحابه وأمته إليها, بحيث أصبحت القيلولة جزءاً مهماً من حياة المسلمين إلى يومنا هذا.
وقد ظلت العديد من بلدان الشمال المصنعة تعتبر القيلولة مؤشراً على الكسل والخمول ودرجة الصفر في الكفاءة. لكنها أصبحت في السنين الأخيرة تقتنع بفوائدها وأهمية اعتمادها في مجتمعاتها, وذلك بعد ظهور العديد من الأبحاث التي تؤكد نفعها ومدى حاجة الجسم لها.
القيلولة من منظور إسلامي:
لقد مارس النبي r القيلولة بصورة مستمرة, والقيلولة هي الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن معها نوم(1), وقد جاءت العديد من الأحاديث التي تشير إلى ذلك, عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال حدثتني أم حرام: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (نام قليلاً نهاراً) يوماً في بيتها فاستيقظ وهو يضحك, قالت: يا رسول الله ما يضحكك؟ قال: "عجبت من قوم من أمتي يركبون البحر كالملوك على الأسرة". فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم, فقال: "أنت معهم". ثم نام فاستيقظ وهو يضحك, فقال مثل ذلك مرتين أو ثلاثاً, قلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم, فيقول: "أنت من الأولين"(2)
وعن أنس أيضاً قال: دخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عندنا فعرق, وجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها, فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا أم سليم ما هذا الذي تصنعين ؟" قالت: هذا عرقك نجعله في طيبنا وهو من أطيب الطيب(3).
ولم يكتف النبي r بممارسة القيلولة بفعله بل حث عليها بقوله r, عن أنس t قال: قال رسول الله: "قيلوا فإن الشيطان لا يقيل"(4).
ولذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم يحرصون على القيلولة, عن أنس قال: كنا نبكر بالجمعة ونقيل بعد الجمعة.(5), وعن سهل بن سعد r قال: ما كنا نقيل ولا نتغذى إلا بعد الجمعة.(6), وفي زيادة عند أحمد: مع رسول الله r.(7)
أقسام القيلولة:
تقسم القيلولة بشكل عام إلى ثلاثة أنواع:
1. القيلولة الملكية أو الطويلة، وهي التي تتعدى ثلاثين دقيقة.
2. والمعتدلة وتكون ما بين 5 و30 دقيقة.
3. والسريعة وهي الغفوة القصيرة التي لا تتعدى خمس دقائق.
وأغلب الدراسات تؤكد أن المدة المناسبة للقيلولة هي من 15 إلى 20 دقيقة، وأن التوقيت الأفضل لها هو ما بين الساعة الواحدة والساعة الثالثة بعد الزوال، وهي الفترة التي ينخفض فيها النشاط الفكري والجسمي للإنسان، وهي كذلك ثاني فترة تقع فيها أغلب حوادث السير الخطيرة، بعد الفترة الليلية الممتدة ما بين الثانية والخامسة صباحاً.(8)
العلم الحديث يكشف فوائد القيلولة:
تنتشر في العالم هذه الأيام دعوة لمناصرة نوم القيلولة, تتبناها منظمات وسياسيون ونواب برلمانيون, ففي البرتغال هناك (رابطة محبي نوم القيلولة) ويتولى وزير العمل بنفسه مسئولية الدفاع العلني عن القيلولة. وفي فرنسا يدعو الخبراء إلى مشروع ل(تقنين القيلولة). وفي أسبانيا محلات للتدليك أثناء القيلولة بمقابل مادي كبير، وفي إيطاليا يدعو كبار السياسيين لقيلولة، وتسمى مدينة كتانيا في جزيرة صقلية: العاصمة الوطنية للقيلولة، وفي الولايات المتحدة (غرف خاصة للقيلولة) أنشأتها بعض المؤسسات والشركات، فضلاً عن (مؤسسة النوم الوطنية الأمريكية) التي تدعو دوماً إلى مناصرة القيلولة، وفي الصين يوجد اعتراف دستوري بالقيلولة كحق لجميع العمال، وفي الهند يوجد قانون يعاقب من يقطع قيلولة الآخرين، وفي اليابان هناك حضور طاغٍ للقيلولة, وهناك أسرّة للاسترخاء في معظم الشركات والمصانع بهدف تحقيق زيادة الإنتاجية!
وكل هذا لأن الدراسات الحديثة أظهرت أن القيلولة من العادات الجيدة, وأنها تعود بالنفع على من يحافظون عليها, ومن فوائد القيلولة ما يلي:
1- القيلولة تقلل من خطر الإصابة بالمشاكل القلبية:
نشر موقع CNN بتاريخ: 15/3/2007 بحثاً بعنوان: (ناموا في مكاتبكم تصحوا), جاء فيه أن بحثاً جديداً أظهر أن القيلولة أثناء العمل تقلل من خطر الإصابة بمشكلات قلبية خطيرة، وربما قاتلة. وهذه الدراسة تشير إلى أن الرجال على وجه التحديد هم الأكثر استفادة من نومهم أو قيلولتهم في المكاتب من النساء.
الدراسة - التي تعد الأكبر من نوعها - ركزت على الأثر الصحي للقيلولة وشملت 23681 مواطناً يونانياً بالغاً واستغرقت ست سنوات، بحسب ما ذكرته الأسوشيتد برس.
وأظهرت الدراسة أن أولئك الذين يستغرقون في النوم في مكاتبهم لمدة نصف ساعة تقريباً ثلاث مرات أسبوعياً ينخفض معدل وفاتهم جراء إصابتهم بأعراض صحية قلبية بحدود 37 % عن نظرائهم الذين لا يظلون مستيقظين أثناء العمل. وقال الباحثون إن قيلولة النهار في المكتب تفيد القلب لأنها تقلل من الإجهاد والاضطراب، حيث يشكل العمل المصدر الرئيسي للإجهاد.

وعلى الأرجح أيضاً أن النساء يستفدن من القيلولة في المكاتب، غير أنه تبين أن عدد الرجال الذين يموتون بسبب الإجهاد في العمل أكثر من النساء، وفقاً لما قاله الدكتور ديميتريوس تريكوبولوس المسؤول عن الدراسة والباحث في كليتي الطب بجامعتي هارفارد وأثينا. وأوضحت الدراسة أن عدد النساء من عينة الدراسة واللواتي قضين نحبهن بلغ 48 امرأة، منهن ست نساء من النساء العاملات، مقابل 85 رجلاً، منهم 28 رجلاً عاملاً. وقال تريكوبولوس: «نصيحتي لكم هي: إذا كان بإمكانكم النوم قليلاً فقوموا بذلك، وإذا كان لديكم أريكة في مكاتبكم وأمكنكم الاستراحة فاستغلوا الفرصة», وتراوحت أعمار عينة الدراسة بين 20 عاماً و86 عاماً، وكانوا يتمتعون بصحة جيدة عندما بدأ تنفيذ الدراسة.
وقال مارفين ووتن اختصاصي النوم في مستشفى كولومبيا سانت ماري إن عينة الدراسة على الأرجح هم أشخاص يهتمون أكثر بصحتهم، الأمر الذي يفيد القلب.
جدير بالذكر أن هناك بعض الشركات التي تسمح لعمالها والموظفين فيها بأخذ قيلولة، وعبر الكثير منهم أنها تساعد في زيادة الإنتاجية. وقامت شركة "يارد ميتالز" الأمريكية لتوزيع المعادن بتخصيص غرفة للقيلولة في مقرها الرئيسي، كجزء من برنامجها المتعلق بصحة الموظف.
وقال المهندس في الشركة مارك إيكنبيرغر إنه كثيراً ما يتردد على تلك الغرفة لينام نصف ساعة بناء على أوامر طبيبه من أجل تقليل الإجهاد، مشيراً إلى أن ذلك يساعد على بقائه نشيطاً بقية اليوم(9).
2- القيلولة تعمل على زيادة إنتاج الفرد:
وقد أتى العلم الحديث ليؤكد فوائد القيلولة في زيادة إنتاجية الفرد، ويحسن قدرته على متابعة نشاطه اليومي, فقد أكد الباحثون في دراسة نشرت في مجلة العلوم النفسية عام 2002م أن القيلولة لمدة 10 - 40 دقيقة - وليس أكثر - تكسب الجسم راحة كافية، وتخفف من مستوى هرمونات التوتر المرتفعة في الدم نتيجة النشاط البدني والذهني الذي بذله الإنسان في بداية اليوم.
ويرى العلماء أن النوم لفترة قصيرة في النهار يريح ذهن الإنسان وعضلاته، و يعيد شحن قدراته على التفكير والتركيز، ويزيد إنتاجيته وحماسه للعمل.
وأكد الباحثون أن القيلولة في النهار لمدة لا تتجاوز 40 دقيقة لا تؤثر على فترة النوم في الليل، أما إذا امتدت لأكثر من ذلك، فقد تسبب الأرق وصعوبة النوم.
وتقول الدراسة التي تمت تحت إشراف الباحث الأسباني د. إيسكالانتي: «إن القيلولة تعزز الذاكرة والتركيز، وتفسح المجال أمام دورات جديدة من النشاط الدماغي في نمط أكثر ارتياحاً».
كما شدد الباحثون على عدم الإطالة في القيلولة ، لأن الراحة المفرطة قد تؤثر على نمط النوم العادي. وأشار الدكتور إيسكالانتي إلى أن الدول الغربية بدأت تدرج القيلولة في أنظمتها اليومية، وأوصى بقيلولة تتراوح بين 10 – 40 دقيقة(10).
ويلتقط خيط الحديث الخبير النفسي الدكتور فتحي عفيفي الأستاذ بجامعة الأزهر، موضحاً أن الغرض الأبرز من القيلولة هو عزل الإنسان تماماً عن المؤثرات الخارجية، ويقول: تساعد هذه الحالة على إراحة الخلايا المخية والأعصاب من الإجهاد الذي يحل بها، وليس المهم طول فترة النوم بقدر أهمية التعمق في الاسترخاء، وإذا كان نوم القيلولة مصحوبًا بأحلام فربما زادت فائدته؛ لأن الأحلام دليل على أن الاسترخاء كان عميقًا ووصل إلى مستوى ما تحت القشرة الدماغية.
من جهته يوضح الدكتور عمرو عمار أخصائي المخ والأعصاب، أن حركة كهرباء المخ تستنفد وتجهد من العمل منذ وقت مبكر من النهار، ولذلك يحتمي المرء بالقيلولة أو فترة الراحة، ولو لدقائق معدودة ليستطيع المحافظة على تركيزه العالي ويواصل العمل إلى الليل بالكفاءة ذاتها.
وأكد العلماء في مؤسسة "النوم الوطنية الأمريكية" أن فترات القيلولة القصيرة في منتصف النهار لمدة نصف ساعة تلغي تأثير التعب، وتعيد الاستقرار والحيوية والنشاط للذهن والجسم مهما كانت نوعية المهمة التي يقوم بها الإنسان، كذلك فقد اكتشف الباحثون أن ساعة واحدة من القيلولة العميقة أثناء النهار قد تكون مفيدة كالنوم طوال الليل، إذا تمكن الشخص من رؤية الأحلام فيها، كما أن النوم في فترات ما بعد الظهر يساعد في زيادة إنتاجية الفرد إلى الأفضل ويحسّن قدرته على التفاعل، ويكسب الجسم الراحة الكافية، ويقضي على هرمونات القلق والتوتر المرتفعة في الدم نتيجة النشاط البدني والذهني الذي بذله الإنسان في بداية اليوم(11).
أما إذا امتدت القيلولة إلى أكثر من ساعة، فإن ذلك يسبب فقدان الجسم لتوازنه الطبيعي بين الليل والنهار، ويواجه الفرد عندئذ صعوبة كبيرة في الاستيقاظ، ويعاني من مزاج سيئ ومزعج طوال الوقت.
3- فوائد نفسية وفسيولوجية للقيلولة:
يؤكد الدكتور يسري عبد المحسن أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة أن هناك فوائد نفسية وفسيولوجية كثيرة ناجمة عن القيلولة التي تعني الاسترخاء في الأساس كما في السنة النبوية الشريفة، وهذا هو سر التفاف الغربيين حول القيلولة وتنظيمهم رابطات للدفاع عنها والترويج لها، فيوماً بعد يوم تجرى بحوث ودراسات جديدة، ويتم اكتشاف منافع للقيلولة لا حصر لها.
ويضيف د.عبد المحسن: تساعد القيلولة أو الاسترخاء التام ما بين ثلاثين إلى ستين دقيقة، الإنسان على شحن بطاريته النفسية والفسيولوجية، وتحقيق حالة من الراحة التامة للذهن وكافة عضلات الجسم والجهاز الحركي. ومع هذا التداعي الحر وتوجيه الفكر بعيداً عن الالتزام بشئون العمل والحياة، يعود المرء أقوى وأنشط وأكثر قدرة على العمل والعطاء، أما إذا طالت فترة النوم ووصلت إلى ساعتين مثلاً، فإن النوم النهاري هنا يقود إلى حالة من الخمول والكسل وربما الأرق الليلي، ويكون للنوم أثر سلبي(12).
وجه الإعجاز:
القيلولة هي النوم في الظهيرة (وسط النهار), والقيلولة لا يُشترط فيها أن تتضمن نوماً، وإن كان مشترطاً فيها الاستراحة في منتصف النهار, وقد ثبتت القيلولة في السلوك النبوي الشريف، وهي في السُّنَّة لا تستلزم النوم أثناء النهار بل تتطلب الرقاد والاسترخاء فقط مثلما تدعو أحدث النظريات العلمية الغربية التي تعرضنا إليها، وهناك أكثر من تأكيد نبوي على أهمية التمسك بالقيلولة، ومن ذلك حديث: "قيلوا فإن الشيطان لا يقيل"(13).
وها هو العلم اليوم يكشف الفوائد الهامة للقيلولة, ليظهر التطابق الواضح بين العلم الحديث وما دعت إليه الشريعة الإسلامية السمحة, وجاءت هذه الاكتشافات العلمية لتزيل الصورة السيئة والخاطئة للقيلولة لدى الغربيين, والتي تمكنت منهم سنوات طويلة إلى أن دحضها العلم الحديث، حيث كانوا يعتقدون إلى عهد غير بعيد أن القيلولة من سمات الكسالى، وأن النوم بالنهار لا طائل منه، أو أنه من مخلفات رفاهية الشرق القديمة!
وها هي دراسة جديدة أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية أظهرت أن النوم في وسط النهار حتى ولو كان أثناء العمل يعتبر سلوكاً طيباً للصحة، وليس نوعاً من أنواع التكاسل أو الإهمال! حيث يحافظ على النشاط الذهني وبصفة خاصة عندما يكون العقل مثقلاً، وبدون هذه القيلولة أو إغفاءة تجديد النشاط فإن الكثير من المعلومات المتدفقة إلى عقل الموظف أو العامل يمكن أن تجهد الخلايا العصبية وتؤدي إلى فقدان القدرة على العمل(14).
إن ما سبق يؤكد أن القيلولة والحث عليها هو توجيه سليم جاء به نبينا محمد r سابقاً به كل هذه الاكتشافات العلمية الحديثة, في وقت لا يمكن أن تتوفر فيه مثل هذه الأبحاث والدراسات العلمية, كل هذا يشهد بأن هذا الدين هو الدين الحق الذي جاء من عند الله تعالى مشتملاً على علمه, قال تعالى: ?لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً?[النساء: 166].







