|
|
|
|
|
| |
| |||||||
بـــوابــة رمضـــانبوابة مختصه بكل شي يتعلق برمضــان الكريم وهي راح تكون موجوده طول مدة شهر رمضـــان الكريملأهل السنه والجماعه فقط !!! |
هل تحب بوابة النوكيا ؟ إذا لا تبخل علينا واجعلها صفحة البداية لديك .. أجعلنا صفحة البداية لديك
مجموعة ناشرين بوابة النوكيا .. انضم الينا اليوم .. واحصل على مميزات خيالية
| | أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع | طرق مشاهدة الموضوع |
|
#1
| ||||
| كتـاب الصيـام الصيام في اللغة الإمساك يقال خيلُ صيام أي ممسكة الصهيل ومنه قوله تعالى على أحد التفاسير في الآية : { إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} أي إمساكاً عن الكلام . وأما الصيام في الشرع فهو إمساك بنية عن أشياء مخصوصة في زمن مخصوص من شخص مخصوص . فقوله إمساك بنية فالصيام لايصح إلا بنية قبل الفجر لقول ابن عمر وحفصة وجماعة من الصحابة ( لا صـيـام لـمن لم يبيت النية قبل الفجر ) وسيأتي إن شاء الله الكلام عن هذا الحديث وهذه المسألة . قوله : عن أشياء مخصوصة كالأكل والشرب والجماع هذه الأمور الثلاثة أجمع العلماء على وجوب اجتنابها حال الصيام، وهناك أشياء مختلف فيها سيأتي إن شاء الله تحقيق القول فيها . قوله : في زمن مخصوص قال تعالى : { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ } ( 187 ) سورة البقرة ) . فيمسك المرء عن الأكل والشرب والجماع من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس قوله من شخص مخصوص أي مسلم عاقل بالغ قادر تزيد المرأة غير حائض ولا نفساء . استفتح المؤلف رحمه الله تعالى كتاب الصيام بحديث أبي هريرة . 608/ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لاتقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين ، إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه). هذا الحديث متفق على صحته . قال البخاري رحمه الله حدثنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا هشام عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة به . وقال مسلم رحمه الله حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قال أبو بكر حدثنا وكيع عن علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبدالرحمن به . ورواه أحمد وأهل السنن وقال الترمذي حديث حسن صحيح، ورواه من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً ... بلفظ (لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق ذلك صوماً كان يصومه أحدكم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُمّ عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا ) . قوله : [ لاتقدموا رمضان ] . اختلف العلماء رحمهم الله في النهي هل هو للتحريم أم للتنزيه أم في ذلك تفصيل ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين إلى أن النهي هنا للتحريم وهذا هو اختيار جماعة من المحققين لأن الأصل في النهي أن يكون للتحريم مالم يصرف ذلك صارف أوتدل قرينة على أن المراد الاستحباب أوغيره . وذهب بعض العلماء إلى أن النهي للتنزيه . وذهبت طائفة ثالثة إلى التفصيل فقالوا يجوز تقدم رمضان بيوم إذا كان ثم غيم وهذا مروي عن عبدالله بن عمر وعن جماعة من فقهاء الحنابلة، وفيه نظر وفعل ابن عمر رضي الله عنه اجتهاد منه والأدلة على خلافه وقد تجاوز بعض الفقهاء أمر الجواز فقال صيام بوجوب صيام يوم الشك إذا كان هناك غيم وهذا قول ضعيف لا دليل عليه لا من كتاب ولامن سنه بل الأدلة على خلافه كما سيأتي إن شاء الله تعالى. قوله : [ بصيام يوم أو يومين ] . اختلف الفقهاء المانعون من تقدم رمضان بصوم في الحكمة من هذا فقال بعضهم لئلا يصل شعبان برمضان فيخلط المستحب بالواجب وقال آخرون إن الحكمة تعبدية وقال آخرون نهي عن تقدم رمضان بيوم أويومين لئلا يظن ظان وجوب الصيام في شعبان وقيل لأن الحكم علق بالرؤية فمن تقدمه بيوم أويومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم واختار هذا ابن حجر والأقوال في ذلك كثيرة والمهم أن نعرف أن تقدم رمضان بيوم أويومين لايجوز باستثناء من عليه صيام واجب يريد قضاءه فلا مانع من تقدم رمضان بيوم أويومين وكذلك من له عبادة يصوم يوماً ويفطر يوماً أوكانت له عبادة يصوم معظم شعبان لفضل شعبان فلا مانع حينئذٍ أن يتقدم رمضان بيوم أويومين، إنما المحذور أن يتقصد صيام هذين اليومين أو الثلاثة ولم يكن يصوم من قبل . والله أعلم . قوله : [ إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه ] . لفظ مسلم ( إلا رجلاً ) . وعند البخاري [ إلا أن يكون رجلٌ ] أي إلا أن يوجد رجل . فإن قال قائل روى أبو داود والترمذي وجماعة من طريق العلا بن عبدالرحمن بن يعقوب الحرقي مولاهم عـن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ إذا انتصف شعبان فلا تصوموا ] . وظاهر حديث الباب يعارض هذا لأن حديث الباب إنما نهى عن تقدم رمضان بيوم أو يومين وحديث العلا يدل على أنه إذا انتصف شعبان فلا يجوز حينئذٍ الصيام. وقد اختلفت مسالك العلماء للجمع بين هذين الخبرين فقال الروياني أحد فقهاء الشافعية إنه يحرم التقدم بيوم أو يومين ويكره التقدم من نصف شعبان .. وفيه نظر وذهب الإمام أحمد وابو حاتم وجماعة من أهل الفقه والنظر إلى الطعن بحديث العلا بن عبدالرحمن وإنكاره حتى إن جماعة من المحدثين ضعفوا العلا من أجل هذا الحديث وذهبت طائفة أخرى إلى تصحيح الحديث منهم أبو داود والترمذي وجماعة لأن العلا ثقة وقد روى الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه للعلا بن عبدالرحمن عن أبيه نحواً من خمسين حديثاً وتلقى حديثه أكثر العلماء بالقبول وحملوا حديثه على من يتقصد صيام النصف الأخير من شعبان لحال رمضان ثم قال بعضهم النهي للتحريم وقال آخرون النهي للتنزيه وقالوا عن حديث ( لاتقدموا رمضان بيوم ولا يومين) بإنه لا مفهوم له وحديث العلا منطوق والمنطوق يقدم على المفهوم وفيه نظر ، وسيأتي إن شاء الله بحث هذا المسألة وبيان الراجح فيها على حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة في باب صوم التطوع ومانُهي عن صومه. 609/ وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال : من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم . هذا الحديث ذكره البخاري رحمه الله معلقاً في صحيحه وقد جزم البخاري رحمه الله بصحته وقد رواه الإمام أحمد وأهل السنن وابن حبان في صحيحه وابن خزيمة كلهم من طريق عمرو بن قيس الملائي عن أبي إسحاق السبيعي عن صلة بن زفر قال كنا عند عمار بن ياسر فأُتي بشاة مصلية فقال : ( كلوا فتنحى بعض القوم فقال : إني صائم فقال عمار رضي الله عنه من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم ) . وهذا سند صحيح قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح وصححه الإمام الكبير الدارقطني رحمه الله وصححه الحاكم على شرط الشيخين وسكت عنه الذهبي وصححه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهم كثير من الحفاظ . والحديث يدل على تحريم صيام يوم الشك والتفصيل فيما إذا كان يوم غيم أو عدمه لا دليل عليه والصحيح المنع وأن النهي للتحريم سواء كان يوم غيم أولم يكن هذا الذي دل عليه منطوق حديث أبي هريرة السابق وحديث عمار هنا، وقول عمار [ فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم ] . دليل على أن عند عمار علماً عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن صيام يوم الشك وإلا فلا يمكن لعمار أن يقطع بأنه عصى النبي صلى الله عليه وسلم وليس هناك دليل عنده على النهي وذهب جماعة إلى أن قول عمار رضي الله عنه موقوف لفظاً مرفوع حكماً قال ابن عبد البر هو مسند عندهم لايختلفون في ذلك وسوف يأتي زيادة بيان لهذه القضية. 610/ وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له ) متفق عليه . قال البخاري رحمه الله حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا الليث عن عقيل بن خالد عن الزهري عن سالم بن عبدالله عن ابن عمر به . وقـال مسلم رحمه الله حدثنا حرملة بن يحيى قال حدثنا ابن وهب قال أخبرنا يونس عن الزهري به . قوله ولمسلم ( فأن أغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين ) . هـذه الرواية رواها مسلم من طريق أبي أسامة قال حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر . ورواها مسلم من طريق يحيى عن عبيد الله ولم يذكر لفظة [ ثلاثين ] قال ذلك مسلم رحمه الله في صحيحه . وأيضاً جاء الخبر في الصحيحين من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر وليس فيه [ثلاثين] وهذا اللفظة شاذه . ولكن جاءت في البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ ( فأكملوا عدة شعبان ثلاثين ) . ذكرها البخاري في صحيحه عن أدم ابن أبي إياس قال حدثنا شعبة قال حدثنا محمد بن زياد عن أبي هريرة به . ورواهـا مسلم في صحيحه من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ ( فصوموا ثلاثين يوماً ) . قوله [ إذا رأيتموه فصوموا ] . في هذا دليل على إبطال الحساب في دخول الشهور وخروجها وأنه لابدَّ من الرؤية وقد اتفق الأئمة الأربعة رحمهم الله على تحريم الاعتداد بالحساب واتفقوا على أن الحساب لايعتد به في الشهور لا في رمضان ولافي غيره وأن المعتبر في هذا هو الرؤية . لقولـه صلى الله عليه وسلم : [ صوموا لرؤيته ] . وقد احتج