|
![]() اختر لون صفحتك |
|
|
|
|
| |
| |||||||
البوم الشخصيات التاريخيةتوضع هنا صور الشخصيات التاريخية |
هل تحب بوابة النوكيا ؟ إذا لا تبخل علينا واجعلها صفحة البداية لديك .. أجعلنا صفحة البداية لديك
مجموعة ناشرين بوابة النوكيا .. انضم الينا اليوم .. واحصل على مميزات خيالية
المواضيع المتشابهه | ||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى |
| نشيد عن الشيخ الشهيد أحمد ياسين -محمد الحسيان - إبداع | bigman | بوابة الجوال الإسلامي-Islamic Mobile Section |
| معجزة إلهية: صورة الشيخ أحمد ياسين على القمر !!!! | استشهادى مصرى | البوابة الاسلامية-Islamic Section |
| ثيم رائع لفضيلة الشيخ المجاهد أحمد ياسين | الشاذلي | بوابة الثيمات والخلفيات- Wallpapers Themes & Icons Section |
| ثيم رائع لفضيلة الشيخ المجاهد أحمد ياسين | الشاذلي | بوابة العامة للقسم-General Symbian Section |
|
| | أدوات الموضوع | طرق مشاهدة الموضوع |
|
#1
| ||||
| ![]() إخوته وزوجته وبناته يتحدثون عن الشيخ "الإنسان" ! الحديث كان في ذكرى استشهاد الشيخ أحمد ياسين يدور بين أقاربه، في منزله المتواضع جدا في حي الصبرة بمدينة غزة عن حياته المليئة بالأحداث، عن سيرة قائد وحياة رجل عابد زاهد، وعن تلك اللحظات التي سبقت استشهاده. ![]() الحاجة أم محمد أرملة الشيخ الشهيد وتقول الحاجة أم محمد أرملة الشيخ الشهيد: إن الشيخ كان يشعر في الأيام الأخيرة أنه سوف يستشهد، وأبلغ أهل بيته بذلك لكنه لم يبلغني مباشرة، و قال الشيخ: أشعر أنني سوف استشهد وأنا أطلبها، وأبحث عن الآخرة ولا أريد الدنيا. أما سمية ابنة الشيخ فقالت: على غير العادة جمعنا والدي رحمه الله أنا وإخوتي قبل استشهاده بيوم واحد، ورغم أن والدي اعتاد ما بين وقت وآخر جمعنا والجلوس معنا إلا أن جلسته الأخيرة هذه بدت أشبه بجلسة مودع، وقال خلالها إنه يشعر بأنه سوف يستشهد وأنه يطلب الشهادة. ** طفولة الشيخ وعن علاقة الشيخ بإخوته يقول شقيقه الحاج شحدة "(77عاما) : " لم أشعر أنه كان أخاً بل كان ابناً لي وأنه خرج من صلبي. لقد مات والدي ولم يبلغ أحمد الرابعة من عمره بعد، كنا ثلاثة أشقاء أنا وأخي الجالس بجانبي هذا الحاج حسن "70 عاما" والأصغر الشيخ أحمد مضيفا أنه كان طالبا ومازال يدرس عندما توفي والده فتحملت بعدها عبء الأسرة من بعده حيث ترك والده ثلاثة أشقاء و6 بنات فكان لا بد عليه أن يقوم بتربيتهم وإعالتهم مضيفا أن والده أيضا كان قد تزوج من ثلاث نساء. وقال الحاج شحدة إنه عمل في البحر رغم أن مهنته ومهنة والده الأساسية لم تكن في يوم من الأيام النزول إلى البحر لكن شظف العيش دفعه لترك الدراسة والعمل لسد حاجات أسرته التي تركها له والده. ويصمت الحاج شحدة ويستذكر أيام طفولته وطفولة أخيه أحمد ثم يقول: كان الشيخ مرحا ونشيطا و- بلُغته - "فهلوي" و"شاطر" وكان يذهب إلى معسكرات الإنجليز عندما كان طفلا صغيرا ولخفة ظله أحبوه وكانوا يداعبونه دائما حتى أطلقوا عليه "عبد الله بلبل" ويضيف الحاج شحدة بدأت أعلمه مثل ابني حتى تعلم وأصبح يستطيع القراءة وكان مجتهدا منذ نعومة أظافره وكان يجمع الأطفال حوله ويلقي عليهم ما تعلمه وحفظه. ويضيف "أدخلته المدرسة في الجورة حتى وصل إلى الصف الرابع حينها بدأت هجرتنا من بلادنا وانتقلنا بعدها أنا والأسرة إلى منطقة الحرش ثم وادي غزة وعندما هدأت الأوضاع انتقلنا إلى مخيم الشاطئ بغزة. كان أحمد - يقصد الشيخ - يتمتع بذكاء حاد بل كان أكبر من سنه فعندما شعر أن العبء أصبح ثقيلا على كاهلي عرض عليّ أن يساعدني في سد احتياجات الأسرة، وقال لي "أنا بدي أشتغل وأجيب مصاري هات لي وابور وآلة علشان بدي أعمل فلافل واعمل لي خيمة على البحر علشان أبيع وأصرف على أخواتي البنات". مشددا أنه كان يرى في شخص الشيخ منذ طفولته أنه سيصبح في يوم من الأيام ذا شأن كبير، ويضيف الحاج شحدة "اشتريت له ما أراد من حاجيات الفلافل التي طلبها". وعندما بلغ الشيخ أحمد سن العاشرة طلب مني أن يعود للدراسة ويلتحق بالمدرسة من جديد أدخلته مدرسة الإمام الشافعي حتى بلغ الثانية عشرة من عمره ووصل إلى الصف السادس الابتدائي وكان حينها يعلمه المدرّسان محمد أبو دية وفؤاد عيسى يوسف في مدرسة الإمام الشافعي في سوق فراس. وفي يوم من الأيام وعندما كان يومها الشيخ يمارس هوايته في اللعب أحضر مجموعةٌ من الأطفال الشيخ أحمد وهم يحملونه بين أيديهم وصعقت من هول المشهد لقد فقد الشيخ أحمد حينها القدرة على الحركة إلا أنه قال لي لا تزعل "يا أخي هذه إرادة الله". وأضاف "لم أترك مكانا أو مستشفى أو طبيبا حتى عرضته عليهم ثم بدأ الشيخ أحمد يسير على قدميه لكن ببطء ومضت الأيام والسنون حتى التحق أحمد بالدراسة في مدرسة الرمال وكان متفوقا في الدراسة حيث حصل على نسبة عالية وبتقدير امتياز في الثانوية العامة بعدها عقدت إدارة المدرسة امتحانا لحوالي 1500 طالب أنهوا دراستهم الثانوية ليصبحوا معلمين وكان الشيخ أحمد من الأوائل والمتقدمين إلا أنه رغم ذلك لم يحظ برضا مدير المدرسة الذي رفض حينها تعيين الشيخ بسبب إعاقته. ويصمت الحاج شحدة قليلا ثم يقول "ما هي إلا أيام قليلة حتى سمعنا طرقا عنيفا على الباب فتحنا الباب فإذا برجل من مدرسة فلسطين يطلب منا أن يتوجه الشيخ أحمد إلى مدرسة فلسطين فورا! لم نكن نعرف حينها لماذا وما السبب الذي دعاه ليطلبنا لكن عندما وصلنا إلى المدرسة علمنا أن الحاكم العام لغزة أصدر أوامره بتوظيف الشيخ أحمد ياسين فعمل مدرسا. **محبة ورحمة خليل حسن ياسين (أبو بلال) 40 عاما ابن شقيق الشيخ وكان واحدا من الذين عايشوه عن قرب، تحدث أبو بلال عن علاقة الشيخ بأقاربه ووصفها بأنها كانت غاية في المحبة والرحمة، وقال: كان يعطي كل ذي حق حقه من أقاربه وعائلته فكان يأخذ من وقته المشغول دائما ساعة أو ساعتين ليختلي بزوجته وأولاده وبناته، وقد كان كريما مع زوجته يحب دائما أن يدخل السرور لقلبها، ففي أوقات مرضها وعندما كان يأتي لزيارته د. محمود الزهار أو الشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي – وهما طبيبان - ، كان حينها ينادي الشيخ على زوجته لتتحدث عن الآلام التي تشتكي منها، وذلك ليُشعرها باهتمامه. ويشير أبو بلال أن الشيخ كان عندما يرى طفلا صغيرا يعاني من أي مرض أو يشتكي من أي ألم يحثنا على الذهاب به إلى المستشفى من شدة حرصه وحبه للأطفال. ويضيف قائلا: لقد كانت معاملته الحسنة تفوق كل تصور وقد كان دائم الزيارة لرحمه. تشوق لمعرفته عندما سمع باسمه يتردد بين المعلمين في المدرسة التي يعمل بها فذهب ليتعرف عليه في بيته الصغير في مخيم الشاطئ ،هكذا بدأت رحلة طويلة في الدعوة والجهاد عاشها محمد حسن شمعة أحد مؤسسي حركة المقاومة الإسلامية حماس مع الشيخ الشهيد لحظة بلحظة ويروي في ذكرى استشهاد الشيخ فصولها ، ويقول كانت بدايات معرفتي بالشيخ في عام 1967م وذلك بعد حدوث هزيمة (حرب حزيران)وكنت اعمل معلما في مدرسة غزة الجديدة القريبة من معسكر الشاطئ وكانت حركة الإخوان المسلمين قبل هذا العام مطاردة من قبل الإدارة المصرية والمتدين في هذه الفترة كان أشبه بالمنبوذ في المجتمع وحتى في أجواء العمل في المدرسة قلما كنت تجد مدرسا واحدا أو اثنين يقومون للصلاة وهكذا كان هو الجو السائد في الستينات . ويتابع أبو حسن شمعة حديثه عن الظروف التي تعرف بها على الشيخ أحمد ياسين قائلا:"بحكم معرفة المدرسين بأني متدين ،تحدثوا أمامي عن الشيخ احمد ياسين وهم مشوقون إلى التعرف عليه وبالفعل ذهبت مع بعض المدرسين إلى الشيخ في بيته في معسكر الشاطئ الشمالي ودخلنا غرفته الصغيرة وكانت ملأى بالشباب وقام المعلمون الذين رافقوني إليه بتقديمي إليه وبعد التعارف وأثناء الجلوس معه شعرت بمدى الاهتمام الذي يعطيه لجلسائه وأعجبت بحديثه من الجلسة الأولى وأصبحت أتردد عليه دائما وبشكل شبه يومي ،وبدأت أيضا أصلي في المسجد الشمالي (حاليا مسجد أحمد ياسين) وهذا المسجد الذي كان يصلي فيه وانطلقت منه دعوته . **الانضمام من جديد على يد الشيخ شمعة الذي انتقل بعد عام 67 للسكن من حي الدرج إلى مخيم الشاطئ أشار إلى أن الشيخ اضطر أيضا إلى استئجار بيت بالقرب من منزله الجديد وذلك بعد أن كثر زواره من الشباب وهكذا توثقت علاقتي به أكثر فأكثر ويقول شمعة عن تلك الفترة :"لقد كنت أقضي معه وقتا كبيرا وكنت استمر حتى وقت متأخر من الليل وفي إحدى الليالي عرض علي الانضمام إلى حركة الإخوان المسلمين التي كانت لي علاقات مع شخصيات منها سابقا وذلك منذ بداية الستينيات فقد كانت تربطني علاقات مع د.عبد الرحمن بارود والأخ عبد الرحمن العمصي والأخ سعيد المزين كما كان لنا نشاط في مدرسة فلسطين كما كان يأتي أحيانا لمشاركتنا في نشاطاتنا الأخ عز الدين طه (شقيق الشيخ أبو أيمن طه) ويقيم حاليا في الأردن ولم يتم الاستمرار في بداية الستينيات في النشاطات الظاهرة للملاحقة من قبل النظام المصري وانفراط عقد الاخوان في ذلك الوقت لكن بالرغم من ذلك بقيت هناك بعض اللقاءات والنشاطات ولقد كان يتردد على بيتي الأخ شعبان البغدادي الذي عن طريقه تقريبا انضم الشيخ الشهيد احمد ياسين إلى الإخوان . كما تعرفت في هذه الفترة على الأخ محمد الغرابلي الذي كان يحضر لي بعض كتب الإخوان الخاصة بسيد قطب ،وحتى لا يتم الالتفات لما في هذه الكتب كان يتم نزع الغلاف الخارجي للكتاب ويوضع عليه غلاف آخر وكان يضع لي الكتب في محل الأخ أبو عرفات النونو. وفي تلك الفترة انضممت إلى أسرة إخوانية كان نقيبها أسعد الصفطاوي وبعد هذه الفترة حصل انقطاع إلى أن عرض على الشيخ الانضمام إلى الإخوان وأبلغني عن موعد لقاء كان للأسرة أو مجلس النقباء الذي انضممت إليه ،وبالفعل أصبحت عضوا في مجلس النقباء وكان حينها في غزة مجلسان للنقباء واحد في غزة البلد والثاني في مخيم الشاطئ وكان من ضمن مجلس مخيم الشاطئ الشيخ الشهيد. والأخ محمد نوفل والأخ فؤاد الشيخ سلامة وأخيرا انضم إلينا الأخ أبو أيمن عرفات وأتذكر أن الدكتور إبراهيم اليازوري كان عضوا في مجلس البلد وبدأنا في هذه الفترة بتحضير الكتب التي سنتداولها في جلساتنا التربوية وأول كتاب تداولناه في جلستنا (مباحث في علوم القرآن) للدكتور صبحي الصالح ويشير شمعة إلى أنه عقد خلال هذه الفترة مجلس شورى للحركة حضره خمسة أعضاء من جميع أنحاء قطاع غزة . **سمات المرحلة الأولى اتسمت المرحلة الأولى من دعوة الشيخ بالحركة والتنقل من مكان إلى مكان ويتحدث شمعة عن ابرز سمات هذه المرحلة :"كان الشيخ رحمه الله هو دينامو الحركة ،وأراد لملمة الصف والعقد الذي انفرط ،وكان الجهد الذي يقوم به أكبر من طاقته ،وبالرغم من انه بدأ من المسجد الشمالي (مسجد أحمد ياسين )في مخيم الشاطئ اقرب المساجد إلى منزله والذي بدأ ....