 
قديم 13-04-2010, 03:18 PM  
كاتب الموضوع شادي1980
إداري سابق


الحالة:

الملف الشخصي
رقم العضوية : 1058364
تاريخ التسجيل : Mar 2010
الدولة : سوريا
المهنة : مساعد الجميع في الشيرنج والشيفرات
الاهتمامات : كسر شفرات الجزيرة والقنوات المشفر
المشاركات : 2,134
عدد النقاط : 2512123
قوة الترشيح : شادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعة
الرصيد المالي : 55066 دينار [كافئني]
المستوى : 35
المستوى القادم : يحتاج 3634 دينار
النشاط : 0

شادي1980 غير متصل

رد: سلسلة الاعجاز العلمي لعبد المجيد زنداني ادخل وانظر

الإعجاز العلمي في قوله تعالى: ?وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ?[الكهف:18]

مقدمة:
القارئ لكتاب الله العزيز تستوقفه تلك القصة العجيبة في سورة الكهف لأولئك الفتية الذين آمنوا بربهم، فزادهم الله هدى وأنجاهم من عدوهم، والأحسن أن نسرد قصتهم باختصار قبل أن ندخل في موضوعنا.
لقد ذكر الله تعالى قصتهم أولاً إجمالاً، يقول الله تعالى: ? أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً?[الكهف: 9-12]ثم يستمر السياق في تفصيل القصة تفصيلاً يأخذ بالألباب، ويشد القارئ، كيف لا وهو كتاب العزيز الوهاب الذي يقول فيه: ?لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ?[يوسف:111].
كان سبب نزول قصة أصحاب الكهف أن قريشاً بعثوا إلى اليهود يسألونهم عن أشياء يمتحنون بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسألونه عنها ليختبروا ما يجيب به فيها، فقالوا سلوه عن أقوام ذهبوا في الدهر فلا يدري ما صنعوا فأنزل الله تعالى: ?أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً?[الكهف:9] أي ليسوا بعجب عظيم بالنسبة إلى ما أطلعناك عليه من الأخبار العظيمة والآيات الباهرة والعجائب الغريبة(1).
أما قصتهم باختصار فقد كانت هناك قرية مشركة، ضل أهلها عن الحق، وعبدوا مع الله آلهة أخرى بزعمهم، وكانوا يدافعون عن هذه الآلهة المزعومة، ويؤذون كل من يكفر بها.
في هذا المجتمع الفاسد، ظهرت ثلة من الشباب حكّمت عقلها، ورفضت السجود لغير خالقها الذي بيده كل شيء، فأنكروا على قومهم شركهم بالله، وطلبوا منهم إقامة الحجة على وجود آلهة غير الله، ثم قرروا النجاة بدينهم وبأنفسهم بالهجرة من القرية لمكان آمن يعبدون الله فيه.
فتوجهوا لكهف مهجور ليكون ملاذاً لهم، خرجوا من المدينة الواسعة ومعهم كلبهم، استلقى الفتية في الكهف، بعد أن أجهدهم التعب، وجلس كلبهم على باب الكهف يحرسه، وهنا حدثت المعجزة الإلهية؛ لقد نام الفتية ثلاثمائة وتسع سنوات ?وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً?[الكهف:25] وخلال هذه المدة، كانت الشمس تشرق عن يمين كهفهم وتغرب عن شماله، فلا تصيبهم أشعتها في أول النهار ولا آخره، فكان الناظر إليهم يحس بالرعب ?لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً?[الكهف: 18].
استيقظوا من سباتهم الطويل، لكنهم لم يدركوا كم مضى عليهم من الوقت في نومهم، وكانت آثار النوم الطويل بادية عليهم، فتساءلوا: كم لبثنا؟ فأجاب بعضهم: لبثنا يوماً أو بعض يوم، لكنهم تجاوزوا بسرعة مرحلة الدهشة، فأخرجوا النقود التي كانت معهم، ثم طلبوا من أحدهم أن يذهب خلسة للمدينة، وأن يشتري طعاماً طيباً بهذه النقود، ثم يعود إليهم برفق حتى لا يشعر به أحد، فربما يعاقبهم جنود الملك أو الظلمة من أهل القرية إن علموا بأمرهم، قد يخيرونهم بين العودة للشرك، أو الرجم حتى الموت.
خرج الرجل المؤمن متوجهاً للقرية، إلا أنها لم تكن كما كانت، لقد تغيرت الأماكن والوجوه، تغيّرت البضائع والنقود، استغرب كيف يحدث كل هذا في يوم وليلة، إلا أن أهل القرية لم يكن عسيراً عليهم أن يميزوا دهشة هذا الرجل، ولم يكن صعباً عليهم تمييزه من بينهم، فثيابه مختلفة ونقوده غير التي يستخدمونها.
لقد آمن أهل المدينة التي خرج منها الفتية، وفرح الناس بهؤلاء الفتية المؤمنين الذين هاجروا من قريتهم لكيلا يفتنوا في دينهم، وها هم قد عادوا، وذهبوا لرؤيتهم، بعدما استيقن أهل القرية على بعث من يموت بقدرة الله تعالى، أخذ الله أرواح الفتية، والقصة طويلة في تفاصيلها نترك جلها لموضع آخر(2).
تذكر لنا القصة أن الفتية أثناء نومهم كل تلك الفترة كانوا يتقلبون ذات اليمين وذات الشمال، ?وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ?[الكهف: 18]فهل يا ترى أن تقلبهم هذا كان لزيادة أحداث القصة وزيادة عنصر المفاجئة فيها، أو كما يقول أصحاب القصة أنها لزيادة الحبكة الدرامية؟ أم كان لفائدة صحية لهم؟ وهل كانت القصة من افتراء رجل أمي عاش قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة أم أنها قصة أنزلها الله الذي يعلم الغيب على رسوله المختار ليثبّت بها قلوب المؤمنين على طريق الحق؟ سنعرف بإذن الله تعالى فيما يلي حقيقة علمية أثبتها العلم الحديث بأدلة محسوسة تؤيد بها قول الحق سبحانه بأنه كلام الذي ?لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ?[فصلت:42].

أقوال المفسرين لقوله تعالى: ?وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ?[الكهف:18]
تقاربت أقوال المفسرين في أسباب التقليب، وعدد مراته، وكيفيته، ومصدره، وتعليل ذلك، وهو أن تقلبهم كان لجهة اليمين واليسار، والذي يقلبهم هو الله سبحانه، بإرسال ملك لتقلبيهم، وأن التقليب كان مرتين في كل سنة أو في مدة رقتدتهم كلها، وعللوا ذلك التقليب بأنه لئلا تأكلهم الأرض.
قال الطبري: «نقلب هؤلاء الفتية في رقدتهم مرة للجنب الأيمن ومرة للجنب الأيسر»(3)، وقال ابن كثير: « يقلبون في العام مرتين»، ثم أردف قول ابن عباس رضي الله عنه قائلاً: قال ابن عباس: لو لم يقلبوا لأكلتهم الأرض(4)، وأورد القرطبي قولاً لأبي هريرة رضي الله عنه جاء فيه: أن لهم في كل عام تقليبتان وقيل: في كل سنة مرة، وقال مجاهد: في كل سبع سنين مرة وقالت فرقة: إنما قلبوا في التسع الأواخر وأما في الثلاثمائة فلا، وظاهر كلام المفسرين أن التقلب كان من فعل الله ويجوز أن يكون من ملك بأمر الله فيضاف إلى الله تعالى(5)، وجاء في روح المعاني للآلوسي: «أي ننقلهم من عالم إلى عالم، وقال ابن عطاء: نقلبهم في حالتي القبض والبسط والجمع والفرق، وقال آخر: نقلبهم بين الفناء والبقاء والكشف والاحتجاب والاستتار، وقيل في الآية إشارة إلى أنهم في التسليم كالميت في يد الغاسل»(6).
الطب الحديث والتقليب:
لنرى ما ذا يقول أصحاب الاختصاص اليوم وبعد مرور أكثر من ألف وأربعمائة سنة على نزول الآية في شأن من نام أكثر من أربع وعشرين ساعة على جهة واحدة بدون تحريك بسبب من الأسباب كأن يكون قد تعرض لكسور كثيرة يصعب معها تحريكه لتفادي تراخي الجبائر وفساد الكسور مرة أخرى، أو فيمن تعرض لأضرار كثيرة نتيجة حادث أو حريق أو غيره.
يقول الدكتور عبد الحميد دياب: إن من الإصابات الشائعة والصعبة العلاج التي تعترض الأطباء الممارسين في المشافي هي مشكلة حدوث (الخشكرشات) أو ما تسمى بقرحة السرير Bed Sore عند المرضى الذين تضطرهم حالتهم للبقاء الطويل في السرير كما في كسور الحوض والعمود الفقري أو الشلل أو حالات السبات الطويل، والخشكريشات هذه عبارة عن قرحات وتموت في الجلد والأنسجة التي تحت الجلد بسبب نقص التروية الدموية عند بعض مناطق الجلد، نتيجة انضغاطها بين الأجزاء الصلبة من البدن ومكان الاضطجاع، وأكثر ما تحصل في المنطقة العجزية والإليتين وعند لوحي الكتفين وكعبي القدمين، ولا وقاية من حدوث هذه الخشكريشات سوى تقليب المريض، بحيث لا يبقى بدون تقليب أكثر من (12) ساعة ، وقد تكون هذه هي الحكمة من تقليب الله عز وجل لأهل الكهف لوقايتهم من تلك الإصابة وإن كانت قصة أهل الكهف كلها تدخل في نطاق المعجزة(7).
وجه الإعجاز :
لم نعرف هذه الحقيقة العلمية عن تقليب المريض -الذي لا يستطيع تقليب نفسه- لم نعرفها إلا اليوم أو قل إن شئت في القرن العشرين أو قبله بقليل حتى لا نتهم بالمبالغة، وإذا كان ذلك كذلك فمن الذي أخبر محمد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم قبل عشرة قرناً من اليوم بهذه الحقيقة التي عجز عنها أهل الطب والاختصاص؟
هذه الحقيقة العلمية التي جاءت في سياق الخبر عن قوم أحبوا الله وأحبهم فنالتهم العناية الإلهية العظيمة التي لم تتوقف عند إنقاذهم من أعدائهم فحسب، بل تعدته إلى تقليبهم أثناء نومهم لئلا يصيبهم ما يصيب النائم لفترة طويلة دون تقليب، ?وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ? ولم يذكر الجهات الأخرى لأن النوم على الظهر هو الأصل في النائم حيث مركز الثقل يكون فيه أكبر وأوسع، فهل كان محمد صلى الله عليه وسلم يعلم بهذه الحقيقة؟ وهو رجل أمي لا يقرأ ولا يكتب ليتفوق على علماء العصر بهذه الحقيقة؟
لا شك أن الذي أخبره بتلك الحقيقة هو الله الذي خلق الإنسان، والذي يعلم ما يحتاجه هذا المخلوق، وأن الذي أنزلها وأنزل غيرها من الحقائق على محمد هو الله، وأن القرآن بعد ذلك حق من عند الله، وهو كلامه الذي أنزله على عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وليس كلام بشر افتراه أو علّمه بشر، ليكون لنا نوراً وبرهاناً ومنهاجاً إلى يوم القيامة، به نسترشد وعليه نعوّل، ومنه نستزيد بالإيمان والهدى والحق، وصدق الله القائل: ?وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ?[الحج:54].
الإعجاز العلمي في قوله تعالى:
?وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ?[الصافات:146]

مقدمة:
جاء ذكر اليقطين في معرض الحديث عن قصة يونس عليه السلام، وهو نبي من الأنبياء أرسله الله عز وجل إلى قومه ليدعوهم لعبادة الله تعالى، لأن الله سبحانه ما خلق الخلق إلا لعبادته قال تعالى: ?وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ?[الذاريات:56]، وقد أنجاه الله تعالى بعد أن ابتلاه، ثم أنبت عليه هذه الثمرة بعد أن أخرجه من بطن الحوت، قال تعالى: ?وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ?[الصافات: 139-146].
ولعل من المناسب أن أسرد في هذه المقدمة شيئاً من تلك القصة، لتكون مدخلاً لموضوعنا هذا، حيث بعث الله عز وجل يونس عليه السلام إلى أهل نينوى من أرض الموصل (وهي مدينة معروفة في العراق) فدعاهم إلى الله عز وجل فكذبوه وتمردوا عليه وأصروا على كفرهم وعنادهم، فلما طال عليه أمرهم خرج من بين أظهرهم وتوعدهم بنزول العذاب، وبعد خروجه من بين ظهرانيهم وتحققوا نزول العذاب بهم قذف الله في قلوبهم التوبة والإنابة وندموا على ما كان منهم فكشف الله سبحانه عنهم العذاب.
أما هو عليه السلام فقد ذهب مغاضباً بسبب قومه فركب سفينة في البحر فلما صار هو ومن معه في وسط اليم لجّت بهم واضطربت وماجت بهم وثقلت بما فيها وكادوا يغرقون، فتشاوروا فيما بينهم على أن يقترعوا فمن وقعت عليه القرعة ألقوه من السفينة ليتخففوا منه فلما اقترعوا وقعت القرعة على نبي الله يونس فلم يسمحوا به فأعادوها ثانية فوقعت عليه أيضاً فشمر ليخلع ثيابه ويلقى بنفسه فأبوا عليه ذلك ثم أعادوا القرعة ثالثة فوقعت عليه أيضاً لما يريده الله به من الأمر العظيم.
وذلك أنه لما وقعت عليه القرعة ألقي في البحر وبعث الله عز وجل حوتاً عظيماً من البحر فالتقمه، وهنالك قال ما قال بلسان الحال والمقال كما أخبر عنه ذو العزة والجلال الذي يعلم السر والنجوى، ?وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ?[الأنبياء: 87-88] والمراد بالظلمات ظلمة الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل(1).
والسؤال الآن لماذا ذكرت شجرة اليقطين بذاتها؟ هل لها ميزة على غيرها من الأشجار؟ وهل ذكرها جاء بمحض الصدفة أم أن قائلها يوحى إليه من خالق عليم؟ هذا ما سنعرفه بإذن الله فيما سيأتي من ورقات.
الآيات الواردة في شأن الموضوع:
1. ?فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ?[يونس: 98].
2. وقال تعالى: ?وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ? [الأنبياء: 88].
3. وقال تعالى: ?وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ?[الصافات: 139-146].
4. وقال تعالى: ?فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ لَوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُومٌ فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ?[القلم: 48- 50].
أما معنى قوله تعالى: ?فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ? فقيل معناه لولا أنه سبح الله هنالك وقال ما قال من التهليل والتسبيح والاعتراف لله بالخضوع والتوبة إليه والرجوع إليه للبث هنالك إلى يوم القيامة ولبعث من جوف ذلك الحوت، وقيل معناه فلولا أنه كان من قبل أخذ الحوت له من المسبحين أي المطيعين المصلين الذاكرين الله كثيراً، ويشهد لهذا حديث ابن عباس أنه ركب خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا غلام إني معلمك كلمات: إحفظ الله يحفظك إحفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فلتسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف"(2).
ولن نتناول أقوال المفسرين بأكثر من هذا فيما تقدم من الآيات؛ فالذي يعنينا هو أن تلك الحادثة قد ورد ذكرها في كتاب الله تعالى وهي حادثة إلقائه في البحر والتقام الحوت له ومن ثم نبذه في العراء وإنبات شجرة اليقطين عليه.

الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم واليقطين (الدبّاء):

عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: إن خياطاّ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه، قال أنس ابن مالك: فذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الطعام فقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خبزاً ومرقاً فيه دبّاء وقديد، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدبّاء من حوالي القصعة، قال فلم أزل أحب الدبّاء من يومئذ(3).
ولشراح الحديث تعليقات مفيدة لا غنى عنها لفهم معاني الحديث، فقد ذكر ابن حجر في الفتح ما نصه: «الدبّاء هنا في الحديث هو اليقطين، وفيه جواز أكل الشريف طعام من دونه من محترف وغيره، كما ههنا، وإجابة دعوته ومؤاكلة الخادم وبيان ما كان في النبي صلى الله عليه وسلم من التواضع واللطف بأصحابه، وتعاهدهم بالمجيء إلى منازلهم، وفيه الإجابة إلى الطعام ولو كان قليلاً، ومناولة الضيفان بعضهم بعضاً مما وضع بين أيديهم وإنما يمتنع من يأخذ من قدام الآخر شيئاً لنفسه أو لغيره، وفيه الحرص على التشبه بأهل الخير والاقتداء بهم في المطاعم وغيرها، وفيه فضيلة ظاهرة لأنس لاقتفائه أثر النبي صلى الله عليه وسلم حتى في الأشياء الجبلية وكان يأخذ نفسه باتباعه فيها رضي الله عنه»(4).
وأضاف النووي قائلاً: «وفيه فوائد منها إجابة الدعوة وإباحة كسب الخياط وإباحة المرق وفضيلة أكل الدبّاء وأنه يستحب أن يحب الدبّاء وكذلك كل شيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه، وأنه يحرص على تحصيل ذلك وأنه يستحب لأهل المائدة إيثار بعضهم بعضاً إذا لم يكرهه صاحب الطعام، وأما تتبع الدبّاء من حوالي الصحفة فيحتمل وجهين:
أحدهما: من حوالي جانبه وناحيته من الصحفة لا من حوالي جميع جوانبها فقد أمر بالأكل مما يلي الإنسان.
والثانى: أن يكون من جميع جوانبها وإنما نهى ذلك لئلا يتقذره جليسه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتقذره أحد بل يتبركون بآثاره صلى الله عليه وسلم فقد كانوا يتبركون ببصاقه صلى الله عليه وسلم ونخامته ويدلكون بذلك وجوههم، وشرب بعضهم بوله وبعضهم دمه وغير ذلك مما هو معروف من عظيم اعتنائهم بآثاره صلى الله عليه وسلم التي يخالفه فيها غيره.
والدبّاء هو اليقطين وهو بالمد هذا هو المشهور وحكى القاضي عياض فيه القصر أيضاً الواحدة دباءة أو دباة والله أعلم»(5).
اليقطين في اللغة:
اختلف أهل الدراية ما هو اليقطين، فمن قائل هو كل ما ليس له ساق من النبات، ومن قائل هو الدبّاء أو القرع، فقد ورد هذا وهذا في أقوالهم، قال في لسان العرب: اليَقْطِين كل شجر لا يقوم على ساق نحو الدبّاء والقَرْع والبطيخ والحنظل، ويَقْطِينُ اسم رجل منه، واليَقْطِينة القَرْعة الرَّطبة، واليَقطين شجر القرْع، قال الله عز وجل: ?وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ?[الصافات:146] قال الفراء: قيل عند ابن عباس هو ورق القرْع، فقال وما جعَلَ القَرْعَ من بين الشجر يَقْطِيناً كل ورقة اتسعتْ وسترتْ فهي يَقْطينٌ، وقال مجاهد: كل شيء ذهب بَسْطاً في الأَرض يَقْطينٌ ونحو ذلك، قال الكلبي: ومنه القَرْع والبطيخ والقِثَّاء والشِّرْيان، وقال سعيد بن جبير: كل شيء ينبت ثم يموت من عامه فهو يَقْطِينٌ(6).
فإن قيل: ما لا يقوم على ساق يسمى نجماً لا شجراً، والشجر: ما له ساق -قاله أهل اللغة-، فكيف قال شجرة من يقطين؟ والجواب: أن الشجر إذا أطلق كان ما له ساق يقوم عليه وإذا قيد بشيء تقيد به، فالفرق بين المطلق والمقيد في الأسماء باب مهم عظيم النفع في الفهم ومراتب اللغة(7).
ومن جانب آخر فإن القرآن لم يستعمل كلمة نبات إلا كاسم مصدر مثلاً: ?فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ?[الأنعام:99] وقوله تعالى: ?وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً?[نوح:17] كما لم يستخدم كلمة حيوان إلا بذات الطريقة: ?وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ?[العنكبوت:64] ولكنه استخدم لفظ شجرة للنبات، ودابة للحيوان في مواضع كثيرة من القرآن، فعلى سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى: ?أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ ?[الحج: 18] وقوله: ?وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ?[لقمان:27]، وقوله: ?وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا?[هود:6] وكذلك في نهيه صلى الله عليه وسلم عن اقتراب المسجد لمن أكل البصل والثوم؛ كما قال عمر رضي الله عنه: «ما أراهما إلا شجرتين خبيثتين»، فكان العرب حينها يطلقون على النبات لفظ الشجر، وبهذا يمكننا أن نقدم تعليل آخر لتسمية اليقطين شجرة في الآية المتقدمة.

وقد ذكرت الآية شجرة اليقطين بصيغية التنكير ?شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ?؛ ومعلوم أن النكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق، وبهذا يمكن أن تطلق اللفظة على كل عائلة اليقطينيات، دون تحديد لنوع معين، فيمكن أن تفيد اللفظة بأن اليقطين إنما هو من جنس أو قبيلة اليقطينيات.
فقد يكون النبات المعيّن الذي أنبت على يونس عليه السلام هو يقطين معين يستعمله الناس في جزيرة العرب، ولكن كما يقول أهل التصنيف النباتي: إن الصفات المورفولوجية الشكلية الظاهرة والتشريحية تتشابه وتتقارب وتشترك أحياناً بين أفراد الفصيلة الواحدة(8).
فالراجح من اليقطين هو الدبّاء (القرع)، قال ابن كثير: اليقطين هو القرع وهو قول جمهور السلف(9)، وقال ابن حجر: والمشهور أنه القرع(10).
اليقطين عند علماء المسلمين:
عرف لليقطين فوائد جمة منذ زمن بعيد، وقد كان المسلمون يقدمونه في موائدهم اقتداءاً برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحبوه لحبه إياه، ومن ثم عرفوا له فوائد كثيرة ومنافع جمة، ذكرها المهتمون بالطب في كتبهم، فاليقطين بارد رطب يغذو غذاء يسيراً سريع الانحدار وإن لم يفسد قبل الهضم وله خلط صالح وسبب محبته له ما فيه من زيادة العقل والرطوبة وما خصه الله به من إنباته على يونس حتى وقاه وتربى في ظله فكان له كالأم الحاضنة لفرخها(11).
وذكر بعضهم في القرع فوائد منها:
سرعة نباته وتظليل ورقه لكبره، ونعومته، وأنه لا يقربها الذباب، وجودة تغذية ثمره، وأنه يؤكل نيئاً ومطبوخاً بلبه وقشره أيضاً، وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب الدبّاء ويتتبعه من نواحي الصحفة(12).
ومن فوائده أنه يتولد منه خلط محمود مجانس لما يصحبه، فإن أكل بالخردل تولد منه خلط حرّيف، وبالملح خلط مالح ومع القابض قابض وإن طبخ بالسفرجل غذا البدن غذاءاً جيداً.
وهو لطيف مائي يغذو غذاءاً رطباً بلغمياً وينفع المحرورين ولا يلائم المبرودين ومن الغالب عليهم البلغم، وماؤه يقطع العطش ويذهب الصداع الحار إذا شرب أو غسل به الرأس، وهو ملين للبطن كيف استعمل ولا يتداوى المحرورون بمثله ولا أعجل منه نفعاً.
ومن منافعه: أنه إذا لطخ بعجين وشوي في الفرن أو التنور واستخرج ماؤه وشرب ببعض الأشربة اللطيفة سكن حرارة الحمى الملتهبة، وقطع العطش، وغذى غذاء حسناً، وإذا طبخ القرع وشرب ماؤه بشيء من عسل وشيء من نطرون أحدر بلغماً ومرة معاً، وإذا دق وعمل منه ضماد على اليافوخ نفع من الأورام الحارة في الدماغ، وإذا عصرت جرادته وخلط ماؤها بدهن الورد وقطر منها في الأذن نفعت من الأورام الحارة وجرادته نافعة من أورام العين الحارة ومن النقرس الحار، وهو شديد النفع لأصحاب الأمزجة الحارة والمحمومين، ومتى صادف في المعدة خلطاً رديئاً استحال إلى طبيعته وفسد وولد في البدن خلطاً رديئاً ودفع مضرته بالخل والمري، وبالجملة فهو من ألطف الأغذية وأسرعها انفعالا(13).
اليقطين والعلم الحديث:
يقول أهل الصيدلة: إن المكونات الكيميائية قد تكون مشتركة بين أفراد الفصيلة الواحدة في النبات، وبناء على ذلك فقد توجه البحث لمعرفة مكونات بعض اليقطينات وأثرها الوقائي والعلاجي(14)، الجدير بالذكر أن اليقطينيات فصيلة كبيرة بها حوالي ألف نوع نباتي، وهي تنتشر في الأقاليم المدارية وشبه المدارية وتتميز بالأوراق الكبيرة وبالأزهار خماسية الأجزاء، ومنها، القرع العسلي، وقرع الكوسة، وقرع الأواني، والحنظل، وغيرها.
اختيرت بعض اليقطينيات المشهورة في البحث الأول واختبرت ضد البكتريا واليقطينيات هي قرع الأوانيSiceapia Lagenaria والقرع العسلي Cucumis melo Var. flexosus والحنظل Citrullus colocunthis حيث زرعت الأنواع الأربعة ومن ثم تم تحضير مستخلصات مائية كحولية(الكحول الميثانولي) ومستخلص الكلوروفورم لمختلف أعضاء النباتات من الأنواع الأربعة، وتم اختبار هذه المستخلصات ضد أربعة أنواع من البكتريا وهي المكورات العنقودية الذهبية Bacillus Subtilis والبكتريا الاشريكية القولونية Escherchia coliوالبكتريا الزائفة الزنجارية Psudomonasa eruginosa فكانت النتائج التالية:
أولاً: أظهرت جميع الأنواع الأربعة من اليقطينيات فعالية ضد البكتريا ثم اختلفت درجة هذه الفعالية باختلاف نوع النبات والعضو المستخدم منه البكتريا والمستخلص وكما يلي:

أعطى القرع العسلي من الأوراق والحنظل من الثمار أعلى فعالية ضد البكتريا، كما أعطى طور الأزهار للنبات أعلى فعالية بالنسبة للأطوار الأخرى .
وكان المستخلص الكحولي الميثانولي هو أقوى المستخلصات فعالية وفي التجزئية الميثانولية للمستخلص كانت خلات الإيثيل أعلى فعالية مقارنة بالبيوتانول والأثير البترول، وبالنسبة للبكتريا كانت الحساسية ضد البكتريا موجبة القرام ve-Gram أقوى منها في البكتريا سالبة القرامGram-ve وكل هذا يؤكد تأثير اليقطينيات الناجح وقاية وعلاجاً ضد الميكروبات خاصة. أما بالنسبة للبحث الثاني فقد انطلق لمعرفة تأثير اليقطينيات على الحشرات، واختبرت بعض اليقطينيات منها قرع الأواني والحنظل سالفي الذكر ثم قرع الكوسة على بعض الحشرات مثل الذبابة المنزلية وآفات المخازن.
هذا وقد وجد حتى الآن أثر طارد لكل من الحنظل قرع الأواني وقرع الكوسة على آفات المخازن Tribolium castoneum وتأثير على تطور عذراء الذبابة المنزلية، ولازال البحث جارياً في هذا المضمار وهو يؤكد تأثير اليقطينيات الواقي ضد الحشرات وبالتالي الأمراض التي تنقلها.
أما أهم المواد الكيميائية الطبية الموجودة في اليقطينيات فهي كوركويتبين Cucutbitacins وهي أنواع عديدة تختلف باختلاف أنواع اليقطين وهي تنتمي إلى التربينات الثلاثية المسماة Tetracyclic triterpenes كما توجد مواد أخرى مثل بيتوزيد حمض ستراولين لوسين وتيروزين.
فهل يمكن أن يضاف كل ذلك لذكر اليقطين مع حالة يونس عليه السلام فور خروجه من بطن الحوت، وبغض النظر عن أكل سيدنا يونس عليه السلام من اليقطين المذكور أو عدم أكله منه، فإنه أي اليقطين جيد الغذاء سهل الهضم لا تجهد ثماره المعدة ولا الأمعاء ومفيد جداً لمرضى القلب والشيوخ والناقهين عموماً.
كما أنه ذو قيمة عالية جداً بفيتامين a مما يوضح فوائده للبصر في عدم جفاف قرنية العين والأغشية المخاطية المبطنة للجسم فهو يحتوي على 70810 ملجم لكل مائة جرام، كما يحتوي على نسبة معقولة من فيتامين C والفسفور، ونسب قليلة من فيتامينات B والحديد والنشا والسكر والبروتين والدهون.
وأخيراً هنالك استخدامات علاجية من بذوره ضد الديدان وضد الحروق والالتهابات أيضاً، وأكدت الدراسات أن أكل القرع الأصفر يمنع السرطان، وهنالك تأثير في حالات التهابات المسالك البولية وعسر البول وحرقته وهو مليّن ومفيد لمرضى القولون الغليظ(15).
وأظهرت التجارب التي أجرتها المحاضرة والباحثة في جامعة العلوم الماليزية الدكتورة نور عازيه عبد العزيز أن الأحماض الموجودة في اليقطين تمنع المواد النشوية من الهضم ما يؤدى إلى تخمير البكتيريا وإضعاف الخلايا السرطانية، مضيفة أن اليقطين غني بالألياف ويحتوى على فيتامين (أ) ومواد معدنية ومضادة للأكسدة.
وأضافت إنه بالإمكان الاستفادة من قشر اليقطين بعد تجفيفه ومزجه بالطحين لأغراض متعددة وتابعت قائلة: أدرس حالياً استخدام قشور وبذور اليقطين بعد مزجه بالطحين، مشيرة إلى أنه ليس لمسحوق هذه الثمرة طعم كالفاكهة ولكن بإمكان أي شخص استخدامه(16).
ويعد اليقطين من أسهل الخضراوات هضماً وأكثرها فائدة حسب ملحق جريدة الاتحاد الإماراتية (دنيا)، ونقلت الصحيفة عن خبير الأعشاب عبد اللطيف عاشور أن اليقطين يفيد في علاج العجز الجنسي حيث تمزج كميات متساوية منه مع بذور الخيار والبطيخ الأصفر وتطحن ويؤخذ منه ثلاث ملاعق يومياً، وهو مهضم ومسكن وملين ومدر للبول ويساعد في علاج البواسير والتهاب الأمعاء والأرق, كما يستعمل في الطب الشعبي ضد الحروق والخراجات بوضع كمادات عليها من معجون مسحوق البذور، كما تفيد بذور اليقطين في طرد الدودة الوحيدة بتناولها مع الحليب لمدة ثلاثة أيام، وأضافت نقلاً عن الدكتورة عزيزة فراج أستاذة النباتات أن بذور القرع مفيدة في علاج تضخم البروستات عند كبار السن(17).
وجه الإعجاز:
أثبت العلم الحديث فوائد العائلة اليقطينية عموماً واليقطين خصوصاً من الناحية العلاجية، وكما مر بنا أنه علاج للميكروبات والبكتريا بشكل خاص، وفي موضوعنا هذا تبين لنا أن اليقطين يتميز بصفات وخصائص تجعله من أولويات النباتات التي تصلح لأن تكون مجاورةً ليونس عليه السلام وهو في تلك الحالة من السقم، بعد أن لفظه الحوت بغض النظر عن الفترة التي بقي فيها في جوف الحوت، فالذي أنزل علينا هذا القرآن وأودع فيه ما أودع من الأسرار أخبرنا بتلك القصة التي قد تستعصي على عقول البعض ممن لا يؤمنون إلا بالماديات ويصمون أعينهم وآذانهم عن عالم الغيب والمعجزات، فإن الذي جعل النار برداً وسلاماً لإبراهيم هو ذات الإله الذي أبقى يونس عليه السلام حياً في جوف الحوت.
وما من شك من أن اليقطين الذي ذكره الله تعالى في كتابه هو نفس اليقطين الذي أجرى عليه الباحثون اليوم تجاربهم وبحوثهم، ولا غرابة في الحقيقة من ذكر اليقطين في محكم التنزيل بعد أن كان السياق يدور حول قصة يونس عليه السلام، لأن الله تعالى وتقدس وعد بأن القرآن محفوظ وهو آية لنا على مر الزمان، ومما جاء فيه من الآيات ما أودعه الله تعالى من أسرار في مختلف مجالات العلوم، وينبغي أن تكثف البحوث أكثر وأكثر حول النبات المبارك اليقطين أو القرع واليقطينيات عموماً؛ لما في هذه البحوث من مزيد الفائدة، وإظهاراً لإعجاز القرآن العلمي في عصرنا، فخلود القرآن آية وحفظه من التحريف والتبديل آية أخرى، وورود الآيات العلمية التي يتم اكتشافها بين الحين والآخر آية أعظم، بل إن القرآن هو معجزة الإسلام الخالدة بشتى الأساليب وبمختلف الفنون والعلوم، والله تعالى يقول: ?سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ?[فصلت:53].