بالحديث بعض الأئمة كأحمد وغيره على أن رؤية الهلال في بلد تكفي عن رؤيته في البلاد الأخرى. وذلك لعموم قوله : ( صوموا لرؤيته ) . وأهل العلم اختلفوا في هذه المسألة على مذاهب : الأول : ماتقدم ذكره وهو قول أحمد والمشهور عن المالكية أنه إذا رآه أهل بلد لزم أهل البلاد الأخرى مالزمهم . الثاني : أن لكل بلد رؤيتهم وهذا مذهب ابن عباس والقاسم بن محمد وإسحاق بن راهويه ، ودليل هذا مارواه مسلم في صحيحه من طريق محمد بن أبي حرملة عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل علىّ رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجعمة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ثم ذكر الهلال فقال متى رأيتم الهلال فقلت رأيناه ليلة الجمعة فقال أنت رأيته فقلت نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية فقال لكنّا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أونراه فقلت أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه فقال لا هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . فابن عباس لم يعمل برؤية أهل الشام وكان حاكم المسلمين واحداً ولا ذكر عن أحد من الصحابة مخالف لابن عباس قال الترمذي في جامعه ( والعمل على الحديث عند أهل العلم أن لكل أهل بلد رؤيتهم ) وقوله هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتمل أن ابن عباس حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً على أنه لايلزم أهل بلد العمل برؤية أهل البلاد الأخرى ، ويحتمل أن يكون قاله اجتهاداً وفهماً . القول الثالث : أنه إذا اتفقت المطالع لزمهم الصوم وإلا فلا وهذا المشهور عند فقهاء الشافعية واختاره ابن تيمية وفيه أقوال أخرى وأظهرها القول الثاني ولاسيما في هذا العصر حين صار لكل بلد حاكم يحكمه والكثير يعتمدون على الحساب دون الرؤية ، وأما الذين يعيشون في غير البلاد الإسلامية فيمسكون مع أقرب بلد إسلامي فإن لم يكن فيتابعون أهل مكة ولو اجتهدوا في رؤية الهلال وصاموا على تحريهم لأجزأ ذلك والله أعلم . قوله : [ وإذا رأيتموه فأفطروا ] . ماقيل في الصيام يقال في الفطر أيضاً فلابد من رؤيته بالأبصار وهل تصح رؤيته بالمنظار والمكبرات والأشياء المقربة هذه آلات حادثة لم يتكلم عليها الأوائل رحمهم الله ولكن من حيث الدليل والتعليل الصحيح أنه يعتد بهذه المكبرات في قوله : [ فإن غم عليكم فاقدروا له ] . ذهب بعض فقهاء الحنابلة إلى أن المعنى ( ضيقوا عليه ) ومن ثم جوز هؤلاء بل استحبوا صيام يوم الشك وفي هذا نظر فقد تقدم تحريم صيام يوم الشك لحديث عمار وقد تقدم صحته وأما تفسيرهم فاقدروا له بمعنى ضيقوا عليه فهذا غلط أيضاً لأنه جاء في الأحاديث الصحاح مايفسر هذه اللفظة وأن المعنى [ فأكملوا عدة شعبان ثلاثين ] هكذا ذكره ابن عمر وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. والحديث يدل على النهي عن صيام يوم الشك وأن الواجب عندما يحول الغيم دون رؤية الهلال أن نتم العدة وتمام العدة أن تكمل عدة شعبان ثلاثين يوماً . 611/ وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : تراءى الناس الهلال، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصام، وأمر الناس بصيامه ) . هذا الحديث رواه الدارمي وأبو داود والحاكم والبيهقي والدارقطني كلهم من طريق يحيى بن عبدالله بن سالم قال حدثنا أبو بكر بن نافع عن أبيه عن ابن عمر به وصححه ابن حبان والحاكم. ويحيى بن عبدالله قال عنه يحيى بن معين صدوق ضعيف الحديث وقال عنه النسائي مستقيم الحديث ووثقه الإمام الدارقطني رحمه الله وذكـر عنه الحافظان الذهبي وابن حجر عليهما رحمة الله بأنه صدوق . وبقية رجاله ثقات . والحديث إسناده صحيح . وقد ذكر الإمام أبو محمد بن حزم رحمه الله بأن الخبر صحيح ذكر ذلك عنه الحافظ في التلخيص ولم يتعقبه بشيء . والحديث يدل على الإجتزاء بشاهد واحد في دخول رمضان وتجزئ المرأة في هذا وبهذا قال أكثر العلماء كأحمد والشافعي في أحد قوليه وأبي حنيفة وجماعة من أهل الفقه والنظر بينما ذهب الإمام مالك رحمه الله وطائفة من أهل العلم إلى أنه لابد من شاهدين في الدخول كما أنه لابد من شاهدين في الخروج واستدل رحمه الله بحديث ابن عمر السابق [ صوموا لرؤيته ] ويشترط في الرائي أن يكونوا جمعاً، والجمع عندهم إثنان فأكثر أما الواحد فلا يعتد في رؤيته والصحيح القول الأول وحديث ابن عمر صحيح صريح وهو مفسّر لحديث ( صوموا لرؤيته ) فيجب القول به والعمل بمقتضاه لأن الدخول مبني على الاحتياط ومن الاحتياط أن نتعجل دخوله بشاهد واحد ولو امرأة ولايشترط قبول الشهادة بلفظ الإشهاد أوقبول قول القائل بلفظ الاشهاد بل بمجرد إخباره إذا كان مستقيماً مسلماً نقبل قوله ولا نقول له اشهد بأنك رأيته فإن هذا ليس عليه دليل صحيح . 612/ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلـم فقال : ( إني رأيت الهلال فقال : ( أتشهد أن لا إله إلا الله قال : نعم . قال ( أتشهد أن محمداً رسول الله : قال : نعم . قال : فأذن في الناس يابلال : أن يصوموا غداً ) . هذا الخبر رواه الإمام أحمد وأهل السنن من طريق زائده بن قدامة عن سماك ابن حرب عن عكرمة عن ابن عباس به . وصححه ابن خزيمة وابن حبان وذكر الإمام أبو داود رحمه الله في سننه بأن جماعة رووه عن سماك عن عكرمة مرسلاً . قال الترمذي في جامعه وأكثر أصحاب سماك يروونه عنه عن عكرمة مرسلاً وصوّب هذا الإمام النسائي رحمه الله وهو الحق فقد رواه الإمام النسائي في سننه من طريق سفيان ورواه أبو بكر بن أبي شيبة من طريق إسرائيل . ورواه أبو داود من طريق حماد ثلاثتهم عن سماك بن حرب عن عكرمة مرسلاً ومن أرسله أضبط وأحفظ وأكثر ممن وصله فتعين بهذا ترجيح إرساله إلا أنه يشهد له حديث ابن عمر السابق . والحديث دليل على الإكتفاء برؤية هلال رمضان بشهادة واحد ودليل على أنه لايقبل بالشهادة إلا مسلم لقوله أتشهد أن لا إله إلا الله قال نعم قال أتشهد أن محمداً رسول الله قال : نعم فلم يقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله حتى نطق بالشهادتين ويكفي على الصحيح مجرد العلم بالإسلام دون نطق بالشهادتين. وفي الحديث دليل أيضاً على الاكتفاء بصلاح الظاهر . وفي الحديث دليل أيضاً على أنه يتعين على إمام المسلمين أن يعلن دخول شهر رمضان لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالاً أن ينادي بأن يصوموا غداً . وفي الحديث دليل أيضاً على أن الشرائع لا تلزم إلا بعد البلوغ وهذا هو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله فإذا لم يعلموا بدخول شهر رمضان إلا في أثناء النهار فيلزمهم الإمساك دون القضاء لأنه لم يرد في الحديث ولا غيره أمرهم بالقضاء وقيل يقضون هذا اليوم وهو مذهب الأئمة الأربعة وذلك لاستكمال صيام الشهر، وقياساً على صيام عاشوراء، بينما ذهب شيخ الإسلام رحمه الله إلى القاعدة المتقدمة بأن الشرائع لاتلزم إلا بعد البلوغ فمن لم يعلم عن دخول شهر رمضان إلا بعد منتصف النهار فيمسك ولا قضاء عليه وأمّا أمره صلى الله عليه وسلم بالقضاء في يوم عاشوراء . فالحديث رواه أبو داود وغيره ولايصح. 613/ وعن حفصة أم المؤمنين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له ) . هذا الحديث رواه أحمد وأهل السنن وابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والبيهقي والحاكم كلهم من طريق ابن وهب عن يحيى بن أيوب وتابعه ابن لهيعة عند أبي داود عن عبدالله بن أبي بكر بن حزم عن الزهري عن سالم بن عبدالله عن ابن عمر عن حفصة به . قال أبو داود رحمه الله وأوقفه عـلى حفصة معمر والزبيدي وابن عيينة ويونس كلهم عن الزهري . واختار وقفه الإمام البخاري وقال عن رفعه بأنه مضطرب والإمام النسائي والترمذي في جامعه وابن عبد البر وغيرهم من أكابر المحدثين .وصححه مرفوعاً ابن خزيمة وابن حبان وابن حزم والحاكم وغيرهم . والصحيح وقفه على ابن عمر وعلى حفصة أما وقفه على ابن عمر فقد رواه مالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر به وهذا إسناد صحيح . وأما وقفه على حفصة فقد جاء عنها عند النسائي وغيره من طريق عبدالله عن سفيان ابن عيينة ومعمر وجماعة كلهم يروونه عن الزهري عن حمزة عن ابن عمر عن حفصة به وهذا إسناد صحيح . ولايعلم لحفصة وابن عمر مخالف من الصحابة، ولذلك ذهب جماهير أهل العلم بما فيهم الأئمة الأربعة على أن صيام الفرض لايجزئ إلا بنية قبل طلوع الفجر، فمن نوى صيام الفرض بعد طلوع الصبح فلا يصح، ولكن كما قال شيخ الإسلام أن النية تتبع العلم والشرائع لا تلزم إلا بعد البلوغ فمن لم يعلم أن الليلة من رمضان ونام على هذا فلما استيقظ لصلاة الصبح أخبر يمسك حينئذٍ لأن النية تتبع العلم يقول شيخ الإسلام رحمه الله ولا قضاء عليه . أما الأئمة الأربعة في هذه الصورة فيرون عليه القضاء . وأما صيام النفل فقد ذهب جمهور العلماء ومنهم الشافعي وأحمد إلى أنه يصح بنية من النهار ثم ذهب أكثرهم إلى أن آخر مدة من النهار زوال الشمس فإن زالت الشمس فلا يصح الصيام، وجوزه آخرون بعد إتفاق المحققين منهم على أن الأجر والثواب لايكون إلا من النية والكل متفقون على أن هذا القول أعني صيام النفل بنية من النهار مالم يأكل أويشرب أويجامع وبلفظ أعم مالم يخرق صومه بمفطر لأن بعض المفطرات مختلف فيها بين الأئمة . وذهب ابن حزم إلى أن صيام النفل كصيام الفرض لايصح إلا بنية قبل طلوع الفجر. ودليل الجمهور في هذه المسألة ماذكره المؤلف رحمه الله في هذا الباب وهو حديث عائشة . 