منه وخصوصا يوم الجمعة بعد أن غاب خطيب المسجد في ذلك اليوم فقام الشيخ وخطب الجمعة ومن يومها أصبح خطيبا للمسجد ،كان أيضا يتحرك ويتنقل الشيخ من غزة إلى خان يونس ورفح لإلقاء الدروس والخطب وباقي مناطق القطاع ماعدا الوسطى لأنه كان معتمدا على بعض الإخوة في هذه المنطقة أمثال الأستاذ عبد الفتاح دخان . ويذكر شمعة مثالا آخر للجهد الكبير الذي كان يبذله الشيخ للعمل الدعوي ويقول :" في عام 1968م كنا نلقي دورة في صيف هذا العام نظمتها وكالة الغوث للمعلمين العاملين في مدارسها وعقدت هذه الدورة في رام الله واستمرت 15 يوما وبالطبع كنا نبيت في السكن الخاص بمعهد المعلمين وكان به مسجد فتفاجأت بالشيخ وقد حضر إلى المسجد برام الله ليعطي محاضرة للمدرسين وما زلت أذكر كلماته خلال هذه المحاضرة والتي قال فيها إن كل نظام في بلد ما له منهج تربوي خاص لخدمة هذا النظام ،فالنظام أو الفكر الشيوعي له مناهج التربية التي تخدمه ،والنظام الرأسمالي أيضا له مناهج التربية التي تخدمه ،وتساءل هل عندنا كمسلمين نحمل الفكر الإسلامي منهجا لخدمة ديننا وفكرنا وأجاب أن هذه مهمتكم يا معلمين . وخلال زياراته المتكررة للضفة الغربية حاول الشيخ الاتصال ببعض الإخوة للعمل هناك وذلك بالرغم من أن الضفة الغربية كان بها جهات إسلامية ويافطات معلنة وقطاع غزة كان العمل الإسلامي ملاحقا ولكنه بدا أكثر نشاطا . **انطلاقة حقيقية أما الانطلاق الحقيقي لدعوة الإخوان المسلمين كما يشير شمعة فقد حدث في بدايات عام 1969م وذلك تقريبا بعد سنتين من إعادة إحياء التنظيم عام 1967 وبدأت الانطلاقة تلبي عندما بدأ الشيخ في الخروج بدعوته من مخيم الشاطئ إلى مناطق أخرى ومن مسجد الشمالي (مسجد احمد ياسين) إلى مساجد أخرى كان أولها مسجد العباس الذي لم يكن بناؤه قد انتهى بعد فقد كانت الناس تسمع عن الشيخ ياسين ورغبوا ان يخطب في مسجد العباس وبالفعل بدأ يخطب الجمعة هناك وأصبح الناس يأتون من جميع أنحاء غزة للصلاة في المسجد وبعدما كان ينتهي من الصلاة يجلس ويعمل حلقة ،وأثناء الحلقات كانت تطرح الأسئلة على الشيخ ويجيب عليها . **الفكر الإسلامي مرحلة جديدة انتقلت إليها دعوة الإخوان وتمثلت هذه المرحلة ببداية انتشار الفكر الإسلامي في القطاع كثمرة من ثمار العمل والجهد الدعوي الدؤوب الذي قاده الشيخ ياسين والإخوان عموما ويقول الأستاذ شمعة متحدثا عن تلك الفترة :"لقد امتد النشاط في مسجد العباس ليشمل طباعة تفسير من ظلال القرآن لسيد قطب في أجزاء صغيرة من 20-30 صفحة وتوزيعه على المصلين وكان قبلها بسنة أو سنين قد اعدم مؤلفه الشيخ سيد قطب ،وأتذكر أنني عندما أردت شراء نسخة من الظلال لم أجدها في غزة فأرسلت لشرائها من القدس ومما قام بفعل الشيخ هو إنشاء مكتبة بمسجد العباس بعد أن تم افتتاح مركز النور للتبشير وكانت به مكتبة وهذا المركز قريب من مسجد العباس فقال الشيخ في إحدى خطبه يا أهل الخير على مقربة من هذا المسجد ينشر فكر آخر ولا يكفي أن نهاجم هذا الفكر بل يجب علينا أن نقوم بعمل يلاقي إقبالا من الشباب والأطفال واقترح أن يحضر من عنده كتابا أو كتابين زيادة ليتبرع بها لتشكيل نواة مكتبة . وبالفعل تم جمع وترتيب مكتبة فكانت نواة مكتبة إسلامية في المسجد واستغلها لنشاطه . كما أسس الشيخ وأوجد النشاط النسائي ولم يكن في أي مسجد في غزة به مصلى للنساء فاستغلت المكتبة بالفعل لتداول الكتب بين الشباب وانطلاق النشاط النسائي وهكذا أصبح في السنوات التي تلت ذلك الكتاب أربح تجارة في غزة بعدما لم يكن موجودا في المكاتب . أما بالنسبة للعمل النسائي فأصبح يقوم بتدريس النساء وإعطائهن محاضرات وما زال يواصل هذا النشاط في مسجد العباس أبو أسامة نوفل في درسه الدوري يوم الثلاثاء . **اهتمام بجميع الفئات مثلما كان للشيخ اهتمام بالشباب والنساء اهتم أيضاً بتربية الطلاب الصغار والأطفال ويذكر شمعة أن أحد الأشخاص من عائلة الشوا جاء للشيخ وقال له يا سيدي الشيخ كنت في رحلة في الغرب ورأيت الكنيسة أنهم يقومون بتقديم حوافز للأطفال حتى يحضروا صلاة الأحد ،فقال له الشيخ :فكرتك ممتازة ولكنها تحتاج إلى إمكانات فعرض ذلك الرجل على الشيخ أن يتبرع بتوفير مال للجوائز ما يكفي لعدة أشهر ،وبدأ الشيخ يفكر ماذا يقدم للأطفال من حوافز وأخيرا اهتدى إلى أن أفضل شيء هو قصص الصحابة وبالفعل بدأ يقدم لهم تلك القصص ويناقشهم . بها من خلال أسئلة وبدأ مشروعه هذا بـ 12 طفلا إلى أن وصل إلى 400-500 طفل ،وكانت هذه بداية لجلسات الأطفال في المساجد وبقي الشيخ يمارس نشاطاته الخطابية والدعوية حتى أحس المحتلون بخطورته وخصوصا بعد المسيرة التي خرجت من العباس احتجاجا على حصار مخيم الشاطئ فقد استحث المصلين في خبطة الجمعة لمساعدة إخوانهم وبعد الخطبة قام فؤاد الشيخ سلامة بإلهاب مشاعر الناس وخرجوا في مسيرة توجهت إلى الصليب الأحمر وقام جيش الاحتلال بتفريق تلك المسيرة . وبعد يومين تم استدعاء الشيخ لمقابلة المخابرات ثم طلبوا من الأوقاف إزاحته عن الخطابة في العباس وأحضرت الأوقاف الشيخ أحمد عبد الرازق بدلا من الشيخ ليخطب في الناس يوم الجمعة. ورجع الشيخ مرة أخرى ليعطي الدروس قبل صلاة الجمعة في المسجد الشمالي (احمد ياسين)وطلبت الأوقاف من خطيب المسجد أن يقوم بمنع الشيخ من اعطاء الدروس في المسجد، وقام الخطيب بدوره بالتحدث أمام المصلين بأن الدرس قبل صلاة الجمعة يعطلهم عن قراءة سورة الكهف وعندما لم يستجب له أحد ذهب هذا الخطيب إلى الأوقاف وقال لهم لا أستطيع أن أفعل شيئا لوجود شباب يتبعون الشيخ ياسين واضطرت الأوقاف لجعل الشيخ رحمه الله يخطب الجمعة في المسجد . ***رحلة العمل المؤسساتي انتقل الأستاذ أبو حسن شمعة للحديث عما اسماه مرحلة العمل المؤسساتي للحركة الإسلامية فعلى الصعيد الرياضي وبعد ما رأى أن الشباب والطلاب تستوعبهم النوادي تفكر بإيجاد نواد وفرق إسلامية. وبدأت النواة الأولى لفكرته تلك إحضار كرة للشباب في المساجد وأصبح يستغل على سبيل المثال غرفة في المسجد الشمالي (احمد ياسين) كما فكر في إنشاء جمعية إسلامية وبدأ بالعمل من اجل ذلك منذ العام 1973م وبدأ بعمل وإعداد لوائح قانونية وذهبنا في ذلك الوقت إلى ظافر الشوا لأنه كان مؤسس جمعية التوحيد الاستشارية كما ذهبنا إلى قانونين وتم الحصول على ترخيص بعد ثلاث سنوات. أما المجمع الإسلامي فكانت فكرة الشيخ سليم شراب رحمه الله وكانت علاقته بالشيخ ابن باز بالسعودية جيدة فضمن مصدرا للتمويل وطرح شراب الفكرة وتحمس لها الحاج أحمد دلول وكانت الفكرة إنشاء مسجد وإلحاق الأنشطة المتعددة به وتم البدء بالحصول على الأرض وتم الشروع في البناء وكان العمال يقومون بالبناء أيام الجمعة والسبت مستغلين أيام إجازاتهم وترأس في بداية الأمر الشيخ سليم شراب مجلس الإدارة وبعد ذلك انضم الشيخ احمد ياسين إلى مجلس الإدارة وتم انتخابه بعد ذلك رئيسا كما قام الشيخ بشراء قطعة أرض قريبة من المجمع وبني عليها بيته وانتقل للسكن فيه بعد ما ترك مخيم الشاطئ وتمت مزاولة نشاط المجمع وأصبح مظلة العمل الإخواني في ذلك الوقت . **صراعات في بداية سنوات الثمانينات بدأت الحركة تدخل في نزاعات وصراعات مكشوفة وظاهرة على مؤسسات أخرى منها الهلال الأحمر ،والجامعة الإسلامية والنزاع على الجامعة حسب ما يقول شمعة كانت بالنسبة للشيخ قضية حياة أو موت وكان ينظر إلى أن الجامعة التي انبثقت عن معهد الأزهر الديني يجب أن تبقي إسلامية وبدأ يجند بكل ما أوتي من قوة لذلك لبناء الجامعة وحمايتها وكان الشباب يقومون بحراسة الجامعة والتواجد حولها ليل نهار إلى أن حسم أمر الجامعة وهكذا تم إنشاء ثلاث مؤسسات إسلامية الجامعة والمجمع والجمعية في تلك الفترة من عمر الحركة . ![]() في الجزء الثاني من شهادته يتحدث الأستاذ محمد شمعة عن المرحلة الثانية من حياة الشيخ الشهيد وهي مرحلة العمل الجهادي ، ويقول عن تلك المرحلة : كان الشيخ يرى أنه يجب العمل والجهاد، وخصوصا بعد الإعداد والتكوين الذي مرت به حركة الإخوان كما كان هناك مطالبات من قبل شباب الحركة الذين كان عندهم حماس للعمل، وفي هذه الفترة أيضا كانت تحدث مناظرات بين ابناء الحركة والتيارات الاخرى الذين كانوا يتحدثون عن أن الحركة الإسلامية أو بالأحرى الإخوان تعيش على ماضي شباب الإخوان الذين قاتلوا وجاهدوا عام 1948م . **العمل العسكري ولذلك عندما أحس الشيخ أنه بدأ يملك العدد من الشباب الذين دخلوا الدعوة بدأ تطبيق الممارسة العملية بعد الإعداد التعبوي، وبدأ يطرح موضوع العمل العسكري على قيادة الحركة في عمان الذين كانوا يقولون له إن الأمر مبكر قليلا وسافر الشيخ بنفسه إلى الأردن لمناقشة الأمر معهم، وبعد ذلك تمت الموافقة على اتخاذ قرار بالتدريب وأحب الشيخ أن