الإعجاز العلمي في أحاديث النوم على الشق الأيمن

مقدمة:
خلق الله جسم الإنسان وجعل أجزاءه مترابطة بعضها بالبعض؛ لا يستقيم جزء بغير الجزء الآخر، وجعل له حاجات وطلبات لا يمكنه الاستغناء عنها, ومن تلك الحاجات الفطرية النوم.
والنوم من أعظم نعم الله تعالى علينا, حيث جعله الله راحة للجسم البشري، يستجم بعده النشاط، وتعود القوة المنهكة، ولا يمكنه أن يستغني عنه، ولو أرق وطال به السهر فإنه يقلق ويهتم، ويلتمس من العلاج ما يعيد له النوم لينعم بلذته، وينام مع الناس الذين يهدؤون في الليل في سبات عميق.
هذا النوم الذي يطلبه الناس إذا جاء وقته، ويطلب هو صاحبه، كلما أحس بالتعب ينهك قواه من جراء عمل متواصل، أو جهد مبذول.
وكثير من الناس قلما يشعرون بالحكمة التي هيأها الله بهذا النوم، ولا دراية عندهم بآداب هذا النوم التي رسمها الإسلام وما وراء ذلك من مصالح وفوائد.
وقد أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته آداباً كثيرة، للنوم بالاستعداد والدعاء، والوقت والهيئة لأهمية النوم من ناحية، ولرعاية الإسلام للنفس البشرية من ناحية أخرى، ومن تلك الآداب النوم على الشق الأيمن, كما جاء في الأحاديث الشريفة.
وهاهو العلم الحديث اليوم يثبت أن هذه الهيئة هي أفضل الهيئات للنوم وأكثرها نفعاً للجسم, وفي هذا البحث سنلتفت إلى شيء من هذه الفوائد التي قررها العلم الحديث, ومن خلال هذه الفوائد يتجلى الإعجاز العلمي والتشريعي لهذه التعاليم النبوية.
الأحاديث الواردة في النوم على الشق الأيمن:
أرشدت الأحاديث النبوية إلى النوم على الشق الأيمن, وفي الوقت نفسه جاء النهي عن النوم على هيئات أخرى, فمما جاء في النوم على الجانب الأيمن حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن, ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك, لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك, اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت, فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة, واجعلهن آخر ما تتكلم به", قال: فرددتها على النبي صلى الله عليه وسلم فلما بلغت اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت قلت ورسولك, قال: "لا ونبيك الذي أرسلت"(1).
وفي رواية أخرى: عن البراء بن عازب t قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن ثم قال: "اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قالهن ثم مات تحت ليلته مات على الفطرة"(2).
وعن سهيل قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن ثم يقول: "اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته, اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر". وكان يروى ذلك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم(3).
وعن أبي هريرةt: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليأخذ داخلة إزاره فلينفض بها فراشه وليسم الله فإنه لا يعلم ما خلفه بعده على فراشه, فإذا أراد أن يضطجع فليضطجع على شقه الأيمن وليقل: سبحانك اللهم ربي بك وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين"(4).
وعن أبي قتادة t قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر فعرس بليل اضطجع على يمينه, وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه"(5).
وعن حفصة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اضطجع على فراشه اضطجع على شقه الأيمن ويقول : "اللهم قني عذابك يوم تجمع عبادك", وكانت يمينه لطعامه وشرابه وثيابه وأخذه وإعطائه, وشماله لطهوره, وكان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر يوم الاثنين ويوم الخميس وفي الجمعة الثاني يوم الاثنين(6).
وكان رسول الله r يتوسد يمينه عند النوم, فعن البراء بن عازب t قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أويت إلى فراشك وأنت طاهر فتوسد يمينك"(7) .
وقد جاء النهي عن النوم على البطن, فعن قيس بن طخفة الغفاري عن أبيه قال: أصابني رسول الله صلى الله عليه وسلم نائماً في المسجد على بطني, فركضني برجله, وقال: "مالك ولهذا النوم, نومة يكرهها الله أو يبغضها الله"(8).
وفي التعليق على هذه المسألة يقول ابن القيم: «وأنفع النوم: أن ينام على الشق الأيمن؛ ليستقر الطعام بهذه الهيئة في المعدة استقراراً حسناً؛ فإن المعدة أميل إلى الجانب الأيسر قليلاً, ثم يتحول إلى الشق الأيسر قليلاً ليسرع الهضم بذلك لاستمالة المعدة على الكبد, ثم يستقر نومه على الجانب الأيمن ليكون الغذاء أسرع انحداراً عن المعدة, فيكون النوم على الجانب الأيمن بداءة نومه ونهايته, وكثرة النوم على الجانب الأيسر مضر بالقلب بسبب ميل الأعضاء إليه فتنصب إليه المواد.
وأردأ النوم النوم على الظهر, ولا يضر الاستلقاء عليه للراحة من غير نوم, وأردأ منه أن ينام منبطحاً على وجهه, قال أبقراط في كتاب التقدمة: وأما نوم المريض على بطنه من غير أن يكون عادته في صحته جرت بذلك يدل على اختلاط عقل وعلى ألم في نواحي البطن, قال الشراح لكتابه: لأنه خالف العادة الجيدة إلى هيئة رديئة من غير سبب ظاهر ولا باطن, وقد قيل: إن الحكمة في النوم على الجانب الأيمن أن لا يستغرق النائم في نومه لأن القلب فيه ميل إلى جهة اليسار فإذا نام على جنبه الأيمن طلب القلب مستقره من الجانب الأيسر وذلك يمنع من استقرار النائم واستثقاله في نومه بخلاف قراره في النوم على اليسار فإنه مستقره فيحصل بذلك الدعة التامة فيستغرق الإنسان في نومه ويستثقل فيفوته مصالح دينه ودنياه»(9).
العلم الحديث يكشف فوائد النوم على اليمين:
كشف العلم عن العديد من فوائد النوم على اليمين, وأنه الهيئة المثلى للنوم, وفي الوقت نفسه توصل العلماء إلى العديد من مضار النوم على البطن, فحين ينام الشخص على بطنه كما يقول د.ظافر العطار يشعر بعد مدة بضيق في التنفس؛ لأن ثقل كتلة الظهر العظمية تمنع الصدر من التمدد والتقلص عند الشهيق والزفير كما أن هذه الوضعية تؤدي إلى انثناء اضطراري في الفقرات الرقبية وإلى احتكاك الأعضاء التناسلية بالفراش مما يدفع إلى ممارسة العادة السرية, كما أن الأزمة التنفسية الناجمة تتعب القلب والدماغ.