614/ وعن عائشة رضي الله عنها قالت : دخل عليّ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم . فقال ( هل عندكم شيء ) قلنا : لا قال : فإني إذاً صائم ) ثم أتانا يوماً آخر، فقلنا : أهدي لنا حيسٌ فقال ( أرينيه ) فلقد أصبحت صائماً ) فأكل . هذا الخبر رواه الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه فقال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال أخبرنا وكيع قال حدثنا طلحة بن يحيى عن عمته عائشة بنت طلحة عن عائشة رضي الله عنها به . ورواه مسلم أيضاً من طريق عبدالواحد بن زياد عن طلحة بن يحيى بلفظ (قالت عائشة ماعندنا شيء قال فإني صائم قالت فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهديت لنا هدية أوجاءنا زَوْر وقد خبأت لك شيئاً قال ماهو قلت حيس قال هاتيه فجئت به فأكل قال قد كنت أصبحت صائماً ) ظاهر هذه الرواية تخالف الرواية الأولى فإن الرواية الأولى تدل على وقوع الأمر في يومين وهذه الرواية تفيد أن الأمر وقع في يوم واحد . فعلى رواية الباب الحديث صريح في كون النبي صلى الله عليه وسلم لم ينو الصيام إلا من النهار وهو حجة لجمهور العلماء في هذه القضية . وعلى الرواية الثانية فظاهرها أن النبي صلى الله عليه وسلم نوى الصيام من الليل لقوله ( قد كنت أصبحت صائماً ) ولأن الحادثة وقعت في يوم واحد، وهذا مذهب ابن حزم رحمه الله فيقول أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نوى الصيام قبل الفجر فلم يجد طعاماً فواصل صيامه فلما أُخبر بوجود الطعام أفطر وقال : قد كنت أصحبت صائماً . والحديث دليل على جواز الإفطار في صوم التطوع ولو بدون عذر وعند الترمذي وغيره من حيث أم هاني ( الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر ) وهو حديث مختلف في صحته وقد حسنه الحافظ العراقي وفيه نظر فقد ضعفه البخاري والترمذي وهو الصحيح وقد ذهب أكثر أهل العلم أحمد وإسحاق والشافعي وغيرهم إلى أن الصائم المتطوع إذا أفطر فلا قضاء عليه . وذهب الإمامان أبو حنيفة ومالك إلى أنه لايجوز الإفطار بصوم التطوع إلا من عذر وقد قال صاحب المراقي وهو مالكي : ـ والنفـــل ليس بالشروع يجب فـي غيــر ما نظمــه مُقَرّب قف واستمع مسائلاً قد حكموا بأنهـــا بالإبتــداء تلــزم صلاتنـا وصومنـا وحجنـا والصوم عند المالكية يلزم بالشروع وإن كان نفلاً، أما الحنابلة فلا يرون شيئاً من النوافل يلزم بالشروع إلا الحج والعمرة فقد أجمع العلماء على أن الحج والعمرة يلزمان بالشروع . مسألــة : هل تكفي النية بأول يوم من رمضان أم أن كل ليلة تلزمها نية مستقلة ؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة فذهب الإمام أحمد والجمهور إلى أنه يلزم تجديد النية كل ليلة لأن لكل ليلة حكمها ولأن لفظ أثر ابن عمر وحفصة ( لا صيام لمن لم يجمع النية قبل الفجر ) وفي رواية (يبيت) فظاهر الأثر أن لكل ليلة نية مستقلة ولكن ليس معنى هذا أن الإنسان يتكلف النية فيقع بالوسوسة فمجرد قيامه للسحور كافٍ في نية الصيام . وذهب الإمام مالك وطائفة من أهل العلم إلى أن النية في أول ليلة تكفي عن سائر الشهر واختار هذا القول طائفة من المحققين وقالوا إن النية من أول الشهر تجزي عن النية من كل ليلة ويظهر الخلاف في هذه القضية فيما لو أن شخصاً نام قبل غروب الشمس ولو بدقائق ولم يستيقظ إلا في نهار الغد فإذا قلنا إن لكل ليلة نية خاصة فصيام هذا لايصح بل عليه قضاؤه وإذا قلنا بأن النية من أول الشهر تكفي فصيامه صحيح لأن النية من أول الشهر كافية عن نية الغد . 615/ وعن سهل بن سعدٍ رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لا يزال الناس بخير ماعجلوا الفطر ) . هذا الحديث متفق على صحته . قال الإمام البخاري رحمه الله حدثنا عبدالله بن يوسف قال أخبرنا مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد به . وقال مسلم رحمه الله حدثنا يحيى بن يحيى قال أخبرنا عبدالعزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد به . ورواه أبو داود في سننه من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لايزال هذا الدين ظاهراً ماعجل الناس الفطر فإن اليهود والنصارى يؤخرون ) . ورواه الترمذي من طريق الوليد بن مسلم . عن الأوزاعي عن قرة بن عبدالرحمن المعافري عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال الله تعالى : ( أحب عبادي إليَّ أعجلهم فطراً ) . وقد تفرد بهذا الحديث الترمذي عن الستة . وهذا الإسناد معلول فقد قال الإمام أحمد رحمه الله عن قرة منكر الحديث جداً وقال يحيى بن معين ضعيف الحديث وقال أبو زرعة أحاديثه مناكير أمـا ابن عدي رحمه الله فقال لا بأس في أحاديثه . قوله [ لايزال الناس بخير ] . أي أن الخير باقٍ في الناس إذا عملوا بالسنة واجتنبوا البدعة ولم يشابهوا اليهود ولا النصارى . قوله [ ماعجلوا ] . الما هنا مصدرية ظرفية فيكون المعنى لايزال الناس بخير مدة تعجيلهم الفطر ولايصح أن تكون نافية بل هي مصدرية ظرفية بها يتضح المعنى ويظهر المراد . والخبر يدل على مشروعية تعجيل الإفطار وقد ذهب الجمهور إلى أنه مستحب غير واجب وجعلوا الصارف في هذا الحديث جواز الوصال إلى السحر . وقد يقال بوجوب المبادرة إلى الإفطار لمن لم يرد المواصله حتى لايتشبه باليهود ولا النصارى . والحديث يدل على مشروعية مخالفة اليهود والنصارى وعلى النهي عن التشبه بهم وأن التشبه بهم يذهب شيئاً من الخيرية في الناس فقد جاء في مسند الإمام أحمد رحمه الله بسند جيد كما قال ذلك شيخ الإسلام في الإقتضاء من طريق عبدالرحمن بن ثابت ابن ثوبان قال حدثنا حسان بن عطية عن أبي منيب الجرشي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من تشبه بقوم فهو منهم ) . قال شيخ الإسلام في الإقتضاء وظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم . وأقل أحواله التحريم . قوله [ أحب عبادي إليَّ ] . يدل على إثبات صفة المحبة لله خلافاً للجهمية والأشاعرة وقد تقدم الكلام عن هذه الصفة والرد على من صرفها أو ألحد فيها . ويدل الحديث أيضاً على استحباب تعجيل الفطر . 616/ وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قـال : قـال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تسحروا فإن في السحور بركة ) . هذا الحديث متفق على صحته . قال البخاري رحمه الله حدثنا أدم بن أبي إياس قال حدثنا شعبة عن عبدالعزيز ابن صهيب عن أنس بن مالك به . وقال الإمام مسلم رحمه الله حدثنا يحيى بن يحيى قال أخبرنا هشيم عن عبدالعزيز ابن صهيب به . قوله [ تسحروا ] . هذا أمر بالسحور بفتح السين ويجوز ضمها وهذا الأمر للاستحباب عند الأئمة الأربعة وجماهير العلماء سلفاً وخلفاً، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على استحباب السحور وكذا نقل هذا الإجماع الإمام النووي رحمه الله في شرحه على صحيح الإمام مسلم وجعلوا الصارف لهذا الأمر مواصلة الصحابة رضي الله عنهم فقد واصل الصحابة يوماً ويوماً أخر ولم ينههم النبي صلى الله عليه وسلم نهي تحريم وإنما كره فعلهم . والعجيب أن جماعة من الفقهاء خصوصاً فقهاء الشافعية يرون تحريم الوصال كما سيأتي في بابه ومـع ذلك لايقولـون بوجوب السحور مـع أن النبي صلى الله عليه وسلم أكد وأمر بـه وقـال ( تسحروا ) . وجاء أيضاً في صحيح الإمام مسلم من طريق موسى بن عُلَيّ عن أبيه عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (فصلُ مابين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر) فهذا الحديث يدل على أن السحور فيه مخالفة لأهل الكتاب ومخالفتهم غاية مقصودة للشارع . ويدل الخبر أيضاً على أن ترك السحور تشبه في أهل الكتاب وبعض الناس يتساهل في قضية السحور بدعوى أنه لايشتهيه والأولى في حق المسلم ألا يدع السحور ولو على جرعة لبن مخالفة لأهل الكتاب واتباعاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم . قوله [ فإن في السحور بركة ) . هذه البركة تشمل الدينية وتشمل الدنيوية فمن المصالح الدينية هنا اتباع السنة ومخالفة أهل الكتاب وامتثال الأمر وتعظيم ذلك ومن المصالح الدنيوية التقوى بالسحور على مواصلة الصيام وعدم إنهاك البدن ، وهناك أيضاً مصالح أخرى فإن الشارع حكيم لا يُرغِّبُ في شيء إلا ومصلحته راجحة على مفسدته وربما تتعدد مصالحه وتنتفي مفاسده مطلقاً علم ذلك من علمه وجهل ذلك من جهله فإن الناس تتفاوت أفهامهم وتختلف مداركهم في قضية إدراك مصالح الشريعة وغايتها وحكمها. 