يذهب إلى مرحلة أكبر من التدريب فأراد الإعداد والحصول على أسلحة وتم تشكيل جهاز يرأسه الشيخ بنفسه ويتشكل من الدكتور الملح (طبيب أسنان) وكان من ضمن الهيئة الإدارية للإخوان في القطاع ود. إبراهيم المقادمة والأخ أبو ماهر تمراز وكان أيضا للشيخ دور ولكن بسيط في هذا الجهاز وتم تشكيل الجهاز العسكري وبدأوا بالاتصال لشراء السلاح ولخبرتهم البسيطة في ذلك الوقت وقعوا مع أحد العملاء من النصيرات وتعرض من في الجهاز للاعتقال ومنهم الشيخ الذي حكم عليه 13 سنة خرج بعدها بعام في صفقة تبادل الأسرى. ويذكر شمعة أنه عندما تم كشف أمر الجهاز اجتمعت الهيئة الإدارية وتمت نصيحة د. الملح بالمغادرة والسفر إلى الخارج لأنه لم يكن حينها قد ذكر اسمه في التحقيق، وبالفعل استطاع السفر. كما عملنا على تهريب د. إبراهيم المقادمة إلى الخارج عن طريق البحر ولكن لم يتم ذلك وتم اعتقاله واعتقلت أيضا مجموعة من جباليا البلد ومنهم د. محمد شهاب كما تم اعتقال أبو ماهر تمراز من جباليا. وكانت هذه ضربة قوية فلأول مرة يتم اعتقال جماعي لقيادات من الحركة ومنهم عدة شخصيات كانت في الهيئة الإدارية مثل الشيخ د. إبراهيم المقادمة ود. الملح وأبو ماهر تمراز. ولكن بالرغم من ذلك واصلت الحركة مسيرتها وتم اختيار الأستاذ عبد الفتاح دخان لقيادة الحركة والذي عاصرت الحركة في ذلك الوقت فترات عصيبة من المشاكل والصراعات مع التنظيمات مثل فتح والجبهة الشعبية وتم الاعتداء على بعض أفراد من الحركة ، وتم الرد على هذه الاعتداءات. وبعد سنة خرج الشيخ وبقي فترة بعيدا حتى استقر وأرسل يطلبني وقال: أين أنتم يا أبا حسن وبدأت أذهب إليه وأطلعه على مجريات الأمور وبعد مضي مدة من الزمن رجع لحضور لقاءات القيادة. **المحطة الثانية المحطة الجهادية الثانية كانت للشيخ في تأسيس حركة حماس وإشعال الانتفاضة وفي هذه المرحلة يقول شمعة: تداعت قيادة الإخوان للاجتماع الطارئ على أثر حادث المقطورة وذلك لبحث ما يجب عمله ردا على هذه الحادثة التي أودت بحياة بعض العمال والتي كانت بشكل متعمد وفي هذا اللقاء تم التنسيق لمسيرة وتم الاتصال مع الكتلة الإسلامية لتقوم بترتيب هذه المسيرة وفي ظل التوقع أن تقوم سلطات الاحتلال بإغلاق الجامعة الإسلامية في اليوم التالي ، تم التحضير لترتيبات جديدة إذا أغلقت الجامعة وذلك بأن يقوم شباب الكتلة كل من موقعه ومكان سكناه بالقيام بالمسيرات والمظاهرات وفعلا كما كان متوقعا تم إغلاق الجامعة وكان هذا الأمر خيرا حيث شملت المظاهرات جميع أنحاء القطاع بدلا من مدينة غزة لوحدها وكان أعنفها وأشدها في مخيم جباليا ومدينتها ومخيم خان يونس حيث وقع صدام مع قوات الاحتلال، وكانت مآذن المساجد تذيع النداءات والأناشيد الحماسية وبقدر ما كان جيش الاحتلال يشدد من قمعه كانت ردة فعل الشباب تشتد وبدأت الحركة تصدر بيانات تحث فيها الجماهير على المواجهة وقد صدر أول بيان باسم حركة المقاومة الإسلامية وكان قبل الاجتماع الأول تصدر منشورات بأسماء مختلفة وصدر أحد البيانات باسم الإخوان المسلمين، وبعد صدور البيان الأول الموقع باسم حركة المقاومة الإسلامية تم وضع الأحرف الثلاثة الأولى تحت التوقيع ح.م.س حتى تم اختيار مصطلح حماس والذي اقترحه أحد الإخوة في الضفة الغربية بعد أن انتقلت الأحداث إليها. وبعد أسابيع من اندلاع الأحداث عقدت اجتماعات قيادية وسياسية لدراسة الاستمرار في المواجهة أو التوقف ثم دراسة الايجابيات والسلبيات لكل خيار وتم اعتماد طريق الاستمرار بالمواجهة وكان من مؤيديه الشيخ الذي كان عنده توجه للمواجهة مع جيش الاحتلال وذلك بالرغم من الآن البعض كان يرى أنه يجب أن نحافظ على شبابنا الذي سيكونون عرضة للاستشهاد أو الاعتقال أو الإصابة، ولكن الشيخ كان يقول لا يمكن أن نحيا إلا بالجهاد والمواجهة وهو من وضع أسس المواجهة وكان أول من حرك هذا العمل الجماهيري. **قيادة بديلة بعد أشهر قليلة من اندلاع الانتفاضة الأولى تعرض حماس لحملة اعتقالات واسعة شملت المؤسسين للحركة و الشيخ ، واعتقل محمد شمعة في 27 سبتمبر من العام 1988 وحكم عليه بالسجن 15 شهرا حيث وجهت له من ضمن بنود لائحة الاتهام عضوية حماس ومسئولية الشاطئ. ويقول شمعة إن الحركة كانت متوقعة حملة الاعتقالات تلك وفي إحدى جلساتها التي سبقت الاعتقالات تم وضع قيادة بديلة ليتم الاتصال بها في حال ضرب القيادة الحالية واعتقال أفرادها لتتولى مسئولية الحركة حتى لا يحدث فراغ ، وكان كل شخص يعرف دوره وتولوا الأمر وكان الشيخ في الخارج أيضا حتى تم اعتقاله في ضربة 1989 م **محنة 1996 مرحلة أخرى صعبة مرت على أبناء الحركة يتحدث عنها شمعة وهي حملات الاعتقال والملاحقة التي تعرض لها قادة وعناصر حماس من قبل السلطة الفلسطينية ويقول عن هذه الفترة : في عهد السلطة وبعد اعتقال جميع الإخوة في عام 1996 ولم يبق في الساحة إلا أنا فقمت بالتحرك وعمل اتصالات مع كل الشخصيات والفصائل لرفع المعاناة التي وصل لها إخواننا في المعتقلات وتم ترتيب لقاءات مع رئيس السلطة الراحل أبو عمار وآخرين من قيادات السلطة. **زيارة السجن كما كانت هناك مشكلات تواجه الحركة في مواصلة العمل أو التريث في ظل الفترة طلبت مني السلطة أن أقوم بزيارة الشيخ في سجنه وبالفعل تم ترتيب زيارة وكان معي الشيخ سيد أبو مسامح، ذلك في نفس العام ورافقنا في الزيارة هشام عبد الرازق وزير شؤون الأسرى وكانت هذه الزيارة لسجن الرملة ودخلنا أحد المكاتب وأحضروا الشيخ وخرجوا وبقيت أنا والشيخ سيد أبو مسامح مع الشيخ، ويشير شمعة إلى أن هدف السلطة من ترتيب هذه الزيارة أن يصدر أمر من الشيخ لتهدئة الأمور وإيقاف العمليات التي اعتبرها أنها تحول دون تلبية الإسرائيليين لما عليهم من استحقاقات اتفاقية السلام أما الهدف الذي أردنا تحقيقه من الزيارة أن نستطلع رأيه في جملة من الأمور وبالرغم من أنهم تركونا لوحدنا مع الشيخ في المكتب إلا أننا كنا حذرين من التحدث معه بحرية خوفا من وجود وسائل مراقبة وتنصت كما كان الشيخ ما زال يعاني من مشاكل سمعية وكنا نقوم بكتابة ما أردنا قوله له على ورقة والكلام العام كنا نرفع صوتنا ونتحدث بشكل عادي. أما ما دار في اللقاء حسب ما يقول شمعة فتم مناقشة أولا قضية التحقيقات التي كان يمر بها المعتقلون من الحركة في السجون مع شباب من الحركة حيث كانت هناك تحقيقات داخلية بشكل كبير وحدث نوع من الشكوك والهوس الأمني فقد انعكست الفتنة والمحنة في الخارج على نفسية الأفراد في السجون وكان عند البعض اهتزاز في الثقة وكان يحضر أهالي وعائلات بعض المعتقلين لمراجعتنا في التحقيقات التي كانت تحدث مع أبنائهم كما كان هناك من يرسل الرسائل من داخل السجن احتجاجا على ما كان يجري هناك، ولذلك أردنا أن يوجه الشيخ رسالة للشباب في السجون المختلفة ليتقوا الله في إخوانهم وان يحدث تعاون بين داخل السجن وخارجه ، وبالفعل كان الشيخ مستاء لما كان يحدث وقال إنه أرسل إلى القيادات في السجون انه سيحاول إيصال وجهة نظره في الموضوع. أما القضية الثانية التي تمت مناقشتها مع الشيخ فهي قضية العلاقة مع السلطة وكان الشيخ يشاركنا في وجهة النظر أننا لسنا بمعنيين بمشاكل مع السلطة وأن صراعنا هو مع العدو وأنه يجب التعامل مع الموضوع لحكمة وأن أي عمل عسكري يجب أن تقيم نتائجه وشاركنا في مناقشة تلك القضية هشام عبد الرازق الذي حضر في نهاية النقاش . وبالفعل فان سياسة الشيخ انه مهما بدر من السلطة يجب أن نجتاز المرحلة بدون مواجهة معها ورفع شعار :"لئن بسطت يدك لتقتلني ما أنا باسط يدي لأقتلك " ويرى شمعة أن هذا التيار حقق نتائج جيدة حيث بدأت تنتهي مشاكل السجون حيث وجههم الشيخ إلى ضرورة التحقق من الأمور ووضع حد لما يجري هناك بل ذهب إلى أبعد من ذلك حيث شكل لجنة لدراسة الملفات حتى التي تم التحقيق بها وبدأت تصدر براءات لمن لم تثبت إدانته وتم رد الاعتبار لكثير من الأفراد. أما بالنسبة لموضوع العلاقة مع السلطة فقد نقلنا وجهة نظره وبدأنا في التحرك من خلالها وقمنا بالاتصال بالفصائل وطرحنا وجهة نظرنا عليهم وتحدثنا معهم عن ممارسات السلطة الخارجة عن كل نطاق وقد تعرضت شخصيات للاعتقال أربع مرات في سجون السلطة . ***قبل خروج الشيخ من سجنه وانتقل شمعة للحديث عن الفترة التي سبقت خروج الشيخ من سجنه ومحاولات إعادة التنظيم وقال إن كل تلك المحاولات لم يكتب لها النجاح ومن هذه المحاولات من شارك فيها د.