ولاحظ باحث أسترالي ارتفاع نسبة موت الأطفال المفاجئ إلى ثلاثة أضعاف عندما ينامون على بطونهم بالنسبة إلى الأطفال الذين ينامون على أحد الجانبين.
كما نشرت مجلة التايم دراسة بريطانية مشابهة تؤكد ارتفاع نسبة الموت المفاجئ عند الأطفال الذين ينامون على بطونهم(10).
أما النوم على الظهر فإنه يسبب -كما يرى الدكتور العطار- التنفس الفموي, لأن الفم ينفتح عند الاستلقاء على الظهر لاسترخاء الفك السفلي, لكن الأنف هو المهيأ للتنفس؛ لما فيه من شعر ومخاط لتنقية الهواء الداخل، ولغزارة أوعيته الدموية المهيأة لتسخين الهواء, وهكذا فالتنفس من الفم يعرض صاحبه لكثرة الإصابة بنزلات البرد والزكام في الشتاء، كما يسبب جفاف اللثة ومن ثم إلى التهابها الجفافي، كما أنه يثير حالات كامنة من فرط التصنع أو الضخامة اللثوية.
ومن مضار هذه الوضعية أيضاً أن شراع الحنك واللهاة يعارضان فرجا الخيشوم ويعيقان مجرى التنفس فيكثر الغطيط والشخير, كما يستيقظ -المتنفس من فمه- ولسانه مغطى بطبقة بيضاء غير اعتيادية إلى جانب رائحة فم كريهة.
وهذه الوضعية غير مناسبة للعمود الفقري؛ لأنه ليس مستقيماً فيؤدي ذلك إلى انثناءين رقبي وقطني, كما تؤدي عند الأطفال إلى تفلطح الرأس إذا اعتادها لفترة طويلة.(11)
أما النوم على الشق الأيسر فهو غير مقبول أيضاً لأن القلب حينئذ يقع تحت ضغط الرئة اليمنى، والتي هي أكبر من اليسرى مما يؤثر في وظيفته ويقلل نشاطه وخاصة عند المسنين, كما تضغط المعدة الممتلئة عليه فيزيد الضغط على القلب, وأما الكبد الذي هو أثقل الأحشاء فإنه ليس بثابت بل معلق بأربطة وهو موجود على الجانب الأيمن فيضغط على القلب وعلى المعدة مما يؤخر إفراغها؛ فقد أثبتت التجارب التي أجراها غالتيه وبوتسيه أن مرور الطعام من المعدة إلى الأمعاء يتم في فترة تتراوح بين 2,5 - 4,5 ساعة إذا كان النائم على الجانب الأيمن ولا يتم ذلك إلا في 5 - 8 ساعات إذا كان على جنبه الأيسر.(12)
فالنوم على الشق الأيمن هو الوضع الصحيح لأن الرئة اليسرى أصغر من اليمنى فيكون القلب أخف حملاً, ويكون الكبد مستقراً لا معلقاً, والمعدة جاثمة فوقه بكل راحتها, وهذا كما رأينا أسهل لإفراغ ما بداخلها من طعام بعد هضمه, كما يعتبر النوم على الجانب الأيمن من أروع الإجراءات الطبية التي تسهل وظيفة القصبات الرئوية اليسرى في سرعة طرحها لإفرازاتها المخاطية.
وينقل الدكتور الراوي ويضيف قائلاً: إن سبب حصول توسع القصبات للرئة اليسرى دون اليمنى هو أن قصبات الرئة اليمنى تتدرج في الارتفاع إلى الأعلى حيث أنها مائلة قليلاً مما يسهل طرحها لمفرزاتها بواسطة الأهداب القصبية, أما قصبات الرئة اليسرى فإنها عمودية مما يصعب معه طرح المفرزات إلى الأعلى فتتراكم تلك المفرزات في الفص السفلي مؤدية إلى توسع القصبات فيه والذي من أعراضها كثرة طرح البلغم صباحاً, وهذا المرض قد يترقى مؤدياً إلى نتائج وخيمة كالإصابة بخراج الرئة والداء الكلوي, وإن من أحدث علاجات هؤلاء المرضى هو النوم على الشق الأيمن.(13)
وقد أظهرت الدراسات الطبية أن الإنسان عندما ينام على جانبه الأيمن تكون الخلية الشمالية للقلب مرتفعة بقدر أربع سنتيمترات تقريباً. وإذا نظرنا إلى شكل القلب نرى أنه لا يقع في الصدر عمودياً تماماً؛ بل إنه يميل إلى اليسار عند جانبه الأسفل، بينما يميل جانبه الأعلى إلى اليمين مقدار عشر درجات؛ لذا فإن النوم على الشق الأيمن يساعد في تدفق الدم من الخلية اليسرى العالية من القلب إلى سائر أنحاء الجسم عبر وريد الأورطى، بما يريح القلب لأن جميع الأعضاء تكون في أسفله أو في مستواه. هذه الراحة لا يشعر بها القلب في حالة القيام والجلوس والمشي؛ لأنه في هذه الأحوال يضطر القلب أن يضخ الدم إلى الأعضاء العالية بمقدار تسعين درجة.
وعند استلقاء الإنسان على الظهر يجري الدم إلى معظم أجزاء البدن بدون تعسر ماعدا جانب الجبهة من الرأس؛ لأن القلب يكون مساوياً للجسم، ولكن هذه الحالة لا تريح القلب كحالة الاضطجاع على الشق الأيمن، حيث يكون صمّام القلب مائلاً إلى الجانب الأيمن فيساعد على تدفق الدم.(14)
ويعتقد بعض الناس أن القلب يرتاح إذا اضطجع الإنسان على الجانب الأيسر أيضاً، ولكن الطب أثبت عكس ذلك؛ لأن القلب يحتاج إلى بذل طاقة لكي يضخ الدم من الخلية اليسرى التي تكون في الأسفل إلى وريده الأورطى الذي يقع على ارتفاع عشر درجات منه، والدم في هذه الحالة لا يجري طبيعياً حسب قانون الجاذبية إلا إلى 45% من أجزاء الجسم. كما أن شكل وريد الأورطى يكون ملتوياً بعد خروجه من القلب، وبهذا الالتواء لا يتمكن من إيصال الدم إلى الجانب الأيمن للرأس وسائر الأعضاء. وحينما نستخدم الوسادة عند النوم يكون الرأس عالياً عن مستوى القلب، وتظهر هنا الحكمة في عادة الرسول صلى الله عليه وسلم بوضع الوسادة الخفيفة عند النوم أو وضع يده اليمنى تحت الخد الأيمن.
وهناك عروق وشرايين كثيرة تتشعب من القلب لإيصال الدم إلى أعضاء الجسم، وحسب طبيعة نظام وقوع هذه العروق والشرايين وأشكالها، فإنه يزيد جريان الدم فيها عند تأدية حركات الصلاة من سجود وقيام وقعود، وكذلك عند النوم على الجانب الأيمن.
وقد اكتشف الدكتور جون مانج الأستاذ بجامعة لوربول أن الجهة اليمنى للدماغ تقوم بمهمات أكبر من الجهة اليسرى، ويدل هذا الاكتشاف على أن النوم على الشق الأيسر غير صحي، كما أنه مخالف لطبيعة الجسم؛ لأنه يؤدي إلى تقليل تدفق الدماء إلى الجهة اليمني للدماغ التي تحتاج إلى مقدار وافر من الدماء؛ لأنها هي التي تسيطر على معظم نشاطات الجسم, وبالتالي فإن النوم طوال الليل على الظهر أو على الجهة اليسرى يعرقل وصول الدم إلى جميع أعضاء الجسم.(15)
ويرى الدكتور محمد محفوظ أن النوم على اليمين من أسباب الوقاية من الارتجاع الحمضي, ويعرف الارتجاع الحمضي للمعدة من اسمه بأنه عودة بعض محتويات المعدة من الطعام والسوائل الهضمية الحمضية إلى المريء والبلعوم مما يؤدي للشعور بألم أو حرقة بأعلى البطن أو خلف عظم القص ويصاحبه أحياناً تجشؤ وشرقة نتيجة ضعف في عضلة أسفل المريء القابضة, فيقول الدكتور محمد: إنني لاحظت من دراسة أجريتها بنفسي لأكثر من 600 مريض يعانون من هذا المرض أن أكثر من 95% منهم لا ينامون على الشق الأيمن من أجسامهم!, ففوائد النوم على الشق الأيمن يطول الحديث عنها ولكن بخصوص الارتجاع الحمضي للمعدة وجدت من خلال دراساتي أن التكوين التشريحي لعضلة الفؤاد يغلق بإحكام تام عند النوم على الشق الأيمن بعكس كل الأوضاع الأخرى, كذلك أثبت العلم بأن الإفراز الحمضي للمعدة يزيد ليلاً, أي عند النوم فتخيل أخي القارئ إن لم يحكم إغلاق عضلة الفؤاد ماذا سيحدث!, كذلك أثبت العلم بأن النوم على الشق الأيمن يساعد في تسريع عملية الهضم وتفريغ المعدة من الطعام والشراب.(16)
وجه الإعجاز:
جاء الدين الإسلامي الحنيف ليعلم العباد كيف تكون العبادة الصحيحة, وكيف يمارس الناس عاداتهم بسلامة ورشد, ومن تلك العادات النوم, ففي الهدي النبوي العديد من الآداب والأحكام المتعلقة به, ومن أهمها النوم على الجانب الأيمن.
وقد كشف العلم الحديث عن الكثير من فوائد النوم على الشق الأيمن, وفي الوقت نفسه كشفت تلك الأبحاث عن بعض مضار النوم على غير الشق الأيمن, وهذا كله جاء متأخراً على الوحي الذي أنزله الله تعالى على رسوله محمد r, إلا أنه جاء مؤكداً ومدللاً على صحة ما أرشد إليه نبينا الكريم r, حتى يكون ذلك شاهداً على أن هذا النبي r ما كان ينطق بكلام من عنده, وإنما هو كلام رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلب سيد الخلق أجمعين r.
الإعجاز في ماء زمزم
مقدمة:
كثيرة هي الآيات التي تدلنا على عظمة خالقنا, وكثيرة هي الأدلة على ذلك، ألا أننا قد نتناسى أقرب الآيات إلينا مسافة ومشاهدة، وفي هذا البحث سنتناول أهم شيء للحياة وهو الماء، وليس كل ماء بل هو ماء زمزم فهو سيد المياه وأشرفها وأجلها قدراً وأحبها إلى النفوس وأغلاها ثمنا وأنفسها عند الناس, وهو هزمة جبريل, وسقيا الله إسماعيل(1).
وقبل أن نتناول الموضوع من ناحية علمية كان لابد من التعريف بماء زمزم، بداية، وأسراره، ونصوص الوحي التي ذكرته وحضت عليه، حيث تقع بئر زمزم المباركة بجوار باب بني شيبة، وبينها وبين الحجر الأسود 18 متراً، وقد عرفت منذ زمن إسماعيل عليه السلام، حين كانت أمه (هاجر) تبحث عن الماء لإرواء عطشه بين الصفا والمروة، عندما أمر الله تعالى أبا الأنبياء إبراهيم عليه السلام أن يسكن ذريته بوادي مكة، ?رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ? [إبراهيم : 37] فأنعم اللّه عليها وعلى ابنها بنبع الماء، ففرحت هاجر وأدارت حوله حوضاً وأخذت تزمه، ولذا سميت (بئر زمزم)، ثم طمست البئر في عهد (جرهم) وزالت معالمها إلى أن شاهد عبد المطلب جد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم رؤيا في المنام تبين له مكان البئر، فحفرت وكان ذلك قبل ميلاد الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم، وبعد مئات السنين من حفرها قامت المملكة العربية السعودية بأضخم عملية تنظيف للبئر، ووضعت خارطة دقيقة لأبعادها ومصادر تغذيتها بالمياه، واهتم المسلمون منذ أيام الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وحتى يومنا هذا بماء زمزم، وحرصوا على الشرب منه اتباعاً لسنة المصطفى صلى اللّه عليه وسلم(2).
الأحاديث الواردة في الموضوع:
ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي ذر وقد أقام بين الكعبة وأستارها أربعين ما بين يوم وليلة ليس له طعام غيره فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنها طعام طعم"(3), وزاد غير مسلم بإسناده: "وشفاء سقم"(4).
عن جابر بن عبد الله يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ماء زمزم لما شرب له"(5).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم فيه طعام من الطعم وشفاء من السقم وشر ماء على وجه الأرض ماء بوادي برهوت بقية حضرموت كرجل الجراد من الهوام يصبح يتدفق ويمسي لا بلال بها"(6).
وعن عبد الله بن الصامت من حديث طويل لأبي ذر رضي الله عنه جاء فيه: فأتيت زمزم فغسلت عني الدماء وشربت من مائها ولقد لبثت يا ابن أخي ثلاثين بين ليلة ويوم ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما وجدت على كبدي سخفة جوع(7).
وعن أبي جمرة الضبعي قال: كنت أجالس ابن عباس بمكة فأخذتني الحمى فقال أبردها عنك بماء زمزم فإن رسول اله صلى الله عليه وسلم قال: "الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء أو قال بماء زمزم"(8).
خصائص ماء زمزم:
إذا أردنا أن نعدد خصائص ماء زمزم من حيث امتيازه عن غيره من المياه أو من حيث مقارنة البئر التي ينبع منها بغيرها من الآبار فيمكن إجمال الخصائص بالآتي:
إن هذا البئر العظيم لم ينضب أبدا منذ أن ظهر للوجود بل على العكس فهو يمدنا بالمزيد من الماء ومن ذهب لبيت الله الحرام سيدهش من كثرته وكفايته لجميع الحجاج، وهو لا يزال يحتفظ بنفس نسب مكوناته من الأملاح والمعادن منذ أن ظهر للوجود حتى يومنا هذا.
كمايتميز ماء زمزم بوفرته رغم كثرة زوار بيت اللّه الحرام، إذ بلغ متوسط المستهلك منه في اليوم السابع من شهر ذي الحجة خلال السنوات الماضية نحو عشرة آلاف متر مكعب في الساعة، وكان ماء زمزم قد انخفض في القرون الماضية عدة مرات، وذكر المؤرخون أن ماء زمزم انخفض بشكل كبير عام 223 وعام 234 للهجرة حتى كاد يجف، وتمت زيادة عمق البئر تسعة أذرع في الأرض، وأرسل اللّه سبحانه وتعالى الأمطار والسيول عام 235ه، فكثر ماء زمزم، وتمت زيادة أخرى في البئر في خلافة هارون الرشيد والمهدي وفي عهود عديدة بعدهما، وفي 14 ربيع الثاني عام 1399ه سجل عمق الماء في البئر 15.6 متر, وذلك خلال القيام بأعمال التوسعة السعودية الثانية للمسجد الحرام وما تبعها من أعمال حفر حول بئر زمزم.
إضافة لصلاحيته للشرب لجميع الحجاج من جميع أنحاء العالم، فلم يحدث أن اشتكى مخلوق من أثر مياهه على صحته أو ما شابه ذلك، بل على العكس فهم دائما ما يستمتعون بالمياه التي تنعشهم على الدوام، ولكن يلاحظ أن مذاق المياه يتغير عندما تنتقل إلى مكان آخر، وكذلك الرغبة لماء زمزم عالمية، فهذه المياه الطاهرة لم يتم معالجتها كيميائيا أو بمواد التبييض كما هو الحال مع المياه التي تضخ للمدن(9).
ويلاحظ أنه في حالة الآبار العادية يزداد النمو البيولوجي والنباتي في داخل البئر مما يجعل المياه غير صالحة للشرب نظرا لنمو الطحالب مما يسبب مشكلات في الطعم والرائحة، ولكن في حالة بئر زمزم، لم يكن هناك أي دليل على النمو البيولوجي(10).
كما تظهر نتائج تحاليل ماء زمزم لمركز أبحاث الحج بجامعة الملك عبد العزيز كما ذكر في كتاب (وصايا طبيب) والتي تؤكدها نتائج تحليل مختبر مصلحة المياه والصرف الصحي بالمنطقة الغربية لعام 1400 هجرية كما وضحها كتاب (عالج نفسك بماء زمزم) ومن التحاليل الكيماوية يتبين أن ماء زمزم نقي لا لون له ولا رائحة، ذو مذاق رائح قليلاً، اسه الهيدروجيني(7.8) وبذلك يكون قلوياً إلى حد ما ويحتوى على تركيزات عالية من الصوديوم والكالسيوم والمغنيزيوم والمعادن الأخرى ولكنها تقع ضمن مقاييس منظمة الصحة العالمية ماعدا الصوديوم فهو مرتفع.
ومن الجدير بالذكر أن العناصر السامة الأربعة وهي الزرنيخ والرصاص والكادميوم والسيلينيوم توجد فيه بأقل من مستوى الضرر بكثير بالنسبة للاستخدام البشرى، ومن المعالجة بالأشعة فوق البنفسجية وجد أن ماء زمزم خالية من الجراثيم ويؤكد هذا كتاب (المعتمد في الأدوية المفردة) حيث يقول: إن أفضل المياه مياه العيون في الأرض الحارة، التي لا يغلب على تربتها شيء من الأحوال والكيفيات الغريبة، ويكون طين مسلكها حراً، لا حمأة فيه ولا سبخة ولا غير ذلك فإن الطين يأخذ منه اللزوجات الغريبة، أو تكون حجرية فتكون أولى بأن لا تعفن عفونة الأرضية(11).
مما تقدم يتضح لنا أن ماء زمزم قلوي غنى بالمعادن المفيدة للجسم ويوضح كتاب (التوازن الحمضي القلوي في الصحة والمرض) فوائد شرب الماء القلوي المتأين حيث يمد الجسم بقدر كبير من الطاقة ويعادل الأس الهيدروجيني للجسم ويزيل الفضلات الحمضية من الجسم، كما أنه مضاد قوى للأكسدة ومزيل قوى للسموم (يمنح الالكترونات لذرات الأكسجين النشطة الحرة).
كما يساعد على امتصاص العناصر الغذائية بكفاءة أفضل إلى داخل الجسم ويساعد الجسم في تمثيل المعادن المؤينة بسهولة أكبر، بالإضافة إلى أنه يساعد على تنظيم الهضم وتحسينه بصفة عامة بإعادة التوازن للجسم، ويقلل من تأكسد الأعضاء الحيوية ويدمر خلايا السرطان، وله معامل أكسدة واختزال سالب لذلك يعد وسطاً معادياً للبكتيريا(12).
ومن الجدير بالذكر أنه أثناء التعرض للجو شديد الحرارة يحدث نقص في كل من الصوديوم والبوتاسيوم في سير الدم ومع المجهود الشديد يزيد معدل الفقد في كل من الصوديوم والبوتاسيوم مع زيادة كمية العرق، وهذا قد يفسر ارتفاع الصوديوم في ماء زمزم عن المعدل المسموح به لتعويض هذا النقص حيث الجو شديد الحرارة في هذه الأماكن المقدسة(13).
هل تختلف المياه عن بعضها ؟
إن المياه تختلف عن بعضها البعض ابتداءًا ولكن بسبب ما يخالطها من مواد ونباتات وتربة، وليس من حيث مكوناتها الذاتية، فالماء عنصر سائل خلقه الله تعالى وسخره لخلقه لا يعدو عن كونه مكون من جزيء الهيدروجين والأوكسجين.
إن أنواع المياه الموجودة في الطبيعة هي كما ذكرها هيرمان اهيرا في كتابه (التوازن الحمضي - القلوي في الصحة والمرض) على أنواع نذكر منها:
1– مياه البلدية (مياه الصنبور): وهي مياه معظمها صالح للشرب باستثناء أن مياه الصنبور في العصر الحالي تحتوى على بكتيريا وفيروسات ومعادن عضوية وغير عضوية مما يجعل الماء عسراً، بالإضافة إلى احتوائه مواد كيماوية مضافة (الكلور – الفلوريد – سلفات الألومنيوم ...... الخ) مما يسهم في أحداث عدد وفير من العلل والأمراض .
2 – الماء المنقى (المقطر أو المعكوس الازموزى): هو ماء منزوع منه جميع العناصر الموجودة فيه باستخدام عمليات مختلفة بحيث أصبح لا يحتوى سوى المادة الكيميائية H2O، وحيث أن الماء شديد النقاء فهو يمتص ثاني أكسيد الكربون من الهواء مما يجعله حمضياً وأكثر قوة في إذابة المواد التي يلامسها، وعادة ما يحتوى على كمية قليلة جداً من الأكسجين المذاب أو لا يحتوى على الأكسجين إطلاقاً، ولذلك يشار إليه باسم الماء (الميت) وهو يمتص المعادن من جسم الإنسان وتجعله أكثر حمضياً كما أنه يمتص الالكتروليتات (الصوديوم، والبوتاسيوم والكلورايد) والمعادن مثل المغنيزيوم من داخل الجسم، وقد يؤدى النقص في تلك المعادن إلى عدم انتظام ضربات القلب والى ارتفاع ضغط الدم، وأكثر المشروبات السامة التي يتناولها الإنسان (المشروبات الغازية) تصنع من هذا الماء.
3 – المياه الميسرة: ماء منزوع منه جميع المعادن الجيدة وتم استبدالها بكمية من الملح تبلغ ضعف كمية المعادن المنزوعة فهي تحدث خللاً في الأيض وترفع ضغط الدم إلى الدرجة التي يحدث معها نزيفاً من الأنف، لذلك فهي لا تشرب أبداً(14).
4 – الماء المفلتر (المرشح): وهي مياه نحصل عليها باستخدام الفلاتر، وهي وسائل دفاعية حيث إنها تقوم بإزالة بعض الشوائب التي يحتوى عليها الماء قبل شربه، والفلاتر لا تقوم بإضافة شيء إلى الماء وعادة يصبح الماء أكثر حمضياً منه قلوياً بعد عملية الترشيح وبالإضافة إلى ذلك فإن معرفة الوقت المناسب لتغيير الفلتر يعد مشكلة في حد ذاته .
5 – الماء المؤين (الماء القلوي والماء المتفقد والماء الميكرو متفقد والماء المختزل): يعد الماء المؤين أفضل أنواع مياه الشرب المتاحة على الإطلاق حيث إنه يزيل الشوائب ويحتوى على أس هيدروجيني قلوي كما أنه يحتوى على كمية كبيرة من الأكسجين وله معامل أكسدة واختزال سالب بالإضافة إلى أنه متاح على عناقيد جزيئية أصغر حجماً، ومن السهل الحصول على نتائج متجانسة ذات فوائد صحية حقيقية، والماء المؤين له مذاق ناعم وحلو بسبب ما يحتويه من تركيز للأيونات السالبة (التي يتميز بها ماء ينابيع الجبال النقي) وهو منعش كذلك، وكل هذه المواصفات تنطبق على ماء زمزم حيث إنه ماء قلوي نقى من الينابيع الجبلية .
6 – المياه المعدنية: وهي أفضل من مياه الصنبور من ناحية معامل خفض الأكسدة (القدرة على إزالة ذرات الأكسجين النشطة) ويوجد الآلاف من مصادر المياه المعبأة بعضها جيد وبعضها أقل جودة(15).
وقد قسم كتاب (vitamins and minerals ) المياه المعدنية إلى ثلاث مجموعات:
- مياه معدنية فقيرة بالمعادن: وهي تحتوي على 50 مليجرام من الأملاح المعدنية في اللتر.
- مياه معدنية متوسطة الغنى بالمعادن: وهي تحتوي على كمية تزيد عن 500 مليجرام من الأملاح المعدنية في اللتر.
– المياه المعدنية غنية بالمعادن: وهي تحتوى على كمية تزيد عن 1500 مليجرام من الأملاح المعدنية في اللتر(16).
وفرة ماء زمزم:
وصدرت توجيهات ملكية للرئاسة العامة لشؤون الحرمين الشريفين بضرورة مراعاة حماية البئر من أي تسربات ناتجة عن أعمال الحفر، وقد تم تحديد معالم البئر لأول مرة في التاريخ في عهد الملك خالد بن عبد العزيز رحمه الله، وتم تنظيف قاع البئر من التراكمات التي تجمعت بداخله منذ أكثر من ألف عام وبلغ ارتفاعها عشرة أمتار من قاع البئر ووزنها عشرة أطنان، وأصبح عمق الماء في البئر بعد ذلك 25.6 متر، وينخفض منسوب الماء عن سطح فوهة البئر ما بين 3.8 و4.5 أمتار حالياً(17).
وفي منبعه الأساسي سر غامض يعتبره علماء الجيولوجيا كنزا كبيرا ربما يستحيل كشف رموزه إلى أن تقوم الساعة، حيث ما من ماء يصل إلى هذا النبع حتى يكتسب خواص ماء زمزم، نقاوةً وطهارةً، هذه النتيجة ليست نظرية أو غيبية أو منقولة من بطون الكتب القديمة، لكنها خلاصة أبحاث علمية شملت البئر وماءه ودرجة نقائه، وشملت مياه آبار أخرى قريبة جدا منه، وجد أنها لا تتمتع بنفس الخواص، حيث يفيض الماء منه منذ آلاف السنين دون أن يجف البئر أو ينقص حجم المياه فيه، وكانت مفاجأة مدهشة للعلماء أثناء توسعة الحرم المكي وتشغيل مضخات ضخمة لشفط المياه من بئر زمزم حتى يمكن وضع الأساسات، أن غزارة المياه المسحوبة قابلها فيضان مستمر في الماء، يفور ويمور كأنه أمواج البحر(18).
يقول المهندس يحي كوشك وهو يحمل شهادة الدكتوراه في هندسة البيئة من جامعة واشنطن الأمريكية العام 1971م مصادر مياه بئر زمزم وفق التحديد الذي قام به مع الفريق العلمي الذي رأسه عام 1400 ه ونشر نتائجه في كتابه (زمزم) بقوله: المصدر الرئيسي فتحة تحت الحجر الأسود مباشرة وطولها 45 سم، وارتفاعها 30 سم، ويتدفق منها القدر الأكبر من المياه.
والمصدر الثاني فتحة كبيرة باتجاه المكبرية (مبنى مخصص لرفع الأذان والإقامة مطل على الطواف)، وبطول 70 سم، ومقسومة من الداخل إلى فتحتين، وارتفاعها 30 سم، وهناك فتحات صغيرة بين أحجار البناء في البئر تخرج منها المياه، خمس منها في المسافة التي بين الفتحتين الأساسيتين وقدرها متر واحد، كما توجد 21 فتحة أخرى تبدأ من جوار الفتحة الأساسية الأولى، وباتجاه جبل أبي قبيس من الصفا والأخرى من اتجاه المروة(19).
ماء زمزم في مجال الكشوفات الحديثة:
حدث في عام 1971م ما يبرهن على خصوصية ماء زمزم، حيث قام أحد الأطباء بإرسال خطاب إلى دار نشر أوروبية مضمونه أن ماء زمزم لا يصلح لغرض الشرب، وهو قد بنى افتراضه هذا على أساس أن الكعبة مكان ضحل بمعنى أنها تحت مستوى سطح البحر، كما أنها تقع في مركز مكة فكل هذه الظروف تعني أن مياه الصرف المتجمعة من المدينة كلها تصرف من خلال البالوعات في بئر واحدة تجمعها كلها.
ولحسن الحظ قد وصلت هذه الأنباء إلى الملك فيصل آن ذاك، الذي استشاط غضبه لسماع هذه الأنباء وقرر أن يبطل هذه الدعاوى المستفزة، ففي الحال أصدر أوامره إلى وزارة الزراعة ومصادر المياه للتحري وإرسال عينات من ماء زمزم إلى المعامل الأوروبية لفحصها لمعرفة مدى صلاحيتها للشرب, وذهب الخبراء إلى مكة لهذا الغرض، وكلفوا أحد العمال من الرجال لمساعدتهم على تنفيذ ما يريدون أثناء الفحص العملي لبئر زمزم، وعندما وصلوا إلى البئر بإذن من المسؤولين كان من الصعب عليهم التصديق بأن حوضاً من الماء يشبه البركة الصغيرة، ولا يزيد عمقه عن 14 إلى 18 قدماً هو نفسه البئر الذي يمدنا بملايين من الجالونات من الماء كل عام للحجاج والمعتمرين، وهو أيضا قد جاء للوجود منذ قرون طويلة، وهنا بدأ الخبراء عملهم وبدأوا في أخذ أبعاد البئر، وطلب الخبراء من العامل المكلف لمساعدتهم بأن يريهم مدى عمق البئر، ففي أول الأمر نزل الرجل في الماء فرأى الخبراء أن الماء قد تعدى كتفيه بمسافة بسيطة، وكان طول ذلك الرجل حوالي 5 أقدام و8 بوصات ولنا أن نتصور في مخيلتنا أن الماء في البئر لم يكن عميقا، ثم بعد ذلك بدأ الرجل يتحرك في البئر من مكان إلى آخر بحيث لا يصل إلى مرحلة غمر رأسه في الماء وذلك لكي يبحث عن مصدر نفاذ الماء إلى البئر، ومع هذا فقد أكد الرجل أنه لا يستطيع أن يحدد وجود أي منفذ تأتي منه المياه إلى البئر(20).
وحيّر الأمر الباحثين، فجاءتهم فكرة أخرى وهي استخدام مضخة كبيرة ناقلة لضخ المياه خارج البئر إلى خزانات ماء زمزم وبهذا ينخفض منسوب المياه في البئر, فجأة وهنا يمكن تحديد النقطة التي ينفذ منها الماء إلى البئر، وهذا الأمر لم يكن غاية في الصعوبة لأن منسوب المياه لم يكن عالياً للدرجة التي تعوق الضخ، بل بالعكس كان تحديد نقطة نفاذ المياه إلى البئر من المتوقع أن يكون سهلا لأن هذه كانت هي الطريقة الوحيدة التي تعرف بها نقطة نفاذ الماء إلى البئر.
وفى نفس الوقت أشار الباحثون إلى العامل المرافق لهم أن يقف مكانه داخل البئر ولا يتحرك، وأن يلاحظ بعناية أية ظاهرة غير عادية من الممكن أن تحدث داخل البئر، وبعد لحظة رفع العامل يديه وهو يصرخ قائلا: الحمد لله... لقد وجدتها، فقد لاحظ أن الرمال ترقص تحت قدميه، وأن المياه ترشح في قاع البئر أي أن المياه تنبع فعلا من تحت الرمال.
تحرك العامل خلال البئر ولاحظ أن تلك الظاهرة موجودة بالفعل في جميع أنحاء البئر، وفي واقع الأمر كان تدفق الماء إلى داخل البئر خلال القاع متساوياً في كل نقطة من نقاط البئر، وبهذا يحافظ على منسوب الماء في البئر ثابتا، وبعد ذلك أخذ الخبراء يسجلون نتائجهم، ثم أخذوا عينات من ماء زمزم لفحصها في معامل أوروبا، وقبل أن يرحل الخبراء سألوا عن الآبار المحيطة بمكة فتم إخبارهم بأنها كلها جافة تقريبا، وحاول أحد الخبراء أن يجد تبريرا لظاهرة رشح المياه من تحت الرمال فوضع أحدهم افتراضا بأن بئر زمزم قد يكون مرتبطا داخليا بماء البحر الأحمر، ولكن هذا الافتراض لم يكن منطقيا، فكيف يكون ذلك منطقيا وكل الآبار المحيطة بمكة جافة وكذلك أن مكة تبعد عن البحر الأحمر بحوالي 75 كم، وقد ثبت تطابق نتائج فحص الخبراء للمياه مع نتائج معامل أوروبا.
وكان الفرق بين ماء زمزم وماء الشرب الذي يضخ في المنازل هو نسبة أملاح الكالسيوم والمغنيسيوم، فلقد كانت نسبتها أعلى في ماء زمزم وهذا هو السبب في أنها تنعش الحجاج المتعبين، والأكثر أهمية من ذلك هو أن ماء زمزم يحتوي على فلوريدات مضادة للجراثيم بشكل عالي الفعالية، والأهم من كل هذا هو أن المعامل في أوروبا أثبتت أن الماء فعلا صالح للشرب، وبهذا ثبت بطلان الافتراض الذي أدلى به ذلك الطبيب(21).