617/ وعن سلمان بن عامر الضبي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليفطر على ماء، فإنه طهور). رواه الإمام أحمد والنسائي والترمذي وابن حبان وابن خزيمة والحاكم كلهم من طريق عاصم الأحول قال حدثتني حفصة بنت سيرين عن الرباب عن سلمان بن عامر، وقد جاء في بعض نسخ البلوغ سليمان بن عامر وصوابه سلمان بن عامر. ورواه أحمد وابن حبان في صحيحه من طريق هشام بن حسان عن حفصة بنت سيرين به . وقال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح . وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم ورواه النسائي في السنن الكبرى وابن حبان وغيرهما من طريق شعبة عن خالد الحذاء عن حفصة بنت سيرين عن سلمان به وهذا إسناد منقطع بين حفصة وسلمان ويتضح هذا بالطرق السابقة والواسطة بينهما الرباب والرباب لم يرو عنها غير حفصة بنت سيرين ولكن صحح لها الترمذي وغيره فمثلها تستحق وصف الصدق ويرمز لحديثها بالحسن . والحديث يدل على مشروعية الإفطار على التمر وقد جاء في مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي من طريق عبدالرزاق قال حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات فإن لم تكن فعلى تمرات فإن لم تكن حسا حسوات من ماء) . قال الترمذي هذا حسن غريب، وقال الإمام الدارقطني رحمه الله هذا إسناد صحيح فهذا يدلنا على فضيلة الفطر على الرطب إن تيسرت وإلا فعلى التمر فإن لم يتيسر لا هذا ولا هذا فلا أقل من أن يفطر على ماء قال صلى الله عليه وسلم ( فإنه طهور ) وهذا علم من أعلام النبوة فإن الماء في المعدة مع خلوها من الطعام مفيد لها ومنظف كما قرر ذلك الطب الحديث وهو موافق لما قرره وشرعه لنا نبي الهدى صلى الله عليه وسلم فقد جاء ديننا الحنيف بطب القلوب وطب الأبدان كما أنه جاء بصلاح الدنيا والآخرة معاً، فقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله أن للتمر مع الريق مصالح متعددة ذكر منها رحمه الله قتل الدود وتقوية الفم وإعادة الجسم إلى قوته، وقد قرر الطب الحديث أن الصيام يذهب سكريات الجسم وبالفطر على التمر يستعيد المرء قوته وما فقد من السكريات فحينئذٍ يحضى بقوة ونشاط لأن في التمر فيتامينات كثيرة وهو مقوي للبصر وللمعدة أيضاً فكون النبي صلى الله عليه وسلم يخص التمر للإفطار فَلِمَا يشتمل عليه من غذاء الأبدان ومن تقوية الأفهام أما الإفطار على المأكولات الحارة فإنها تؤثر على المعدة وبعض الناس لا يراعي مصلحة جسمه فيفطر على تلك الحوار التي ربما تكون شهية ولكنَّ مغبتها ضارة ومصالحها معدومة واتباع الشرع لا يأتي إلا بخير وتطبيق السنة مصلحة محضة فعلينا مراعاتها والسير على منوالها . 618/ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال ، فقال رجل من المسلمين : فإنك تواصل يارسول الله ؟ فقال : (وأيكم مثلي ؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني ) فلمَّا أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوماً، ثم يوماً ثم رأوا الهلال، فقال : ( لو تأخر الهلال لزدتكم ) كالمنكل، لهم حين أبو أن ينتهوا هذا الخبر متفق عليه . قال البخاري رحمه الله حدثنا أبو اليمان قال أخبرنا شعيب ابن أبي حمزة قال حدثنا الزهري عن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن أبي هريرة به . وقال مسلم رحمه الله حدثنا حرملة بن يحيى حدثنا ابن وهب عن يونس عن الزهري به . ورواه مسلم رحمه الله من طرق عن أبي هريرة، ورواه البخاري أيضاً من طريق عبدالرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة به . ورواه من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة به . ورواه البخاري ومسلم من طريق هشام بن عـروة عـن أبيه عن عائشة قالت نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمةً لهم ... ) قوله : [ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال ] . الأصل في النهي أن يكون للتحريم مالم يمنع من ذلك مانع، وقد ذهب إلى تحريم الوصال الإمام أبو حنيفة ومالك والشافعي وكرهه كراه تنزيه طائفة أخرى منهم عبدالرحمن بن أبي ليلى وأبو الجوزاء وأخرون . وفصل فيه فقهاء الحنابلة فقالوا المواصلة إلى السحر لا بأس بها والزيادة على ذلك مكروهة وقال بعضهم بالتحريم . وقد روى الإمام أبو داود بسند صحيح من طريق عبدالرحمن ابن أبي ليلى قال حدثني بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن الوصال والحجامة للصائم ولم يحرمهما إبقاءً على أصحابه) فهذا الخبر يفيد أن النهي عن الوصال للتنزيه لا للتحريم إذ لو كان النهي للتحريم لما واصل النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه يوماً ثم يوماً حتى رأوا الهلال . وأيضاً لو كان الأمر للتحريم لحسم النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالإنكار عليهم ولما نكل بهم ولذلك جاء عن جماعة من الصحابة أنهم يواصلون حتى أن عبدالله بن الزبير كان يواصل خمسة عشر يوماً . رواه عنه أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف ورواته كلهم ثقات . قوله [ قالوا يارسول الله إنك تواصل ] . ظاهر هذا أنّ أصحابه كانوا يواصلون إقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم لقـول الله جل وعـلا { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) } ( سورة الأحزاب ) . ويستفاد من الحديث أيضاً أن ماعمله النبي صلى الله عليه وسلم يشرع لنا الإقتداء به مالم يرد دليل في الخصوصية . وقد قال في المراقي : ومابه قد خوطب النبي تعميمه في المذهب السني قوله : [ إني لست كهيئتكم ] . فيه إثبات خصوصية الوصال للنبي صلى الله عليه وسلم يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم " إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني " وهذا الطعام والشراب ليس حسياً ومن فهم هذا فقد غلط وإنما مراده صلى الله عليه وسلم ، إن الذي يحصل لي من المعرفة بربي والاشتغال بذكره والمداومة على عبادته يغنيني عن الطعام وعن الشراب . وقد قيل إن ظواهر الأحاديث ولا سيما حديث عائشة تفيد أن النهي عن المواصلة من أجل المشقة ومن لا يشق عليه لا يمنع من الوصال وهذا قول طائفة من فقهاء الحنابلة وغيرهم ويجاب عن هذا بأنه قد ثبت النهي عن المواصلة لأن من شأن الوصال المشقة والملل في العبادة فوقع النهي عن ذلك لما يترتب عليه من هذه المضار والله أعلم . ونستفيد من الحديث رأفة النبي صلى الله عليه وسلم بالأمة حيث نهاهم عن الوصال لئلا يشق عليهم، وهذا معنى قول الله جل وعلا { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)} ( سورة التوبة ) . قوله [ فواصل بهم يوماً ثم يوماً حتى رأوا الهلال ] . هذه اللفظة قرينة على أن النهي في أول الحديث ليس للتحريم إذ لو كان النهي للتحريم لما نكل النبي صلى الله عليه وسلم بهم في المحرمات بل لنهاهم فوجب عليهم حينئذ الامتثال . 619/ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من لم يدع قول الزور والعلم به والجهل ، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه ) . هذا الحديث رواه الإمام البخاري في صحيحه فقال حدثنا آدم ابن أبي إياس قال حدثنا ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة . والحديث رواه أبو داود في سننه عن شيخه أحمد بن يونس قال حدثنا ابن أبي ذئب فذكره دون قوله و (الجهل) والمؤلف يقول واللفظ لأبي داود وصوابه أن اللفظ للبخاري فقد رواه رحمه الله في كتاب الأدب من صحيحه فقال حدثنا أحمد بن يونس قال أخبرنا ابن أبي ذئب فـذكره وعنده والجهل . قوله [ من لم يدع قول الزور ] . أي من لم يترك، قول الزور والزور يطلق على الكذب ويطلق على ماهو أعم من الكذب كقول الباطل والعمل بمقتضاه وقوله جل وعلا { وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ } قيل لايشهدون شعانين المشركين ولا أعيادهم والحق أن الآية أعم من هذا والصحيح في معنى الزور أنه يشمل كل باطل مخالفاً لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إلا أنه في الشهادات أخص منه في غيره فمن يشهد شهادة كذب فهذا يدخل في الزور دخولاً أولياً . قوله [ والجهل ] . أي السفه وفي دعاء الخروج من المنـزل ( اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أُضل أو أزل أو أُزل أو أظلم أو أُظلم ـ الشاهد ـ أو أجهل أو يُجهل عليَّ ) ومن الجهل الإساءة إلى الآخرين والتعرض لحرمات المؤمنين وليس المراد بالجهل هنا الذي هو ضد العلم فهذا وإن كان مذموماً إلا أنه غير مراد في الحديث فالمراد بالجهل هنا السفه والوقوع بالخطأ بحق الأخرين. قوله [ فليس لله حاجة ] . هذا لا مفهوم له فلا يقال في الحديث يفهم منه أنه إذا ترك قول الزور والعمل به والجهل فلله فيه حاجة هذا الحديث لامفهوم له لأن الله غنيٌ عن العباد . قال تعالى : { يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15)} ( سورة فاطر ) . غنى مطلق من جميع الوجوه فلا يحتاج ربنا جل وعلا إلى أحد من عباده وإنما خلقهم ليعبدوه لم يخلقهم من قلة فيستكثر بهم ولا من ضعف فيستنصر بهم ولا من وحشة فيستأنس بهم فمن ظن هذا فقد ظن بربه ظن السوء وهذا من أقبح أنواعه وهو كفر باتفاق أهل العلم فالمعنى إذاً من الحديث أن من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فالله جل وعلا غنيٌ عن إمساكه عن الطعام والشراب لأن حقيقة الصوم الإعراض عن حرمات الآخرين وحفظ اللسان والفرج وليس الصوم مجرد إمساك عن الطعام وعن الشراب كما هو صوم الكسالى الذين يسهرون معظم الليل وربما صلى الفجر وربما لم يصلّ فينامون إلى صلاة الظهر هذا الكيس منهم وإلا فبعضهم لايصلون ولايستيقظون إلا مع غروب الشمس وهذا في الحقيقة ليس صياماً إنما هو نوم ولعب وكسل مثل هؤلاء مأزورون غير مأجورين . وهؤلاء ليس لله فيهم حاجة . والحديث يدل على أن قول الزور يدخل في ذلك . والغيبة والنميمة وتتبع عورات المسلمين تنقص ثواب الصيام ولاتبطله باتفاق أهل العلم خلافاً لابن حزم رحمه الله فإنه يرى أن قول الزور والجهل وسائر المعاصي من الغيبة والنميمة وأكل الربا تبطل الصيام وهذا قول مرجوح فلا يُبْطِلُ الصيامَ إلا أشياءُ حسية مخصوصة جاء النص بها الأكل والشرب والجماع وماعداها فمختلف فيه . 