إبراهيم المقادمة والشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي بعد خروجه من السجن وتم الاتفاق على بعض الصيغ وكلها لم تكن ناجحة ولسبب في ذلك فقد بان أن الشخصية التي يجمع عليها الجميع التي لم تتوفر إلا في الشيخ كما ما زال هناك التأثر بالمحنة والفتنة السابقة كما أن هناك الكثير من الإخوة والأفراد الذين آثروا السلامة كما كان هناك من قال ،الفائدة من العمل السري ويمكن أن نعمل بشكل علني وكان خروج الشيخ الحل لكل تلك المشاكل ،فالله سبحانه وتعالى رتب كل شيء بقدر ليتم جمع الكلمة وتوحيد الصف وإعادة التنظيم على يديه. وبدأ يستمع الشيخ في الأيام الأولى لكل أخ على حدة ومن الذين استمع لهم أنا والدكتور إبراهيم المقادمة وآخرين . وبعدما حصل على الصورة كاملة طلب أن يتم تشكيل قيادة على أساس أن تتلوها مرحلة انتخابات عامة وداخلية في الحركة كما أرسل إلى بعض الإخوة المهمشين للاستفادة من خبراتهم ،كما أخذ بما توصلت إليه الاتفاقات قبل خروجه فلم ينقضها وإنما بنى عليها ،وبدأ في العمل لتوحيد الصف وكان هذا بقدر الله سبحانه وتعالى . ويرى شمعة بحسب تجربته ومعايشته للحوادث التي مرت بالحركة انه ما أن تمر الحركة بحدث كبير أو خارج عن الإرادة في الحركة لينقلب الأمر إلى صالحها . فقبل الانتفاضة الأولى مرت الحركة بظروف صعبة وعاشت صراعات مع الاتجاهات مرة مع اليسار ومرة أخرى مع فتح وكانت الحركة تتعرض لاتهامات ومزايدات وجاء تشكيل حماس ليظهر لهم أن هذه الحركة جهادية وأن السكوت هو مرحلة إعداد. كما مرت الحركة أيضا بنفس الظروف في آخر الانتفاضة الأولى كما أن الإبعاد وهو حل لهذه القضايا وارتفعت أسهم الحركة. وكذلك خروج الشيخ من السجن بعد المحنة التي مرت بها الحركة فكان عاصم من قاصمة شديدة تعرض لها في السنوات القاصمة ،فبعدما خرج الشيخ جمع شتات الحركة ووحد صفها وأرسى مبدأ الانتخابات من القاعدة إلى القمة وتم إرساء هذا المبدأ. **مدرسة دار الأرقم اهتم الشيخ بعد خروجه من السجن بتأسيس مدرسة دار الأرقم ورأس مجلس أمنائها وتولى شمعة منصب نائب رئيس الأمناء ويشير شمعة إلى أن الشيخ كان مهتما بشكل كبير ببناء هذه المدرسة وقد كانت أمنيته له وبدأت تتحقق هذه الأمنية عندما عرض عليه وهو في الخارج أن يكرموه ببناء بيت له أو ما يحتاجه فرفض واختار أن يمولوا بناء مدرسة وبالفعل تم وعده بذلك وبقيت قضية الحصول على ارض وقدم طلبا إلى السلطة التي لم تستجب وحاول استئجار ارض من الأوقاف ولم يتمكن له ذلك وأخيرا حصل على وعد آخر بتوفير مبلغ الشراء قطعة أرض وبالفعل تم هذا الأمر وبدأ البناء الذي استمر سنتين وسط عراقيل كثيرة حيث حاولوا منع البناء بالقوة ولكنه في النهاية تم افتتاح المدرسة للعام الدراسي 2000-2001 واهتم الشيخ بالمدرسة فكان في بعض الأحيان يذهب إليها مرة أو مرتين في الأسبوع ومنذ ساعات الصباح الباكر يصل إليها ويتابع قضاياها ومشاكلها . الصاعقة بعد حياة دعوية وجهادية وصحبة طويلة دامت لأكثر من 37 عاما استشهد الشيخ الشهيد تاركا خلفه رفيقه شمعة الذي نزل عليه الخبر كالصاعقة وذلك بالرغم من أن الأمر كان متوقعا فقد كثف الإعلام الصهيوني تركيزه على الشيخ مما دفع شمعة أن يرسل له أن يكون حذرا ويحتاط فالتهديد كان جديا . ويشير شمعة إلى أن الشيخ ترك بصمات واضحة في حياته ومنها التسليم والثقة بالله ففي أي أزمة كنا نمر بها في المدرسة خصوصا عند الرواتب وكنت أرى أن نقلص بعض النفقات فكان يقول توكل على الله وربك هو الذي ييسر . وبالفعل عايشت هذا الأمر فقد حدث في إحدى المرات وأن كان هناك نقص في الرواتب وبعد يوم أو يومين جاء أحد الأشخاص باسم فاعل خير وتبرع بمبلغ يساوي العجز. والشهر الماضي أيضا كان هناك عجز وكنت موعودا ببعض المال وتأخر فشكوت لأحد الإخوة فقال تعال وخذ المبلغ وبعد يومين توفر المبلغ الذي كنت انتظره وخرجنا من الأزمة وبالفعل فإن التسليم والثقة بالله كان أمرا مهماً تعلمته من الشيخ . سبعة أشهر قضاها برفقته في سجن كفار يونا علاء عايش : الشيخ ياسين صاحب كرامات وشخصيته مرحة وتعلمت منه الصبر والاستعلاء ![]() سبعة اشهر عاشها لحظة بلحظة في خدمة الشيخ في سجن كفار يونا، فلقد كان علاء عايش مشتاقا لرؤية الشيخ المجاهد احمد ياسين وعندما تم اختياره ليكون في رفقة وصحبة الشيخ لم يصدق أن أمنيته تلك تحققت، وقضى أهم فترة من عمره حفرت في تاريخه وذاكرته، يروي تفاصيلها في السطور التالية . **أمنيته لقاء الشيخ ويتحدث علاء عن الظروف التي جمعته بالشيخ في زنزانته فيقول: لقد كنت معتقلا منذ العام 1989 وقد حوكمت بالسجن لمدة عشر سنوات وفي هذا العام كنت ابلغ من العمر 17 عاما وبدأت أقضي أيامي في سجن غزة المركزي ، وكان شغلي الشاغل هو قراءة وحفظ القرآن الكريم. ومن شدة وكثرة ما سمعت عن الشيخ وعرفت عنه في تلك الأيام تشوقت لرؤيته وكنت أطلع الإخوة القريبين مني برغبتي تلك وفي إحدى الليالي رأيت في منامي أنني ذهبت لخدمة الشيخ وتكررت هذه الرؤية بتفاصيلها ثلاث مرات، وبالفعل وبعد أيام قليلة تم تبليغي من خلال مكبرات الصوت في السجن بنقلي إلى سجن كفار يونا وبصحبتي الأخ خليل نوفل وكان أيضاً مشتاقا لزيارة الشيخ مثلي. ويشير عايش إلى انه كان عندما تم نقله إلى كفار يونا عام 92 كان قد قضى 3 سنوات في السجن ويتحدث عن الرحلة إلى ذلك السجن المعزول ولقائه الأول بالشيخ ويقول: أخرجونا من سجن غزة المركزي بالبوسطة (سيارة شحن مغلقة لنقل المعتقلين) وتم نقلنا أولا إلى سجن الرملة وانتظرنا سيارة ثانية وأخذتنا على كفار يونا وهذا السجن هو بالأساس سجن مدني للمجرمين الإسرائيليين وفيه ثلاثة أقسام قسمان للمعتقلين الجنائيين العاديين وقسم آخر للمعتقلين المعزولين المصابين بمرض الإيدز ويشير عايش إلى أنه تفاجأ أن من يحضر الطعام لهم كان من المعتقلين المصابين بالإيدز وكان الشيخ في غرفة معزولة داخل هذا السجن فهو كان معزولا داخل عزل. أما بالنسبة للقاء الأول فقد دخلنا إلى ذلك السجن، وكنا في غاية شوقنا وانتظرنا بفارغ الصبر انتهاء التفتيش والأمور الإدارية وفي هذه الأثناء كان أخوان آخران يودعان الشيخ بعد مرافقته لمدة شهرين وهما خالد الدهشان وأخ المهندس سفيان أبو سمرة أما لحظة دخولنا على الشيخ في غرفته فقد كانت لا تنسى وكنت أرى الشيخ لأول مرة في حياتي وشعرت عندما رأيته بالانكسار وشعرت بهيبة كبيرة وانكببت عليه بالتقبيل وكان هذا موقفا لا يوصف. وبدأ ذلك اللقاء بتعرف الشيخ علينا وأخذه الحديث وبدأنا نسأله عن صحته وأثناء هذا اللقاء دخل موعد صلاة الظهر فقال لي استعد وارفع الأذان للصلاة، وقمت بعدها بمساعدته في الوضوء وكان يشرح لي كيف يتوضأ وأخبرني أنه يتوضأ قبل كل صلاة ومن أول يوم قمت فيه بخدمة الشيخ استغرب الأخ خليل نوفل أنني من أول يوم ظهرت وكأنني متمرس في خدمة الشيخ، وذلك بالرغم من صعوبة الأمر ولكنني كنت أشعر أن الشيخ هو جزء مني وأنا جزء منه. ويتابع عايش حديثه عن مدى رغبته حينها في أن يجعل الشيخ يعيش في وضع مريح وقال انه كان يجلس و يفكر ساعات لإيجاد الوسائل والطرق التي تجعل أيام الشيخ في السجن سهلة وبسيطة حتى إنني تمنيت لو أنني استطعت أن أجعله يمشي على قدميه وكنت أقوم بعمل العلاج الطبيعي له يوميا. **البرنامج اليومي برنامجا يوميا كان يبدأ من صلاة الفجر ويستمر حتى ساعات متأخرة من الليل كان يقضيه الشيخ مع مرافقيه بين جدران زنزانته ويتحدث عايش عن ذلك البرنامج قائلا: كان الشيخ يستيقظ لصلاة الفجر وبعد أن يؤدي الصلاة يبدأ في قراءة القرآن وهو على كرسيه حتى الشروق وبعد أن ينام ساعة أو ساعتين يستيقظ ثانية الساعة السابعة صباحا لنخرج إلى الفورة (ساحة يخرج إليها المعتقلون ويقضون ساعتين داخلها). وكنت مع بدء الفورة أقوم بنقل كرسي الشيخ وفرشته وكنت احمله بعد ذلك بين يدي وأحيانا أحمله بمساعدة الأخ أبي بكر نوفل وكان برنامجنا في الفورة حيث كنت أقوم بإسناد الشيخ على أكتافي وأجعله يضع أرجله على الأرض ومن ثم نبدأ بالدوران والمشي داخل الفورة وبعد هذه الرياضة يستلقي على فرشته لأقوم بعمل علاج طبيعي وتدليك لعضلاته وحركة رجليه على شكل دراجة وأصبح يشعر في ذلك الوقت أن عضلاته تستجيب لهذه التمارين وفي تلك الفترة أصبح الشيخ يكتب بيده وفي باقي وقت الفورة كان يقرأ فيها الشيخ القرآن الكريم. أما بعد انتهاء الفورة نرجع إلى الغرفة ليتمدد الشيخ بعدما يكون قد أنهك من العلاج الطبيعي والتدليك وينام ساعة وأحيانا نصلي الظهر ثم تنتهي الفورة ليأتي بعدها موعد الغداء وبالطبع كنا نقوم بإطعام الشيخ وبحرص شديد. وبعد طعام الغداء ينام الشيخ قليلا ليستيقظ على موعد أذان العصر ليصلي ثم نجلس ليقوم بشرح أحد كتب الراشد التي درسناها جميعها" الرقائق والعوائق" وختمناها بالمسار وكانت جلساته تغذي من واقع الحركة الإسلامية ونشأتها وتحدث لنا عن بدايات الدعوة في فلسطين. **تصورات سياسية أما في المساء فكانت تبدأ النقاشات السياسية بينه وبين الأخ أبي بكر وكنت حينها اجلس لأستمع ما يقولانه أما حول تصورات الشيخ السياسية فيقول عايش إنه في هذه الفترة تبلور لدى الشيخ منهج حماس السياسي الذي طرح في تلك الفترة بالذات وكان حينها العمل العسكري لكتائب القسام في أوجه وفي تلك الأيام خرج الشيخ بتصور لمشروع حماس السياسي وكتبناه في السجن وتم إخراجه للخارج عن طريق الكبسولات (كتابة بخط صغير على ورق شفاف يتم لفه حتى يصبح حجمه صغيرا ويغلف بالبلاستيك حتى إذا بلع المعتقل الكبسولة تبقى كما هي ومن ثم يقوم بإخراجها). مقابلات عديدة أجريت مع الشيخ في فترة سجنه كانت من قبل عدة أطراف ومنها لقاءات مع إسرائيليين ومع ضباط مخابرات منهم كانوا يحاولون معرفة استراتيجية حركة حماس ورؤية الشيخ للأحداث السياسية ويقول عايش الذي صادفت مدة مرافقته للشيخ وجود مثل هذه اللقاءات ومنها اللقاءات التي دارت حول خطف الجندي ناخشون فاكسمان فقد حضر التلفزيون الإسرائيلي الذي حاول الحصول على تصريح من الشيخ عندما طلبوا منه توجيه كلمة للخاطفين قال: على بركة الله هم أحرار (أي الخاطفين) . بعض القصص كما جرت مع الشيخ عدة لقاءات حول قضية جثة الجندي ايلان سعدون وكان يقول لهم: فوضوا صاحب الشأن!. ويشير عايش إلى أن الضباط الإسرائيليين ومنهم ضباط المخابرات الذين يأتون لمقابلة الشيخ كان يستحقرهم ولا يبالي بوجودهم ولا ينظر إليهم وبالمقابل فإنهم كانوا ينكسرون أمامه ويقول إنه في إحدى المرات جاءه ضابط كبير وعندما اقترب من الشيخ انحنى وقبّل يده. ويقول: إنه في إحدى الليالي بعدما تناولنا طعام العشاء وبعضا من الفاكهة وكانت أنواعا كثيرة ممنوعة من الدخول إلى السجن قلت له يا شيخ ما هو الشيء الذي لم تأكله في السجن حتى الآن فقال لي لقد اشتهيت المانجا ولم أذقها منذ سبع سنوات وفي اليوم التالي خرجنا إلى الفورة وإذا بأحد السجناء الجنائيين ينادي عليّ ويقول علاء...