وجه الإعجاز:
يقول ابن القيم رحمه الله: «لقد جربت أنا وغيري من الاستثسفاء بماء زمزم أمورا عجيبة, واستشفيت به من عدة أمراض فبرأت بإذن الله, وشاهدت من يتغذى به الأيام ذوات العدد قريبا من نصف الشهر أو أكثر ولا يجد جوعا ويطوف مع الناس كأحدهم وأخبرني أنه ربما بقي عليه أربعين يوما وكان له قوة يجامع بها أهله ويصوم ويطوف مرارا"(22)، وربما إذا أردنا أن نسرد بعض قصص المنتفعين من ماء زمزم لتعاظمت ثنايا هذا البحث وربما خرج عن فكرته كبحث في الإعجاز، لذا فإني سأكتفي بدعوة كل من لم يجرب هذا الماء المبارك بأن يجربه هو بنفسه ليكون على يقين من هذه المعجزة الخالدة.
وإذا عدنا للمعجزة التي بسببها تكون ماء زمزم نتذكر أن هاجر بحثت يائسة عن الماء بين جبلي الصفا والمروة لكي تسقي وليدها إسماعيل عليه السلام، بهرولتها بينهما يحملها على ذلك قلبها الرحيم بابنها وهو قلب الأم بحثا عن الماء، ضرب وليدها برجليه الرقيقتين على الرمال، فتفجرت بركة من المياه تحت قدميه، وبرحمة الله وقدرته شكلت هذه المياه نفسها كبئر قد أطلق عليه بئر زمزم، ومن هنا كان مصدر وجود المياه معجزة على زمزم، ودليلا على قدرة الله العظيم، ولم يستطع العلماء إيجاد تفسير علمي لمصدر وجوده حيث نفدت جميع المنافذ من المياه من حوله(23).
والسؤال الذي يطرح نفسه هل تجرأ أحد يوما على أن يعطي لبئر من الآبار من المزايا والخصائص ما أعطاها رسولنا الكريم لبئر زمزم؟ ثم هل كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم صادقا فيما أخبر به؟ فالجواب ولا شك بنعم، فما أخبر به صلى الله عليه وسلم فيما سوى ذلك هو كذلك صدق وحق أوحاه الله تعالى له من غير تبديل ولا نقصان ولا تحريف، وهذا والله ما نشهد به أنه عبد الله ورسوله وصدق الله العظيم القائل: ?مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً? [الأحزاب: 40].
فوائد الصلاة للحامل
مقدمة:
للصلاة في الإسلام منزلة عظيمة جداً، فهي عماد الدين الذي لا يقوم إلا به، قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد"(1), ولقد عني الإسلام بالصلاة عناية خاصة, وأمر بإقامتها والمحافظة عليها في الحضر والسفر، في السلم والحرب، في الأمن والخوف، وفي الصحة والمرض، فقال تعالى: ?حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ * فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ? [سورة البقرة: 238-239], وقد بيَّن القرآن الكريم والسنة المطهرة كيفيتها في السفر والحضر, والصحة والمرض, والحرب والأمن.
والصلاة عبادة تتضمن أقوالاً باللسان وأفعالاً بالبدن، وهي صلة بين العبد وربه، وقد كتب الله تعالى لمن أقامها وداوم عليها وأحسن أداءها وخشوعه فيها من الأجر والفضل والإكرام ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وهي سبب في رقيه في مدارج الإيمان والإحسان بمقدار حضور قلبه وفكره وخشوعه، وسبب في تمكنه في مكارم الأخلاق وبعده عن الفحشاء والمنكر.
ولست هنا في صدد الحديث عن فضائل الصلاة ومنافعها، لأن الحديث عنها لا ينتهي، إنما أريد أن أقول: إن الله عزَّ وجلَّ قد جعل الصلاة خيراً للمسلم، ففوائدها لا تقتصر على ما يناله المسلم في الآخرة فحسب بل تشمل البدن أيضاً بفوائد يحصل عليها هنا في الدنيا, فهناك فوائد بدنية عظيمة لا تعد، ينعم الله بها على المسلم بواسطة الصلاة، على الرغم من أنه يؤديها بنية تنفيذ أمر الله عزَّ وجلَّ وطلباً لمرضاته وتقرباً إليه.
فالمسلم حين يؤدي الصلاة فإنه - ودون أن يلقي لذلك بالاً - يقوم بتمارين تشمل جميع البدن من أعلى الرأس إلى أخمص القدم, ففي كل حركة من حركات الصلاة هناك عضلات ومفاصل وأوتار وأربطة.. إلخ تشترك جميعاً في تأدية الحركة مما ينتج عنه تقويتها وتنشيطها.
ولو قيل لأحد المصلين إنه يؤدي خمسين حركة كل يوم لأصابته الدهشة، ومع ذلك فهو يؤدي عدداً من الحركات يفوق كثيراً هذا الرقم, فالصلاة عمل بسيط وحركات قليلة متكررة خمس مرات في اليوم، ولكن إذا أحصيتها جميعاً وجدت أرقاماً مذهلة(2).
ونحن في هذا البحث لن نتطرق إلى كل الفوائد البدنية للصلاة, ولكننا سوف نسلط الضوء على فوائد الصلاة للمرأة الحامل, وما تحققه الصلاة لها من ثمار طيبة.
فوائد الصلاة البدنية للحامل:
في عصرنا الحاضر تدخل الحامل إلى المستشفى للولادة وهي خائفة وقلقة ومتوترة؛ بسبب عدم ثقتها بنفسها وعدم سيطرتها على جسدها, وهذا الخوف والتوتر سيسبب لها تقلص عضلاتها، وتقلص عضلاتها سيسبب لها الألم، والألم سيسبب لها الخوف من جديد ، وهكذا تدور الدائرة.
ويحدث أحيانًا كثيرة، بسبب تقلُّص عضلات الحامل وعدم مرونة الأعضاء الأخرى التي تشترك في عملية الولادة، أن تتعسر ولادتها، فالجنين عليه أن يمر -بعد خروجه من الرحم- من الحوض ثم المهبل, يحاول المرور أولاً من الحوض فلا يستطيع؛ لأن الحوض غير مرن، وقد يكفي أحياناً أن يتمدد شيئاً قليلاً فينزلق الجنين من خلاله، ولكن يخبرها القائمون على عملية الولادة بأنه لا بد من إجراء عملية قيصرية (شق بطن) لإخراج الجنين وإنقاذه قبل أن يموت.
وفي حالة نجاح الجنين في المرور عبر الحوض، يكون قد بقي عليه أن يخرج من الفتحة المهبلية، وأحياناً كثيرة يكون رأسه أكبر منها والمهبل غير قادر على التمدد، إذن لا بد من مداخلة جراحية وإحداث شق لتوسعة هذه الفتحة لإتاحة الفرصة أمام الجنين للخروج، وأيضاً لتفادي التمزق، وهذه المداخلة الجراحية (الشق) أخذت تحدث على نطاق واسع مع هذا الجيل الجديد من النساء وفي معظم بلدان العالم.
ولكن هذه الجراحة البسيطة خير من التمزق بكثير، وفي كلتا الحالتين يعود السبب إلى عدم مرونة الأعضاء, ونعود بالتالي إلى السبب الرئيس في ذلك ألا وهو قلة الحركة, والتعود على الكسل والخمول.
وهذا ما جعل الأطباء -وغيرهم ممن لهم علاقة بالأمر- يقومون بوضع تمارين رياضية خاصة بالحامل، وإعداد برامج لفترة الحمل, وكذلك لفترة ما بعد الولادة، للتعويض عن الحركة المفقودة والضرورية للحامل.
وتوضح عدة دراسات: أن ممارسة بعض هذه التمارين الخاصة بالحامل تسهل من عملية الحمل والولادة، والأطباء عامة ينصحون كل حامل بممارسة هذه التمارين، ولا يكاد مستشفى للولادة يخلو من بعض الرسومات والصور التي توضح بعض هذه التمارين.
وتوضح الدراسات: بأن مضاعفات الحمل وعدد الولادات القيصرية وتهتك الأنسجة أثناء الولادة يكون أقل لدى السيدات اللاتي يمارسنها بالمقارنة بغير الممارسات(3).
وهكذا يتضح لنا أهمية التمارين الرياضية وضرورتها للمرأة الحامل، بقي أن نعرف أن الكثير من هذه التمارين يشبه تماماً حركات الصلاة وهيئاتها..! وهذه بعض منها(4):
1- تمرين ميل الجذع للأمام, وهو تمرين يشبه الركوع في الصلاة, وهذه هيئته:

2- تمرين القرفصاء والقيام, وهو مشابه للنزول والقيام الذي يقوم به المصلي:

3- هذا التمرين مشهور جداً في عالم تمارين الحامل, وأكثر ما تُنصح بممارسته، ويسمى: (وضع الصدر – الركبة Knee – Chest Position), وهو كما يبدو بوضوح تمرين مشابه للسجود في الصلاة:

4- تمرين الجلوس والاسترخاء وهو مشابه للجلوس في الصلاة:

إنهم يذكرون أن لكل تمرين من هذه التمارين فوائد بدنية متعددة تعود على الحامل، والسؤال الآن: إذا كانت هذه التمارين المفيدة للحامل تشبه حركات وهيئات الصلاة، أفلا تحصل الحامل على هذه الفوائد نفسها أيضاً إذا حافظت على أداء الصلاة؟
والجواب: نعم بالتأكيد، خاصة إذا علمنا أن عدد مرات تكرار حركات الصلاة خمس أوقات في اليوم سيكون أكبر بكثير من عدد مرات تكرار هذه التمارين الرياضية.
ولو أن الأطباء أو الذين وضعوا هذه التمارين يعلمون أن جميع الحوامل يصلين هذه الصلاة لما وجدوا حاجة في وضع هذه التمارين, ولاكتفوا بنصح الحامل بالمحافظة على الصلاة، ولأخبروا الحامل بأن صلاتها تغني عن هذه التمارين التي لو مارستها فإنها لن تمارسها خمس مرات في اليوم كما تفعل مع الصلاة، ولكن الذين اشتُهروا بأنهم واضعوا هذه التمارين هم من غير المسلمين، وأكثر اللاتي يمارسنها هن من غير المسلمات، أي ليس لديهن هذه الصلاة حتى يؤدينها ويكتفين بها، إذن فملجأهن الوحيد هو هذه التمارين التي ينصحهن بها أطباؤهن(5).
أما المرأة المسلمة فلديها هذه الصلاة التي أنعم الله عليها بها، فهي إذا حافظت عليها عبادة لله عزَّ وجلَّ فسيكون فضل الله عليها عظيماً؛ بأن يعجل لها هنا في الدنيا بفوائد بدنية كبيرة تكسبها بطريقة تلقائية، وتنفعها في حملها وولادتها وبعد طهارتها من النفاس، فضلاً عن المنافع والأجر العظيم في الآخرة.
وهناك العديد من الفوائد البدنية الأخرى التي تكتسبها المرأة الحامل من الصلاة، وهذه أهم الفوائد البدنية والنفسية:
• تُكسب مرونة لمعظم أعضاء وعضلات الجسم، وتسهل حركة العمود الفقري مع الحوض مفصلياً, للمحافظة على ثبات الجسم واعتدال قوامه.
• تنشيط الدورة الدموية في القلب والدماغ والشرايين والأوردة، مما يساعد في توصيل الغذاء إلى الجنين بانتظام عبر الدم، ويساعد أيضاً في نمو الجنين نمواً طبيعياً.
• المحافظة على مرونة مفاصل الحوض وعضلات البطن, حيث لها أكبر الأثر في قوام الأم الحامل.
• تحسين النغمة العضلية(6).
• رفع المعنويات وإكساب الثقة بالنفس، والسيطرة على الجسم، والقدرة على التركيز(7)
لقد سئلت الدكتورة نجوى إبراهيم السعيد عجلان -مدرسة بكلية طب جامعة طنطا، ودكتورة النساء والولادة بمركز الرياض الطبي بالرياض- عن وجهة نظرها فيما يمكن أن تستفيده الحامل من الصلاة، فأجابت:
«إن السيدة الحامل - كما هو معتاد دائماً وخاصة في الشهور الأخيرة- تكون مثقلة بالجنين، ولكن عندما تؤدي الصلاة فإن حركاتها تساعد على نشاط الدورة الدموية وعدم التعرض لدوالي القدمين، كما يحدث لبعض السيدات.
إن معظم شكوى الحوامل هي عسر الهضم, مما يجعل الإحساس بالانتفاخ والتقيؤ صعب الاحتمال، وفي الصلاة: الصحة بإذن الله والتغلب على عسر الهضم الذي يصاحب الحوامل، فالركوع والسجود يفيدان في تقوية عضلات جدار البطن، ويساعدان المعدة على تقلصها وأداء عملها على أكمل وجه, وهناك تمرينات مفيدة للحامل قريبة الشبه تماماً بحركات الصلاة التي تجعل أربطة الحوض لينة, وخاصة في الأسابيع الأخيرة من الحمل، كما أنها تقوي عضلات البطن وتمنع الترهل, كما أنه في الأسابيع الأخيرة للحمل هناك تمرينات تشبه تماماً الركوع والسجود أثناء الصلاة، وهذه مهمة جداً لدفع الجنين خلال مساره الطبيعي في الحوض كي تتم ولادة طبيعية بإذن الله»(8).
وهذه الفوائد والمنافع التي تجنيها الحامل من صلاتها تعود عليها بالنفع أيضاً وقت الولادة، حيث تساعدها في تخطي هذه العملية بكل يسر وسهولة، وإنهائها في أقصر وقت ممكن بسبب ثقتها بنفسها وسيطرتها على جسمها، وقدرتها على التركيز طوال العملية بدلاً من الخوف والصراخ والحركات الفوضوية.
فوائد الصلاة البدنية لفترة ما بعد الولادة:
أما عن فوائد الصلاة البدنية لفترة ما بعد الولادة –أي بعد الطهارة وزوال المانع من الصلاة-فإنها تكسب عضلات الحوض القوة، وكذلك عضلات البطن والصدر, وبالتالي يتأثر العمود الفقري بهذا النشاط العضلي وينتصب معتدلاً, كذلك مفاصل الحوض والأطراف تصبح أكثر مرونة واستعدادًا للحركة؛ مما يسمح للمرأة بالعودة إلى رشاقتها وجمالها وقوتها.
إذن، فالصلاة هي خير رياضة للبدن, وخير تعويض عن الحركة المفقودة, ويمكن أن تمارسها الحامل دون أي خطورة أو خوف أو وجل، بل حتى دون استشارة الطبيبة كما هو مطلوب عند ممارسة التمارين الرياضية.
والحامل المحافظة على الصلاة إذا أرادت الاستزادة من الحركة بتمارين الحامل فلا بأس بذلك، بل يمكنها أيضاً الاستزادة من الصلوات, فباب التنفل مفتوح ومستحب، خاصة إذا لم يكن لديها أي معرفة بالتمارين الرياضية(9).
وجه الإعجاز:
رأينا في هذا البحث الفوائد العديدة للصلاة بالنسبة للحامل, وفوائد الصلاة لا تختص بالحامل بل هي تتعدى لكل من يمارس هذه العبادة العظيمة, والتي أكد عليها الإسلام, وبيّن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن المسلم يؤديها على كل أحواله, فعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: كانت بي بواسير فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة فقال: "صل قائماً, فإن لم تستطع فقاعداً, فإن لم تستطع فعلى جنب"(10), وكل هذا حتى لا يحرم الناس من خير الصلاة وفوائدها في الدنيا وفي الآخرة.
والحامل لم تعذر من أداء الصلاة, بل يجب عليها أداؤها في وقتها, وفي هذا مصلحة عظيمة لها, وما ذلك إلا لأن هذه الشريعة الإسلامية نزلت من لدن حكيم عليم, فمن كان يتخيل كل هذه الفوائد البدنية للصلاة بالنسبة للحامل, كل هذا يدل على صدق الرسول الكريم r وأن ما قاله هو وحي يوحى إليه من الخالق الحكيم.
الإعجاز في علاج عرق النسا
مقدمة:
يصاب الإنسان بأمراض كثيرة بعضها علاجه معروف عند الأطباء بل أحيانا حتى عند عامة الناس، وبعضها علاجه غير معروف عند عامة الناس حتى عند الأطباء وذلك إما أن يكون هذا المرض قد نشأ حديثا بسبب ما أحدثه الناس من معاص لما ورد في الحديث، عن عبد الله بن عمر قال أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: "يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في بأيديهم وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم"(1), والشاهد في الحديث قوله: " إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا" فيكون علاجه لم يعرف بعد لنشوئه حديثا، أو قد يكون المرض معروفا عند الناس من زمن بعيد ولكن لم يجد له الأطباء علاجا بعد، ولا يعود هذا لاستحالة وجود علاج له لأن نبينا أخبرنا في الحديث بأنه ما نزل داء إلا وجعل الله له شفاء، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء"(2), وإنما لصعوبة ذلك المرض إما لاستفحاله أو لاستعصائه وإما لعدم وجود الوسائل اللازمة للوصول لعلاجه.
أما مرض عرق النسا فهو مرض ليس بالجديد بل هو مرض قديم ومعروف، وأما علاجه فإن العلماء اليوم قد وجدوا له ما يخففه أو يعالجه ويزيله, إلا أن هذا المرض القديم لم يكن يعرف له علاج ناجع ومفيد سوى النوم بالفراش والاستسلام له، ولكن نجد أن رسولنا صلى الله عليه وسلم وقد عاش في القرن السادس الميلادي أي قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة أوصى المريض بعرق النسا بعلاج لم يعرفه من قبله أحد، فهل يا ترى أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان طبيبا ؟ أم أن ذلك كان من وحي أوحاه الله تعالى إليه؟ والجواب عن الأول فهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعرف بالطب ولا تعلمه، ولا يخفى أنه لو تعلمه لعرف به فكل من اشتهر بشيء عرف به، إلا أن رسولنا عرف بالصدق والأمانة فكان يلقب بالصادق الأمين.
فهل يا ترى أنه وحي من الله الخالق سبحانه ؟ الجواب عن هذا السؤال سنوضحه في هذا البحث من خلال استعراض العلاج النبوي لعرق النسا مع ما أثبته العلم الحديث من خصائص ومميزات اتصف بها العلاج النبوي لعرق النسا بإذن الله تعالى.

النص النبوي:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: "في عرق النسا يأخذ إلية كبش عربي ليست بأعظمها ولا أصغرها فيتقطعها صغارا ثم يذيبها فيجيد إذابتها ويجعلها ثلاثة أجزاء فيشرب كل يوم جزءا على ريق النفس"(3).
من وصايا الحديث النبوي هذا نستخلص بأن الإلية يجب أن تكون لكبش عربي ويتم تقطيعها إلى أوصال صغيرة ثم تذاب ثم يقسم زيتها إلى ثلاثة أقسام ثم يشرب كل قسم في يوم على الريق أي قبل تناول أي شيء قبله.

ما هو عرق النسا؟
عرق النسا (بفتح النون) هو مرض يصيب الإنسان فيقعده تقريبا عن الحركة بسبب آلام شديدة تقع في أسفل الظهر عند الورك الأيمن أو الأيسر أو كلاهما.
جاء في فقه اللغة: عِرْقُ النَّسَا مَفْتُوح مَقْصُورٌ وَجَع يَمْتَدُّ من لَدُنِ الوَرِكِ إلى الفَخِذِ كُلِّها في مكانٍ منْها بالطُّولِ ورُبَّما بَلَغَ السَّاقَ والقَدَمَ مُمْتَدّاً(4)
وصفه ابن القيم صاحب كتاب زاد المعاد الذي ضمنه الطب النبوي قائلا: عرق النساء : وجع يبتدئ من مفصل الورك وينزل من خلف على الفخذ وربما على الكعب وكلما طالت مدته زاد نزوله وتهزل معه الرجل والفخذ، وسمي بذلك لأن ألمه ينسي ما سواه(5)، فكم ممن ابتلى بعرق النسا وبأوجاع الوركين والركبتين وترهلت أوراكه وأعضاؤه ووجهه وأطرافه(6).
وهذا العرق ممتد من مفصل الورك وينتهي إلى آخر القدم وراء الكعب من الجانب الوحشي فيما بين عظم الساق والوتر(7).

سبب تعين العلاج بشاة عربية:
جاء في علاج عرق النسا أن تكون إلية شاة عربية فما المراد بالشاة العربية؟ هل هي الشاة التي تعيش في الجزيرة العربية فقط أم المراد بها شيء آخر ؟ يقول ابن القيم بعد وصف العلاج بالإلية بأنه من أنفع العلاج حيث أن المرض يحدث من يبس وقد يحدث من مادة غليظة لزجة فعلاجها بالإسهال، ولذلك يقول ابن القيم: والألية فيها الخاصيتان: الإنضاج والتليين ففيها الإنضاج والإخراج وهذا المرض يحتاج علاجه إلى هذين الأمرين(8) .
فالشاة العربية إذن هي التي ترعى في الطبيعة وتعيش على النباتات الطبيعية والحشائش الغنية بمادة أميغا 3 مثل نبات الشيح والقَيْصُوم فالشاة الأعرابية بالغريزة ترعى الأعشاب المفيدة وتبتعد عن الأعشاب السامة ولقد أكتشف العلم الحديث أكثر من 700 دواء من الأعشاب البرية فالشاة الأعرابية ترعى على النباتات البرية المفيدة وتهضمها وتحول زيوتها المفيدة إلى دهون تتركز في إليتها(9).
وفي تعيين الشاة الأعرابية فوائد جمة يعرفها من كان له عناية بالطب الشعبي أو ما يسمى بالطب البديل اليوم، فالشاة العربية إذن مقدمة على غيرها بل لا يصح العلاج المراد إلا بها لقلة فضولها وصغر مقدارها ولطف جوهرها وخاصية مرعاها لأنها ترعى أعشاب البر الحارة كالشيح والقيصوم ونحوهما وهذه النباتات إذا تغذى بها الحيوان صار في لحمه من طبعها بعد أن يلطفها تغذيه بها ويكسبها مزاجا ألطف منها ولا سيما الإلية، وظهور فعل هذه النباتات في اللبن أقوى منه في اللحم ولكن الخاصية التي في الإلية من الإنضاج والتليين لا توجد في اللبن، وهذا كما تقدم أن أدوية غالب الأمم والبوادي هي الأدوية المفردة (10).