620/ وعن عائشة رضي الله عنها قالت : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يُقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم ، ولكنه كان أملككم لإربه ) . هذا الحديث متفق على صحته . قال الإمام البخاري رحمه الله حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها . وقال الإمام مسلم رحمه الله حدثنا شجاع بن مخلد قال حدثنا يحيى بن أبي زائدة عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عائشة به. وقوله زاد مسلم [ في رمضان ] لفظ الإمام مسلم (في شهر الصوم) جاءت هذه الزيادة من طريق زياد بن علاقة عن عمرو بن ميمون عن عائشة به . قولها [ كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم ] . في هذا دليل على جواز التقبيل للصائم وأن القبلة لاتفسد الصيام ولاتنقص ثوابه وقد سئلت عائشة رضي الله عنها عما يحل للصائم من إمرأته ؟ فقالت اتق الفرج رواه الطحاوي في شرح المعاني والأثار ورواه عبدالرزاق بمعناه في المصنف. وصححه الحافظ ابن حجر في فتح الباري . وهو دليل على أن الصائم لايمتنع عن زوجته إلا مايمتنع منها وهي حائض وقد اختلف الفقهاء رحمهم الله في حكم التقبيل للصائم فبعض العلماء بالغ فقال إنه محرم وليس مع أصحاب هذا القول دليل سوى قول عائشة ( وكان أملككم لإربه) والإنسان الذي لايملك إربه ربما جامع أهله عند ثوران الشهوة . وقال بعض العلماء بالكراهة ونظير هذا القول قول ابن حزم وبعض علماء الظاهر بأن القبلة في نهار رمضان مستحبة . والحق التوسط واتباع الأدلة بلا تفريط أو إفراط فحديث الباب يدل على الجواز ليس غير ولكن من غلب على ظنه أومن علم من نفسه قوة الشهوة فيخاف على نفسه الوقوع بالمحظور فعليه باجتناب القبلة من باب فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، وأما من علم من نفسه عدم الوقوع في المحظور فالقبلة جائزة للصائم والله أعلم . قولها [ وكان يباشر وهو صائم ] . احتج بهذا الإمام ابن خزيمة رحمه الله على جواز مباشرة المرأة في الصيام بما دون الفرج وهذا هو اختيار الإمام أبي محمد بن حزم رحمه الله . قولها [ ولكنه كان أملككم لإربه ] . المراد بالإرب هنا الذكر وقيل المراد الحاجة وقد احتج بهذه اللفظة بعض الفقهاء على منع مباشرة الصائم لزوجته لأنه لايملك حاجته وفي الحديث القدسي قال الله تعالى ( يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ) متفق عليه من حديث أبي هريرة وحقيقة الصيام أن يدع الرجل ملاذهُ تجاه النساء فقد لوحظ على بعض الناس حين يتساهلون في قضية المباشرة أنهم يجامعون في نهار رمضان ومن جامع في نهار رمضان فعليه الكفارة وهي أن يعتق رقبة مؤمنة فإن لم يستطع فعليه صيام شهرين متتابعين لا فطر بينهما فإن لم يستطع فعليه إطعام ستين مسكيناً . 621/ وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم (احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم) . هذا الحديث من أفراد الإمام البخاري رحمه الله عن الإمام مسلم . قال الإمام البخاري رحمه الله حدثنا معلى بن أسد قال أخبرنا وهيب عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما . ورواه البخاري في صحيحه من طريق عبدالوارث بن سعيد عن أيوب بلفظ (احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم ) . ورواه النسائي في السنن الكبرى من طريق ابن وهب قال حدثني ابن أبي ذئب عن الحسن بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس به . ورواه النسائي مـن طريق عبد الله بن رجاء عن هشام عن عكرمة به . ورواه النسائي في الكبرى من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس به واختلف فيه على حماد بن زيد فرواه أيضاً عن أيوب عن عكرمة مرسلاً وتابعه على إرساله معمر كما عند النسائي وإسماعيل بن عُليّة كما عند النسائي أيضاً. ومن وصله أوثق ممن أرسله ومن ثم قال الإمام الحافظ بن حجر رحمه الله وهذا الحديث صحيح لا مرية فيه . وقد أعله الإمام أحمد وطائفة من المحدثين فرجح بعضهم إرساله وقال بعضهم الراجح عدم ذكر الصوم نص عليه الإمام أحمد رحمه الله في رواية الخلال، والصحيح ماذهب إليه البخاري رحمه الله من أن لفظة الصوم محفوظة في الحديث وأن الصحيح في الخبر ترجيح رفعه فقد رفعه وهيب بن خالد وهو ثقة ثبت أوثق ممن أرسله كابن عليّه ومعمرم وقد توبع وهيب على رفعه تابعه عبدالوارث وحماد بن زيد في رواية وكذلك توبع أيوب في روايته عن عكرمة تابعه هشام وغيره والحديث صحيح . وهو دليل على أن الحجامة لاتفطر الصائم ونظيرها أخذ الدم للتحليل وبهذا قال جمهور العلماء وهو مذهب أكابر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد روى أبو داود في سننه بسند صحيح من طريق عبدالرحمن بن أبي ليلى قال حدثني بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أن النبي نهى عن الحجامة والوصال للصائم ولم يحرمهما إبقاءً على أصحابه ). فهذا الحديث فيه دليل أيضاً على أن الحجامة غير محرمة للصائم . وفي البخاري أيضاً من طريق شعبة عن ثابت البناني قال سُئل أنس بن مالك رضي الله عنه أكنتم تكرهون الحجامة للصائم قال لا إلا من أجل الضعف . وكان ابن عمر يحتجم مراراً فلما رأى أنها تضعفه ترك هذا واحتجم ليلاً. رواه عبدالرزاق وغيره وجاء بنحوه عند البخاري معلقاً وسنده صحيح . وروى البخاري في صحيحه معلقاً عن بُكير عن أم علقمة قالت : ( كنا نحتجم عند عائشة فلا ننهى ) . 622/ وعن شداد بن أوس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى على رجل بالبقيع وهو يحتجم في رمضان . فقال : ( أفطر الحاجم والمحجوم ) . هذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده والدارمي وابن حبان في صحيحه من طريق أبي قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني عن أبي أسماء الرحبي عن شداد بن أوس. ورواه أبو داود والنسائي من طريق أبي قلابة عن شداد به . وجاء الخبر أيضاً من طريق أبي قلابة عن الأشعث الصنعاني عن شداد به. وجاء أيضاً من طريق أبي قلابة إلا أنه جعله من مسند ثوبان ولذلك تكلم بعض الأئمة في هذا الحديث وأعله بالإضطراب قال الإمام أبو عيسى رحمه الله في كتاب العلل قال البخاري رحمه الله ليس في الباب أصح من حديث شداد وثوبان فذكرت له الاضطراب فقال كلاهما عندي صحيح رواه أبو قلابة عنهما جميعاً . وقد صححه أيضاً علي بن المديني رحمه الله . وفي الباب عن بضعة عشر صحابياً فيرى الإمام أحمد رحمه الله أن أصح الأحاديث في هذا حديث رافع بن خديج ويرى علي بن المديني رحمه الله أن أصح الطرق طريق ثوبان وشداد فقال رحمه الله (لا أعلم في أفطر الحاجم والمحجوم ) حديثاً أصح من هذا . والحديث يدل على أن الحجامة تفطر الصائم ويدل أيضاً أن الحاجم والمحجوم يفطران أيضاً أما الحاجم فربما دخل جوفه شئٌ من الدم وأما المحجوم فلأن استفراغ الدم من جسم الإنسان مضعف له ومنهك ومن ثم كان استخراج الدم من البدن إذا كان كثيراً مفطراً من المفطرات، وهذا مذهب الإمام أحمد رحمه الله واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وعزى شيخ الإسلام هذا القول إلى أكثر الفقهاء وفي قول الشيخ رحمه الله بأن هذا قول أكثر الفقهاء نظر ظاهر فجماهير العلماء على أن الحجامة لا تفطر الصائم مطلقاً منهم الإمام أبو حنيفة ومالك والشافعي وهو قول عامة الصحابة والتابعين بل قال بعض الأئمة الكبار لا أعلم أحداً من الصحابة والتابعين قال بأن الحجامة تفطر وهذا قول أنس بن مالك وابن عمر وأبي سعيد الخدري وغيرهم . قال البخاري رحمه الله حدثنا آدم ابن أبي إياس قال حدثنا شعبة عن ثابت البناني قال سئل أنس بن مالك أكنتم تكرهون الحجامة للصائم قال لا إلا من أجل الضعف . وروى أبو داود في سننه بسند صحيح عن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال حدثني بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن الوصال والحجامة للصائم ولم يحرمهما ابقاءً على الصحابة) . وروى الإمام ابن خزيمة في صحيحه من طريق خالد الحذاء عن أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : ( رخص للصائم بالحجامه والقبلة) وهذا سند صحيح إلى أبي سعيد رضي الله عنه وله حكم المرفوع لأنه لا يرخص أحدٌ في الحجامة والقبلة إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الذي رخص فيهما والرخصة تقابلها العزيمة فأفاد هذا نسخ حديث شداد بن أوس السابق وأن الحجامة كانت تفطر في أول الأمر ثم نسخ الأمر باحتجام الرسول صلى الله عليه وسلم وهو صائم كما في البخاري عن ابن عباس كما سبق ذكره . وبحديث عبدالرحمن ابن أبي ليلى عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويوضح هذا أيضاً ماذكره المؤلف رحمه الله هنا : ( حديث أنس ) . 623/ وعن أنس بن مالك قال : ( أو ماكرهت الحجامة للصائم : أن جعفر بن أبي طلب احتجم وهو صائم، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (أفطر هذان) ثم رخص النبي صلى الله عليه وسلم بعد في الحجامة للصائم، وكان أنس يحتجم وهو صائم . هذا الخبر رواه الإمام الدارقطني رحمه الله من طريق عثمان بن أبي شيبة قال : حدثنا خالد بن مخلد القطواني قال حدثنا عبدالله بن المثنى عن ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه به . وقال الإمام الدارقطني رحمه الله في سننه رجاله ثقات ولا أعلم له علة . تعقبه الإمام ابن عبدالهادي رحمه الله فقال هذا خبر منكر لايصح الاحتجاج به وقال عن هذا الإسناد بأنه شاذ والسبب في ذلك أنه مايعرف في دواوين الإسلام المعروفة كمسند الإمام أحمد والصحيحين والسنن الأربعة وموطأ مالك ومصنف ابن أبي شيبة وإنما تفرد به الإمام الدارقطني رحمه الله، ثم إنه أيضاً قد تكلم في خالد بن مخلد القطواني وذلك أنه يتفرد عن الثقات، وكذلك تكلم في عبدالله بن المثنى فإنه وإن كان من رجال الصحيحين إلا أنه قد يهم وأصحاب ثابت البناني الكبار لم يذكروا هذا الخبر . وأيضاً يقال لو كان مثل هذا الخبر ثابتاً والأمة تحتاج إليه لجاء من غير وجه ولكن عنه عندما سبق ذكره من الأخبار على كون الحجامة في حق الصائم منسوخة وأن استخراج الدم في نهار رمضان لا يفطر مطلقاً سواء كان كثيراً أوقليلاً وسواء كان عمداً أم سهواً الحكم واحد والله أعلم . 