علاء فذهبت إليه فمد يده وناولني شيئاً ما لم أنظر إليه حينها وقال (كخ زه لياسينو) أي خذ هذا لياسين وعندما أخرجتها من جيبي وجدتها حبة مانجا كان قد أحضرها معه السجين من زيارة خارج السجن وذكرت حينها ما قاله الشيخ بالأمس بأنه يشتهي المانجا. ويتابع عايش حديثه والدموع بدأت تنهمر من عينيه، ويقول: في إحدى المرات بعدما صلى الشيخ قيام الليل وغرقنا في النوم بعدها، وقد كنت تعبا ولذلك غرقت في نوم عميق وبعد ربع ساعة من نومنا أراد الشيخ أن يقضي حاجته، وخجل أن يوقظني وتردد في ذلك فشعرت أنه حدثني فاستيقظت من نومي وقمت بمساعدته في التبول، ولكني لم أتكلم معه ورجعت ونمت، وسألني الشيخ كيف عرفت أنني كنت أريد قضاء الحاجة، وتأكدت فيما بعد أن هذا الأمر حدث فقد قمت من نومي وأنا لا أشعر **الكرم والزهد ويتحدث أبو بلال عن كرم الشيخ ياسين ويقول لقد كنت جالسا معه في مكتبه ودخل أحد الزوار ومعه هدايا للشيخ مرسلة من الخارج ووضعها الزائر على الطاولة وبعد انصراف الرجل أردنا أن تَدخل تلك الهدايا للمنزل، فأمرنا الشيخ أن نتركها مكانها وبعد وقت قصير حضر زوّار آخرون فوزع الشيخ الهدايا عليهم ولم يُبقِ لنفسه شيئا. انتقل أبو بلال للحديث عن المواقف التي تدل على تمسك عمه الشيخ المجاهد وإصراره دائما على صلاة الفجر في المسجد وفي تلك اللحظات لم يستطع أبو بلال أن يتمالك نفسه فبكى وهو يذكر أحد المواقف قائلا: عندما كان يقيم الشيخ في معسكر الشاطئ خرج لصلاة الفجر برغم أنه كان مريضا ولم يرافقه حينها أحد وتعثر الشيخ ووقع وبقي مُلقَىً على الأرض حتى طلوع الشمس. ومن مواقف الزهد في الحياة يذكر أبو بلال أنهم عندما أرادوا تركيب ستائر للمكتب ومع معرفتهم بأن الشيخ سيرفض ذلك انتهزنا فرصة خروجه وقمنا بتركيب الستائر وعندما رجع ورأى ذلك بقي يقرّعنا أياماً عديدة بسبب ذلك وهو يقول لنا: تكسو الجدران أليس من الأفضل إطعام فقير بثمن الستائر؟ ويقول أبو بلال: إن هذا أمر طبيعي بالنسبة للشيخ فهو الذي رفض بعد خروجه من السجن عام 1996 العرض بأن يغير مكان بيته إلى مكان آخر يليق به فرفض ذلك وأصر على البقاء في المكان الذي عاش فيه طيلة حياته، وحتى أثناء حدوث الاجتياحات رفض تغيير مكان بيته لأنه كان يشعر بوفاء كبير لكل من يعرفه فكيف بالمكان الذي عاش فيه. لن تحتاج إلى قلم وورقة لتدوين الكلمات ..أو إلى آلة تصوير فائقة الدقة لتعكس صورة المشهد الدامع عندما تجلس بين أفراد آسرة الشيخ أحمد ياسين في محاولة منك لتوثيق مشاعر الفخر وأحاسيس الحزن على فراق الشيخ في ذكرى استشهاده الأولى ، بل ببساطة كل ما عليك هو أن تستمع بكل حواسك إلى أهل بيته اقرب الناس له ،عندها فقط ستدرك حقيقة واحدة بان الشيخ الذي حمل هموم فلسطين الكبيرة وارق الاحتلال الصهيوني كان يمارس دور الزوج الحنون مع زوجته والأبوة بامتياز مع أبنائه الذين تعلموا منه أبجديات الجهاد والشهادة . **عايدة ابنته المفضلة عايدة كبرى بناته قالت :كان أبى دوما حنونا والشيء الذي لن أنساه أنه كان يصفني مثله بالحنونة فيقول أنت أحب بناتي إليّ لأنك كثيرا ما كنت تساعدين جدتك في مرضها والأن أنت تساعديني يا ابنتي في قضاء بعض حاجاتي ،قالت تلك العبارة بفخر وكأنه منحها بها أجمل وسام للابنة البارة ،وحين سألتها عن إحساسها بافتقاده حين كان أسيراً في سجون الاحتلال أجابت "مسافة المكان التي كانت تفصلنا عنه لم تمنعنا من أن نشعر به ونتألم لأجله "مؤكدة بأنها كانت تزوره باستمرار مع أخواتها بحيث يستشيرونه في تفاصيل حياتهم ،وإذا لم يتمكنوا من الزيارة كانوا يوصون أي شخص يذهب لزيارته لينقل لهم كل ما يرغبون في قوله ،وتضيف بأن الشيخ كان حريصا على الاجتماع بالعائلة مرة كل أسبوعين ،وبأنه كان دائم الزيارة لهم وإذا لم يتمكن كان يرسل ما قدره الله عليه الى أرحامه الذين يتعذر عليه زيارتهم، وختمت عايدة حديثها "استبشرنا خيرا من اتصال هاتفي جاءنا فيه أن طفلاً عمره 8 اعوام رأى الشيخ في منامه وهو يجلس على كرسي من ذهب وحوله يحيى عياش وصلاح شحاته وآخرين من الشهداء ". ** الزوجة الصابرة تساؤل من الممكن أن يدور في ذهن أي شخص طرحنا على أم محمد زوجة الشيخ وهو عما اذا كانت قد ترددت في قبول الزواج من رجل مقعد منذ كان عمره 16 سنة أجابتنا بابتسامة تختص بصبر النساء الفلسطينيات "هو ابن عمي وحين تقدم لي منذ 40 عاماً قررت أن أرضى بنصيبي الذي اختاره الله لي مضيفة بأنه كانت هناك أقاويل حول مدى قدرته على الإنجاب ،وتستأنف حديثها "تزوجنا وعشنا حياة سعيدة وأنجبنا 3 أبناء و 8 بنات قمنا بتربيتهم على خلق الإسلام مشيرة إلى أن الشيخ كان مثالا للزوج الحنون الذي يعطي كل ذي حق حقه وهي كانت تعامله بالمثل بحيث أشرفت دوما على حاجاته الخاصة، وتذكر أن الشيخ لم يكن ينظر في مسألة تزويج بناته سوى لاعتبار واحد هو التقوى حيث صاهر من أنساب مختلفة "الغزاوي والبدوي والمجدلاوي والحمَامي ...". ** عطاف ابنته التي لم ينجبها رزق الله الشيخ بثماني بنات ولكن عطاف دلول كانت ابنته التى لم ينجبها ،صوت عطاف وهي تتحدث بنبرة جريئة تختلف عن النبرة الخجولة لبناته حيث كان صوتا يوافق تماما الصفة التى أطلقها الشيخ عليها فدوما كان يقول لها :" أنت جندية يا عطاف "،تروي قصتها مع هذه الأسرة التى بدأت عام 1977م حين أنهت الثانوية العامة فكانت أول من يتولى مهمة التدريس في رياض الأطفال في المجمع الإسلامي "بجوار بيت الشيخ " ومنذ ذلك العام بدأت ترتاد هذا البيت ،فوجدت في الشيخ رحمة الأبوة فتقول "كان دوما يرشدني وينصحني وكثيرا ما ساعدني في حل مشاكلي ،وتضيف بأنه أصبح بيت الشيخ بيتها الذي تجلس وتنام وتأكل فيه وتشارك أفراده في مسراتهم واتراحهم وكانت تناديه دوما "يابا "،وأكدت بحماس "لو كان بيدي لوضعت على خصري حزاما ناسفا وفجرت نفسي في الأعداء "،وأوضحت دلول أنها حين كانت تحتاج للمال لم تكن تتردد في الطلب منه بل إنه كان كثيرا ما يعطيها من تلقاء نفسه سواء في العيد أو المناسبات الأخرى ،وتتابع حديثها "أبى توفي مند سنوات ولكن حين استشهد الشيخ شعرت باليتم لأول مرة ،مؤكدة بأن لديها من الأبناء يحيى عياش وزكريا الشوربجي و وتصر على إنجاب طفل يحمل اسم أحمد ياسين موضحة أنها لن تبخل بهم مستقبلا للجهاد في سبيل الله قائلة " وأنا ليش مخلفاهم " وأشارت الى أنه كان محبا للأطفال لأبعد حد بحيث لم يكسر يوما بقلب طفل طلب منه شيئا هؤلاء الأطفال الذين كانوا يفرحون بأي شيء كان منه لمجرد أنه من الشيخ أحمد ياسين . كان بيتا يثير في تواضعه استغراب أي شخص سمع عن الرجل الذي زلزل (إسرائيل) ولكن رائحة صاحبه كانت عالقة في كل ركن فيه ،وبنبض الحياة كان في ملامح صوره المعلقة ،أما أهل البيت الذين يتذكرون زوجاً وأباً بكل معنى الكلمة ابتسموا بإيمان عميق وقالو:ان العين لتدمع وان القلب ليحزن وانا على فراق الشيخ لمحزونون" **روح الدعابة وانتقل عايش للحديث عن روح الدعابة التي كانت عند الشيخ وذلك بالرغم من سجنه ومرضه وألمه ويقول في إحدى المرات تم نقله إلى مستشفى الرملة لأنه كان يعاني من آلام في عينه وكان أثناء نقله يخرج معه طاقم حراسة خاص وسيارة الإسعاف التي تنقله تكون وسط سيارتين من الأمام والخلف يستقلها أفراد الحراسة ويرافق هذا الطاقم أيضا مدير السجن ونقل بعدها الى مستشفى" تل هاشومير" وعندما عاد فقال راحت مني عملية استشهادية فقد كنت جالسا ويدي بتقدم وبتأخر على مسدس مدير السجن وحدثت نفسي يا أحمد ياسين نفذ عملية استشهادية اختم حياتك بها واقتل اثنين أو ثلاثة منهم، وطبعا الشيخ كان مشلولا ولكنه كان خفيف الظل وصاحب نكتة وعندما يسره موقف ما يضحك حتى تنزل دموعه من كثرة الضحك كما كان كثيرا يحدثنا عن نوادر حدثت معه. بعدما مكث عايش مع الشيخ ما يقرب من سبعة الأشهر جاء موعد الفراق فقد كان هناك برنامج معين لتبديل المرافقين له كل فترة من الزمن ويقول عايش عن لحظة الفراق هذه بكيت جدا لهذا الفراق فقد شعرت أن الشيخ هو والدي ولكنني حرصت بعد ذلك على التواصل معه من تبادل ارسال الرسائل واتذكر انه نصحني عندما تركته ان نسير بخط الدعوة وهذه ايضا كانت نصيحته عندما زرته في بيته وقبل استشهاده. ويتابع عايش: بالرغم من محاولاتي أن ارجع إلى خدمة الشيخ ولكنني لم أفلح في ذلك فقد قامت إدارة السجن بمنعي من ذلك. عايش خرج من سجنه عام 1999 ليرجع مرة ثانية ويعيش في مدينة رفح بعد غياب دام عشر سنوات وزاره شيخه في بيته برفقة الأستاذ إسماعيل هنية وآخرين ويقول عايش إن رفح كلها جاءت إلى بيته عندما علمت أن الشيخ أتى لزيارته. ويتحدث عايش عما تركه الشيخ من أثر في حياته وقال : لقد تعلمت الصبر فيه فلقد رأيت فيه رجلا صابرا تحمل السجن والمرض والألم وكان صابرا محتسبا وكان رفضي التوقيع على تعهد للاحتلال عام 99 ومكوثي في السجن خمس سنوات أخرى هي من ثمرة هذا الصبر. فلقد كان الشيخ يعيش القهر والألم وهو مبتسم ولم يتأفف يوما، كما كان شامخا دائما معتزا بدينه يخاطب الأعداء بعزة وكبرياء وكان يخاطب قادة مخابراتهم وجيشهم باستعلاء كبير. الشيخ أحمد ياسين .. من الجورة إلى القمة ![]() هنا على تراب هذه الأرض الطاهرة المقدّسة فلسطين .. هنا كان الأنبياء .. و هنا أيضاً كان القتلة المجرمون !! هنا ثمّة من نفخ في الطين فخلق منه طيوراً و عصافير تحلّق في سماء الحرية .. و هنا ثمّة من ذبح الحمام ، و شرّد العصافير و ملأ السماء طائرات مجرمةً و بوماً !! هنا كانت صرخة الميلاد .. و هنا كانت مريم .. و هنا طورد السلام في أرض السلام!! و هنا و في مغارة الاحتلال كان ميلاد الشيخ أحمد ياسين . للزمان معناه و للمكان !! ليس بعيداً عن مدينة عسقلان التاريخية العريقة تنام قرية الجورة .. جميلة كجمال الطيور التي نفخ عيسى فيها فكانت طيراً بإذن الله ، حالمة تزهو بصفاء جوّها و دفء شمسها ، و رقّة بحرها ، و جمال عناقيد كروم العنب فيها ، نقيةٌ كنقاء رمالها الصفراء على شاطئها ، زكية كرائحة الزنابق البيضاء التي تنتشر بعفوية على تلالها الصغيرة التي تداعب موج البحر ، حيّة تقوم من موتها كلما انبثقت شقائق النعمان في ظلال بياراتها .. هنا في الجورة الصغيرة التي لا تتجاوز مساحتها بضعة كيلو مترات مربعة و لم يتجاوز عدد سكانها آنذاك ألف نسمة و بين جدران الطين التي بناها والده إسماعيل بيديه وُلِد أحمد ياسين في عائلة اشتهر رجالها بمهنة البناء .. كانوا يجبلون طين بلادهم بقشّها و مائها و عرقهم ليبنوا تلك البيوت الطينية البسيطة لأهلها البسطاء الكرماء الذين لا تفارق الابتسامة عيونهم ، و لا تفارق الطلاقة وجوههم و لا تفارق الكلمات الرقيقة ألسنتهم ، لا يعرفون الحقد ، و لا يحبون الظلم ، و لا يعتدون على أحدٍ أبداً ، تعلّموا الصبر و الكرم من البحر الذي عايشوه أيضاً و غازلوه ، و طرحوا شباكهم في عمقه ، فلم يعودوا خائبين ، أطعموا أطفالهم ، و غسلوا أجسادهم ، و استمتعوا بكرمه و جماله ، و عادوا في آخر النهار راضين يغنّون رائع الأغاني و الأهازيج . و للزمان أيضاً دلالاته و معناه ، فقد كانت صرخة الولادة عام 1936 ، يوم ولادة الثورة الكبرى على أرض فلسطين ، و كأنما انضمت صرخة الوليد أحمد ياسين على غير موعدٍ إلى صرخات آلاف الحناجر الفلسطينية الرافضة للذل و القهر و الاستيطان و الاحتلال . ضاقت الأحوال و طغى الفقر و عضّت أمّه الصابرة "سعدة" على خوفها و حزنها ، و استعاضت عن ذلك بفرحتها لمولد هذا الطفل الهادئ البرئ الرقيق ، و كان هاتفٌ زارها في منامها و ألحّ عليها أن تسمّيه أحمد ، فلم تتردّد في ذلك رغم معارضة العائلة التي كثر اسم أحمد في أولادها ، و لكي يميّزوه أسموه "أحمد سعدة" ، و كان الأطفال يخجلون آنذالك من أن يُدعو لأمهاتهم ، و لكن ما العيب و ذلك نبيّ الله عيسى ابن مريم ، و ما العجب و نحن نعلم أنّنا نُنادى يوم القيامة بأسماء أمهاتنا ؟!! كان والده إسماعيل الذي أثقله همّ الأولاد و الفقر قد بدأ يذوي ، فلم تمضِ سوى سنواتٍ ثلاث على مولد الطفل أحمد حتى رحل والده و تركه ثالثاً في أخوته الذكور الثلاثة و كان بعده طفل صغير آخر و له من الأخوات اثنتان . في أحضان أمّه ، و في ظلّ الفقر و الحرمان و الصبر ينبت الطفل أحمد و يبلغ السادسة . و في رفقة أقرانه يحمل مخلاته و يلتحق بمدرسة القرية الصغيرة يتعلّم اللغة و الحساب و الشعر و الأخلاق ، و يبرز بين أقرانه سنة بعد سنة ، و يكبر أحمد ياسين ما بين أمّه و إخوته ، و مدرسته و أصحابه و ما بين الفراشات و العصافير التي كان يطاردها في ربيع قريته ، و خلف طيور السمّان المهاجرة من مكانٍ بعيد إلى أرض الرسالات أرض فلسطين . لم تكتمل فرحته بنجاحه و نبوغه في أحضان مدرسته بل لم يكتمل اشتداد عوده المنزرع في تراب أرضه و وطنه ... بينما كان الخريف يظلّل بغيومه أشجار الزيتون المثقلة بزيتونها ، و بينما كانت طيور النورس تحطّ على شواطئ القرية الآمنة كانت طائرات الصهاينة تلقي بحممها على الآمنين ، عائلات بأكملها تدفن تحت تراب بيوتها .. و عائلات لا يبقى منها سوى طفلٌ صغير ، و أشجار تحترق ، و طيور تفزع ، و فراشات تموت . لقد سقطت عن هيئة الأمم و عن قوات الانتداب ورقة التوت . في صباح الرابع من تشرين الثاني كان حوالي ألفٌ و سبعمائة من رجال الجورة و نسائها و أطفالها يهاجرون هاربين بأرواحهم من سورة حقد و حمم الطائرات التي لم ترحم طفلاً و لا امرأة و لا شيخاً . المراكب الصغيرة امتلأت ببعض العائلات ، و الجِمال ناءت بأحمالها ، و أطفال يهرعون مشياً على الأقدام . تركوا البيوت و الأموال و البيارات و بئر الماء و المدرسة و الجامع و الدكاكين و رحلوا كلّهم إلى غزة فيما عدا من أصرّوا هناك على البقاء بين الأنقاض نائمين إلى الأبد .. ها هي غزة هاشم تفتح ذراعيها للمذبوحين في كرامتهم ، و المطرودين عنوة من ديارهم ، و المسروقين على أعين الأمم المتحضرة في وضح النهار . و من حارةٍ إلى حارة ، و من محلّة إلى محلّة ينتقل أحمد ياسين مثل كلّ الذين أصبح اسمهم من اليوم لاجئين حتى شاء الله أنْ تحطّ بهم الرحال على شاطئ بحر غزة ، و في مخيّم الشاطئ الذي لا يبتعد عن الجورة أكثر من عشرين كيلومتراً . من هناك كان الطفل أحمد ينظر إلى بلدته التي كان يرى السفن متّجهة إلى بحرها الذي أصبح يسمّى بحر "أشكلون" بعدما حرّف المغتصب اسمه ليطمس هويته .. كان البحر يشدّه اليه ، ربّما لما يمثّله في قلبه من ذكريات الوطن الصغير ، أو ربّما ليكمل اللعب الطفولي الذي لم يكتمل هناك ، و ربما ليشتدّ عوده فيقوى على العودة إلى هناك . و لكن ماذا يفيد البكاء على الأطلال من بعيد ؟ و هل يُغني البكاء عن العمل ؟ وهل يطعم من جوع ؟ ترك أحمد ياسين المدرسة ليلتحق بأحد مطاعم الفول البسيطة على ميناء غزة لعلّه بذلك يعين عائلته الفقيرة حتى كان العام 1952 ، الذي وضع حدّاً لهذا السعي و الكدح . فبينما كان الشاب أحمد ياسين ابن الستة عشر ربيعاً يصارع رفيقه و حبيبه عبد الله صيام على شاطئ البحر سقط على رأسه ليلتوي عنقه ، و يصاب بكسور تُحيله إلى جثّة هامدة مشلولة شللاً شبه كاملٍ إلاّ من حركة الرأس و الإرادة ، و من حيوية القلب و الابتسامة . و بعض الحركات الصعبة للأطراف . و يأبى عليه كرم نفسه و إخلاصه لصديقه عبدالله أن يبلغ أهله بالسبب ، و ظلّ يحمِل سرّه في صدره إلى عام 1989م ، خوفاً من أنْ يحدث مشكلة بين عائلته و عائلة حبيبه الذي كان قد استشهد عام 1982م في لبنان بعدما لمع اسمه في ميدان الشرف و الدفاع عن الكرامة هناك في "خلدة" بالجنوب اللبناني .. و من منّا لم يعرف العقيد الشهيد عبدالله صيام ؟? لم تمنعه الإصابة و لم يُعقْه الشلل عن إكمال المسيرة ، فأكمل تعليمه حتى أنهى الثانوية العامة بتفوّقٍ كبير عام 1958م .. كان إحساسه بحال أهله و فقرهم يمنعه من مواصلة تعليمه الجامعي ، لما يمثّله ذلك عليهم من عبءٍ لا يطيقونه ، فقرّر البحث عن وظيفة ، و بالفعل تقدّم إلى وظيفة مدرّس ، و رغم نبوغه في المقابلة ، فقد كاد يفقد هذه الوظيفة بسبب مظهره المشلول ، لولا أنْ قيّض الله له الحاكم المصري آنذاك الذي تعاطف معه بعدما عرف من نبوغه ، فأصبح أحمد ياسين الأستاذ أحمد ياسين . لقد أراد بحقٍّ أن يكون أستاذاً للجيل ، فكان له ما أراد ، لقد تحدّى العجز الجسدي ، و أطلق للروح عنانها و شارك في قضايا مجتمعه و قومه مشاركةً منقطعة النظير . ها هو يثور غضباً لإخوانه في مصر و في غزة عندما داهمها العدوان الثلاثي الظالم ، فوقف الأستاذ خطيباً مفوّهاً يرفض الذلّ و يقاوم الغدر و يرفض التوطين ، و يؤمِن بحقّ اللاجئين في الحياة الكريمة و في العودة الكريمة الآمنة إلى ديارهم و بيوتهم التي شُرّدوا منها ، رافضاً أيّ بديلٍ عن ذلك ، و رافضاً ما يسمّى بالإشراف الدولي على غزة مطالباً بضرورة عودة الإدارة المصرية إلى غزة شعوراً منه بما لهذا الشعب العربيّ الشقيق من مكانةٍ في نفوس أبناء غزة و فلسطين . لم يستَكِنْ الأستاذ أحمد ياسين ، بل دفعه حبّ الوطن و الدين و حبّ القيم الإنسانية إلى المزيد من العطاء ليصبح خطيباً بارزاً في غزة ، يحمِل في صدره مبادئ الإمام حسن البنا ، و يؤسّس لحركة "الإخوان المسلمون" في قطاع غزة ، و يطوف مساجد القطاع مسجداً مسجداً من المسجد الأبيض بمخيّم الشاطئ إلى العباس إلى العمريّ إلى غيرها من هذه المساجد التي اكتظت بالشباب العائدين إلى دينهم الذين ارتادوا هذه المساجد ليستمعوا إلى دروسه في الدين و في الوطنية حتى نودِيَ من ذلك الوقت بالشيخ أحمد ياسين . لفت هذا النشاط أنظار المخابرات المصرية التي كانت تتربّص بحركة "الإخوان المسلمون" الدوائر ، فأعماها ذلك عن الحالة الإنسانية للشيخ و لم تمنعها إعاقته من اقتياده في بهيم ليلٍ إلى زنازين السجون الانفرادية في مصر ، ليظلّ تحت طائلة التحقيق و التعذيب الجسديّ و النفسي شهراً كاملاً حتى يكتشف هؤلاء أنّه برئ ليعود إلى غزة عام 1965 . عاد ليقول : "لقد عمّقت زنازين مصر في نفسي كراهية الظلم ، و أكّدت لي أنّ شرعية أيّ سلطةٍ تقوم على العدل و إيمانها بحقّ الإنسان في الحياة بحرية" . و ما هي إلاّ شهور تتدحرج خلف شهور حتى كانت النكبة الثانية ، كارثة العدوان الصهيونيّ على ما تبقّى من أرض فلسطين و أراضٍ من مصر و سوريا . لم تفتّ النكسة في عضد الشيخ الذي كره الظلم و كره الصمت على الذلّ ، فتحرّك بما تبقّى من أعضاء جسده المشلول يقاوم الاحتلال على كلّ المنابر و في كلّ الساحات يبني جيلاً من شبان الإخوان في كلّ أرجاء قطاع غزة ، و لم يُعِقْ من حركته و متابعة عمله ملاحقة مخابرات الاحتلال له . ظلّ الشيخ أحمد ياسين كذلك حتى كان العام 1977 حيث بدأ خطواتٍ عمليّة لترسيخ العمل المنظّم المتفاعل مع الجماهير قولاً و فعلاً ، فكان إنشاؤه للمجمّع الإسلامي بغزة فاتحة عهدٍ جديد في مجال التخفيف من الأوضاع المأساوية لأبناء الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال ، و قاعدة لنشر الفكر و الثقافة و القيم الأخلاقية بين شباب القطاع ، و ليصبح المجمّع الإسلامي نموذجاً حضارياً إسلامياً في كلّ أرض فلسطين . لقد شكّل المجمّع الإسلامي النواة الأصيلة لحركة الإخوان المسلمين في قطاع غزة ، بل و في فلسطين كلّها ، و كانت منه انطلاقة العمل السياسيّ و المقاوم للاحتلال . مع بداية الثمانينات بدأ الشيخ أحمد ياسين بتشكيل جهازٍ عسكريّ ، و ذلك بمعاونة مجموعة من كوادر حركة الإخوان أمثال الدكتور الشهيد إبراهيم المقادمة و ذلك رغبة منهم في مقاومة الاحتلال و الدفاع عن أبناء شعبهم ، و لكن هذه المحاولة سرعان ما تكشّفت ، و يعتقل الشيخ و تُوَجّه له تهمة تشكيل جهازٍ عسكريّ و حيازة أسلحة ، و يصدر الحكم عليه بالسجن لمدة ثلاثة عشر عاماً ، لكنهم يطلقون سراحه عام 1985م في إطار عمليةٍ لتبادل الأسرى بين سلطات الاحتلال الصهيونيّ و الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين "القيادة العامة" بزعامة أحمد جبريل . ثم اندلعت الانتفاضة .. في بدايات شهر ديسمبر من عام 1987م على إثر عمليّة قتلٍ عمد قامت بها إحدى الشاحنات الصهيونيّة لمجموعة من العمّال الفلسطينيين الآمنين .. وقع الخبر كالصاعقة في نفوس أبناء الشعب المقهورين فتحرّكت المساجد و المدارس و الحواري و البيوت كلّها تعلن الغضب و ترفض الذلّ و الجريمة . و من اللحظات الأولى يدرك الشيخ أحمد ياسين أنّ الصمت جريمة ، و أنّ ترك الجماهير تتحرّك بلا انتظام جريمة أكبر ، و هنا قرّر مع مجموعةٍ من إخوانه تشكيل حركة المقاومة الإسلامية حماس يداً ضاربة لحركة الإخوان بغيةً منها في خوض ثورة التحرير الشعبية العارمة . و كان البيان الأول لحركة حماس في 14/12/1987م يحرّض الجماهير على رفض الذلّ و مقاومة الاحتلال و كان لهذا البيان و ما تلاه صدى كبير في الشارع الفلسطيني و اتسعت دائرة حماس ، و تضاعف أنصارها و أعضاؤها و لم تلبث طويلاً حتى أقدمت على عملية نوعية حيث قامت باختطاف جنديين صهيونيين عام 1989 ، لمبادلتهما بأسرى فلسطينيين يعانون العذاب داخل سجون العدو الصهيونيّ . و مرة أخرى يجد الشيخ المقعد على عربته نفسه خلف قضبان سجون الاحتلال التي اعتقلته في 18/5/1989م مع المئات من أبناء حماس و قادتها . و مرّة أخرى تصدر المحاكم الصهيونية عليه حكماً بالسجن مدى الحياة إضافة إلى خمسة عشر عاماً أخرى . و عبثاً حاولت مجموعات حماس العسكرية في بداية التسعينات استبداله بجثّة جنديّ صهيونيّ اختطفوه في إحدى عملياتهم . و قد كان ردّ الشيخ أحمد ياسين الرافض لذلك حاسماً حينما رفض استبداله بجثة . ثم كانت ساعة الفرج الكبرى و المفاجئة فجر الأربعاء الأول من تشرين الأول عام 1997 حيث أفرجت قوات الاحتلال عن الشيخ بموجب اتفاقٍ بين الحكومة الأردنية و الحكومة الصهيونيّة يتمّ بمقتضاه الإفراج عن عميلين للموساد الصهيونيّ كانا قد فشلا في محاولتهما اغتيال زعيم المكتب السياسي لحركة حماس في الأردن الأستاذ خالد مشعل .. يا لها من لحظاتٍ رهيبة حينما حطّت الطائرة العسكرية الأردنية على أرض غزة تحمِل على متنها الشيخ أحمد ياسين الذي أفرج عنه إلى الأردن لينقل من هناك إلى فلسطين . مئات الآلاف من أبناء الشعب ينتظرون في الطرقات و ملايين العيون في شرق الأرض و غربها تراقب الحدث الجليل ، و ما أن يطلّ الكرسيّ المتحرّك من باب الطائرة حتى يغرق الشيخ القعيد بين أيدي الجموع المهلّلة المكبّرة التي تزفّه إلى ملعب اليرموك ليشاهده الجميع كالقمر الذي أطلّ بعد طول ظلام . كانت كلماته الخافتة البسيطة أقوى وقعاً من كلّ الكلام ، حيّى شعبه بكلّ أطيافه ، و دعا إلى وحدة الصف و الكلمة ، و أكّد على ضرورة هزيمة الظلم و الاحتلال . هو هو لم يتغيّر ، لم تتغير إرادته و عزيمته و عطاؤه . عضّ على ألم ظلم السلطة ، و التقى الرئيس عرفات و طمأنه على أنّه و حركته لا تنافس السلطة كرسيها و طالبه بأنْ يحافظ على أبناء شعبه و أبناء حماس و ظلّ متواصلاً ، فأكبره الجميع ، و أكبرته الأنظمة و الشعوب العربية و الإسلامية على السواء . لقد كانت جولته بعد الإفراج عنه في العديد من الدول العربية و الإسلامية أكبر دليلٍ على هذا الإكبار ، حيث استُقبِل هناك استقبال الأبطال و العلماء الأجلاء ، على المستوى الرسمي و الشعبيّ ، في السعودية و إيران و سوريا و الإمارات و غيرها . و قبل أن يرتاح لهذا الشيخ القعيد جنبٌ راح يعيد بناء حركة حماس ، و لملمة جراحها من جديد ، و يعمل حثيثاً على رأب الصدع بينها و بين إخوانها الذين انساقوا وراء ظلمها ، و قد تحمّل الشيخ في سبيل ذلك الكثير ، فقد شهدت علاقة السلطة به و تجاوبها معه مداً و جزراً ، حتى وصلت الأمور في بعض الأحيان إلى فرض الإقامة الجبرية عليه و قطع الاتصالات عنه . و لأنه يحمِل في صدره رسالة إنسانية عميقة فقد كان يعلم جيداً أنّ الظلم لا يدوم ، و أنّ الصبر مفتاح الفرج .. و كان الفرج حينما اندلعت انتفاضة الأقصى لترفع الغشاوة عن عيون الذين راهنوا على اتفاقية أوسلو الظالمة ، و التي رفضها الشيخ و حركته بقوّةٍ لأنّها لا تحقّق الحرية و لا الأمن و لا الكرامة للشعب الفلسطيني . اندلعت انتفاضة الأقصى يوم 28/سبتمبر/ عام 2000م على إثر تدنيس شارون لحرمة المسجد الأقصى المبارك و إهانته لمشاعر ملايين المسلمين ، و قاد الشيخ أحمد ياسين مجدّداً الانتفاضة ، و كان صمّام الأمان لأجنحتها ، فوحّد المقاومة و جعلها خياراً بديلاً عن خيار المفاوضات العقيمة و تبديد الوقت . لقد عانى الشعب الفلسطيني أقسى ألوان العقوبات الجماعيّة على يد القوة العسكرية الصهيونيّة الغاشمة التي قتلت الآلاف من الأطفال و الشيوخ و النساء و دمّرت آلاف البيوت ، و اقتلعت مئات الآلاف من أشجار الزيتون و استهدفت كلّ من يقول للعدو لا . و قد اغتيل الكثير من قادة حماس في هذه المرحلة و على رأسهم جمال منصور و جمال سليم و إسماعيل أبو شنب و صلاح شحادة و إبراهيم المقادمة و غيرهم عشرات . و نجا من المحاولة عددٌ من القادة أمثال الزهّار و الرنتيسي و إسماعيل هنية و شيخ الانتفاضة نفسه أحمد ياسين الذي ألقت عليه طائراتF16 أطنان القنابل يوم 6/9/2003م فأحالت البيت الذي كان فيه إلى رمادٍ بينما نجا هو و مرافقه إسماعيل هنية بقدر الله . ثمانية و ستون عاماً .. ثم كانت النهاية .. خاتمة رحلة طويلة من القهر و الفقر و الحرمان .. خاتمة رحلةٍ من الظلم و العنصرية و التجاهل العالميّ .. قضاها الشيخ أحمد ياسين صابراً على كرسيه المتحرّك بإرادته الجبّارة التي قهرت العجز و تسامت على القهر و تقدّمت صفوف المظلومين لصناعة الحياة . للزمان معناه و للمكان .. للأرض دلالاتها و للسماء .. لحظة الميلاد الجديد .. فجر يومٍ جديد .. شقشقة العصافير التي بدأت تخرج من عقالها تملأ محيط المسجد تسبيحاً و ترجيعاً .. فضاء يزحف من شرق الأرض إلى مغربها يبشّر بطلوع صبحٍ جديد .. سكينة و وقار .. شيخ على مقعده المتحرّك يعود إلى بيته آمناً في سربه من الأنصار و المحبّين و الفقراء .. بعدما أدّى صلاة الفجر و ذكر الله و دعاه أنْ يرفع الظلم و القهر عن أمّته و شعبه و عن الإنسانية جمعاء . ما تزال عيون الشيخ شاخصة في السماء تناجي ربّ السماء .. ثمّة غربان تحوم في السماء .. إنها طائرات الأباتشي أمريكيّة الصنع .. تقترب الطائرات .. يا الله .. يا أرحم الراحمين إنها تلقي بحممها و صواريخها على كرسيّ الشيخ . يا الله يا أرحم الراحمين كانت آخر الكلمات ذكر الله .. و كان الكرسيّ يودّع صاحبه العزيز .. و كان جسد الشيخ الذي تحوّل إلى أشلاء يعانق وجه الأرض هناك .. اشتقت إليك يا طين الأرض .. ثمّة من أرجعني إليك .. و كانت العصافير التي صدحت قبل قليلٍ تتساقط حول الأشلاء مذبوحة ، و عبثاً حاول دخان القنابل أن يغطّي وجه الشمس التي أشرقت ليومٍ جديد و لكن هيهات ، فقد أضاء الكون من جديد و انقشعت سحب الدخان . لقد وُلِد أحمد ياسين من جديد .. و لكن هذه المرة وُلِد شيخاً مهيباً سمعت بصرخة ميلاده الأرض كلّها و من عليها من قطبها إلى قطب الجليد . و في مستشفى الشفاء بغزة توالت البشارات بالمواليد كلّهن قمْن من مخاضهن و أوصين بأن يسمّى الأطفال أحمد ياسين .. قبل أنْ يوارى جسده التراب كانت العشرات من النساء يسمين أولادهن أحمد ياسين . سعدة لم تمت يا أحمد .. سعدة تجسّدت من جديد في قافلة جديدة من الصالحات الصابرات المؤمنات ، أم نضال فرحات التي ودّعت محمد فرحات .. و ودّعت نضال و هي تعلم علم اليقين بأنّ خنجراً من الألم سيخترق قلبها و حبّة عينها حينما تسمع خبر استشهادهما و لكن خنجر الألم سيصبح بلسماً إذا كان هذا ثمناً للحرية و الكرامة و الحياة الشريفة .. إذا كان هذا الفقد تعويذة من الاستعباد و الإذلال الذي يمارسه نازيّو القرن الواحد و العشرين .. و هكذا كانت أم محمود العابد و هكذا كانت قافلة الأمهات اللاتي ودّعن فلذات أكبادهن على مذبح الحرية قرابين كرماء .. فلا نامت أعين الجبناء . على مثل أبي محمد فلتبكِ البواكي .. مئات الآلاف من الرجال و النساء و الشيوخ و الأطفال هاموا على وجوههم في شوارع غزة يبكون شيخاً حبيباً مهيباً لم يكنْ في يومٍ من الأيام إلاّ من صنّاع الحياة .. و كان حقّه في الحياة و حقّ شعبه تدهمه القنابل و الطائرات و الدبابات التي يقودها الحقد و تقودها الرذيلة و العنصريّة . كان مشهداً تهتزّ له عروق البشرية جمعاء ، فضلاً عن الأطفال الذين انطلقوا في شوارع الوطن المُحنّى بدم الشيخ و دم عشرات الآلاف من الشهداء يبحثون عن حجارةٍ صغيرة ، ربما ليبنوا بها بيتاً يقيهم حمم طائرات الأباتشي ، و ربما ليُكمِلوا ما انتقص من تسبيح الشيخ الذي قطعته قنابل الغدر قبل أنْ يتمّ ورده .. و ربما ليقذفوها في وجه الطاغوت كما قذفها من قبلهم نبيّ الله داود في وجه جالوت . و كان الأطفال يعرفون الشيخ .. يعرفون دفء سحنته التي كانوا يقبّلونها .. و يعرفون ابتسامته التي تنتشر في أنحاء وجهه ، من زمّة عينيه إلى طلاقة وجنتيه إلى ثغره الذي يرقد بين المساحات الناصعة المهيبة من لحيته الطاهرة . كان حنوناً عليهم أكثر من أمّهاتهم ، حريصاً على تعليمهم دروساً في الأخلاق و الإنسانيّة و حبّ الوطن و الكرامة و كان عطوفاً عليهم يبكي لألمهم و يستمطر رحمة ربّه لطفولتهم ، و يدعو الله أنْ لا يبتليهم بمثل ما ابتلُيَ هو شخصياً من العذاب و الحرمان . هذه إيمان حجّو تسكن بجواره في صورتها التي ظلّت شاهدة على بشاعة الجريمة و ضرورة الانتصار .. من عرف الشيخ .. من نال منه وداد لحظة ، من تمتّع بالحديث معه و لو لدقائق معدودات .. من لجأ إليه في وقت شدّة .. من خبر صبره على الألم .. و استعذابه للعذاب في سبيل فلسطين يعرف لماذا اهتزّ الكون كلّه لخبر استشهاده .. لقد أحبّه الله فجعل له القبول في الأرض . أحبّه الأنصار و الأصدقاء ، و احترمه الدبلوماسيون و الصحافيون ، و أجلّه السجّان الصهيونيّ في سجنه ، و أصيب بالرعب منه الطيّار الذي أغمض عينيه و هو يلقي بهذه القنابل على كرسيّ متحركٍ بسيط . كان صمام أمانٍ لألوان الطيف الفلسطينيّ .. تشعر كلّ الوفود عنده بالراحة و الأمان ، و كان نعم الدبلوماسيّ الذي يرفع الحرج عن الأمة العربية ، فلم يأتِه الوفد المصري أو غيره و خرج خالي الوفاض ، بل أكرمهم بكرمه ، و رفع حرجهم ، و قدّم لهم من الوعود ما أعانهم على نجاح مهمتهم دائماً ، و لكن دون أن يتنازل عن أيّ حقٍ من حقوق شعبه في الحياة الحرّة الكريمة على أرضه ، و دون أن يتناسى حقّ شبعه في كامل أرضه التي اغتصبت تحت مظلّة الانتداب البريطاني و الهيمنة الأمريكية . و كان شعاره "ما ضاع حقّ وراؤه مطالب" . و لم يمنعه ذلك من اللين في الأسلوب دون التنازل في الحقوق . لأنّ فلسطين أرض وقفٍ إسلاميّ لكلّ المسلمين لا يحقّ لأيٍّ كان أنْ يتنازل عن شبرٍ واحدٍ منها مهما كان ثمن الحرية باهظاً ، و مهما طال الزمان ، و بدا الأمل بعيداً . المقاومة المسلحة في فكر وسلوك الشيخ الشهيد أحمد ياسين لاشك أن الجهاد في سبيل الله يصبح فرض عين على الأمة الإسلامية إذا تعرضت الأمة أو أحد أجزائها لعدوانٍ أو احتلال.. هنا وجب على الأمة أن تدافع عن نفسها وأن ترد العدوان بمختلف الوسائل المتاحة التي تمكنها من تحقيق ذلك الهدف... وكان هذا هو منهج حركة الإخوان التي اتخذت الإسلام منهجاً وخطاً أساسياً يحدد معالم سياساتها وتصوراتها. وفي هذا المجال يقول الأستاذ الدكتور العلامة المجاهد يوسف القرضاوي في كتابه "الإخوان المسلمون" (عملت الحركة الإسلامية على إحياء معنى الجهاد الإسلامي ولم تقف به عند جهاد النفس والشيطان بل تعدى ذلك ليشمل جهاد قوي الاستعمار في الخارج وقوى الطغيان في الداخل.. وجعلت الحركة جهادها حول محورين: تحقيق الفكرة الإسلامية، وتحرير الأرض الإسلامية.. وتحقيق الفكرة الإسلامية تعني تحقيق حياة إسلامية متكاملة أما تحرير الأرض فيعني: أن كل أرض دخلها الإسلام وأقام بها حكمه وارتفعت فيها مآذنه يجب أن تحرّر من كل سلطان أجنبي كافر وكل حكم طاغوتي فاجر وهذا فرض عين على أهلها... وعلى المسلمين في أنحاء الأرض أن يساعدوهم بما يستطيعوا من مال ورجال وعتاد حتى ينتصروا... وقد جعلت الحركة شعارها وعلمها مصحفاً يحوطه سيفان وتحته عبارة (واعدوا) كما جعلت هتافاتها الرئيسية (الجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا) ([1]). وقد قامت الحركة بدخول ميادين الجهاد في مناطق شتى في سبيل تحقيق تلك الرسالة السامية سواء كان في حرب فلسطين عام 1948م أو في قتال الإنجليز في مصر أو في قتال الروس في أفغانستان أو في قتال الأمريكان في العراق أو في قتال اليهود في فلسطين لتحرير أرض النبوات من رجس الصهيونية وتحرير الأرض المباركة. لقد أدرك الشيخ أحمد ياسين بحسّه الإسلامي وأثناء قيادته للحركة الإسلامية في فلسطين أن عليه واجب الاستمرار في هذه السياسة إذ إنه أدرك ككل مجاهد أن الجهاد في سبيل الله يحي روح الأمة ويعيد إليها الحياة وإذا غاب غابت الأمة عن روحها وأصبحت فريسة لأعدائها لذلك كان نزوعه للعمل الجهادي منذ بداية قيادته للحركة كبيرا إذ إن هذا الأمر لم يغب عن باله مطلقاً وكان يقول "إذا اعتقد أحد أن الشعب الفلسطيني سيتنازل عن أرضه وحقوقه فهو واهم... أن أي خطوة فيها تنازل عن حقنا هي مرفوضة مطلقاً ولن تقبل إلا بعودة كل فلسطين ولابد أن تستمر المقاومة حتى رحيل الاحتلال عن أرضنا ومقدساتنا"([2]). لقد آمن الشيخ الشهيد أن العمل لفلسطين لا حدود له، وأن فجر النصر آتٍ لا محالة رغم الظلام الحالك الذي يلف الأمة وأن الدم والمشاركة في الجهاد ضد المحتل لا تكون من بعيد... وأن هناك طريقاً آخر غير طريق الخنوع والاستسلام أو القبول بالفتات أو انتظار ما يسمح به العدو الإسرائيلي بالتنازل عنه ألا وهو طريق الجهاد والاستشهاد... لقد آمن الشيخ بأن مقاومة المحتل لا تتحمل المواقف الوسط ولا المهادنة ولا التأجيل ولا الاستراحة، وأن الطريق إلى فلسطين يمر فقط عبر فوهة البندقية ([3])، كما أكد أن الجهد الأعظم سوف يرسخ لخدمة هذه القضية وأنه لن يسمح لأية قضية جانبية أن تطغى على الهدف الأساسي وهو مقاومة الاحتلال([4]). كان الشيخ يعتقد أن الجهاد الذي يسري في الأمة كالنار التي تسلط على الذهب تزيل منه الخبث فعلى الرغم من شده وطأته وقسوته مقدماته وتطوره ونتائجه إلا أنه ضروري. لقد نما هذا الإدراك في ذهن الشيخ الشهيد رحمه الله منذ بداية رجولته المبكرة ومنذ توليه زمام الأمور وبالذات بعد الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية عام 1967م، إلا أن النهج الذي رسمه مع إخوانه كان يستند إلى أن الجهاد إذا بدأ فيجب أن يستمر وألا يتوقف وأن بناء الحركة للشباب في فلسطين على هذا الفهم كان أمراً ضرورياً... وبالتالي كان لا بد من التأهيل العقَدي والفكري وزرع روح الاستعداد للتضحية بالروح والمال... لقد كان الشيخ أحمد رحمه الله بين خطين يتنازعانه : الأول: هو البدء في عملية الجهاد. والثاني: تجهيز الأرضية الإيمانية اللازمة لذلك. واستطاع أن يسير في الخطين معاً ولكن بدرجات تتفاوت ويساير المنهج العام للدعوة الإسلامية التي يقودها، فالجهاد عملية كبيرة تبدأ بمقدمات ضرورية مثل الإعداد الإيماني والنفسي، ثم إيجاد السلاح والتدرب عليه، ثم الانطلاق إلى العمل الجهادي. الشيخ يبدأ التخطيط للعمل الجهادي كان الشيخ رغم إعاقته مندفعاً بقوة نحو العمل الجهادي الذي آمن بأنه الطريق الوحيد الذي يمكن أن يعيد العزة والكرامة ليس للشعب الفلسطيني فحسب ولكن للأمة الإسلامية وأنه الوحيد القادر على تحقيق التحرير وقد صاحبت هذه القناعة الشيخ منذ صغره إذ أنه منذ بلوغه سن العشرين بدأ في المشاركة في العمل الوطني أثناء العدوان الثلاثي حيث شارك في المظاهرات التي اندلعت في غزة احتجاجاً على العدوان الثلاثي، وحينها أظهر الشيخ قدرات خطابية وتنظيمية، واستطاع أن ينشط مع إخوانه في رفض الإشراف الدولي على غزة مؤكداً على ضرورة عودة الإقليم إلى الإدارة المصرية([5]). ولقد ذكر أحد أخوانه الذي ساعدوا في الإعداد للعمل الجهادي الإسلامي: "كنا كل جلسة نقرّع في أبي محمد وهو يريد أن يحارب ويطخ"([6]). لقد كان الشيخ أحمد رحمه الله في بدايات العمل العسكري الذي قامت به فصائل منظمة التحرير الفلسطينية بعد عدوان عام 1967 يشعر بالجرح الشديد عندما كان يرى غير الإسلاميين يقومون بممارسة العملية الجهادية والإخوان لم يبدؤوا بعد في الإعداد... فقد كان رأي إخوانه في القيادة أن بناء الدعوة لم يصل بعد إلى المرحلة المناسبة من الإعداد وتربية الشباب وإيجاد السلاح وأن عليه أن ينتظر مدة أخرى... كان دائماً يحاول أن يتغلب على نوازعه ويقنع نفسه والآخرين بالصبر وبأن الجهاد لا يبنى إلا على صواب ، وهو حق وفرض شرعي في حق الإنسان الفلسطيني لابد من أن ينطلق من إيمان راسخ وإعداد متأن لا من اندفاع شعوري تؤثر فيه الظروف المواكبة. مع ذلك فقد بادر بخطوات صغيرة انفرد بها عن إخوانه وذلك أنه زجّ ببعض من أبناء حركته في صفوف المنظمات الفلسطينية المقاومة آنذاك كي يتعلموا ويتدربوا ويقوموا بعد ذلك بنقل التجربة إلى إخوانهم وكان في كل لقاء مع هؤلاء الشباب الذين كانوا يجاهدون يشعر بالاعتزاز والرغبة في الانطلاق نحو العمل العسكري إذ كانت هذه اللقاءات تعطيه دفعات نفسية كبيرة. لقد حفّز الشيخَ للعمل الجهادي الكثيرُ من الأسباب ومن بينها الانتقاد المستمر من فصائل العمل الوطني للإسلاميين بأنهم خائفون وأن العجز والجبن يعيش في قلوبهم وأنهم ليسوا أكثر من مشايخ طعام وشراب لا مشايخ جهاد وأنهم رجعيون ! – حسبما كانوا يرددونه ساخرين- . في بداية الثمانينات بدأت الأرضية الإسلامية في الاستقرار وبدأ التنظيم الذي أسسه الشيخ أحمد في النضوج العقَدي والسلوكي،وما دفعه إلى التفكير الجدي في بدء العملية الجهادية هو ما آلت إليه القضية الفلسطينية بعد ضرب قوات الثورة الفلسطينية في لبنان وتشتيتها في البلاد العربية البعيدة عن فلسطين، ثم ما تلا ذلك من مذابح ارتكبت بحق أبناء الشعب الفلسطيني في صبرا وشتيلا وهم لا يستطيعون الرد ولا الدفاع عن أنفسهم. لم يغمط الشيخ الشهيد حق أي عمل عسكري نضالي أو جهادي بذلته الفصائل الفلسطينية الأخرى، ولكنه نظر إلى أي عمل من بعيد عن الرؤية الإسلامية على أنه عمل أبتر، وغير مكتمل ، ولم يحصل على التوجيه الأمثل. لذلك جاء تناقضه مع منظمة التحرير آنذاك على هذه القاعدة، فقد ذكر أنه لا يوجد تناقص بينه وبين منظمة التحرير سوى على العمل بالإسلام والأخذ بما فيه، فهو يريد لمنظمة التحرير أن تجعل من الإسلام عقيدة وأيدلوجية تحكم العمل لأن القضية الفلسطينية هي قضية إسلامية في الأساس وأنه لن يكتب لها النجاح إلا بربطها بالإسلام الذي سوف يعيد لها زخمها العالمي وسوف يربطها بالله الذي يكتب النصر لمن يشاء.. عندما قررت الحركة في مطلع الثمانينات أن تبدأ التحضير للعمل الجهادي كانت تفتقد إلى الخبرة اللازمة في ميدان الإعداد البشري كما كانت تفتقد السلاح الذي سوف يستخدم وكذلك الأموال وهذه هي العناصر الأساسية اللازمة للانطلاق بالإضافة إلى الإعداد الإيماني الذي ظن الشيخ أنه أصبح متوفراً. كما أن الشباب الذين وضعهم الشيخ في التنظيمات الأخرى سجنوا نتيجة لانكشاف أعمالهم العسكرية، لذلك فكر في بداية مناسبة فاهتدى مع إخوانه في قيادة الحركة إلى تكوين مجلس عسكري يشرف على الإعداد لعناصر العملية الجهادية وتكون المجلس العسكري آنذاك من السادة الدكتور الشهيد إبراهيم المقادمة والدكتور أحمد الملح والشيخ عبد الرحمن تمراز أبو ماهر لتنفيذ مهام |