أعراض عرق النسا:
تقدم أن عِرْقُ النَّسَاء: وجعٌ يبتدأ مِن مَفْصِل الوَرِك، وينزل مِن خلفٍ على الفخذ، وربما على الكعب، وكلما طالت مدتُه، زاد نزولُه، وتُهزَلُ معه الرجلُ والفَخِذُ وقد يرافق بالتنميل وضعف قوة الرجل(الطرف السفلي للجسم) وقد يترافق مع هذه الأعراض ألم بأسفل الظهر وقد تكون الأعراض خطيرة إذا رافقها عدم التحكم في إخراج الفضلات من الجسم، وامتداد ضعف الحركة أو التنميل إلى أعلى الرجل.
بيان الشروط الواردة في الحديث النبوي الشريف:
سبق بأن الإلية يجب أن تكون لكبش عربي ويتم تقطيعها إلى أوصال صغيرة ثم تذاب ثم يقسم زيتها إلى ثلاثة أقسام ثم يشرب كل قسم في يوم على الريق أي قبل تناول أي شيء قبله، فما الحكمة العلمية المستقاة من هذه الشروط التفصيلية؟
أما في قوله (تذاب) ففائدة ذلك هو لتعقيم الإلية برفع درجة الحرارة إلى درجة متوسطة كافية لقتل البكتريا والجراثيم إضافة لتذويب الدهون الغير مشبعة، ولكن دون الوصول إلى درجة حرارة عالية مثل ما يحدث في عملية القلي بالزيوت، حيث يتغير الشكل الهندسي للدهون الغير المشبعة من شكل الجيد للجسم البشري والمتوفر في الحالة الطبيعية للزيوت النباتية، إلى الشكل الغير طبيعي والذي تتحول فيه هذه الدهون إلى مواد ضارة بصحة الإنسان.
أما تقسيمها إلى ثلاثة أقسام لا أكثر ولا أقل فإن زيادة الجرعة إلى أكثر من ثلاثة قد يؤدي إلى تزنخ تزنخ وفساد الدهن بتعرضه للتأكسد الذي يكتشف بتغير طعمه، وأما إنقاص الجرعات إلى أقل من ثلاث فهو لأن الكمية الكبيرة من هذا الزيت الحيواني قد يؤدي تناولها دفعة واحدة إلى حدوث أعراض أو إصابة بتصلب الشرايين المفاجئ أو ما يسمى بالجلطة،
وأما قوله (على ريق النفس) فيبين أهمية أن يتناول الإنسان السائل الدهني على الريق حيث أن تناول الإنسان السائل على الريق يعني عدم وجود دهن آخر يمكن أن ينافس دهن الإلية ويعرقل استئثارها بالعديد من السوائل والأنزيمات المهمة، مثل سوائل المرارة والبنكرياس التي تعمل على تسهيل مرور الدهون عن طريق جدار القناة الهضمية إلى داخل الجسم، ومثل الأنزيمات التي تعمل ضمن الجدار الخلوي كي تحول دهون الإلية من نوع أوميغا ثلاثة إلى البرستجلندينات النافعة من الصنف الثالث والتي تخفف الالتهابات والآلام النتيجة عن مرض عرق النسا(11) .

أسباب عرق النسا:
ولعرق النسا أسباب عدة يخبرنا بها الأطباء اليوم حيث أن أكثر حوادثه تنجم عن فتق النواة اللبية للغضاريف بين الفقرات والذي يؤدي إلى انضغاط الجذور العصبية، كما أن التعرض للبرد يسبب الاحتقان الدموي داخل السيساء المؤدي إلى ذلك الانضغاط، وقد تنجم عن الإنسمامات أو الإصابة بداء المفاصل الفقرية أو الأنتان بالعصيات الكولونية التي تستوطن الأمعاء وتصبح ممرضة في ظروف خاصة وهذا يؤدي إلى التهابات في بعض الأعصاب مما يؤدي إلى حدوث آلام عرق النسا(12).

دور الدهون في علاج عرق النسا:
أما من الناحية العلمية التفصيلية الدقيقة فقد وجد اليوم من يستطيع الغوص في مكونات المركبات الدهنية المتناهية في الصغر ليخبرنا عن أسرار الدهون بأنواعها وعلاقتها في علاج عرق النسا، يقول الدكتور زهير بن رابح قرامي: إن استقلاب الدهون في الغذاء يتفرع إلى ثلاثة مسارات، ترتبط كل واحدة منها بنوع الغذاء الدهني الذي يتناوله الإنسان بكمية عالية، بحيث نحصل على ثلاثة مركبات كيميائية تتباين أو حتى تتناقض في طبيعة مفعولها، وهذه المركبات هي شبيهة بالهورمونات وتسمى برستجلندينات، ومرد هذا التنوع هو اختلاف مفعول كل واحدة منها على الآلام والالتهابات في جسم الإنسان.
فهنالك البرستجلندين من الصنف الأول وهي تمنع الآلام، وهذه البرستجلندينات تنتج عن نوع من الأحماض الدهونية تسمى جاما لينولينيك GLA التي تنتمي للدهون من مجموعة أوميغا ستة، وتوجد بصفة محدودة في بعض النباتات وخاصة نبتتين هما زهرة الربيع المسائية ونبات لسان الثور، ولذلك تباع المنتجات الدوائية المحتوية على هذين النبتتين بأسعار مرتفعة، وتنفع هذه المنتجات من لا يملك أنزيمات فعالة لتحويل حامض اللينولييك إلى حامض جاما لينولينيك ثم برستجلندين من الصنف الثالث .
أما البرستجلندين من الصنف الثاني فهي تزيد من الآلام، وهي تنتج عن الدهون من مجموعة أوميغا ستة أيضا، وعلى رأسها حامض اللينولييك LA، الموجود في الغذاء العصري مثل الكيك والمرجرين وغيرها، والزيوت النباتية السائلة التي حولتها صناعة الأغذية بالهدرجة إلى دهون ترانس الصلبة لتتماسك الكيكات والشكولاتات والحلويات في درجة حرارة الغرفة.
وتتميز البرستجلندينات من الصنف الثالث بخاصية تخفيف الآلام والإلتهابات ويتم تصنيعها انطلاقا من حامض ألفا لينولينيك ALA الذي يتحول إلى مادتي EPA و DHA، وهما ينتجان من حامض ألفا لينولينيك الذي يوجد بكثرة في الزيوت الدهنية المكونة من الأعشاب الطبيعية والأوراق الخضراء، لذلك فهي ميزة للغذاء النباتي الطبيعي الذي يتغذى منه الإنسان والشاة الأعرابية .
والزيوت المحتوية على ألفا لينولينيك هي رخيصة الثمن وفي متناول الجميع، وتنتمي هذه الزيوت الدهنية إلى مجموعة أوميغا ثلاثة الشهيرة بمنافعها الجمة، والتي تبقى سائلة في درجة حرارة الغرفة، وللدهون من نوع أوميغا ثلاثة منافع متعددة ومن هذه المنافع: خفض الكلسترول والحماية من جلطة القلب والدماغ، والذبحة الصدرية، وارتفاع ضغط الدم، والروماتويد، والتصلب المتعدد في الجهاز العصبي، والصدفية والإكزيما، والسرطان، كما ثبت أن الدهون من نوع سيس لها دور في تخفيف الشحوم في الجسم وتخفيف الوزن.
وعلى عكس الدهون التي في إلية الشاة الأعرابية من نوع أوميغا ثلاثة، فإن الدهون الحيوانية المشبعة والدهون النباتية المهدرجة التي تحولها الصناعة الغذائية إلى دهون من صنف ترانس، والدهون من نوع أوميغا ستة، لا يوجد فيها مثل المنافع التي ذكرناها في دهون أوميغا ثلاثة بل تسبب أضرارا عديدة.
ويمكن فهم هذا التنوع الكبير في منافع الدهون أوميغا ثلاثة بتوضيح التأثير الفزيولوجي للأحماض الدهنية الأساسية، ومن هذا التأثير تكوين المادة الخام في نسيج الدماغ والعين، والأذن، والغدد التناسلية والغدة الكظرية، وتدخل هذه الأحماض الأساسية في تكوين الغشاء المحيط بكل خلية في الجسم والذي يقوم بدور حمايتها وكما ثبت أن لها دورا في ترميم الأنسجة العصبية ومنها الأضرار الناتجة عن فتق النواة اللبية التي هي من أهم أسباب آلام عرق النسا كما أثبت العلم الحديث أن للدهون من نوع أوميغا ثلاثة فوائد جمة في علاج التهابات الأنسجة العصبية والتي هي السبب الثاني لآلام عرق النسا حيث صدر كتاب متخصص في هذا المجال في سنة 1998، ألفه جويل كريمر أستاذ الطب ورئيس قسم الروماتزم في كلية الطب بنيويورك، ونشر هذا الكتاب بعنوان الدهون الطبية والإلتهابات وصدر عن دار بركهاوزر فيرلاق ويحتوي الكتاب على تفاصيل واسعة عن الكيمياء الحيوية في موضوع علاج الالتهاب بالدهون من نوع أوميغا ثلاثة(13).

وجه الإعجاز:
ذكرنا أن من يعطي وصفة طبية لآخر فهو أحد اثنين إما أن يكون طبيبا وإما أن يكون قد أخبر من مصدر آخر أعلم بهذا المرض منه! وقد بينا أن رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن طبيبا ولم يعرف عنه أنه كان يمارسه بل لا يعرف من في زمنه من كان يصف العلاج بهذه الصورة ممن كان يمارس الطب في زمنه فإن وصفة العلاج التي مرت بنا هي فريدة من نوعها لم يسبق أن دونها أحد من الحكماء ولا الأطباء.
بقي إذن الاحتمال الآخر وهو هل أخبر محمدا أحد ممن له خبرة في الطب؟ نعم إنه الله الذي ?إِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ?[الشعراء:80] فقد أخبرنا نبينا بأنه رسول أرسله الله واصطفاه ليكون شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فكان بالفعل سراجا منيرا أخرج الله من آمن به من الظلمات إلى النور وصاروا يعبدون خالقهم على بصيرة وعلى حجة وبرهان لا على بدع وأهواء وخرافات ونظريات ابتدعها البشر وأرادوا من غيرهم أن يتبعوها قسرا وإلزاما.
جاءنا محمد صلى الله عليه وسلم بهذا القرآن وزكاه الله فيه فقال : ?وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى?[النجم:3, 4] ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد بل إن الله تعالى جعل في هذا القرآن من الأسرار التي صارت تنكشف لنا في عصر العلم يوما بعد يوم حتى يكون المؤمنون على يقين بأن هذا القرآن جاء من عند الله سبحانه وليس هو أساطير الأولين وزاده حجة وبرهانا بأن جعله محفوظا من التحريف والتبديل، فهو ذا محفوظ لم يطرأ عليه التبديل منذ ألف وأربعمائة عام بل وإلى يوم القيامة فقال تعالى: ?إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ?[الحجر: 9] ونحن نرى كتب أهل الكتاب كيف حرفت وبدلت وزادوا فيها ونقصوا حتى صار بدل الأنجيل أربعة أناجيل إن لم تكن ثمانية، فأين عقول أهل العقول الذين أعطاهم الله العلم وصاروا بأنفسهم يشهدون أن هذا القرآن هو من عند خالق يخلق بيده مقاليد السماوات والأرض فسبحان الله القائل: ?وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ?[الحج:54].



 
قديم 13-04-2010, 09:57 PM  
alive_or
شخصية هامة

alive_or الصورة الرمزية

الحالة: ...........waiting

الملف الشخصي
رقم العضوية : 569500
تاريخ التسجيل : Jan 2008
الدولة : العراق
المهنة :
الاهتمامات : هواياتي رياضة كمال الاجسام والسباحة تعلم لغات تعلم برا
المشاركات : 3,792
عدد النقاط : 2319507
قوة الترشيح : alive_or لديه سمعة مابعدها سمعةalive_or لديه سمعة مابعدها سمعةalive_or لديه سمعة مابعدها سمعةalive_or لديه سمعة مابعدها سمعةalive_or لديه سمعة مابعدها سمعةalive_or لديه سمعة مابعدها سمعةalive_or لديه سمعة مابعدها سمعةalive_or لديه سمعة مابعدها سمعةalive_or لديه سمعة مابعدها سمعةalive_or لديه سمعة مابعدها سمعةalive_or لديه سمعة مابعدها سمعة
الرصيد المالي : 52218 دينار [كافئني]
المستوى : 34
المستوى القادم : يحتاج 2782 دينار
النشاط : 0

alive_or غير متصل

رد: سلسلة الاعجاز العلمي لعبد المجيد زنداني ادخل وانظر

الله على الابداع الله على التميز الله على العطاء اهديك اخي احلى تقييم 5/5
 
قديم 13-04-2010, 10:59 PM  
كاتب الموضوع شادي1980
إداري سابق


الحالة:

الملف الشخصي
رقم العضوية : 1058364
تاريخ التسجيل : Mar 2010
الدولة : سوريا
المهنة : مساعد الجميع في الشيرنج والشيفرات
الاهتمامات : كسر شفرات الجزيرة والقنوات المشفر
المشاركات : 2,134
عدد النقاط : 2512123
قوة الترشيح : شادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعةشادي1980 لديه سمعة مابعدها سمعة
الرصيد المالي : 55066 دينار [كافئني]
المستوى : 35
المستوى القادم : يحتاج 3634 دينار
النشاط : 0

شادي1980 غير متصل

رد: سلسلة الاعجاز العلمي لعبد المجيد زنداني ادخل وانظر

شكرا الك على التقيم والرد الجميل
 
قديم 16-10-2011, 05:38 PM  
rose de sable
نجمة المنتدى

rose de sable الصورة الرمزية

الحالة:

الملف الشخصي
رقم العضوية : 1268696
تاريخ التسجيل : Nov 2010
الدولة :
المهنة :
الاهتمامات :
المشاركات : 38,620
عدد النقاط : 49699259
قوة الترشيح : rose de sable لديه سمعة مابعدها سمعةrose de sable لديه سمعة مابعدها سمعةrose de sable لديه سمعة مابعدها سمعةrose de sable لديه سمعة مابعدها سمعةrose de sable لديه سمعة مابعدها سمعةrose de sable لديه سمعة مابعدها سمعةrose de sable لديه سمعة مابعدها سمعةrose de sable لديه سمعة مابعدها سمعةrose de sable لديه سمعة مابعدها سمعةrose de sable لديه سمعة مابعدها سمعةrose de sable لديه سمعة مابعدها سمعة
الرصيد المالي : 757031 دينار [كافئني]
المستوى : 67
المستوى القادم : يحتاج 11869 دينار
النشاط : 0

rose de sable غير متصل

رد: سلسلة الاعجاز العلمي لعبد المجيد زنداني ادخل وانظر

يغلق لانتهاء فترة المشاهدة
 
موضوع مغلق

الكلمات الدلالية (Tags)



Powered by vBulletin®
Copyright ©2013, Jelsoft Enterprises Ltd.
A Proven Success
مدينة صباح الاحمد البحرية - Online Advertising in Kuwait -Online Advertising - Social Media Marketing in Kuwait - عقارات جدة
الساعة الآن 12:17 PM.