624/ وعن عائشة رضي الله عنها ، ( أن النبي صلى الله عليه وسلم اكتحل في رمضان ، وهو صائم ) . هذا الخبر رواه الإمام ابن ماجه رحمه الله من طريق بقية بن الوليد قال حدثنا الزبيدي سعيد بن عبدالجبار عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها. وهذا خبر منكر الزبيدي قال عنه عليٌ بن المديني ليس بشئ وقال الإمام النسائي ضعيف الحديث وكان جرير يكذبه . وكذلك اتهمه بالكذب الحاكم أبو أحمد . وهذا الخبر من أفراد ابن ماجه وأفراد ابن ماجه فيها مقال في الغالب . وروى الترمذي من طريق أبي عاتكه عن أنس رضي الله عنه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله ( إن عيني تشتكي أفكتحل وأنا صائم قال نعم ) وقد ضعفه الترمذي من أجل أبي عاتكه وقال رحمه الله تعالى ولايصح في الباب شيء . وكذا قال الإمام أحمد والبخاري وغيرهما . وجاء عند أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الإثمد ليتقه الصائم . قال أبو داود رحمه الله قال لي يحيى بن معين هذا خبر منكر . وقد اختلف الفقهاء رحمهم الله في الكحل للصائم : فذهب إلى منعه الإمام سفيان وإسحاق وأحمد رحمهم الله ولكنهم لم يذكروا دليلاً صحيحاً في هذا الباب والعين ليست منفذاً للمعدة ولذلك ذهب أكثر أهل العلم إلى أن الكحل لايفطر الصائم مطلقاً سواء اكتحل للحاجة أولغير حاجة وسواء اكتحل في صيام النفل أم بصيام الفرض وبهذا قال الإمام أحمد في رواية عنه، وهو مذهب عامة التابعين وأكابر العلماء فقد روى أبو داود في سننه عن الأعمش رضي الله عنه وهو أحد أئمة التابعين أنه قال : ( ما رأيت أحداً من أصحابنا يكره الكحل للصائم ) وهذا نقل لقول أكابر أهل العلم من التابعين ومن بعدهم ممن أدرك الأعمش بأنهم لايكرهون الكحل للصائم، والسبب في هذا أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بمنع الكحل شيء هذا أولاً . ثانياً : أن الأصل البراءة الأصلية والصيام من شرائع أهل الإسلام الظاهرة فلو كان الكحل مفطراً لبينه النبي صلى الله عليه وسلم بياناً عاماً يعلمه العام فضلاً من الخاص. ثالثاً : أن العين ليست منفذاً للمعدة كالأنف أما كون الإنسان إذا اكتحل يشعر بالطعم في الحلق فهذا لا يدل على أن العين منفذ للمعدة فلو أن امراءً وطأ بقدمه حنظلاً وتركه بقدمه لشعر بالطعم في حلقه وهل يدل هذا على أن وطأ الحنظل يفطر كلا فوجود الطعم بالحلق ليس مفطراً الذي يفطر هو الأكل والشرب ومايقوم مقامهما أما الكحل والطيب وما شابههما فلا تفطر الصائم لأنه لابد من دليل عن النبي صلى الله عليه وسلم والأصل البراءة الأصلية فلا يحق لنا أن نقول بأن هذا يفطر بدون دليل وليس هذا خاصاً بالكحل بل بكل مايمر بنا مما يذكره بعض الفقهاء مفطراً علينا أن نبحث عن الدليل وننظر في صحته أيضاً فربما كان الدليل ضعيفاً أوموضوعاً أوكانت الحجة غير مستقيمة . والخلاصة أن الكحل لايفطر مطلقاً والله أعلم . 625/ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قـال : قـال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من نسي وهو صائم ، فأكل أوشرب ، فليتم صومه ، فإنما أطعمه الله وسقاه ) . هـذا الخبر متفق عليه . قال الإمام البخاري رحمه الله حدثنا عبدان قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا هشام عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة به . وقال مسلم رحمه الله حدثنا عمرو بن محمد الناقد قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال حدثنا هشام عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة . قوله وللحاكم ورواه أيضاً ابن خزيمة في صحيحه وابن حبان في الصحيح أيضاً كلهم من طريق محمد بن عبدالله الأنصاري قال حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه به . وفي محمد بن عمرو كلام يسير فقد تكلم فيه بعض أهل الحديث من قبل حفظه وحديثه على الصحيح مقبول ومن قبل الأحاديث الحسنة مالم يخالف . قوله [ من نسي وهو صائم ، فأكل أوشرب ] . الحديث دليل على أنَّ الأكل والشرب في نهار رمضان نسياناً لايفطر وبهذا قال جمهور العلماء منهم أبو حنيفة والشافعي وأحمد خلافاً لمالك، وقد ألحق الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه الجماع بالأكل والشرب فمن جامع ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة يؤيد مذهب الإمام أحمد رواية [ من أفطر ناسياً ] فلفظة أفطر تشمل الأكل والشرب والجماع وسائر المفطرات وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقد قال تعالى : { رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} ( البقرة ) . وجاء في صحيح الإمام مسلم من حديث ابن عباس : قال الله تعالى : (قد فعلتٌ) فمن رحمة الله جل وعلا على عباده أن من أكل ناسياً أوشرب أوجامع أنه لاكفارة عليه ولاقضاء بل صومه صحيح لقوله صلى الله عليه وسلم (فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) . وهل يجب تنبيه من أكل أوشرب ناسياً . في هذه المسألة خلاف بين أهل العلم. فقـال بعض أهل العلم يجب تنبيهه لأن هذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والله يقول : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ } ( سورة المائدة ) . وفي صحيح الإمام مسلم من حديث أبي سعيداً مرفوعاً ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ) . وهذا الآكل أو الشارب ناسياً قد فعل منكراً بالنسبة لنا فلزم الإنكار عليه. وقال بعض أهل العلم إنه لايجب تنبيهه لأنك تعلم علم اليقين أنه أكل أوشرب نسياناً ولم يرتكب حينئذ منكراً وإنما أطعمه الله وسقاه أما إذا لـم تعلم صيامـه فلك حينئذ حـق الأنكار وهذا أظهر. 626/ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ، ومن استقاء فعليه القضاء ) . هذا الحديث رواه الخمسة وغيرهم من طريق عيسى بن يونس قال حدثنا هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة . وقد صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وذلك بعتبار أن رواته كلهم ثقات ولكنّ الخبر معلول ولايلزم من ثوثيق الرواة تصحيح الإنساد فقد أعله أكابر المحدثين منهم الإمام أحمد والبخاري والترمذي وقال الإمام الدارمي رحمه الله في سننه قال عيسى زعم أهل البصرة أن هشاماً وهم فيه وهذا قول أكثر المحدثين وقد ضعفه البخاري في صحيحه بما رواه معلقاً بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه موقوفاً أنه قال ( من قاء فلا فطر عليه إنما يخرج ولا يولج ) . فلو كان الخبر محفوظاً عند أبي هريرة لم يخالفه ولم يفت بخلافه والقاعدة عند أبي هريرة ( أن الفطر مما دخل لا مما خرج ) وقد ذكر البخاري في صحيحه معلقاً عن ابن عباس أنه قال ( الفطر مما دخل لا مما خرج ) وهذا مذهب عكرمة وسعيد وهو قول للمالكية فعلى هذا القول يصبح القيء غير مفطر سواء كان عمداً أوسهواً أونسياناً لأنه لم يثبت دليل عن النبي صلى الله عليه وسلم يبين أن القيء مفطر ولو كان القيء مفطراً لبينه النبي صلى الله عليه وسلم بياناً عاما يعلمه العام قبل الخاص لأن هذا الحكم مما تحتاجه الأمة . وقد ذكر بعض أهل العلم أن القيء عمداً يفطر بالإجماع وهذا ذهول من قائله فقد ذهب جمع من أكابر أهل العلم إلى أن القيء لايفطر مطلقاً منهم أبو هريرة وابن عباس وعكرمة وسعيد والبخاري وجمع من فقهاء المالكية وهو الصحيح . والقائلون بأن القيء مفطر يعتمدون على حديث الباب ويعتمدون على حديث (قاء فأفطر) وهذا الحديث فيه نظر فقد جاء بلفظ [ قاء فتوضأ ] ولو فرضنا صحته فهذا مجرد فعل لايدل على الإيجاب، وأما حديث الباب فهو ضعيف . وقالوا أيضاً بأن استفراغ الطعام من البدن ينهك الجسم ويضعفه فكان الفطر أولى فإن الحجامة لما كانت تضعف البدن وتنهكه صارت مفطرة وفي هذا نظر أيضاً فإن التعب ينهك البدن هل يكون مفطراً أما قضية الحجامة فقد سبق أنها لاتفطر الصائم كما هو قول أكثر العلماء من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم. 627/ وعن جابر بن عبدالله رضي الله تعالى عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح من مـاء فرفعه حتى نظر الناس إليه، فشرب، ثم قيل له بعد ذلك : إن بعض الناس قد صام . فقال : ( أولئك العصاة ، أولئك العصاة ) . حديث جابر رواه الإمام مسلم في صحيحه فقال : حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا عبدالوهاب ابن عبدالمجيد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبدالله. قوله وفي لفظ فقيل له : إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنما ينتظرون فيما فعلت . فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب . هذه الرواية رواها مسلم في صحيحه من طريق الدراوردي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر به ولكن ليس عند مسلم (فشرب) . والخبر رواه الشافعي والحميدي والترمذي والنسائي من طرق عن جعفر بن محمد به. قوله [ كراع الغميم ] . كراع بضم الكاف وفتح الراء وهو طرف الشيء، والغميم وادي بين مكة والمدينة يطل طرفه على البحر الأحمر . وهذا الحديث قد احتج به من يرى منع الصيام في السفر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد صام وصام معه أصحابه فلما بلغ كراع الغميم وذلك بعد العصر قيل له يارسول لله إن الناس قد شق عليهم الصيام فدعا بقدح ورفعه حتى ينظر الناس إليه ويقتدوا بفعله فشرب وشرب معه ثلة من أصحابـه فقيل له بعد هذا إن بعض الناس قد صام فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ ثم قال : ( أولئك العصاة أولئك العصاة) وفي هذا الاحتجاج نظر فإن هذا الخير لايدل على منع الصيام في السفر مطلقاً إنما يمنع من الصيام من يشق عليه وينهكـه وأما كـون النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أولئك العصاة .. ) فلأنهم لم يبادروا بالامتثال مع كون الصيام قد أرهقهم وأتعبهم ولذلك يصح الاحتجاج بهذا الخبر على جواز الصيام في السفر لمن لايشق عليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد صام إلى وقت العصر وصام معه أصحابه وقد جاء في مسلم من طريق قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (لستَّ عشرة مضت من رمضان فمنَّا من صام ومنا من أفطر فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم ) . وفي الحديث دليل أيضاً على أن من يشق عليه الصيام في السفر يجب عليه الفطر ويحرم حينئذ في حقه الصيام . وهل يصح الصيام مع الإثم أم لا الصحيح أن الصيام صحيح ويأثم بذلك . وفي الحديث دليل على رفق النبي صلى الله عليه وسلم بأمته ورحمته بهم وشفقته عليهم حيث أفطر صلى الله عليه وسلم بعد العصر لكون الصيام قد شق عليهم. 628/ وعن حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه أنه قال : يارسول الله، إني أجد فيّ قوة على الصيام في السفر . فهل علي جناح ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( هي رخصة من الله ، فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه ) . هذا الخبر رواه مسلم رحمة الله عليه قال حدثنا أبو الطاهر وهارون بن سعيد الأيلي قال حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن أبي الأسود عن عروة عن أبي مراوح عن حمزة بن عمرو الأسلمي ... الحديث . ورواه البخاري ومسلم من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنَّ حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي صلى الله عليه وسلم يارسول الله أأصوم في السفر وكان كثير الصيام فقال صلى الله عليه وسلم ( إن شئت فصم وإن شئت فأفطر ) . والحديث دليل على تخيير المسافر بين الصيام والفطر إلا أن الفطر أفضل لقوله صلى الله عليه وسلم ( هي رخصة فمن أخذ بها فحسن ) وهذا مذهب الإمام أحمد رحمه الله . ويستدل لهم أيضاً بحديث ابن عمر عند الإمام أحمد وصححه ابن خزيمة من طريق عمارة بن غزية عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته ) . وقد اختلف الفقهاء رحمهم الله في هذه المسألة على مذاهب كثيرة أذكر أهمها على وجه الاختصار . المذهب الأول : تحريم الصوم في السفر مطلقاً ومن صام فعليه القضاء . وهذا مذهب جماعة من أهل الظاهر لقول الله جل وعلا { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } ( البقرة ) . قالوا دلت هذه الآية على وجوب القضاء على المسافر ولم يذكر الله تعالى الإفطار بينما قدر جمهور العلماء الآية ( فمن كان منكم مريضاً أوعلى سفر فأفطر وسياق الآيات يدل على هذا أما أهل الظاهر فقالوا إن صام في السفر فعليه القضاء لأن الفطر يلزمه . واستدلوا أيضاً بحديث جابر السابق ( أولئك العصاة أولئك العصاة ) واستدلوا أيضاً بحديث جابر في الصحيحن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ليس من البر الصيام في السفر ) . المذهب الثاني : عكس هذا المذهب أن الصيام واجب في السفر فلا يجوز الفطر في السفر إلا عند المشقة . المذهب الثالث : تجويز الأمرين إلا أن الصيام أفضل من الفطر . وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وذكره ابن حجر في فتح الباري عن جمهور العلماء ورجحه . وقد استدل أصحاب هذه القول بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصوم في السفر وأن عبدالله بن رواحه كان يصوم في السفر وأن أنس بن مالك كان يصوم في السفر . واستدلوا أيضاً بحديث الباب . فلو كان الصيام في السفر مكروهاً أوخلاف الأولى لأرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك حمزة الأسلمي . المذهب الرابع : تجويز الأمرين إلا أن الفطر أفضل . وهذا مذهب الإمام أحمد رحمه الله وقد تقدم . المذهب الخامس : أن يفعل المسافر ماهو الأرفق به فإن كان الصيام أرفق به ولايشق عليه بل لو أفطر لشق عليه القضاء فيما بعد فالصيام حينئذ أرفق بحقه وإن كان الصيام يشق عليه أويضعفه عن بعض العبادات المهمة فالفطر في حقه أفضل. وهـذا مذهب أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز رحمه الله واختار هذا القول الإمام ابن المنذر رحمه الله . وهذا المذهب أعدل المذاهب وبه يحصل الجمع بين الأدلة . وأما إن كان الصيام يشق عليه وصام فهذا لايجوز وعليه ينزل حديث (ليس من البر الصيام في السفر) وحديث ( أولئك العصاة أولئك العصاة ) . وأما إذا لم يجد مشقه فعليه ينزل صيام النبي صلى الله عليه وسلم وصيام حمزة بن عمرو الأسلمي وصيام أنس وقد روى مسلم في صحيحه أيضاً من حديث أبي النظر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ( في غزوة في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر فلا يجد الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم ) . والسبب في هذا أنهم لايجدون مشقة في الصيام ولم ينكر عليهم صلى الله عليه وسلم فعلم جواز الصيام في السفر لمن لايشق عليه بل ربما يكون أفضل من الفطر على حسب التفصيل السابق . 629/ وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : رخص للشيخ الكبير (أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً ، ولا قضاء عليه ) . أثـر ابن عباس رواه الإمام الدارقطني والحـاكم من طريق خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس به . قال الدارقطني في سننه وهذا إسناد صحيح وقال الحاكم في المستدرك وهذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه . وقد روى الدارقطني وغيره من طريق سعيد وهشام عن قتادة أن أنس بن مالك حين كبر أفطر وأمر أهله أن يطعموا عن كل يوم مسكينا . قال هشام في حديثه : فأطعم ثلاثين مسكيناً وروى أبو عبيد في الناسخ عن عبدالله بن صالح عن الليث عن يحيى بن سعيد في ذلك قال : يطعم كل يوم مُدّاً من حنطة قال قال ذلك أبو بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم عن أشياخ الأنصار قال أبو صالح وهو قول الليث قال أبو عبيد وكذلك قول مالك حدثنيه عنه ابن بكير وابن أبي مريم وقد يلحق بهؤلاء أهل العطاش الذين يخاف عليهم منه الموت . وفي صحيح البخاري من حديث عمرو بن دينار عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقرأ { وعلى الذين يُطوّقونه فدية طعام مسكين } قال ليست بمنسوخه إنما هي في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لايستطيعان أن يصوما فيطعمان عن كل يوم مسكيناً". فالكبير الذي لا يستطيع الصوم وفي حكمه المريض الذي لا يُرجئ برؤه يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكيناً ولو أطعم ثلاثين مسكيناً في جفنة أجزأ وقد فعله أنس رضي الله عنه رواه الدارقطني . وقد ذكر ابن القيم رحمه الله وغيره أنه لايصار إلى الإطعام إلا عند اليأس من القضاء، وأما المريض الذي يُرجى برؤه فلا فدية عليه فإذا قدر على الصوم لزمه وجوباً لقوله تعالى : { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } بقيت مسألة مهمة وهي أنه ثبت عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما أنهما قالا في المرضع والحامل يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكيناً ولا قضاء عليهما رواه الدارقطني وصححه فظاهر هذا يخالف ظاهر قول الله تعالى { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } والجواب أن العلماء رحمهم الله مختلفون في قضية القضاء في حق الحامل والمرضع فذهب الأئمة الأربعة إلى أنهما يقضيان الحاقاً لهما بالمسافر والمريض فقد دلت الآية السابقة على وجوب القضاء على المريض والمسافر وهذا مما أجمع عليه أهل العلم رحمهم الله ولكن اختلفوا في الحامل والمرضع فألحقهما الأئمة الأربعة بالمريض والمسافر فهم بمنزلة واحدة والصيام فرض على الجميع فلا يسقط إلا عن الذي لايطيق فحينئذٍ يعدل إلى الفدية وماثبت عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما أنهما قالا لا قضاء عليهما يمكن أن يكون اجتهاداً منهما ويمكن أن يكون عن أمر توقيفي لأن ابن عباس فسر آية البقرة بالشيخ الكبير والمرأة الكبيرة فكأنه رحمه الله يرى خصوصيتها بالمريض والمسافر ولا يبعد أن يقال لامجال للاجتهاد في هذه القضية وكيف يتفق صحابيان فقيهان على هذا الأمر إلا عن أمر توقيفي، وقول الجمهور أحوط فالأولى للحامل والمرضع إذا أفطرتا أن تقضيا لأن الصيام فرض ثلاثين يوماً أوتسعاً وعشرين فيجب أداء هذا بيقين فلا يترك لأمر مظنون وأما الإطعام فلا يجب على القول الراجح إذا قضتا وإنما يلزم عند عدم القضاء . 630/ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( هلكت يارسول الله . قال : وما أهلكك ؟ قال وقعت على امرأتي في رمضان . فقال : هل تجد ما تعتق رقبة ؟ قال : لا . قال : فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال : لا قال : فهل تجد ماتطعم ستين مسكيناً ؟ قال : لا ، ثم جلس ، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر فقال (تصدق بهذا) فقال : أعلى أفقر منا ؟ فما بين لا بتيها أهل بيت أحوج إليه منا ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه . ثم قال : (اذهب فأطعمه أهلك ) . هذا الحديث متفق على صحته . قال الإمام البخاري رحمه الله حدثنا أبو اليمان قال حدثنا شعيب عن الزهري عن حميد بن عبدالرحمن عن أبي هريرة به . وقال الإمام مسلم رحمه الله حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر ابن أبي شيبة وزهير بن حرب وابن نمير كلهم عن ابن عيينة . قال يحيى أخبارنا سفيان ابن عيينة عن الزهري به . والحديث رواه عن الزهري جمع كثير يتجاوزون أربعين نفساً كما أشار إلى هذا ابن القيم رحمه الله في تهذيب السنن كلهم رواه عن الزهري عن حميد بن عبدالرحمن بنحو ماذكر . خالفهم هشام بن سعد كما عند أبي داود فرواه عن الزهري عن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن أبي هريرة وزاد ( وصم يوماً ) أي مكان ما أفطرت وهذه الزيادة طعن فيها أكابر الحفاظ وهو الحق فلا يرتاب طالب علم فضلاً عن عالم بشذوذها ونكارتها فأصحاب الزهري الكبار منهم مالك وابن عيينة وابن جريج وشعيب ومعمر والليث وعقيل بن خالد هؤلاء حفاظ الحديث يروون هذا الخبر عن الزهري بدون ماذكره هشام بن سعد ولو كان ابن سعد ثقة لحكم على الرواية بالنكاره فكيف وهو سيء الحفظ أيضاً فقد طعن فيه الإمام أحمد وجماعة من الحفاظ، وقد تابعه على هذه الرواية مـن لايعتد به . قوله [ هلكت ] . احتج بهذه الرواية جماعة من أهل العلم على أنه كان متعمد الجماع وهذا قول جماهير العلماء، وقد ذهب أحمد في رواية وبعض المالكية إلى أن الكفارة الموجودة بهذا الخبر لازمة للعامد وغيره وفي هذا نظر لأن في الحديث قرائن تدل على أنه متعمد وأما الناسي أو الجاهل فالحق أنه لا كفارة عليه كما هو قول الجمهور واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهذا اختيار الحافظ ابن حجر قال ابن القيم لأن الجماع كما سبق بمنزلة الأكل والشرب نسياناً فمن شرب أو أكل ناسياً فلا قضاء ولا كفارة عليه كما سبق تقريره . قوله [ وقعت على أهلي ] . هذا الوقاع وقع في رمضان ولا تلزم الكفارة إلا لمن واقع في رمضان خاصة فلو أن أمرأ واقع في قضاء رمضان فلا تلزمه كفارة وكذلك لو واقع في صيام نفل أو نذر أوغير ذلك فلا تلزم الكفارة إلا لمن واقع في نهار رمضان وذلك لحرمة الشهر ويشترط في إيجاب الكفارة أن يطأ في الفرج ولو وطأ عن طريق الزنا أعاذنا الله وإياكم من ذلك لوجبت عليه الكفارة أيضاً . قوله [ هل تجد ماتعتق رقبة ؟ ] . هذه الكفارة على الترتيب عند أكثر أهل العلم وهو اختيار ابن القيم رحمه الله وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنها على التخيير، والقول الأول أظهر . وقد قال أبو حنيفة رحمه الله على قوله صلى الله عليه وسلم ( هل تجد ماتعتق رقبة ) أنه لايشترط الإيمان في هذه الرقبة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل مؤمنة فلما أطلق استفيد من اطلاقه العموم . وخالفه في ذلك الجمهور فقالوا لاتجزئ إلا المؤمنة واختار هذا ابن القيم رحمه الله، وقد الحق الجمهور رقبة المجامع في رمضان ورقبة المظاهر برقبة القاتل وهذا مبني على قاعدة حمل المطلق على المقيد . والصحيح في هذه القضية أن المطلق لايحمل على المقيد إلا مع اتحاد الحكم والسبب وإلى هذا أشار في المراقي فقال : وحمل مطلق على ذاك وجب إن فيهما اتحد حكم والسبب في هذا دليل على أنّ من لم يستطع عتق الرقبة لزمه شيء آخر ألا وهو الصيام فيصوم شهرين متتابعين لا يفطر بينهما إلا لعذر كمرض وغيره فإن أفطر لغير عذر لزمه الإعادة من جديد عند أكثر أهل العلم كما هو قول الحنابلة والشافعية والمالكية وقد ذكره بعض أهل العلم إجماعاً . قوله : [ قال : لا ] . أي لا استطيع أن أصوم شهرين متتابعين وفي رواية ( وهل فعل بي مافعل إلا الصيام ) ظاهر هذه الرواية أن هذا الرجل فيه شبق وهو من لايستطيع ملاك شهوته. فقال النبي صلى الله عليه وسلم هل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً حين عجز عن العتق وعن الصيام انتقل معه صلى الله عليه وسلم إلى الإطعام فقال الرجل : لا أي لا استطيع ظاهرُ هذا أن الرجل كان فقيراً وظاهر الحديث أن الكفارة على الترتيب وليست على التخيير ففي هذا المقطع فوائد منها : والحديث ساكت عن حكم المرأة فقيل إنها مكرهة وقيل لا كفارة عليها أصلاً كما هو مروي عن الأوزاعي وجماعة وفي هذا نظر فقد سكت الحديث عن حكمها لأنها لم تسأل والحكم متعلق بالسائل لتبين الحق في هذه القضية أن المرأة كالرجل إذا علم أنها عالمة بالحكم ولم يكرهها فعليها الكفارة ككفارة الرجل لأن النساء شقائق الرجال إلا بدليل وهذا قول الإمام أحمد والشافعي ومالك وأكثر العلماء وهو الحق . ومن فوائد الحديث أيضاً سقوط الكفارة عمن لم يستطع وهل تتعلق بذمته قال بهذا بعض أهل العلم والحق أنها تسقط مطلقاً إذا لم يجد في الحال لأن النبي صلى الله عليه وسلم أسقطها ولم يبين له أنها متعلقة بذمته وتأخير البيان عن وقت الحاجة لايجوز . قوله : [ فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر ] . العَرَق هو المكتل الواسع فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خذ هذا وتصدق به فقال : أعلى أفقر منا ؟ في هذا دليل على جواز الإخبار عن حالته فلا مانع من كون الإنسان يخبر عن حالته أنه فقير إذ لو كان القول غلطاً أومنكراً لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم وتأخير البيان عن وقت الحاجة لايجوز . قوله [ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا ] . وفي رواية فوالله مابين إلخ فيه دليل على جواز الحلف بدون استحلاف لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقره على حلفه بل ضحك النبي صلى الله عليه وسلم وفيه حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم . وفيه جواز الضحك بمثل هذه الأمور . قوله [ ثم قال : اذهب فأطعمه أهلك ] . استشكل هذا بعض الفقهاء فقالوا كيف يأمره الرسول صلى الله عليه وسلم يطعم أهله وهو كفارة واجبه فقال بعض أهل العلم هذا دليل على أن الكفارة مستحبة إذ لو كانت واجبة ما أمره بأن يطعم أهله وفي هذا القول نظرٌ بين . وقالت طائفة أخرى إن هذا العرق من التمر ليس كفارة عنه إنما هي صدقة وقالت طائفة ثالثة لامانع من الأكل من الكفارات الواجبه إنما يمنع المرء بما خصه الدليل وإلا فالأصل أن المرء يأكل من كفارته، وقيل غير ذلك . والحق في القضية أن الرجل لما كان فقيراً أذن له النبي صلى الله عليه وسلم بأكل هذه الكفارة . وقد قال بعض أهل العلم إنه خاص بهذا الرجل والحق العموم فمن اتصف بمثل وصف هذا الرجل فلا مانع أن يأكل من هذه الكفارة بشرط أن يكون قد أُعطى هذه الكفارة أما إذا كان يخرجها من ماله فلا يأكل منها بل يوصلها إلى مستحقيها . وفي الحديث أيضاً فوائد أخرى كثيرة ويظهر من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سكت عن قضية القضاء وقد بينت فيما تقدم أن رواية الأمر بالقضاء منكرة وقد اختلف الفقهاء في هذه القضية فذهب الأئمة الأربعة إلى وجوب القضاء لقول الله { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } وأنه لا يصدق على هذا الرجل أنه صام شهراً إلا بقضاء ما أفطر فيه . وذهب ابن حزم إلى عدم لزوم القضاء فمن أفطر متعمداً فلا قضاء عليه وهذا من باب التغليظ والزجر وليس من باب التخفيف وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقد رد هذا القول الإمام ابن عبدالبر رحمه الله وجعله من الأقوال الشاذة وانتصر لوجوب القضاء وهذا أحوط والعلم عند الله . 631/ وعن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم (كان يصبح جنباً من جماع، ثم يغتسل ويصوم) . هذا الحديث رواه البخاري في صحيحه فقال : حدثنا أبو اليمان قال أخبرنا شعيب ابن أبي حمزة عن الزهري عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث عن أبيه عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما . وقال مسلم رحمه الله حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك عن عبد ربه بن سعيد عن أبي بكر بن عبدالرحمن عن عائشة وأم سلمة . ولم يذكر في هذا الإسناد عن أبيه ورواه مسلم أيضاً من طريق الزهري عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث عن أبيه . والحديث يدل على صحة صيام من أصبح جنباً ولو لم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر فليس هناك ارتباط بين الغسل قبل طلوع الفجر وبين الصيام وبمنزلة الجنب الحائض إذا طهرت قبل طلوع الفجر يصح صومها ولو لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر وكذلك النفساء وأنها بمنزلة الحائض والجنب، وهذه المسألة وقع بها خلاف في صدر الأمة الأول وذلك أن أبا هريرة رضي الله عنه يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا أصبح أحدكم جنباً فلا يصم يومه ) رواه الإمام أحمد وغيره وبه قال الشعبي وطائفة ق |